تُعدّ سوريا جزءاً محورياً من الهلال الخصيب، تلك المنطقة التي شهدت ميلاد الزراعة في تاريخ البشرية قبل أكثر من عشرة آلاف عام. وقد ظلّ القطاع الزراعي عماداً أساسياً للاقتصاد السوري عبر العصور، إذ وفّر الغذاء لملايين السكان وشغّل ربع القوى العاملة، قبل أن تُلحق الثورة السورية والجفاف الكارثي أضراراً بالغة بهذا القطاع الحيوي.
تعود جذور الزراعة في سوريا إلى العصر الحجري الحديث (النيوليتي)، حيث تُعدّ منطقة تل أبو هريرة على ضفاف نهر الفرات من أقدم المواقع الزراعية المعروفة في العالم. وقد أثبتت الحفريات الأثرية أن سكان هذا الموقع بدأوا بزراعة الحبوب البرية وتدجين الحيوانات منذ الألفية التاسعة قبل الميلاد. كما تُشير الأدلة الأثرية في إيبلا وأوغاريت وماري إلى أن الحضارات السورية القديمة طوّرت أنظمة زراعية متقدمة شملت إدارة المياه وتخزين المحاصيل والتجارة الزراعية الدولية.
في العصر الإسلامي، ازدهرت الزراعة السورية ازدهاراً ملحوظاً بفضل الحضارة الإسلامية التي طوّرت أنظمة ريّ متطورة، بما فيها النواعير الشهيرة على نهر العاصي في حماة، والتي لا تزال شاهدة على الإبداع الهندسي الزراعي. وأسهمت القنوات المائية والسدود والسواقي في توسيع رقعة الأراضي المزروعة بشكل كبير.
خلال فترة الانتداب الفرنسي (1920–1946)، أُدخلت تقنيات زراعية حديثة إلى سوريا، غير أن السياسات الاستعمارية ركّزت على المحاصيل التصديرية — كالقطن والتبغ — على حساب الأمن الغذائي المحلي. وبعد الاستقلال عام 1946، اتجهت الحكومات السورية المتعاقبة نحو الإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي على الفلاحين، وتم تأميم مساحات واسعة من الأراضي الإقطاعية الكبيرة بموجب قوانين الإصلاح الزراعي في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين.
شكّل القطاع الزراعي نسبة 27.4% من الناتج المحلي الإجمالي لسوريا عام 1999 وفقاً لبيانات البنك الدولي، مما يعكس الدور المحوري للزراعة في الاقتصاد الوطني. وقد شغّل هذا القطاع نحو ربع القوى العاملة السورية البالغة حوالي 5.5 مليون عامل. وأسهمت المنتجات الزراعية بنسبة كبيرة في الصادرات السورية، إذ شكّلت المنتجات الزراعية التصديرية الرئيسية خلال الفترة 2000-2010 ثلاث سلع أساسية هي: القطن الخام، والأغنام الحية، وزيت الزيتون.
وقد تحوّلت سوريا من دولة مستوردة للعديد من المنتجات الزراعية إلى دولة مُصدِّرة للقطن والفواكه والخضروات وغيرها من المحاصيل. كما حققت البلاد الاكتفاء الذاتي من القمح في منتصف التسعينيات، وصارت تُنتج فائضاً قابلاً للتصدير في معظم السنوات، باستثناء عامَي 1999 و2000 حين تأثر الإنتاج بالجفاف الشديد.
تتوزع الأراضي الزراعية في سوريا على عدة أقاليم بيئية متمايزة، لكلّ منها خصائصه المناخية والتضاريسية التي تحدد نوعية المحاصيل المزروعة فيه.
تُمثّل الجزيرة السورية (محافظتا الحسكة والأجزاء الشمالية من الرقة) أكبر منطقة زراعية في البلاد من حيث المساحة، وتُوصف بأنها «سلّة غذاء سوريا». كانت المنطقة قبل عام 2011 تُنتج أكثر من نصف إنتاج القمح الوطني، ونحو ثلثي إنتاج القطن، فضلاً عن الشعير والذرة والبقوليات. وتستفيد الجزيرة من مياه نهري الخابور والفرات وروافدهما، إضافة إلى هطول الأمطار الكافي في أجزائها الشمالية. كما تضم المنطقة ثروة حيوانية واسعة من الأغنام والماشية.
يقع سهل الغاب في محافظة حماة على امتداد نهر العاصي، ويُعدّ من أخصب المناطق الزراعية في سوريا. بعد تنفيذ مشروع تجفيف مستنقعاته الضخم في خمسينيات القرن العشرين — والذي يُعدّ من أكبر المشاريع الهندسية في تاريخ سوريا — تحوّل السهل إلى سلة غذائية رئيسية تُنتج القمح والقطن والشمندر السكري والخضروات. تبلغ مساحة السهل نحو 60,000 هكتار، وتُروى أراضيه بشبكة متطورة من القنوات المتفرعة عن نهر العاصي.
يمتد سهل حوران في جنوب سوريا عبر محافظتَي درعا والسويداء، ويُعدّ من أهم مناطق زراعة الحبوب في البلاد، خاصة القمح والشعير. تتميز المنطقة بتربتها البركانية الخصبة الناتجة عن حمم جبل العرب البازلتية، وتعتمد الزراعة فيها بشكل رئيسي على الأمطار الموسمية (الزراعة البعلية)، إذ يتراوح المعدل السنوي للهطول بين 250 و350 ملم.
تتميز المنطقة الساحلية في محافظتَي اللاذقية وطرطوس بمناخها المتوسطي الرطب الملائم لزراعة الحمضيات والزيتون والتبغ والخضروات. وتستفيد المنطقة من هطول مطري سنوي يتجاوز 800 ملم، مما يُتيح زراعة متنوعة تشمل أيضاً الفواكه المتوسطية كالتين والرمان والتفاح.
تمتد الأراضي الزراعية في حوض الفرات الأوسط عبر محافظتَي الرقة ودير الزور، وتعتمد بشكل كامل على الري النهري. تشتهر المنطقة بزراعة القمح والقطن، فضلاً عن بساتين النخيل في دير الزور التي تُنتج تمر الخستاوي الشهير.
اعتمدت سوريا قبل الحرب على مجموعة من المحاصيل الاستراتيجية التي حدّدتها الخطط الزراعية الحكومية:
| المحصول | مناطق الزراعة الرئيسية | ملاحظات |
|---|---|---|
| القمح | الجزيرة، حوران، سهل الغاب | بلغ إنتاجه 5.1 مليون طن عام 2001 |
| الشعير | المناطق شبه الجافة، البادية | محصول أعلاف رئيسي |
| القطن | الجزيرة، حوض الفرات | محصول تصديري، انخفض بنسبة 93% بحلول 2016 |
| الزيتون | إدلب، حلب، الساحل | عشرات الملايين من الأشجار |
| الحمضيات | اللاذقية، طرطوس | مناخ متوسطي مثالي |
| الشمندر السكري | سهل الغاب، حمص | لصناعة السكر المحلية |
| التبغ | المناطق الساحلية والجبلية | تقليد عثماني قديم |
تحتل سوريا مكانة بارزة عالمياً في إنتاج زيت الزيتون، إذ كانت تُصنَّف ضمن أكبر خمس دول منتجة للزيتون في العالم قبل الحرب. تنتشر أشجار الزيتون بشكل رئيسي في محافظات إدلب وحلب والساحل، ويُقدّر عددها بعشرات الملايين. ويشتهر زيت عفرين في ريف حلب الشمالي بجودته العالية ونكهته المميزة، ويُعدّ من أفضل أنواع زيت الزيتون في منطقة الشرق الأوسط. وقد سجّل إنتاج الزيتون أعلى انخفاض له بنسبة 64.18% عام 2014 مقارنة بما قبل الحرب، وفقاً لبيانات منظمة الفاو.
تُشكّل تربية المواشي ركناً مهماً في القطاع الزراعي السوري، خاصة في المناطق الشرقية والبادية. وتشمل الثروة الحيوانية:
وقد شكّلت البادية السورية مرعى تقليدياً لقبائل البدو التي تربي الإبل والأغنام وفق نمط الترحال الموسمي بين المراعي الشتوية والصيفية.
يُعدّ سد الطبقة أكبر مشروع ري وطاقة كهرومائية في تاريخ سوريا. أُنشئ على نهر الفرات بمساعدة الاتحاد السوفيتي وافتُتح عام 1973. يبلغ طول السد 4.5 كيلومتر وارتفاعه 60 متراً، وتشكّلت خلفه بحيرة الأسد (بحيرة الطبقة) التي تُعدّ أكبر مسطح مائي اصطناعي في سوريا بمساحة تتجاوز 600 كيلومتر مربع. وقد خُطِّط للسد لري نحو 640,000 هكتار من الأراضي الزراعية، إلا أن المساحة الفعلية المرويّة بقيت دون ذلك الهدف.
يُوفّر نهر الفرات وحده نحو 85% من المياه السطحية في سوريا، مما يجعله شريان الحياة الرئيسي للزراعة المروية. وتُسهم سدود أصغر على نهر العاصي والخابور في ري مساحات إضافية في وسط البلاد وشرقها.
يُعدّ مشروع استصلاح سهل الغاب وتجفيف مستنقعاته من أهم المشاريع الزراعية في تاريخ سوريا المعاصر. نُفّذ المشروع في خمسينيات القرن العشرين، وحوّل ما كان مستنقعاً موبوءاً بالملاريا إلى سهل زراعي خصب ينتج محاصيل عديدة.
أُنشئ المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ICARDA) عام 1977 بمقره في تل حدية جنوب حلب، ليصبح أحد أهم مراكز البحث الزراعي الدولي في العالم. ركّز المركز على تطوير أصناف محسَّنة من القمح والشعير والعدس والحمّص والفول المقاومة للجفاف والأمراض، وأسهم في تحسين الإنتاجية الزراعية في سوريا والمنطقة العربية والعالم الجاف بأكمله.
وقد احتفظ المركز ببنك جيني يضم أكثر من 150,000 عيّنة من بذور المحاصيل والنباتات البرية، يُمثّل واحداً من أغنى مجموعات التنوع البيولوجي الزراعي في العالم. اضطُرّ المركز إلى نقل مقرّه من سوريا إلى بيروت عام 2012 بسبب الحرب، لكنه تمكّن من إنقاذ معظم مجموعاته الجينية بفضل نسخ احتياطية كانت مُخزَّنة في قبو البذور العالمي في سفالبارد بالنرويج.
بدءاً من شتاء 2006/2007، تعرّضت سوريا لأسوأ جفاف في تاريخها المُسجَّل، استمرّ ثلاث سنوات متتالية. وقد وصفته الدراسات العلمية — ومنها دراسة نشرتها مجلة PNAS عام 2015 — بأنه «أشد موجة جفاف وأخطر سلسلة إخفاقات زراعية منذ أن بدأت الحضارات الزراعية في الهلال الخصيب قبل آلاف السنين».
أشارت الدراسة المنشورة في PNAS إلى أن تراجع معدلات الهطول في سوريا يمزج بين التقلّب المناخي الطبيعي واتجاه جفاف طويل الأمد مرتبط بارتفاع غازات الاحتباس الحراري. وقد ارتفع متوسط ضغط سطح البحر في شرق المتوسط — وهو المؤشر المرتبط بانخفاض الأمطار — بشكل ملحوظ في العقود الأخيرة. ورغم الجدل العلمي حول مدى الربط المباشر بين الجفاف واندلاع الثورة السورية، فإن الهجرة الريفية الواسعة أسهمت في زيادة الضغط الاجتماعي والاقتصادي على أطراف المدن.
ألحقت الثورة السورية أضراراً كارثية بالقطاع الزراعي، فاقمت آثار الجفاف السابق وحوّلت سوريا من دولة مُصدِّرة للغذاء إلى دولة تعاني من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
قدّرت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إجمالي الخسائر الزراعية بنحو 16 مليار دولار أمريكي، منها أكثر من 3 مليارات دولار أضرار مباشرة في الأصول الزراعية — من معدات ومزارع وبيوت بلاستيكية وأنظمة ري.
أظهرت البيانات تراجعاً حاداً في إنتاج المحاصيل الرئيسية:
أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى أن 12.1 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي في سوريا نتيجة تدمير البنية التحتية الزراعية والنزوح الجماعي للمزارعين. وتضررت شبكات الري وآبار المياه والصوامع وخطوط النقل، كما أدى ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والعقوبات الاقتصادية إلى تراجع حاد في الإنتاج.
أدى وقوع معظم أراضي الجزيرة السورية — خزّان سوريا النفطي والزراعي — تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، إلى فقدان الحكومة المركزية السيطرة على أغنى المناطق الزراعية في البلاد، مما فاقم أزمة الأمن الغذائي.
بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، برزت الزراعة بوصفها أحد أولويات إعادة الإعمار. وتشير التقديرات إلى أن إعادة تأهيل القطاع الزراعي تحتاج إلى استثمارات تُقدَّر بنحو 16 مليار دولار، تشمل:
وتُعدّ استعادة السيطرة على سدَّي الفرات وتشرين خطوة محورية في هذا المسار، إذ يُسهم تأمين بحيرة الطبقة في استقرار مخزون مياه الري والحدّ من مخاطر الانقطاعات خلال الموسم الزراعي.