حكمت دولة المماليك سوريا أكثر من قرنين ونصف القرن، من انتصارهم الحاسم على المغول في معركة عين جالوت عام 1260 م حتى هزيمتهم أمام العثمانيين في معركة مرج دابق عام 1516 م. تُعدّ هذه الحقبة من أغنى فترات التاريخ السوري وأكثرها تحولاً، إذ شهدت طرد الصليبيين نهائياً من بلاد الشام، وصدّ الغزو المغولي الذي كان يهدد بابتلاع العالم الإسلامي، فضلاً عن ازدهار معماري وعلمي وثقافي كبير جعل من دمشق وحلب مركزين رئيسيين للحضارة الإسلامية في العصور الوسطى.
المماليك (جمع مملوك، أي المملوك أو العبد) هم جنود من أصول تركية وشركسية ومنغولية اشتراهم السلاطين الأيوبيون صغاراً من أسواق الرقيق في آسيا الوسطى والقوقاز، ثم ربّوهم تربية عسكرية صارمة في ثكنات خاصة بالقاهرة. تعلّم هؤلاء الفتيان فنون الفروسية والرماية والقتال بالسيف، إلى جانب تلقيهم تعليماً دينياً إسلامياً. بعد إتمام تدريبهم، كانوا يُعتقون ويُمنحون ألقاباً عسكرية ويصبحون نواة الجيش.
أسّس السلطان الأيوبي الصالح نجم الدين أيوب (1240-1249 م) فرقة المماليك البحرية التي سُميت كذلك لأن ثكناتهم كانت في جزيرة الروضة على نهر النيل. بعد وفاته ومقتل ابنه توران شاه على يد المماليك عام 1250 م، تولّت زوجته شجر الدر الحكم لفترة وجيزة، ثم استأثر المماليك بالسلطة وأسسوا دولتهم التي امتدت على مصر وبلاد الشام والحجاز.
عُرفت المرحلة الأولى من حكم المماليك بدولة المماليك البحرية أو الأتراك، نسبة إلى أصولهم التركية القبچاقية. حكم هذا الفرع حتى عام 1382 م، وشمل أبرز سلاطين الدولة المملوكية وأكثرهم قوة.
خلفت دولة المماليك الشركسية أو البرجية سابقتها، وسُميت كذلك لأن سلاطينها كانوا في الأصل من مماليك الأبراج (القلعة) في القاهرة، ومعظمهم من أصول شركسية (من القوقاز). استمر حكمهم حتى الفتح العثماني عام 1517 م.
بعد سقوط بغداد المروّع على يد المغول بقيادة هولاكو خان في شباط/فبراير 1258 م — الذي أنهى الخلافة العباسية ودمّر حاضرة الإسلام — واصل الجيش المغولي زحفه غرباً. في كانون الثاني/يناير 1260 م، اجتاح هولاكو شمال سوريا واحتل حلب بعد حصار قصير، وارتكب فيها مجزرة مروعة قُتل خلالها عشرات الآلاف من السكان. ثم سقطت دمشق في آذار/مارس 1260 م دون مقاومة تُذكر، إذ فرّ حاكمها الأيوبي الناصر يوسف.
بدا أن لا قوة في العالم الإسلامي قادرة على مواجهة المغول الذين دمّروا كل ما وقف في طريقهم. لكن حدثين غيّرا مسار التاريخ: وفاة الخاقان الأعظم منكو خان التي أجبرت هولاكو على سحب معظم قواته شرقاً لحضور مجلس انتخاب الخاقان الجديد، وقيام المماليك في مصر بتجميع قواهم لمواجهة من تبقى من الجيش المغولي.
تولّى السلطان المملوكي سيف الدين قطز (حكم 1259-1260 م) قيادة الجيش المملوكي الذي خرج من مصر لمواجهة المغول. وكان الأمير ركن الدين بيبرس يقود الطليعة. التقى الجيشان عند عين جالوت (بالقرب من نابلس في فلسطين) يوم 3 أيلول/سبتمبر 1260 م.
استخدم بيبرس تكتيكاً عبقرياً تعلّمه من المغول أنفسهم: التراجع المصطنع. قاد وحدة صغيرة لمواجهة الجيش المغولي بقيادة كتبقا نويان (نائب هولاكو في الشام)، وأغراهم بالتقدم عبر هجمات متكررة أعقبتها انسحابات وهمية. اندفع المغول وراءه حتى وقعوا في كمين الجيش المملوكي الرئيسي الذي كان مختبئاً في التلال والأشجار.
انتهت المعركة بهزيمة ساحقة للمغول ومقتل قائدهم كتبقا نويان. كانت هذه أول هزيمة كبرى يتلقاها المغول في الميدان، وأوقفت زحفهم غرباً بشكل نهائي. يُنظر إلى معركة عين جالوت باعتبارها واحدة من المعارك الفاصلة في التاريخ العالمي، إذ أنقذت مصر وشمال أفريقيا والحجاز من المصير الذي لقيته بغداد.
بعد المعركة، استعاد المماليك دمشق وحلب وبقية المدن السورية من المغول خلال أسابيع قليلة.
بعد النصر في عين جالوت، اغتال بيبرس السلطان قطز في طريق العودة إلى مصر (تشرين الأول/أكتوبر 1260 م) واستولى على الحكم. رغم الظروف الدموية لوصوله إلى السلطة، يُعدّ الظاهر ركن الدين بيبرس البُندقداري (1223-1277 م) المؤسس الحقيقي لدولة المماليك وأعظم سلاطينها على الإطلاق.
شنّ بيبرس سلسلة من الحملات العسكرية المنهجية ضد ما تبقى من الإمارات الصليبية في بلاد الشام:
لم يكن بيبرس مجرد قائد عسكري، بل كان رجل دولة من الطراز الأول. أسّس نظاماً بريدياً فعالاً (البريد) يربط القاهرة بدمشق وحلب وسائر المدن السورية عبر محطات للخيول والحمام الزاجل. أصلح القضاء بتعيين أربعة قضاة يمثلون المذاهب السنية الأربعة في كل مدينة كبرى. واستقدم أحد أفراد البيت العباسي إلى القاهرة ونصّبه خليفة صورياً لإضفاء شرعية دينية على حكمه.
واصل خلفاء بيبرس حملات التحرير. في نيسان/أبريل 1289 م، استولى السلطان المنصور سيف الدين قلاوون على كونتية طرابلس — آخر الإمارات الصليبية الكبرى — بعد حصار قصير. دُمّرت المدينة بالكامل وأُعيد بناؤها في موقع جديد.
في أيار/مايو 1291 م، قاد السلطان الأشرف خليل بن قلاوون جيشاً ضخماً لحصار عكا — آخر معقل صليبي رئيسي في بلاد الشام. بعد حصار استمر 43 يوماً ومعارك ضارية، سقطت المدينة في 18 أيار/مايو 1291 م. أعقب ذلك تطهير ما تبقى من الحصون الصليبية على الساحل السوري (طرطوس، جبيل، صيدا، بيروت)، منهياً بذلك ما يقرب من قرنين من الوجود الصليبي في الشرق (1098-1291 م).
قسّم المماليك بلاد الشام إلى عدة نيابات (ولايات) يحكم كل منها نائب السلطنة. كانت أبرز هذه النيابات:
كان نواب السلطنة في الشام يُعيَّنون من القاهرة ويمكن عزلهم ونقلهم في أي وقت. تمتعوا بصلاحيات عسكرية وقضائية وإدارية واسعة، لكنهم خضعوا لرقابة مركزية صارمة من خلال نظام المراسلات البريدية والتقارير الاستخباراتية. شهدت بعض الفترات توترات بين نواب دمشق والسلطة المركزية في القاهرة، وصلت أحياناً إلى التمرد المسلح.
أنتجت سوريا المملوكية كوكبة من أبرز العلماء والمؤرخين في تاريخ الحضارة الإسلامية:
ابن تيمية (1263-1328 م): الفقيه والمجدّد الحنبلي الذي وُلد في حرّان وعاش في دمشق. كان من أكثر علماء عصره تأثيراً وإثارة للجدل. شارك في صد الغزو المغولي وحرّض على الجهاد، وسُجن عدة مرات بسبب آرائه اللاهوتية. لا يزال فكره مؤثراً في الحركات الإسلامية المعاصرة.
ابن كثير (1301-1373 م): المؤرخ والمفسّر الدمشقي صاحب كتاب «البداية والنهاية»، أحد أهم المؤلفات في التاريخ الإسلامي. وثّق أحداث عصره بدقة بالغة بما فيها وباء الطاعون الأسود عام 1348 م.
ابن بطوطة (زار دمشق 1326 و1348 م): الرحّالة المغربي الشهير الذي وصف دمشق وحلب وسائر المدن السورية في رحلاته.
ابن خلدون (زار دمشق 1401 م): عالم الاجتماع والمؤرخ التونسي العظيم الذي التقى تيمورلنك في دمشق خلال حصارها عام 1401 م ودوّن حواره معه.
الصفدي (1297-1363 م): المؤرخ والأديب صاحب كتاب «الوافي بالوفيات»، أضخم معجم تراجم في الأدب العربي.
ابن قيّم الجوزية (1292-1350 م): تلميذ ابن تيمية وأحد أبرز الفقهاء في التاريخ الإسلامي.
ازدهرت الآداب والعلوم في سوريا المملوكية رغم الاضطرابات السياسية. كانت دمشق مركزاً رئيسياً للعلوم الشرعية والحديث والتفسير، بينما اشتُهرت حلب بتقاليدها في الشعر والأدب. انتشرت حلقات العلم في المساجد والمدارس، وكان العلماء يتنقلون بحرية بين دمشق والقاهرة ومكة.
تركت العمارة المملوكية بصمة عميقة على المشهد العمراني لمدن سوريا، ولا سيما دمشق وحلب وطرابلس. تميز الطراز المملوكي بالسمات التالية:
في صيف عام 1348 م، وصل الطاعون الأسود (الموت الأسود) إلى سوريا قادماً من أوروبا والأناضول عبر الموانئ الساحلية. كان الرحّالة ابن بطوطة في حلب في حزيران/يونيو 1348 م حين بلغه خبر وصول الوباء إلى غزة. انتشر الطاعون بسرعة مرعبة في المدن السورية الكبرى.
أودى الوباء بحياة أعداد هائلة من السكان. في دمشق، وثّق المؤرخ ابن أبي حجلة أنه في يوم واحد (31 تشرين الأول/أكتوبر 1348 م) كُدّست 263 جثة في الجامع الأموي وحده. تشير التقديرات إلى أن الطاعون قتل ما بين ثلث ونصف سكان المدن السورية الكبرى. نظّم السكان — مسلمون ومسيحيون وسامريون — مواكب صلاة وصوم مشتركة تضرّعاً إلى الله لرفع البلاء.
خلّف الطاعون دماراً اقتصادياً واجتماعياً هائلاً. انهارت الزراعة بسبب نقص الأيدي العاملة، وارتفعت الأسعار بشكل جنوني، وتراجعت التجارة. لم تستعد سوريا كثافتها السكانية السابقة إلا بعد قرون. تكرر الطاعون في موجات لاحقة (1363، 1375، 1395، 1429 م) مما أبقى السكان في حالة إنهاك دائم وأسهم في إضعاف الدولة المملوكية تدريجياً.
في خريف عام 1400 م، غزا القائد التركي-المغولي تيمورلنك (تيمور بن ترغاي، 1336-1405 م) شمال سوريا بجيش جرار. سقطت حلب في تشرين الثاني/نوفمبر 1400 م بعد مقاومة شرسة، وارتكب تيمور فيها مجزرة مروعة أمر خلالها ببناء برج من 20,000 جمجمة خارج أسوار المدينة — في مشهد استعاد ذكريات الغزو المغولي قبل قرن ونصف.
واصل تيمور زحفه جنوباً فاحتل حماة وحمص وبعلبك دون مقاومة تُذكر، ثم حاصر دمشق. تقدّم السلطان المملوكي الناصر فرج بن برقوق بجيشه من مصر لإنقاذ دمشق، لكنه انسحب بعد فترة وجيزة خشية انقلاب عسكري في القاهرة، تاركاً دمشق لمصيرها.
من أكثر فصول هذا الحصار إثارة للاهتمام لقاء المؤرخ العظيم ابن خلدون — الذي كان محاصراً في دمشق — بتيمورلنك. أُنزل ابن خلدون من سور المدينة في سلة وقضى عدة أسابيع في معسكر تيمور، حيث أجرى معه حوارات مطوّلة عن التاريخ والجغرافيا والملك. دوّن ابن خلدون هذا اللقاء الفريد في سيرته الذاتية «التعريف بابن خلدون ورحلته غرباً وشرقاً».
بعد انهيار المفاوضات، هاجم تيمور دمشق في 24 آذار/مارس 1401 م. أطلق العنان لجنوده ثلاثة أيام كاملة من النهب والسلب والقتل والاغتصاب، ثم أضرم النار في المدينة. من أفدح الخسائر احتراق الجامع الأموي الكبير — أعظم مساجد دمشق وأحد أقدم المساجد في الإسلام — وسقوط مئذنته الشرقية.
قبل مغادرته سوريا، ساق تيمور معه آلاف الحرفيين والصنّاع المهرة من دمشق إلى عاصمته سمرقند، مما أفقد المدينة خبراتها الحرفية التي تراكمت عبر قرون. أسهمت هذه الكارثة في إضعاف دمشق الاقتصادي لعقود طويلة.
تضافرت عدة عوامل في إضعاف الدولة المملوكية خلال القرن الخامس عشر:
بلغ الصراع بين العثمانيين والمماليك ذروته في معركة مرج دابق، التي وقعت في سهل يبعد 44 كيلومتراً شمال حلب. قاد السلطان العثماني سليم الأول جيشاً يُقدّر بستين ألف مقاتل مجهزين بالمدافع والبنادق (الأركيبوز)، بينما واجهه السلطان المملوكي قانصوه الغوري بنحو عشرين ألف فارس يعتمدون بشكل أساسي على السيوف والأقواس.
كان التفوق العسكري التكنولوجي حاسماً: دمّرت نيران المدفعية العثمانية وبنادق الانكشارية صفوف الفرسان المماليك. وفي خضم المعركة، أُصيب السلطان الغوري بسكتة (أو قُتل في القتال — تتعارض المصادر) مما أدى إلى انهيار القيادة وتفرق الجيش المملوكي.
بعد النصر في مرج دابق، دخل سليم الأول حلب ثم دمشق دون مقاومة تُذكر. فتح انتصاره الطريق أمام فتح مصر (معركة الريدانية، كانون الثاني/يناير 1517 م) وإنهاء دولة المماليك نهائياً. انتقلت سوريا من الحكم المملوكي إلى الحكم العثماني الذي استمر نحو أربعة قرون (1516-1918 م).
رغم الأحداث المأساوية التي شهدتها هذه الحقبة — من غزو مغولي وطاعون وتدمير تيمورلنك — تركت فترة الحكم المملوكي إرثاً غنياً في سوريا: