صلاح الدين الأيوبي — محرِّر القدس وموحِّد المشرق الإسلامي (1137–1193 م)
يُعدُّ صلاح الدين يوسف بن أيوب، المعروف في المصادر الغربية باسم «Saladin»، من أبرز الشخصيات في تاريخ العصور الوسطى وأكثرها تأثيراً في مسار الصراع الإسلامي-الصليبي بالمشرق. وُلد في مدينة تكريت عام 532هـ/1137 م لأسرة كردية، وتوفي في دمشق عام 589هـ/1193 م، تاركاً وراءه إمبراطورية أيوبية مترامية الأطراف وذكرى خالدة في الوجدان الإسلامي والإنساني على حدٍّ سواء. استطاع خلال مسيرته الحربية والسياسية أن يوحِّد مصر والشام وأجزاء من الجزيرة والحجاز واليمن تحت راية واحدة، وأن يهزم الجيوش الصليبية في موقعة حطين الفاصلة، ثم يستعيد القدس بعد نحو تسعة عقود من الاحتلال الفرنجي.
تتميز شخصية صلاح الدين بعمق ديني واضح يجمع بين الزهد والتسامح والكرم، إلى جانب حنكة سياسية وعسكرية نادرة. وقد أفاض في وصفه المؤرخون المعاصرون له، وفي مقدمتهم بهاء الدين ابن شداد في «النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية»، وعماد الدين الأصفهاني في «الفتح القسي في الفتح القدسي»، فضلاً عن ابن الأثير في «الكامل في التاريخ«. وتناوله بالدراسة المعاصرون من المستشرقين والمؤرخين الأكاديميين، أبرزهم مالكولم ليونز وديفيد جاكسون في »صلاح الدين: سياسة الحرب المقدسة«، وآن-ماري إيديه في سيرتها المفصَّلة الصادرة عام 2011.
وُلد صلاح الدين يوسف بن نجم الدين أيوب بن شاذي في تكريت بشمال العراق، في ليلة ولادته المشهورة التي تزامنت مع رحيل والده من المدينة، وفق ما ذكره ابن خلكان في »وفيات الأعيان«. وقد حدَّد المؤرخون تاريخ ميلاده بين عامَي 532هـ و533هـ، أي ما يوافق 1137 م أو 1138 م.
تنتسب الأسرة إلى قبيلة الرَّوادية الكردية، التي تُعدُّ فخذاً من قبيلة الهَذَبانية الكردية، وكانت هذه القبيلة مهيمنةً في منطقة دوين بأذربيجان الحالية. ويُشير المؤرخ ابن الأثير الموصلي صراحةً إلى الأصل الكردي للأيوبيين، قائلاً: »وأصلهم من الأكراد الرَّوادية«. وقد كان والده نجم الدين أيوب والياً على قلعة تكريت حين وُلد صلاح الدين، وكان أخوه أسد الدين شيركوه في خدمة عماد الدين زنكي التركماني، مؤسس الدولة الزنكية.
غادرت الأسرة تكريت فور ولادة صلاح الدين، لأسباب تتصل بخلاف والده مع الوالي، وانتقلت إلى حلب للالتحاق بخدمة الملك عماد الدين زنكي. وعقب فتح زنكي لبعلبك عام 534هـ/1139 م عيَّن نجم الدين أيوب والياً عليها، فنشأ صلاح الدين في كنف تلك المدينة ذات الطابع العلمي والحضاري المتميز. ثم انتقلت الأسرة إلى دمشق لاحقاً حين عُيِّن الأب في خدمة نور الدين محمود الزنكي، الذي خلف أباه في حكم الشام.
نشأ صلاح الدين في دمشق، وتشير المصادر إلى ميله في شبابه نحو الدراسات الدينية أكثر من الفنون العسكرية، خلافاً لما كان متوقعاً من أبناء البيوت العسكرية. فدرس القرآن الكريم وعلومه، وتعلَّم قواعد اللغة العربية وآدابها وشعرها، ودرس الفقه الشافعي على مذهب الإمام الشافعي، وتلقَّى علوم الحديث النبوي والسيرة. وكان يتقن اللغتين العربية والكردية، ويُرجَّح أنه كان على معرفة بشيء من التركية.
يصفه بهاء الدين ابن شداد، الذي رافقه في السنوات الأخيرة من حياته، بأنه كان بالغ الاهتمام بالعلم والعلماء، يحفظ الكثير من الأشعار العربية، ويستأنس بمجالس العلم والفقه، وكان يعقد مجالس الحديث النبوي في خيامه حتى في أيام الحملات العسكرية. وتُعدُّ ثقافته الدينية العميقة إحدى ركائز شخصيته وركيزةً لمشروعه السياسي في الجهاد وتوحيد المسلمين.
انتسب صلاح الدين في بداية حياته العملية إلى خدمة عمه أسد الدين شيركوه، القائد العسكري البارز في جيش نور الدين زنكي، الذي كان قد بنى إمبراطورية قوية في الشام وشمال العراق. وكانت علاقة الأسرة الأيوبية بالبيت الزنكي علاقة ولاء ووثيق.
غير أن المصادر تُشير إلى أن علاقة صلاح الدين بنور الدين مرَّت بمراحل من التوتر والانسجام. فقد كان نور الدين يُقدِّر كفاءة شيركوه وابن أخيه، لكنه كان حذراً من استقلالية صلاح الدين المتنامية في مصر. وقد أورد ابن الأثير -وهو مؤرخ ذو ميول زنكية- روايات تُلمِّح إلى توتر العلاقة، بينما يرى المؤرخون المعاصرون كمالكولم ليونز وديفيد جاكسون أن أغلب تلك الروايات مُبالَغٌ فيها، وأن صلاح الدين ظلَّ في إطار الطاعة الرسمية لنور الدين حتى وفاة الأخير عام 1174 م.
كانت مصر في تلك الحقبة تحت حكم الخلافة الفاطمية الشيعية، التي باتت تعاني من ضعف شديد وصراعات داخلية حادة على منصب الوزارة. وقد فتحت تلك الصراعات الباب أمام طموحات نور الدين في التوسع جنوباً.
الحملة الأولى (1164 م): أوفد نور الدين شيركوه ومعه ابن أخيه صلاح الدين على رأس قوة عسكرية للتدخل في النزاع الدائر بين الوزيرَين شاور وضرغام، بهدف مساندة شاور المطرود ومن ثَمَّ ترسيخ النفوذ الزنكي في مصر. غير أن شاور ما إن عاد إلى منصبه حتى انقلب على شيركوه وطلب من الصليبيين العون ضده. واضطرت القوة الزنكية إلى الانسحاب.
الحملة الثانية (1167 م): غادرت الحملة الثانية دمشق في يناير 1167 م، وشهدت معركة البابين قرب الأشمونين في مارس من العام نفسه، وقد أبلى صلاح الدين فيها بلاءً حسناً. ثم تحصَّن شيركوه بالإسكندرية مع جزء من قواته، وكُلِّف صلاح الدين بالدفاع عنها في وجه التحالف بين شاور والصليبيين. وقد صمد صلاح الدين في الدفاع عن المدينة عدة أشهر حتى جرى الاتفاق على انسحاب الجيشين الزنكي والصليبي معاً.
الحملة الثالثة (1168–1169 م): جاءت بعد أن شنَّ الصليبيون هجوماً مباغتاً على مدينة بلبيس المصرية في أكتوبر 1168 م، مما دفع الخليفة الفاطمي العاضد لطلب النجدة الزنكية بنفسه. أسرع شيركوه بالتحرك ودخل مصر، وانسحب الصليبيون في يناير 1169 م. وعقب هذا النصر المُبين، سعى شيركوه إلى تصفية الوزير شاور، فاغتاله صلاح الدين وعدد من رفاقه، ثم تُوِّج شيركوه وزيراً للخليفة العاضد.
لم يمضِ على وزارة شيركوه سوى شهرين حتى توفِّي في ربيع الأول عام 564هـ/مارس 1169 م. فاتجهت الأنظار إلى صلاح الدين ليخلفه، وإن كان الخليفة العاضد وكبار الأمراء الفاطميين يرون أنه الأضعف والأقل خبرةً في السياسة، فيكون أيسر قيادةً وأقل خطراً. إلا أن صلاح الدين كذَّب توقعاتهم وثبَّت أقدامه بسرعة لافتة، إذ قضى على التهديدات من داخل الجهاز الفاطمي، وبات يسيطر فعلياً على مصر كلها.
وكان أول اختبار حقيقي لزعامته حين تآمر عليه الحرس الأسود الفاطمي في أغسطس 1169 م، فأجهض المؤامرة وفرَّق الوحدات المعادية.
بتوجيه مباشر من نور الدين، وبعد أن كتب إليه في يونيو 1171 م يأمره بإعادة إحياء الخطبة للخليفة العباسي السني في بغداد، انتظر صلاح الدين وفاة الخليفة العاضد الفاطمي المريض. وفي 10 المحرم 567هـ/13 سبتمبر 1171 م، لفظ العاضد آخر أنفاسه، فأُعلن في مصر كلها إقامة الخطبة باسم الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله، منهيةً بذلك دولة الفاطميين التي حكمت مصر قرابة مائتي عام. وقد أتمَّ صلاح الدين هذا التحول الجوهري دون إراقة دماء، مكتفياً بإزاحة الوزارة الشيعية وإعادة مصر إلى الحظيرة السنية.
رحل نور الدين محمود في 11 شوال 569هـ/15 مايو 1174 م، تاركاً ابنه القاصر الصالح إسماعيل وصياً له بصرياً وأميراً في حلب. وكان رحيله حدثاً محورياً أتاح لصلاح الدين الانطلاق نحو مشروع التوحيد الإسلامي المأمول.
تحرَّك صلاح الدين من مصر في رمضان 570هـ/أكتوبر 1174 م على رأس سبعمائة فارس مختارين، ودخل دمشق بترحاب شعبي صاخب ودون إراقة دم، إذ فتح له والي المدينة أبوابها مرحِّباً به. ثم انهمك في توزيع خزائن ابن نور الدين على الناس، مؤسِّساً لشرعية دعائية وازنة.
انطلق صلاح الدين في مرحلة دامت اثني عشر عاماً لإخضاع مدن الشام والجزيرة تحت سلطته:
في هذه الحقبة أيضاً أوفد أخاه توران شاه ففتح اليمن (573هـ/1174 م) وأجزاء من السودان والنوبة، موسِّعاً رقعة الإمبراطورية الأيوبية وضامناً طرق التجارة إلى الحجاز.
كان بقاء الصليبيين في بلاد الشام رهيناً بجملة من الاتفاقيات ووقف إطلاق النار. غير أن رينالد دي شاتيون، المعروف بـ»أرناط« في المصادر العربية، صاحب حصن الكرك وشوبك، أخلَّ مراراً بتلك الهُدَن، مهاجماً قوافل المسلمين التجارية واعتدَّ حتى بقوافل الحجاج. وكانت آخر استفزازاته وأشدها خطورةً في عام 583هـ/1187 م، حين أغار على قافلة تجارية كبيرة كانت ترافقها أخت صلاح الدين وفق بعض الروايات، فأسر ركابها ونهب بضائعها رغم إشارتهم إلى الهدنة القائمة. فأقسم صلاح الدين ليقتلنَّ أرناط بيده.
حشد صلاح الدين في ربيع 583هـ/1187 م أكبر جيش في تاريخه على هضبة الجولان، إذ بلغ تعداده نحو أربعين ألف مقاتل، من بينهم اثنا عشر ألف فارس نظامي. كان الجيش مؤلَّفاً من المماليك الخاصة وفرسان الأسرة الأيوبية والمتطوعين من أقطار الإسلام.
في المقابل، كان ملك بيت المقدس غي دو لوزينيان قد أفرغ قلاع مملكته لحشد جيش من نحو عشرين ألف مقاتل، أكثرهم من مشاة المرتزقة وفرسان الهيكل والإسبتارية.
اعتمد صلاح الدين استراتيجية الاستنزاف والمناورة، فاستدرج الجيش الصليبي عبر تهديده لطبرية ليضطره إلى التحرك في حرِّ يوليو القائظ نحو الماء. ففصل الصليبيون عن مصادر الماء طوال يوم كامل وهم يتقدمون تحت وابل من السهام التركية المتواصل.
في صبيحة 25 ربيع الأول 583هـ/4 يوليو 1187 م، أوقف الجيش الصليبي زحفه على تلة قرب قرية حطين (التي تُعرف بقرون حطين لشكلها البركاني المزدوج القمة). وأمر صلاح الدين بإشعال النار في الحشيش الجاف المحيط بمعسكر الصليبيين، فامتلأ الفضاء دخاناً وحرارةً فوق ما يُطاق. ثم أطلق فرسانه وقد رأى الصليبيين مشلولين بالعطش والدخان والإرهاق.
نجحت الهجمات الصليبية الانتحارية في اختراق الصفوف عدة مرات لكنها لم تُفضِ إلى شيء. وأُسر الملك غي دو لوزينيان وأرناط رينالد وكبار الفرسان. ولما مَثَل الأسيران أمامه، قدَّم صلاح الدين للملك كأساً من الماء البارد علامةً على المنَّ بحياته، لكنه حين ناوله غي الكأس لأرناط، اعترضه صلاح الدين قائلاً: »أنا لم أُقدِّم الأمان لهذا الشرير«. ثم قتل أرناط بيده وفاءً لقسمه، في حين قال لغي: »لا يقتل الملوك الملوك«، وأبقاه أسيراً حتى أُطلق سراحه عام 1188 م مقابل شروط محددة.
كانت نتيجة معركة حطين كارثية على الصليبيين: لقي الآلاف حتفهم، وأُسر خمسة وعشرون ألفاً، وسقط الصليب الحقيقي المقدس بأيدي المسلمين، وقُتل جميع فرسان الهيكل والإسبتارية المأسورين.
عقب حطين مباشرةً انهارت المدن الصليبية الواحدة تلو الأخرى: عكا، ويافا، وصيدا، وبيروت، وقيسارية، والناصرة. وتوجَّه صلاح الدين نحو القدس. بدأ الحصار في 20 سبتمبر 1187 م، وكانت المدينة في يد بالْيان دي إيبلان، النبيل الفرنجي الذي فرَّ من حطين بشق الأنفس.
انطلق الهجوم في البداية من الجهة الغربية، ثم انتقل صلاح الدين بجيشه إلى الجهة الشمالية الشرقية عند جبل الزيتون في 25 سبتمبر، وهي جهة أكثر قابليةً للنقب. وفي 28 سبتمبر تمكَّن حفَّاروه من إحداث ثغرة في السور.
أرسل بالْيان يطلب المفاوضة، فهدَّد صلاح الدين في البداية بعدم منح الأمان. فأجابه بالْيان بأن المدينة ستُقاتل حتى تهدم مواضع العبادة والحرم الشريف وتقتل أسراها المسلمين وتحرق ما في المدينة من خيرات. وقد »وقع الكلام موقعه«، فانعطف صلاح الدين نحو التفاوض وقبل الاستسلام بشروط، وهي:
دخل صلاح الدين القدس يوم الجمعة 27 رجب 583هـ/2 أكتوبر 1187 م، مُتزامناً مع ذكرى الإسراء والمعراج في الوجدان الإسلامي. ورُفعت راية الإسلام على قلعة داوود، وطُهِّر المسجد الأقصى وغُسِّل بالماء والأطياب، وأُزيلت الزخارف الصليبية، وأُعيد المنبر الذي أعدَّه نور الدين زنكي مسبقاً لهذا الغرض.
شكَّل موقف صلاح الدين من سكان القدس المهزومين مفارقةً صارخة مع ما فعله الصليبيون حين استولوا على المدينة عام 1099 م، حين انكشف الحاضرون على مجازر جماعية بين المسلمين واليهود. في المقابل، أَمَر صلاح الدين بمعاملة المسيحيين بإنسانية تامة. ولم يمسَّ الصليب لا حرمة كنيسة القيامة ولا الكنائس الأخرى؛ إذ أمر صلاح الدين بإبقاء كنيسة القيامة مفتوحةً أمام الحجاج المسيحيين، رافضاً هدمها رغم ضغوط بعض أمرائه. وأُعيد فتحها بعد ثلاثة أيام، وسُمح لمسيحيي المشرق البيزنطيين بالبقاء في المدينة.
يُشير المؤرخ الأكاديمي المعاصر ديفيد مورفي إلى أن صلاح الدين أدرك أن قتل المسيحيين سيمنح أوروبا ذريعةً إضافية لشنِّ حملات صليبية جديدة، لذا كان رفقه مزيجاً من التقوى الحقيقية والبعد الاستراتيجي الواعي.
أثارت استعادة القدس موجةً من الاستنكار في أوروبا، ونعت البابا غريغوريوس الثامن في رسالته العلنية القدسَ »بأنه عقاب إلهي على ذنوب المسيحيين«. أعلنت الحملة الصليبية الثالثة وانطلقت بقيادة أبرز ملوك أوروبا: فريدريك بربروسا ملك ألمانيا (الذي غرق قبل وصوله)، وفيليب الثاني أوغسطس ملك فرنسا، وريتشارد الأول »قلب الأسد« ملك إنجلترا.
كانت عكا المنفذ البحري الأهم في الشاطئ الفلسطيني. بدأ الحصار الصليبي لها في أغسطس 1189 م وامتدَّ قرابة عامين. صمدت الحامية المسلمة التي يقودها بهاء الدين قراقوش صموداً بطولياً لمدة طويلة، لكن المدينة سقطت في 12 يوليو 1191 م. وقد أثار قتل ريتشارد الأسرى المسلمين البالغين نحو ألفَي وسبعمائة شخص -وفق رواية بهاء الدين ابن شداد- موجةً من الغضب الإسلامي وردود انتقامية.
حقَّق ريتشارد انتصاراً في معركة أرسوف (7 سبتمبر 1191 م)، حين صمدت كتيبته في وجه الاستفزازات المتكررة ثم شنَّت هجوماً مضاداً أذاق صلاح الدين خسارة ثقيلة. غير أن صلاح الدين أحكم اتباع سياسة الأرض المحروقة في القرى الداخلية، وتمسَّك بعدم السماح للصليبيين بالوصول إلى القدس.
دار ريتشارد في جولتين على القدس (نوفمبر 1191 م، ويونيو 1192 م) دون أن يتمكَّن من حصارها فعلياً، فقد كان يُدرك أن جيشه قد يأخذ القدس لكنه لن يستطيع الاحتفاظ بها. وكان صلاح الدين هو الآخر في حالة من الإرهاق الشديد، تراجعت فيها إمكاناته اللوجستية بعد سنوات من الحرب المتواصلة.
رصدت المصادر جملةً من اللحظات الإنسانية النادرة في الصراع بين صلاح الدين وريتشارد. فحين أُصيب ريتشارد بمرض حاد، أرسل إليه صلاح الدين ثلجاً من الجبال وفواكه، وأعرض عليه إمداده بالأطباء. ويُروى أن مبعوثين تبادلوا الرسائل باحترام متبادل لافت. وقد نسج الخيال الأوروبي الاحق قصصاً رومانسية عن هذا التوازي بين العدوَّين النبيلين، أبرزها رواية سيرو والتر سكوت »التعويذة« (1825 م).
أُبرمت معاهدة يافا (المعروفة أيضاً بمعاهدة الرملة) في 1 أو 2 سبتمبر 1192 م بين صلاح الدين وريتشارد الأول. نصَّت المعاهدة على:
وغادر ريتشارد بلاد الشام في 9 أكتوبر 1192 م، ولم يعد إليها قط. ولم يدخل القدس طوال حملته.
انعقد الإجماع بين المعاصرين له على غير عادة التاريخ في وصف كرمه بوصف استثنائي. فقد كان يُوزِّع عطاياه على الفقراء والعلماء والجند دون توقف، وأسَّس مدارس ومستشفيات على امتداد دولته دون أن يُجيز تسميتها باسمه. وحين لفظ صلاح الدين أنفاسه في دمشق في ربيع الآخر 589هـ/مارس 1193 م، لم يُخلِّف في خزانته الشخصية سوى دينار واحد وسبعة وثلاثين درهماً، مما اضطرَّ خدمته إلى الاستعانة بمن يُقرضهم ثمن الكفن. ولهذا يختم ابن شداد ترجمته بقوله: »خلَّف من الأموال ما لا يُعدُّ ويُحصى بطاعة الله وإنفاقه في سبيل الله«.
دلَّت سيرته على تسامح ديني لافت في عصره. فلم يُبادر بإيذاء مسيحيي الشرق القاطنين في بلاده، وسمح لليهود بالعودة إلى القدس بعد أن حرمهم الصليبيون من الإقامة فيها عقوداً متطاولة. وأعاد للكنيسة الأرثوذكسية الشرقية حضورها في المشرق، وسمح للرهبان اللاتين بالاستمرار في خدمة الحجاج في كنيسة القيامة.
كان صلاح الدين يُشارك جنوده الخطر الميداني مباشرةً في أحيان كثيرة، ويقيم معسكره في قلب الجيش بلا حواجز. ولم يهرب من أرض المعركة في الأوقات الحرجة، وقد ثبَّت خطوط جيشه في أرسوف بنفسه وأعاد تنظيم الوحدات المنكسرة. وكان يُصلِّي الجمعة في كل منبر يدخله فاتحاً، ويُقيم مجالس الحديث وسط جيشه.
عانى صلاح الدين طوال مسيرته من وعكات صحية متكررة، تُشير المصادر إلى أنها أثَّرت في قدراته العسكرية خلال الحملة الصليبية الثالثة، إذ أفرز الإرهاق المتراكم ضعفاً بالغاً.
عاد صلاح الدين إلى دمشق عاصمته مع نهاية عام 1192 م، وقد أنهكته الحروب المتواصلة وأفنت صحته. وخرج لاستقبال قافلة الحجاج القادمة من مكة في صفر 589هـ، فأصيب بحمَّى لم يُفق منها. ووصف بهاء الدين ابن شداد الذي كان شاهداً على آخر أيامه تدهور حاله اليومي، وقد حضر وفاته ودوَّن ما رآه ببراعة بالغة. لقي صلاح الدين حتفه في فجر يوم الأربعاء 27 صفر 589هـ/4 مارس 1193 م.
دُفن صلاح الدين في البداية في قلعة دمشق ريثما أتمَّ ابنه الملك الأفضل نور الدين علي بناء الضريح. ثم نُقل رفاته إلى مثواه الأخير في يوم عاشوراء عام 592هـ/1195 م. ويقع الضريح -المعروف اليوم بتربة صلاح الدين- في الزاوية الشمالية الغربية للجامع الأموي الكبير في دمشق، وكان أصلاً جزءاً من مجمع يضمُّ المدرسة العزيزية التي لم يبقَ منها سوى بقايا أعمدة.
ويُعدُّ التابوت الخشبي المزخرف داخل الضريح نموذجاً بارزاً على فن النحت الأيوبي في الخشب. وقد زار الإمبراطور الألماني غيلهلم الثاني الضريح عام 1898 م وأهداه تابوتاً رخامياً جديداً رُفض قبوله وأُودع متحف دمشق. اليوم يقع الضريح في قلب الحي القديم من دمشق، وهو وجهة زوار وباحثين من مختلف أنحاء العالم.
أسَّس صلاح الدين سلالة الأيوبيين، التي حكمت مصر والشام واليمن وأجزاء من الحجاز حتى عام 648هـ/1250 م في مصر، ثم استمرَّت في الشام حتى عام 659هـ/1260 م حين أنهى الغزو المغولي وسلطة المماليك الدولة الأيوبية الأخيرة. وكان أبرز حكام الأيوبيين من بعده الملك العادل أبو بكر بن أيوب، والملك الكامل محمد الذي أبرم اتفاقية فريدريك الثاني في القدس عام 1229 م.
غدت شخصية صلاح الدين رمزاً للوحدة الإسلامية والجهاد وصون الأماكن المقدسة في الذاكرة الجمعية للمسلمين. وأصبح استحضار اسمه لازمةً خطابية في الحركات السياسية والدينية المختلفة؛ فتبنَّى جمال عبد الناصر رمزيته في إطار القومية العربية، ورفع الرئيس حافظ الأسد صورته في سياق مشروعه القومي السوري. واتُّخذ نسر صلاح الدين -الظاهر على ختمه الشخصي- شعاراً لعدد من الدول العربية كمصر والعراق وليبيا وفلسطين.
بنت أوروبا صورة رومانسية عن صلاح الدين عبر التاريخ؛ فقد تناوله المؤلف الإيطالي دانتي أليغيري إيجابياً في »الكوميديا الإلهية« وصفاً له بـ»الفاضل«. وفي عصر النهضة أُشيدت فضائله في أدب الحوار بين الأديان. ثم جاءت رواية والتر سكوت »التعويذة« (1825 م) لتُرسِّخ صورته في الخيال الأوروبي بوصفه نموذجاً للفروسية والإنسانية، وهو توصيف أعادته آن-ماري إيديه في سيرتها الأكاديمية (2011 م) إلى أصوله الأسطورية، مُنبِّهةً إلى أن كثيراً من الصفات »النبيلة» المنسوبة إليه في الغرب بُنيت أساساً على ادعاءات المصادر الشعرية اللاتينية وليس على الأدلة التاريخية الموثَّقة.
ظلَّت هويةُ صلاح الدين موضعَ جدل معاصر: فالعرب يعتبرونه بطلاً قومياً عربياً، والأكراد يحتفون به رمزاً لعبقريتهم وتأثيرهم الحضاري. وقد أكَّد عدد من الأكاديميين، كما في الدراسة المنشورة في «Springer Nature» بعنوان «The (un)Making of a National Hero: Saladin in Iraq and Kurdistan»، أن الجدل حول هويته يعكس توترات سياسية معاصرة أكثر مما يعكس حقيقة تاريخية صافية.
يُثير المؤرخون جملةً من القضايا التي تبقى مثار جدل علمي:
درجة التوتر مع نور الدين: وصفه ابن الأثير بعلاقة متوترة مع سيده نور الدين، غير أن كثيراً من المؤرخين المعاصرين يرون في ذلك تحيُّزاً مصدرياً مرتبطاً بالولاء الزنكي لابن الأثير.
نطاق مجزرة الصليبيين في القدس 1099 م: باتت بعض الدراسات الأكاديمية الحديثة تُشكِّك في مدى حجم المذبحة الصليبية لعام 1099 م مقارنةً بما تصفه المصادر الأولية، وذلك من منطلق دراسات التاريخ التطبيقي للحروب الصليبية.
دوافع رحمة القدس: هل كان موقف صلاح الدين من سكان القدس نابعاً من تقوى خالصة أم كان جزئياً ذا بُعد استراتيجي لتجنُّب تصعيد الردة الأوروبية؟ يرى المؤرخون الأكاديميون المعاصرون أنه كان مزيجاً من الاثنين.
أسطورة الكرم المطلق: تنبِّه آن-ماري إيديه بصراحة إلى أن الصورة المثالية لصلاح الدين قد تضخَّمت عبر القرون، وأن كثيراً من «المناقب» المنسوبة إليه هي اختراع تراكمي أوروبي وعربي لاحق، وليست كلها موثَّقة في المصادر الأولية.
| التاريخ الميلادي | التاريخ الهجري | الحدث |
|---|---|---|
| 1137/1138 م | 532/533هـ | الولادة في تكريت لأسرة كردية |
| 1139 م | 534هـ | انتقال الأسرة إلى بعلبك بعد تعيين والده والياً عليها |
| نحو 1152 م | نحو 547هـ | انتقال الأسرة إلى دمشق في خدمة نور الدين زنكي |
| 1164 م | 559هـ | الحملة المصرية الأولى مع عمه شيركوه |
| 1167 م | 562هـ | الحملة المصرية الثانية، معركة البابين |
| يناير 1169 م | ربيع الأول 564هـ | الحملة المصرية الثالثة، انسحاب الصليبيين |
| مارس 1169 م | ربيع الأول 564هـ | وفاة شيركوه، تولِّي صلاح الدين الوزارة الفاطمية |
| 13 سبتمبر 1171 م | 10 محرم 567هـ | وفاة الخليفة العاضد، إلغاء الخلافة الفاطمية |
| أكتوبر 1174 م | رمضان 570هـ | فتح دمشق سلمياً، بدء مرحلة توحيد الشام |
| 1175 م | 571هـ | معركة قرون حماة، الاعتراف به سلطاناً على مصر والشام |
| 1176 م | 572هـ | نجاته من محاولتَي اغتيال إسماعيليتَين |
| 1183 م | 579هـ | فتح حلب، الانتهاء من السيطرة على شمال الشام |
| 3 مارس 1186 م | رجب 582هـ | معاهدة الموصل، اكتمال التوحيد الإسلامي |
| 4 يوليو 1187 م | 25 ربيع الأول 583هـ | معركة حطين، هزيمة الصليبيين الكاملة |
| 2 أكتوبر 1187 م | 27 رجب 583هـ | فتح القدس وإعادة الخطبة الإسلامية فيها |
| 12 يوليو 1191 م | ربيع الثاني 587هـ | سقوط عكا بيد ريتشارد الأول |
| 7 سبتمبر 1191 م | جمادى الأولى 587هـ | معركة أرسوف |
| 1–2 سبتمبر 1192 م | ربيع الثاني 588هـ | معاهدة يافا، نهاية الحملة الصليبية الثالثة |
| 4 مارس 1193 م | 27 صفر 589هـ | الوفاة في دمشق |
صلاح الدين يوسف بن أيوب (532–589هـ / 1137–1193 م): السلطان الأيوبي الأول، محرر القدس وموحِّد الجبهة الإسلامية.
نجم الدين أيوب (ت. 568هـ/1173 م): والد صلاح الدين، والٍ كردي في خدمة البيت الزنكي، نشأ في تكريت وعمل لاحقاً في بعلبك ودمشق.
أسد الدين شيركوه (ت. 564هـ/1169 م): عمُّ صلاح الدين وأستاذه العسكري الفعلي، أول من تولى الوزارة الفاطمية من القادة الزنكيين.
نور الدين زنكي (511–569هـ / 1118–1174 م): سلطان الشام وراعي صلاح الدين ومرشده السياسي، خلف أباه عماد الدين زنكي على حكم الدولة الزنكية.
غي دو لوزينيان (نحو 1150–1194 م): ملك مملكة القدس الصليبية، أُسر في حطين وأُطلق سراحه لاحقاً.
رينالد دي شاتيون (أرناط) (نحو 1125–1187 م): صاحب حصن الكرك، أُعدم بيد صلاح الدين شخصياً بعد حطين.
ريتشارد الأول «قلب الأسد» (1157–1199 م): ملك إنجلترا، قائد الحملة الصليبية الثالثة، لم يستطع دخول القدس.
بهاء الدين ابن شداد (539–632هـ / 1145–1234 م): قاضي عسكر صلاح الدين من 1188 م حتى وفاته، مؤلف «النوادر السلطانية» أهم سيرة أولية لصلاح الدين.
عماد الدين الأصفهاني (519–597هـ / 1125–1201 م): كاتب سرِّ صلاح الدين، مؤلف «الفتح القسي في الفتح القدسي»، و"البرق الشامي".
بالْيان دي إيبلان (نحو 1143–1193 م): النبيل الفرنجي الذي دافع عن القدس وتفاوض على تسليمها بشروط إنسانية.
بهاء الدين ابن شداد، النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، القرن الثالث عشر الميلادي. ترجمة إنجليزية: D. S. Richards، The Rare and Excellent History of Saladin، Ashgate/Routledge، لندن، 2001. (المصدر الأولي الأهم: مؤلفه كان قاضي عسكر صلاح الدين من 1188 م حتى وفاته)
عماد الدين الأصفهاني، الفتح القسي في الفتح القدسي، نحو 1193 م. (كاتب سرِّ صلاح الدين ومرافقه في الحملات)
ابن الأثير الموصلي، الكامل في التاريخ، القرن الثالث عشر الميلادي، المجلدات المتعلقة بسنوات 1164–1193 م.
ابن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، القرن الثالث عشر الميلادي، ترجمة De Slane الإنجليزية 1843 م.
Malcolm Cameron Lyons & D. E. P. Jackson، Saladin: The Politics of the Holy War، Cambridge University Press، 1982، 456 صفحة. (University of Cambridge Oriental Publications, No. 30)
Anne-Marie Eddé، Saladin، ترجمة Jane Marie Todd، Belknap Press of Harvard University Press، كامبريدج، 2011، 660 صفحة.
Andrew S. Ehrenkreutz، Saladin، State University of New York Press، ألباني، 1972، 290 صفحة.
Stanley Lane-Poole، Saladin and the Fall of the Kingdom of Jerusalem، G. P. Putnam’s Sons، نيويورك ولندن، 1898 (طبعات متعددة).
Jonathan Phillips، The Life and Legend of the Sultan Saladin، Bodley Head، 2019.
Encyclopaedia Britannica، Saladin، https://www.britannica.com/biography/Saladin (تحرير المحررين الأكاديميين، محدَّث).
World History Encyclopedia، Saladin’s Conquest of Jerusalem (1187 CE)، بقلم James Wieck، https://www.worldhistory.org/article/1553/saladins-conquest-of-jerusalem-1187-ce/
World History Encyclopedia، Battle of Hattin: Saladin’s Greatest Victory، https://www.worldhistory.org/Battle_of_Hattin/
World History Encyclopedia، Saladin & the Unification of the Muslim Front: 1169–1187 CE، https://www.worldhistory.org/article/1384/saladin–the-unification-of-the-muslim-front-1169/
Cambridge Core، مراجعة كتاب Lyons & Jackson، Review of Middle East Studies، https://www.cambridge.org/core/journals/review-of-middle-east-studies/
الجزيرة نت، صلاح الدين الأيوبي: قائد كردي وحَّد العالم الإسلامي، فبراير 2025، https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2025/2/25/
مؤسسة هنداوي، سيرة صلاح الدين الأيوبي: النوادر السلطانية لبهاء الدين ابن شداد، https://www.hindawi.org/books/20851796/
ResearchGate، From Kurdish Sultan to Pan-Arab Champion: The Evolution of the Saladin Myth، https://www.researchgate.net/publication/313778533