الحروب الصليبية في سوريا هي سلسلة من الحملات العسكرية التي شنّها الأوروبيون المسيحيون على بلاد الشام ابتداءً من الحملة الصليبية الأولى عام 1096 م وحتى سقوط آخر المعاقل الصليبية عام 1291 م. أسفرت هذه الحروب عن تأسيس عدة كيانات صليبية على الأراضي السورية، أبرزها إمارة أنطاكية (1098-1268 م) وكونتية طرابلس (1102-1289 م). امتدت هذه الحقبة نحو قرنين من الزمن، شهدت خلالها سوريا تحولات جذرية في موازين القوى بين الشرق والغرب، وخلّفت إرثاً معمارياً فريداً يتمثل في القلاع والحصون التي لا يزال بعضها قائماً حتى اليوم، وأبرزها قلعة الحصن وقلعة صلاح الدين المدرجتان على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2006 م.
كانت بلاد الشام في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي مُجزّأة بين عدة قوى متنافسة: السلاجقة الذين سيطروا على حلب ودمشق بعد معركة ملاذكرد (1071 م)، والفاطميون الذين حكموا فلسطين والمناطق الساحلية الجنوبية، إضافة إلى أمراء محليين من التركمان والعرب حكموا مدناً وقلاعاً مستقلة. هذا التشرذم السياسي والعسكري هو ما سهّل اختراق الحملة الصليبية الأولى للمنطقة، إذ عجز المسلمون عن تشكيل جبهة موحدة في وجه الغزاة القادمين من أوروبا.
في المقابل، كان العالم المسيحي في أوروبا يشهد نهضة دينية وعسكرية. ففي 27 نوفمبر 1095 م، ألقى البابا أوربان الثاني خطبته الشهيرة في مجمع كليرمون بفرنسا داعياً إلى حملة عسكرية لتحرير الأراضي المقدسة من المسلمين، فاستجاب له آلاف الفرسان والعامة من مختلف أنحاء أوروبا.
يُعدّ حصار أنطاكية من أطول حصارات الحملة الصليبية الأولى وأشدها صعوبة، إذ استمر نحو ثمانية أشهر. كانت أنطاكية — الواقعة في شمال غرب سوريا — مدينة عظيمة محصّنة بأسوار ضخمة يبلغ محيطها نحو 12 كيلومتراً مع 400 برج دفاعي. دافع عنها ياغي سيان الحاكم السلجوقي، فيما قاد الهجوم أبرز قادة الحملة: بوهيموند الأول النورماندي، وريمون الرابع كونت تولوز، وغودفري دي بويون.
عانى الصليبيون خلال الحصار من المجاعة والبرد والأوبئة، وفقدوا أعداداً كبيرة من الجنود والخيول. سقطت المدينة في ليلة 2-3 يونيو 1098 م بفعل خيانة فيروز، وهو قائد حراسة أرمني فتح أحد أبواب المدينة للمهاجمين — كما يروي المؤرخ ستيفن رنسيمان. اندفع الصليبيون إلى المدينة وارتكبوا مذبحة بحق السكان المسلمين، وأصاب بعض القتل مسيحيين محليين بالخطأ.
بعد السقوط المباشر، حاصر كربوغا أتابك الموصل الصليبيين داخل المدينة على رأس جيش مسلم ضخم، لكنهم هزموه في معركة خارج الأسوار في 28 يونيو 1098 م، ما أنقذ الحملة من كارثة محققة.
بعد سقوط أنطاكية، تقدم الصليبيون جنوباً عبر الأراضي السورية. في ديسمبر 1098 م حاصروا مدينة معرة النعمان واقتحموها في 12 ديسمبر. يسجّل المؤرخون المسلمون والمسيحيون على حدٍّ سواء أعمال عنف فظيعة ارتُكبت ضد السكان. واصل الجيش الصليبي بعدها مسيرته جنوباً نحو القدس مروراً بحمص وعرقة وطرابلس.
أسفرت الحملة الصليبية الأولى عن تأسيس أربع كيانات سياسية في بلاد الشام والمنطقة، ثلاثة منها تقع كلياً أو جزئياً على الأراضي السورية:
أسسها بلدوين البولوني (بلدوين الأول لاحقاً ملك القدس) عام 1098 م، وكانت أول كيان صليبي يُؤسَّس في المشرق. امتدت أراضيها شرقاً من نهر الفرات لتشمل مدن الرها وسروج وتل باشر وسميساط. وكان بلدوين قد توصّل إلى ترتيب مع الحاكم الأرمني المحلي ثوروس الذي تبنّاه بموجب تقليد محلي، لكن ثوروس قُتل في انتفاضة مسيحية محلية فتولّى بلدوين الحكم بلقب «دوق» (الألقاب البيزنطية).
ظلت الكونتية الأكثر هشاشة بين الدول الصليبية بسبب محاصرتها بالقوى الإسلامية من جميع الجهات. وبين عامي 1110 و1113 م، شنّ مودود أتابك الموصل أربع حملات جهادية ضد أراضي الرها الشرقية ألحقت بها دماراً لم تتعافَ منه أبداً.
سقوط الرها (24 ديسمبر 1144 م): غزا عماد الدين زنكي أتابك الموصل وحلب أراضي الكونتية الشرقية في أواخر عام 1144 م، وحاصر مدينة الرها وسيطر عليها في 24 ديسمبر. صدم سقوط الرها الرأي العام الأوروبي وأشعل الحملة الصليبية الثانية (1147-1149 م) التي فشلت فشلاً ذريعاً في استعادتها. حاول جوسلين الثاني استرداد المدينة بعد اغتيال زنكي عام 1146 م، لكنه لم يتمكن من السيطرة على القلعة، ولما وصل نور الدين حوصر الفرنجة وفرّ جوسلين، وتعرضت المدينة لتدمير واسع.
أسسها بوهيموند الأول النورماندي (نحو 1054-1111 م) واستمرت 170 عاماً. امتدت على شمال غرب سوريا وجنوب شرق الأناضول، وبلغ عدد سكانها نحو 20,000 نسمة في القرن الثاني عشر، معظمهم أرمن ويونان أرثوذكس مع أقلية مسلمة خارج المدينة.
الحكام الأوائل:
سقوط أنطاكية (18 مايو 1268 م): حاصر السلطان المملوكي بيبرس أنطاكية واقتحمها في 18 مايو 1268 م. وعد بيبرس سكانها بالأمان ثم نكث بعهده، فدمّر المدينة تدميراً شاملاً وقتل أو استعبد معظم سكانها، مُنهياً 170 عاماً من الحكم الصليبي في أنطاكية.
وضع أساسها ريمون الرابع كونت تولوز (نحو 1041-1105 م) الذي استولى على طرطوس وجبيل وبدأ حصار طرابلس. بعد وفاة ريمون عام 1105 م، تابع ابن عمه غليوم جوردان الحصار، وسقطت المدينة أخيراً عام 1109 م حين وصل برتران ابن ريمون. وقد توسّط الملك بلدوين الأول في ترتيب لتقاسم السلطة بين الاثنين، لكن غليوم تُوفي وتوحّدت الكونتية تحت حكم برتران.
امتدت أراضي كونتية طرابلس على طول الساحل السوري واللبناني وصولاً إلى الداخل حيث شملت قلعة الحصن ومحيطها. واستمرت الكونتية 187 عاماً — وهي أطول فترة حكم صليبي متواصل في بلاد الشام. من أبرز حكامها:
سقوط طرابلس (26 أبريل 1289 م): حاصر السلطان المملوكي قلاوون طرابلس واقتحمها في 26 أبريل 1289 م بعد حصار استمر شهراً، مُنهياً بذلك أطول حقبة حكم صليبي في الشام.
استولى على حلب عام 1128 م وأعاد توحيد شمال سوريا والموصل تحت قيادة واحدة. كان أول قائد مسلم يُلحق هزيمة استراتيجية حقيقية بالصليبيين عبر فتح الرها عام 1144 م. اغتيل على يد أحد عبيده عام 1146 م أثناء حصار قلعة جعبر.
ابن زنكي وخليفته في حلب، يُعدّ من أعظم قادة الجهاد ضد الصليبيين. وحّد سوريا تدريجياً تحت قيادته:
وُلد صلاح الدين يوسف بن أيوب عام 1137 م في تكريت، وتوفي في 4 مارس 1193 م في دمشق. بعد وفاة نور الدين عام 1174 م، أعاد صلاح الدين توحيد مصر وسوريا تحت قيادته عبر حملات ضد الزنكيين. في عام 1182 م اجتاح الجزيرة الفراتية ففتح الرها ثم سروج والرقة والقامشلي ونصيبين، واستولى على حلب عام 1183 م مُنهياً حكم الزنكيين في سوريا.
معركة حطين (4 يوليو 1187 م): أحد أهم المعارك في تاريخ الحروب الصليبية. هزم صلاح الدين جيش مملكة القدس بقيادة الملك غي دي لوزينيان هزيمة ساحقة قرب بحيرة طبرية. أسر الملك غي وعدداً كبيراً من النبلاء، وسقطت 52 بلدة وحصناً صليبياً خلال أسابيع. وفي 2 أكتوبر 1187 م حرّر القدس بعد حصار قصير، مما أشعل الحملة الصليبية الثالثة (1189-1192 م) بقيادة ريتشارد قلب الأسد وفيليب الثاني وفريدريك بربروسا.
خلّفت الحقبة الصليبية إرثاً معمارياً عسكرياً فريداً يتمثل في شبكة من القلاع والحصون الضخمة التي بناها فرسان الإسبتارية وفرسان المعبد:
تقع على ارتفاع 650 متراً فوق سطح البحر على الطريق بين طرطوس وحمص. بُنيت أصلاً عام 1031 م من قبل أمير حمص لحامية كردية، ومنحها ريمون الثاني كونت طرابلس لفرسان الإسبتارية عام 1142 م. أعاد الفرسان بناءها بالكامل بحلول عام 1170 م بعد أن تضررت في زلزال.
تتميز القلعة بجدران مزدوجة متحدة المركز مع أبراج دائرية بارزة وخندق عريض. صمدت أمام هجوم صلاح الدين عام 1188 م الذي قرر عدم مهاجمتها بعد أن رآها شديدة التحصين. سقطت أخيراً في 8 أبريل 1271 م بعد حصار استمر 36 يوماً على يد السلطان المملوكي بيبرس.
وصفها الكولونيل تي. إي. لورنس (لورنس العرب) بأنها «أعظم قلعة في العالم»، وأُدرجت على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2006 م. تعرضت لأضرار جزئية خلال الثورة السورية السورية واستعادها الجيش السوري في معركة الحصن في مارس 2014 م.
تقع في الجبال الساحلية شرق مدينة اللاذقية. تجمع بين العمارة البيزنطية الأصلية والتحصينات الفرنجية والإضافات الأيوبية اللاحقة. يفصلها عن الجبل المحيط خندق صخري هائل يُعدّ تحفة هندسية فريدة. استولى عليها صلاح الدين الأيوبي عام 1188 م. أُدرجت أيضاً ضمن التراث العالمي لليونسكو عام 2006 م.
بُنيت عام 1062 م وانتقلت إلى فرسان الإسبتارية عام 1186 م الذين جعلوها حصنهم الرئيسي على الساحل السوري. وصفها المؤرخون بأنها «شقيقة قلعة الحصن» من حيث الضخامة والتحصين. سقطت عام 1285 م على يد السلطان المملوكي قلاوون. تُطل القلعة على الساحل المتوسطي من موقع استراتيجي يكشف المنطقة الممتدة بين طرطوس واللاذقية.
بعد انتصار المماليك في معركة عين جالوت (3 سبتمبر 1260 م) على المغول — وهي من أهم المعارك في التاريخ الإسلامي — تفرّغ بيبرس لتصفية الوجود الصليبي:
سقطت عكا — آخر معقل صليبي رئيسي — في 18 مايو 1291 م بعد حصار كبير، مُنهيةً بذلك قرنين من الوجود الصليبي في المشرق العربي.
تركت الحروب الصليبية أثراً معمارياً لا يُمحى في المشهد السوري. فالقلاع الصليبية — لا سيما قلعة الحصن وقلعة صلاح الدين — تُعدّ من أفضل نماذج العمارة العسكرية المحفوظة في العالم. كما تأثرت العمارة الإسلامية اللاحقة بتقنيات البناء الصليبية، خاصة في مجال التحصينات العسكرية.
رغم الصراع العسكري، شهدت فترات السلم تبادلاً تجارياً وثقافياً ملحوظاً بين المسلمين والصليبيين. يُسجّل المؤرخ المسلم أسامة بن منقذ (1095-1188 م) في كتابه «الاعتبار» مشاهد من التعايش اليومي بين المجتمعين. كما يذكر المؤرخ طغتكين حاكم دمشق أن معاهدات تقاسم الأراضي (الكوندومينيوم) بين دمشق ومملكة القدس أصبحت سابقة للترتيبات المشابهة مع قادة مسلمين آخرين.
نقل الصليبيون إلى أوروبا منتجات ومعارف شرقية كالسكر والتوابل والحرير وتقنيات الري والعمارة والطب. في المقابل، أدخلوا إلى المنطقة أنماطاً أوروبية في البناء والتنظيم العسكري.
| السنة | الحدث |
|---|---|
| 1097-1098 | حصار أنطاكية وسقوطها |
| 1098 | تأسيس كونتية الرها |
| 1098 | مذبحة معرة النعمان |
| 1109 | سقوط طرابلس وتأسيس الكونتية |
| 1119 | معركة حقل الدم — مقتل روجر |
| 1128 | زنكي يستولي على حلب |
| 1144 | سقوط الرها على يد زنكي |
| 1149 | معركة إيناب — مقتل ريمون |
| 1154 | نور الدين يسيطر على دمشق |
| 1187 | معركة حطين وتحرير القدس |
| 1188 | صلاح الدين يستولي على قلعة صهيون |
| 1260 | معركة عين جالوت |
| 1268 | بيبرس يدمر أنطاكية |
| 1271 | سقوط قلعة الحصن |
| 1285 | سقوط قلعة المرقب |
| 1289 | سقوط طرابلس |
| 1291 | سقوط عكا — نهاية الوجود الصليبي |
جاءت الحملة الصليبية الثانية استجابةً لصدمة سقوط الرها عام 1144 م. قادها الملك لويس السابع ملك فرنسا والإمبراطور كونراد الثالث ملك ألمانيا. وصل الجيشان إلى بلاد الشام بعد خسائر فادحة في الأناضول، وقررا — بدلاً من محاولة استرداد الرها — حصار دمشق في يوليو 1148 م.
كان حصار دمشق قراراً كارثياً من الناحية الاستراتيجية، إذ كانت دمشق تحت حكم معين الدين أنر الذي كان على علاقة تحالف فعلي مع مملكة القدس ضد الخطر الزنكي. دفع الحصار دمشق نحو أحضان نور الدين زنكي، وانتهى بفشل ذريع بعد أربعة أيام فقط (24-28 يوليو 1148 م)، مما عمّق أزمة الثقة بين المسلمين المحليين والصليبيين وأنهى التحالف الاستراتيجي بين دمشق ومملكة القدس. هذا الفشل مهّد الطريق لسيطرة نور الدين على دمشق عام 1154 م، وبالتالي لتوحيد سوريا الإسلامية الذي سيقود لاحقاً إلى تحرير القدس.
لم تكن الدول الصليبية مجرد حاميات عسكرية، بل تطورت إلى مجتمعات متعددة الأعراق والأديان. عاش المسلمون والمسيحيون المحليون (الأرمن واليونان والسريان والموارنة) واليهود تحت الحكم الصليبي بدرجات متفاوتة من الحرية. احتفظ الفلاحون المسلمون بأراضيهم في الغالب لكنهم دفعوا ضرائب ثقيلة للسادة الفرنجة.
أنشأ الصليبيون نظاماً إقطاعياً على الطراز الأوروبي، مع تكيفات محلية فرضتها ظروف المنطقة. وازدهرت التجارة في الموانئ الساحلية مثل طرابلس واللاذقية، حيث تنافست الجمهوريات التجارية الإيطالية (البندقية وجنوة وبيزا) على الحصول على امتيازات تجارية. وأصبحت هذه الموانئ نقاط عبور حيوية بين الشرق والغرب، ناقلةً البضائع والأفكار والتقنيات في الاتجاهين.