درعا مدينةٌ سوريةٌ عريقة تقع في أقصى جنوب البلاد على بُعد نحو 101 كيلومتر جنوبيّ العاصمة دمشق، وتُعَدُّ المركز الإداري لمحافظة درعا التي تمتدّ على مساحة 3,730 كيلومتراً مربّعاً عند الحدود الأردنية. تتربّع المدينة في قلب سهل حوران البازلتي الخصيب الذي عُرف تاريخياً بـ«إهراء روما» لغزارة محاصيله من القمح، وقد شهدت حِقَباً حضارية متعاقبة منذ العصر البرونزي حين حملت اسم «إدرعي» عاصمةَ مملكة باشان في النصوص التوراتية، مروراً بالعصور النبطية والرومانية والإسلامية، وصولاً إلى دورها المحوري بوصفها محطةً رئيسية على سكة حديد الحجاز العثمانية. غير أنّ درعا اكتسبت شهرتها المعاصرة الأبرز حين صارت «مهد الثورة السورية» في آذار/مارس 2011، إذ انطلقت منها أولى الاحتجاجات الشعبية ضدّ نظام الأسد إثر اعتقال مجموعة من الأطفال وتعذيبهم بسبب كتابتهم شعارات مناهضة للنظام على جدران مدرستهم.
تنتمي درعا جغرافياً إلى إقليم حوران (الحوران)، وهو سهلٌ بركاني بازلتي واسع يمتدّ على مساحة تقارب 14,000 كيلومتر مربّع عبر جنوب غرب سوريا وشمال الأردن. يحدّه من الشمال غوطة دمشق، ومن الشرق والجنوب حرّة الشام (أحد أكبر حقول الحمم البازلتية في المنطقة)، ومن الغرب مرتفعات الجولان. يتكوّن الإقليم من ثلاث مناطق جغرافية فرعية: سهل النقرة وسهل الجيدور الزراعيان الخصبان، وجبل الدروز (جبل العرب) جنوب شرقاً حيث تقع مدينة السويداء، وحقل اللجاة البركاني الوعر شمال شرقاً.
ترتفع المدينة نحو 500-550 متراً فوق سطح البحر، وتتمتّع بمناخ شبه جافّ يبلغ فيه معدّل الهطول السنوي نحو 300 ميليمتر، وإن كانت موجات الجفاف الأخيرة قد أدّت إلى انخفاض حادّ في الهطول بلغ نحو 151 ميليمتراً عام 2024 في أشدّ موجة جفاف شهدتها المنطقة منذ ستين عاماً. وتتميّز التربة البازلتية في حوران بخصوبة استثنائية جعلت من السهل سلّة غذائية رئيسية عبر التاريخ.
تتمتّع درعا بموقع استراتيجي بالغ الأهمية، إذ تقع على بُعد 3 كيلومترات فقط شمال معبر نصيب الحدودي مع الأردن — أهمّ المعابر البرّية السورية — وعلى طريق دمشق-عمّان الدولي السريع. وقد وصف أحد قادة الجيش السوري الحرّ موقعها بقوله: «درعا هي بوّابة دمشق، ومعركة دمشق تبدأ من هنا»، وهو ما تأكّد فعلاً في كانون الأول/ديسمبر 2024 حين انطلق التحرير من الجنوب نحو العاصمة.
تتألّف المدينة من قسمين رئيسيين متمايزين: درعا البلد وهي المدينة القديمة التي تضمّ النواة التاريخية بمعالمها الأثرية كالمسجد العمري والمسرح الروماني وأسواقها العتيقة، وقد كانت البؤرة الرئيسية للاحتجاجات عام 2011 ولاحقاً مسرحاً للمواجهات العنيفة والحصار. أمّا درعا المحطّة فهي الحيّ الحديث الذي نشأ حول محطة سكة حديد الحجاز العثمانية مطلع القرن العشرين، وباتت تضمّ المؤسسات الحكومية والمرافق العامة والأحياء السكنية الأحدث.
تعود جذور الاستيطان البشري في موقع درعا إلى آلاف السنين. فقد كشفت حفريات أجرتها المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية عام 2002 عن بقايا غرف ومساكن ذات أفنية وممرّات يُرجَّح أنّها تعود إلى العصر الحجري بين الألفية السادسة والرابعة قبل الميلاد. وتُعَدُّ أنقاض إدرعي الأثرية من أوسع الآثار في حوران إذ يبلغ محيطها نحو خمسة كيلومترات، وتتضمّن منشآت تحت أرضية معقّدة كشبكة واسعة من الكهوف والمساكن المحفورة في الصخر البازلتي.
يعود أقدم ذكر مكتوب للمدينة إلى رسائل تلّ العمارنة المصرية (القرن الرابع عشر قبل الميلاد)، المُكتشَفة في مصر عام 1882، حيث وردت باسم «أثراء» ضمن قوائم المدن التي خضعت لنفوذ الفرعون تحتمس الثالث (حكم 1490-1436 ق.م.). وفي النصوص التوراتية، تُذكَر المدينة باسم «إدرعي» (بالعبرية: אֶדְרֶעִי) بوصفها عاصمة مملكة باشان التي حكمها الملك عوج، وتروي أسفار العهد القديم (سفر العدد 21:33، سفر التثنية 1:4 و3:1) أنّ جيش موسى هزم عوج ملك باشان في معركة عند إدرعي. وبحسب التقاليد اليهودية القديمة، دُفن ألداد وميداد في إدرعي.
في الفترة الممتدّة بين القرن الرابع والقرن الأول قبل الميلاد، خضعت المنطقة لنفوذ مملكة الأنباط التي جعلت من المدينة — المعروفة آنذاك باسم «أدراء» (بالإغريقية: Ἀδράα) — محطّةً مهمّة على طرق القوافل التجارية الرابطة بين شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام. وقد ازدهرت في جوارها مدينة بُصرى التي باتت لاحقاً عاصمة الولاية الرومانية.
في عام 106 ميلادي، ضمّ الإمبراطور تراجان المنطقة رسمياً إلى الإمبراطورية الرومانية ضمن ولاية العربية البترائية (Provincia Arabia Petraea) التي اتّخذت من بُصرى — الواقعة على بُعد نحو 40 كيلومتراً شرقيّ درعا — عاصمةً لها. وقد ظهرت أدراء في قائمة المدن التي أوردها الجغرافي بطليموس في القرن الثاني الميلادي ضمن توسيع لمفهوم مدن «الديكابوليس» (حلف المدن العشر)، وإن لم تكن من الأعضاء الأصليين في القائمة الكلاسيكية التي ذكرها بلينيوس الأكبر. وقد شهدت المدينة في تلك الحقبة تطوّراً عمرانياً لافتاً تشهد عليه أطلال المسرح الروماني وبقايا البنية التحتية من طرق وقنوات مياه، فضلاً عن سكّ عملات تحمل اسم أدراء.
في القرنين الثالث والرابع الميلاديين، تحوّلت أدراء إلى مركز مسيحي مهمّ، وأُقيمت فيها أبرشية (إيبارشية) خاصّة بها، وقد حضر أسقف أدراء مجمع سلوقية ومجمع خلقيدونية المسكوني عام 451 ميلادي.
تقع منطقة درعا على مقربة من أحد أهمّ ميادين المعارك في التاريخ الإسلامي: معركة اليرموك الفاصلة التي دارت رحاها بين 15 و20 آب/أغسطس 636 ميلادي على ضفاف نهر اليرموك جنوب شرقيّ بحيرة طبريا، عند الحدود الحالية بين سوريا والأردن. وقد قاد الجيش الإسلامي القائد خالد بن الوليد ضدّ جيش الإمبراطورية البيزنطية بقيادة ڤاهان الأرمني، وانتهت المعركة بنصر إسلامي حاسم أنهى فعلياً الحكم البيزنطي في بلاد الشام وفتح الطريق أمام الفتوحات الإسلامية الكبرى التي أعادت رسم الخريطة الجيوسياسية والدينية لأوراسيا.
في أعقاب الفتح الإسلامي، شُيِّد المسجد العمري في درعا البلد في عهد الخليفة عمر بن الخطّاب (حكم 634-644 م)، أي في الفترة بين عامَي 636 و637 ميلادي، وهو من أقدم المساجد في بلاد الشام. وقد ظلّ هذا المسجد العريق شاهداً حيّاً على تلك الحقبة التأسيسية حتى تعرّض لأضرار جسيمة خلال أحداث 2011-2018.
في ظلّ الحكمين الأموي (661-750 م) والعبّاسي (750-1258 م)، احتفظت منطقة حوران بأهميتها الاقتصادية بوصفها مصدراً رئيسياً لإمداد دمشق — عاصمة الخلافة الأموية — بالحبوب والمنتجات الزراعية. وقد استفاد الإقليم من قربه من مركز السلطة ومن شبكة الطرق التجارية الرابطة بين دمشق والحجاز ومصر.
في عهد الأيوبيين (1171-1260 م) والمماليك (1250-1517 م)، حافظت درعا ومحيطها على مكانتها الإقليمية، وازدهرت مدينة بُصرى المجاورة بوصفها محطّةً مهمّة على درب الحجّ الشامي المتّجه من دمشق إلى مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة. وقد شهدت المنطقة خلال تلك الحقبة بناء القلاع والخانات والمرافق الخدمية على طول طرق الحجّ والقوافل التجارية.
دخلت درعا وسائر بلاد الشام تحت الحكم العثماني عام 1516 بعد معركة مرج دابق، وأُلحقت ضمن سنجق حوران التابع لولاية دمشق. وقد ظلّت المنطقة على مدى قرون منطقةً زراعية هادئة نسبياً، إلى أن شهدت منتصف القرن التاسع عشر نهضة اقتصادية مع تزايد الطلب على حبوب حوران من أسواق دمشق وأوروبا.
شكّل مشروع سكّة حديد الحجاز نقطة تحوّل جذرية في تاريخ درعا الحديث. ففي آذار/مارس 1900، أصدر السلطان عبد الحميد الثاني أمراً ببناء خطّ حديدي يربط دمشق بالمدينة المنوّرة لخدمة حجّاج بيت الله الحرام وتعزيز السيطرة العثمانية على الولايات البعيدة. وقد تميّز المشروع بأنّه موّل دون قروض أجنبية، بالاعتماد على مساهمات السلطان الشخصية والضرائب العثمانية وتبرّعات المسلمين من شتّى أنحاء العالم والتي شكّلت ثلث الميزانية الإجمالية.
أُنجزت أولى مراحل الخطّ بين مزيريب ودرعا في الأول من أيلول/سبتمبر 1901، ثمّ اكتمل الخطّ الرئيسي بين دمشق والمدينة المنوّرة في الأول من أيلول/سبتمبر 1908. وبحلول عام 1914، أُنجز فرع جانبي يربط درعا بحيفا على البحر المتوسّط، ممّا جعل درعا أهمّ عقدة سكك حديدية في المنطقة بأسرها — تلتقي فيها الخطوط القادمة من دمشق شمالاً والمتّجهة إلى عمّان والحجاز جنوباً وإلى حيفا غرباً. ونشأ حول المحطّة حيّ «درعا المحطّة» الجديد الذي تطوّر ليُصبح الشقّ الإداري والتجاري الحديث من المدينة.
خلال الحرب العالمية الأولى، اندلعت الثورة العربية الكبرى عام 1916 بقيادة الشريف حسين بن عليّ أمير مكّة ضدّ الدولة العثمانية، وكان قطع خطوط السكك الحديدية من أبرز تكتيكات الثوّار. وفي 16 أيلول/سبتمبر 1918، شنّ الضابط البريطاني تي. إي. لورنس (لورنس العرب) والقوّات العربية هجوماً على عقدة السكك الحديدية في درعا بهدف قطع خطوط الاتصال والإمداد العثمانية، وهو ما ساهم في تقويض قدرة القوّات العثمانية على المقاومة وعجّل بانهيار الجبهة العثمانية في بلاد الشام. وقد سقطت دمشق في أيدي القوّات العربية والبريطانية بعد أسبوعين فقط من معركة درعا.
مع فرض الانتداب الفرنسي على سوريا عام 1920، أُدرجت درعا ضمن الكيان السوري الخاضع للسلطة الفرنسية. وقد شهد إقليم حوران اضطرابات متكرّرة تجاه الوجود الاستعماري، وبلغت ذروتها مع اندلاع الثورة السورية الكبرى في صيف 1925.
في 21 تموز/يوليو 1925، حقّق سلطان باشا الأطرش — الزعيم الدرزي من جبل العرب — انتصاره الأول في معركة الكفر، ثمّ تبعه بانتصار حاسم في معركة المزرعة في 2 آب/أغسطس 1925 حين هزم المقاتلون العرب رتلاً فرنسياً كاملاً. وفي 23 آب/أغسطس 1925، أعلن سلطان الأطرش الثورة السورية الكبرى رسمياً، فامتدّت المواجهات إلى دمشق وحمص وحماة. وكان لمقاتلي حوران دور محوري في تلك الثورة، إذ قام الثوّار بتدمير سكّة الحديد عند المسمية قرب درعا في 29 تموز/يوليو 1925 لقطع خطوط إمداد القوّات الفرنسية. وعلى الرغم من قمع الثورة عام 1927، فإنّها رسّخت هويّة المقاومة الوطنية في وجدان أبناء حوران.
نالت سوريا استقلالها في 17 نيسان/أبريل 1946، ودخلت درعا مرحلة جديدة من التطوّر ضمن الدولة الوطنية السورية الحديثة. وقد حافظت المدينة على طابعها الزراعي التقليدي مع نموّ سكّاني متزايد طوال النصف الثاني من القرن العشرين.
يُجمع المؤرّخون والباحثون على أنّ الشرارة الأولى للثورة السورية انطلقت من درعا. ففي أواخر شباط/فبراير 2011، وتحديداً في ليلة 22 شباط/فبراير حسب أغلب الروايات، قام مجموعة من تلاميذ المدارس تتراوح أعمارهم بين 10 و15 عاماً — يتقدّمهم الفتى معاوية سياسنة (مواليد 1996 أو 1997) — بكتابة شعارات على جدران مدرستهم في درعا مستوحاة من ثورتَي تونس ومصر اللتين أطاحتا بالرئيسين بن علي ومبارك، من بينها: «الشعب يريد إسقاط النظام» و«جاءَ دَورُك يا دكتور».
في 6 آذار/مارس 2011، داهم عناصر من جهاز الأمن السياسي بيوت الأطفال واعتقلوا ما بين 12 و15 منهم بأمر من العميد عاطف نجيب — رئيس فرع الأمن السياسي في درعا وابن خالة الرئيس بشّار الأسد. وخلال أيام الاعتقال التي امتدّت 26 يوماً، تعرّض الأطفال لتعذيب وحشي موثّق من قبل منظّمة هيومن رايتس ووتش شمل الصعق الكهربائي والضرب المبرّح وقلع الأظافر. وحين توجّهت عائلات الأطفال إلى مقرّ الأمن للمطالبة بالإفراج عنهم، قوبلوا بالإهانة والتهديد من قبل عاطف نجيب شخصياً.
في يوم الجمعة 18 آذار/مارس 2011 — اليوم الذي بات يُعرف بـ«جمعة الكرامة» — خرج آلاف المتظاهرين من المسجد العمري في درعا البلد بعد صلاة الجمعة في أوّل احتجاج شعبي واسع النطاق ضدّ النظام. طالب المتظاهرون بالإفراج عن الأطفال المعتقلين وبإنهاء الفساد وتوسيع الحريّات السياسية. ردّت قوّات الأمن بخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع ثمّ بالذخيرة الحيّة، ممّا أسفر عن مقتل أربعة أشخاص على الأقلّ وفقاً لتوثيق هيومن رايتس ووتش.
بين 18 و21 آذار/مارس، أُفرج عن الأطفال وقد ظهرت على أجسادهم آثار التعذيب واضحة، ممّا أشعل موجة غضب عارمة وسّعت دائرة الاحتجاجات بشكل كبير.
في الساعة الواحدة والنصف فجراً من يوم الأربعاء 23 آذار/مارس 2011، اقتحمت قوّات الأمن المسجد العمري — الذي كان قد تحوّل إلى مركز تجمّع للمحتجّين ونقطة لإسعاف الجرحى — مستخدمةً الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحيّة. وقد وثّقت هيومن رايتس ووتش مقتل ما لا يقلّ عن 31 شخصاً في المسجد ومحيطه خلال ثلاثة أيام (23-25 آذار/مارس)، فيما أشارت تقارير أخرى إلى سقوط 37 قتيلاً يوم 23 آذار/مارس وحده. وتضرّر مئذنة المسجد التاريخي خلال الهجوم. ادّعى النظام أنّ «عصابات مسلّحة» هي المسؤولة، غير أنّ شهادات الشهود والتحقيقات الحقوقية الدولية نفت ذلك بشكل قاطع.
خلال نيسان/أبريل 2011، حاصرت القوّات الحكومية درعا وبدأت قصفها، وفي 25 نيسان/أبريل شنّت أولى العمليات العسكرية الكبرى ضدّ المدينة بمشاركة الدبّابات والمدرّعات. وقد حظيت أحداث درعا بتغطية إعلامية واسعة جعلتها رمزاً لمقاومة النظام في عموم سوريا، وانتشر شعارها «الشعب يريد إسقاط النظام» في عشرات المدن السورية. وهكذا أصبحت درعا «مهد الثورة السورية» في الذاكرة الجمعية، وباتت المسجد العمري أيقونة للنضال من أجل الحرّية والكرامة.
مع تصاعد القمع العسكري عام 2012، تحوّل جزء من الاحتجاج السلمي إلى مقاومة مسلّحة. تشكّلت فصائل تابعة للجيش السوري الحرّ في محافظة درعا من منشقّين عسكريين ومتطوّعين محلّيين. وكان عام 2012 الأشدّ دمويةً في المحافظة، إذ سقط نحو 6,034 قتيلاً — وهو الأعلى بين جميع المحافظات السورية وفقاً لتقرير وزارة الخارجية الأمريكية. وفي 27 آذار/مارس 2013، حقّق الجيش الحرّ أبرز انتصاراته بالاستيلاء على مقرّ اللواء 38 في بلدة صيدا والسيطرة على مستودعات ذخيرة ضخمة.
في 13 شباط/فبراير 2014، تأسّس تحالف الجبهة الجنوبية الذي ضمّ ما بين 54 و58 فصيلاً من فصائل الجيش السوري الحرّ في جنوب غرب سوريا، ليُصبح أحد أكبر التكتّلات المسلّحة في الثورة السورية. وقد شكّلت الحدود الأردنية خطّ إمداد حيوياً للفصائل المعارضة، فيما قدّمت غرفة العمليات العسكرية في عمّان — بمشاركة أمريكية وأردنية وإقليمية — دعماً لوجستياً وتدريبياً لعدد من الفصائل.
في 25 حزيران/يونيو 2015، أطلقت الجبهة الجنوبية هجوم «العاصفة الجنوبية» لمحاولة السيطرة على مدينة درعا بالكامل، غير أنّ الهجوم تعثّر ولم يحقّق أهدافه حتى آب/أغسطس 2015. وفي عام 2017، توصّلت روسيا والأردن والولايات المتّحدة إلى اتفاقية تهدئة (خفض تصعيد) لجنوب سوريا.
في 18 حزيران/يونيو 2018، شنّ النظام السوري بدعم روسي عملية «البازلت» لاستعادة محافظتَي درعا والقنيطرة. وبحلول 23 تموز/يوليو 2018، سُحقت الجبهة الجنوبية عسكرياً، وأُبرمت اتفاقيات تسوية (مصالحة) بوساطة روسية أعادت سيطرة النظام الاسمية على المنطقة. وأُعيد فتح معبر نصيب الحدودي في أيلول/سبتمبر 2018 بعد إغلاق دام ثلاث سنوات.
وثّقت مؤسسات بحثية مستقلّة مثل كارنيغي للسلام الدولي ومنظمة PeaceRep ومعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط (TIMEP) أنّ نظام الأسد والقوّات الروسية انتهكتا بشكل منهجي شروط اتفاقيات المصالحة لعام 2018. فقد شهدت المنطقة اعتقالات تعسّفية واغتيالات مستهدفة وعمليات تجنيد إجباري للشباب الذين كان يُفترض إعفاؤهم بموجب الاتفاقيات، فضلاً عن سياسات العقاب الجماعي ومنع الخدمات الأساسية عن المناطق التي شاركت في الثورة.
أُسّست اللواء الثامن بقيادة أحمد العودة — وهو قائد سابق في صفوف المعارضة — كقوّة محلّية خاضعة للإشراف الروسي ضمن هيكل «التسوية»، غير أنّ العلاقة بين هذا اللواء وقوّات النظام ظلّت متوتّرة وشابها صراعات نفوذ متكرّرة.
في 24 حزيران/يونيو 2021، فرضت قوّات النظام والميليشيات المتحالفة معها حصاراً خانقاً على حيّ درعا البلد بعد رفض السكّان تسليم أسلحتهم ومقاطعتهم الانتخابات الرئاسية. وقد حُوصر نحو 55,000 مدني — بحسب تقديرات المفوّض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان — بلا خبز ولا وقود ولا كهرباء ولا رعاية صحّية في ظروف وصفتها منظمة العفو الدولية بالكارثية. واستمرّ الحصار 75 يوماً شهدت خلاله عشرات الهجمات على الأحياء السكنية، ونزح ما لا يقلّ عن 38,000 شخص وفقاً لتوثيق هيومن رايتس ووتش.
في أيلول/سبتمبر 2021، أُبرم اتفاق مصالحة ثانٍ بوساطة روسية سمح لقوّات النظام بدخول درعا البلد، غير أنّ الأوضاع الأمنية بقيت هشّة مع استمرار الاغتيالات والانفجارات والاحتجاجات المتقطّعة ضدّ النظام حتى نهاية عام 2024.
في سياق الهجوم المعارض الكبير الذي انطلق من شمال سوريا في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أُعلن عن تشكيل غرفة العمليات الجنوبية في 6 كانون الأول/ديسمبر 2024 كتحالف عسكري يضمّ فصائل معارضة محلّية في محافظات درعا والقنيطرة والسويداء. وقد نجحت هذه القوّات — بالتنسيق مع لواء الجبل ومجموعات مسلّحة محلّية أخرى — في السيطرة على مدينة درعا ونحو 90% من المحافظة في غضون ساعات قليلة بعد انسحاب قوّات النظام والميليشيات الإيرانية باتّجاه دمشق.
أعلن المتحدّث باسم غرفة العمليات الجنوبية: «هدفنا دمشق، وموعدنا ساحة الأمويين». وفي 7 كانون الأول/ديسمبر، أكّدت شبكة الجزيرة سيطرة قوّات المعارضة على درعا والسويداء. وفي 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، سقط نظام الأسد وسقطت دمشق، وفرّ الرئيس بشّار الأسد إلى موسكو حيث مُنح حقّ اللجوء من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
بعد سقوط النظام، واجهت درعا تحدّيات أمنية جديدة. فقد احتلّ الجيش الإسرائيلي منطقة الفصل التابعة للأمم المتّحدة في مرتفعات الجولان ونفّذ دوريات وغارات ليلية في قرى درعا الغربية القريبة من خطّ وقف إطلاق النار. وأفادت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في آذار/مارس 2025 بأنّ الضربات المدفعية والجوّية الإسرائيلية على غرب درعا أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين. كما شهدت المنطقة نقاشاً حول حلّ اللواء الثامن وتسليم أسلحته للجيش السوري الجديد.
تواجه درعا تحدّياً هائلاً في مجال إعادة الإعمار، إذ تشير التقديرات إلى تضرّر أكثر من 95,000 منزل في المحافظة خلال سنوات الحرب، دُمِّر منها 33,400 بشكل كامل وفقاً لبيانات وزارة الإدارة المحلّية السورية وبرنامج الأمم المتّحدة للمستوطنات البشرية. كما وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها الصادر في آذار/مارس 2025 أنّ سياسات التدمير الممنهج ومصادرة الممتلكات التي اتّبعها نظام الأسد تُشكّل عقبة كبرى أمام عودة اللاجئين والنازحين.
في آذار/مارس 2025، أصدرت الحكومة الانتقالية المرسوم رقم 57 لتشكيل لجنة وطنية لإعادة تأهيل البنى التحتية تمهيداً لعودة النازحين وإغلاق المخيمات. وقد أكّد الرئيس أحمد الشرع وجود مساعٍ لتمكين النازحين من العودة إلى مناطقهم خلال عام 2026. وفي آذار/مارس 2026، زار وفد من مكتب الأمم المتّحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) محافظة درعا لتقييم الاحتياجات الإنسانية، مع تركيز خاصّ على حوض اليرموك والريف الغربي.
تُقدَّر الكلفة الإجمالية لإعادة إعمار سوريا بما يتراوح بين 600 و900 مليار دولار أمريكي حسب تصريحات الحكومة السورية، فيما قدّر البنك الدولي الفاتورة بنحو 216 مليار دولار. وبحلول مطلع عام 2026، عاد أكثر من 1.2 مليون لاجئ سوري من الدول المجاورة، كما عاد نحو مليونَي نازح داخلي إلى مناطقهم الأصلية، وإن كانت نسبة كبيرة من العائدين تصف عودتها بالاستكشافية والمشروطة بتوفّر الخدمات والأمن وفرص العمل.
بلغ عدد سكّان مدينة درعا 97,969 نسمة وفقاً لنتائج التعداد الرسمي السوري عام 2004، وقُدِّر بنحو 117,000 نسمة قبل اندلاع الأزمة عام 2011 بحسب تقرير برنامج الأمم المتّحدة للمستوطنات البشرية. أمّا على مستوى المحافظة، فقد بلغ إجمالي السكّان نحو 1,042,500 نسمة قبل الحرب.
يتكوّن السكّان في غالبيتهم العظمى من العرب السنّة المعروفين بـ«الحوارنة» (نسبة إلى حوران). وتُوجد أقلّية مسيحية كانت تضمّ قبل الحرب أكثر من 500 أسرة في المدينة، من بينها جماعة الروم الكاثوليك (الملكيين) التي قُدِّر عدد أفرادها بنحو 800 إلى 1,000 شخص عام 2011. كما تُوجد أقلّية درزية صغيرة وأخرى شيعية (نحو 15,000 شخص في مدينة بُصرى المجاورة).
يتّسم المجتمع في محافظة درعا ببنية عشائرية متينة تتمحور حول أربع عشائر كبرى:
وقد شهدت هذه العشائر تنافساً تاريخياً — لا سيّما بين الحريري والزعبي — خلال حقبة الانتداب الفرنسي حيث وقفت على طرفَي المسألة الوطنية، غير أنّ الثورة السورية عام 2011 أعادت توحيد المجتمع الحوراني إلى حدّ كبير في مواجهة النظام.
عُرف سهل حوران تاريخياً بلقب «إهراء روما» (Granarium Romae) لوفرة إنتاجه من القمح الذي كان يُصدَّر إلى أنحاء الإمبراطورية الرومانية، واستمرّ هذا الدور في العصور الإسلامية والعثمانية حين وُصف بـ«إهراء الدولة العثمانية». وتُنتج المنطقة تقليدياً: القمح (المحصول الرئيسي)، والشعير، والفول، والشوندر السكّري، والزيتون. ومنذ أواخر التسعينيات، تحوّل كثير من المزارعين إلى زراعة المحاصيل الصيفية كالبندورة والبطّيخ والخضراوات بسبب العوائد الاقتصادية الأعلى، وإن كان ذلك على حساب استنزاف المياه الجوفية.
غير أنّ الثورة السورية والتغيّر المناخي أضرّا بشدّة بالقطاع الزراعي في حوران، حيث تراجعت المساحات المزروعة وتضرّرت شبكات الريّ وارتفعت تكاليف المدخلات الزراعية. وتطرح موجات الجفاف المتكرّرة — كالتي شهدتها المنطقة عام 2024 — تساؤلات جدّية حول مستقبل الزراعة التقليدية في ظلّ التغيّر المناخي.
يُعَدُّ معبر نصيب (جابر من الجانب الأردني) أهمّ المعابر البرّية السورية وأحد الشرايين الاقتصادية الحيوية في المنطقة. افتُتح عام 1997 على طريق دمشق-عمّان السريع، وسرعان ما تحوّل إلى بوّابة تجارية رئيسية أُنشئت بجواره منطقة تجارة حرّة مزدهرة. قبل عام 2011، كان نحو 70% من صادرات الأردن ووارداته تمرّ عبر سوريا من خلال هذا المعبر، بقيمة تُقدَّر بنحو 270 مليون دولار أمريكي (17% من إجمالي الصادرات الأردنية).
سقط المعبر في أيدي المعارضة عام 2015 وأُغلق لثلاث سنوات، ممّا كبّد قطاع النقل الأردني خسائر بلغت نحو 500 مليون دولار. أُعيد فتحه في أيلول/سبتمبر 2018 بعد استعادة النظام للسيطرة على جنوب سوريا. وبعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، انتقلت إدارة المعبر إلى السلطات الجديدة، وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025 وُقِّع اتفاق سوري-أردني لتوسيع المعبر وتحديث بنيته التحتية لتعزيز التبادل التجاري بين البلدين.
شهدت محافظة درعا دماراً بشرياً ومادّياً هائلاً خلال سنوات الحرب (2011-2024). ووفقاً لبيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان:
وقد وصفت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها الصادر عام 2025 سياسة النظام بأنّها «وظّفت عمداً مزيجاً من الأدوات شملت التلاعب القانوني والتدمير المتعمَّد والتهجير القسري ومصادرة الممتلكات المدنية كوسيلة لمعاقبة المشاركين في انتفاضة 2011 أو المتعاطفين معها».
يُعَدُّ المسجد العمري في درعا البلد من أقدم المساجد في بلاد الشام، إذ يعود تأسيسه إلى عهد الخليفة عمر بن الخطّاب في أربعينيات القرن السابع الميلادي. وقد أُعيد ترميمه وتوسيعه مرّات عدّة عبر التاريخ. اكتسب المسجد شهرة عالمية بوصفه نقطة انطلاق المظاهرات السلمية في 18 آذار/مارس 2011، ثمّ مسرحاً لمجزرة 23 آذار/مارس، وبات رمزاً للثورة السورية بأكملها.
تضمّ محافظة درعا أكثر من 400 موقع أثري وفقاً للجزيرة، ممّا يجعلها حسب وصف المؤرّخين «أرضاً تعوم على بحر من الآثار». ومن أبرز معالمها المسرح الروماني في درعا البلد، فضلاً عن الآثار تحت الأرضية التي تشمل شبكة واسعة من الكهوف والأنفاق والمساكن المنحوتة في الصخر البازلتي والتي تعود إلى عصور مختلفة. وفي جوار درعا، تقع مدينة بُصرى الأثرية — المُسجّلة على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1980 — والتي تضمّ أحد أفضل المسارح الرومانية المحفوظة في العالم (يعود إلى القرن الثاني الميلادي).
تتميّز العمارة التقليدية في حوران باستخدام الحجر البازلتي الأسود المحلّي في البناء، ممّا يمنح القرى والمدن مظهراً فريداً يختلف عن سائر المناطق السورية. وتتّسم المنازل الحورانية التقليدية بأسقفها المقبّبة المبنيّة من الحجر البازلتي دون استخدام الأخشاب، وهو أسلوب معماري ضارب في القدم يعكس التكيّف مع البيئة المحلّية وندرة الموارد الخشبية.
يُعَدُّ خطّ سكّة حديد الحجاز — ومحطّة درعا ضمنه — من المعالم التراثية ذات الأهمية العالمية، وهو مُسجّل على القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي لدى اليونسكو. وقد لحقت أضرار بأجزاء من الخطّ خلال سنوات الصراع.