هضبة الجولان هي هضبة بازلتية بركانية تقع في جنوب غربي سوريا، تبلغ مساحتها الإجمالية نحو 1.860 كم²، وتحتلها إسرائيل منذ حرب حزيران عام 1967 م. تُعدّ الجولان من أكثر المناطق المتنازع عليها في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، إذ تجمع بين أهمية جغرافية واستراتيجية فائقة — بوصفها خزان المياه الأول لنهر الأردن وبحيرة طبريا — وبين إرث حضاري يمتد من العصر البرونزي إلى يومنا هذا، فضلاً عن كونها ملفاً قانونياً دولياً مفتوحاً أكد مجلس الأمن بالإجماع في قراره 497 لعام 1981 م أن ضمها «باطل وعديم الأثر القانوني».
تقع هضبة الجولان في أقصى جنوب غربي الجمهورية العربية السورية، وتشكّل جزءاً من الامتداد الجنوبي لسلسلة جبال لبنان الشرقية (جبل الشيخ). تمتد الهضبة على مساحة إجمالية تبلغ نحو 1.860 كم² وفق الموقف السوري والأممي، منها ما بين 1.150 و1.500 كم² تحت الاحتلال الإسرائيلي المباشر منذ عام 1967 م — وتتباين الأرقام بحسب المصادر الإسرائيلية والسورية. يبلغ امتدادها الشمالي-الجنوبي نحو 70-74 كم، بينما يتراوح عرضها الشرقي-الغربي بين 12 و27 كم بحسب الموضع.
تتميز الجولان بحدود طبيعية واضحة من جهاتها الأربع:
يُطلّ الجولان من موقعه المرتفع على مدينة دمشق التي لا تبعد سوى نحو 55 كم، كما يشرف على بحيرة طبريا ووادي الأردن بأكمله، مما يمنحه قيمة استراتيجية عسكرية استثنائية.
يتباين الارتفاع عبر الهضبة تبايناً كبيراً:
تتكون تربة الجولان أساساً من الصخور البازلتية البركانية، ولا سيما في الجزء الشمالي، مما يجعلها من أخصب الأراضي الزراعية في المنطقة ومناسبة لزراعة الكروم والتفاح والحبوب.
يتمتع الجولان بمناخ متوسطي معتدل صيفاً وبارد شتاءً، مع تساقط ثلجي كثيف على المرتفعات الشمالية ولا سيما جبل الشيخ. وتسهم هذه الطبيعة المناخية في تغذية الينابيع والجداول المائية التي تجعل من الهضبة خزاناً مائياً لا يُقدَّر بثمن.
تُعدّ الموارد المائية في هضبة الجولان من أهم عوامل الصراع الجيوسياسي عليها، إذ يوفر الجولان أكثر من ثلث المياه العذبة التي تعتمد عليها إسرائيل في احتياجاتها الاستهلاكية والزراعية والصناعية، وفق تقديرات منظمة هيومن رايتس ووتش ومحللين دوليين — وإن كانت بعض المصادر الإسرائيلية تُقدّر النسبة بنحو 15%.
تنبع من الجولان وتمرّ عبره عدة أنهار رئيسية تُشكّل شريان الحياة المائية في المنطقة:
تقع بحيرة طبريا (بحر الجليل/كنيرت) على الطرف الغربي للجولان، على عمق -213 م تحت سطح البحر، وتبلغ مساحتها 166 كم². وتُعدّ أكبر مخزون للمياه العذبة في المنطقة. كما تتوزع على الهضبة أكثر من 200 ينبوع وعشرات الروافد والجداول المائية الموسمية والدائمة. وقد استحوذ المستوطنون الإسرائيليون على معظم هذه الينابيع وأنشؤوا خزانات مائية تُغذّي المستوطنات والأراضي الإسرائيلية.
يرى خبراء القانون الدولي أن استغلال الموارد المائية للجولان من قبل سلطة الاحتلال يُشكّل انتهاكاً للمادة 55 من لوائح لاهاي والقانون الإنساني الدولي، وهو ما وثقته تقارير «المرصد العربي لحقوق الإنسان في الجولان» (Al-Marsad) ومؤسسة «Next Century Foundation» في دراستها بعنوان «المياه المحتلة».
شهدت هضبة الجولان استيطاناً بشرياً منذ فجر التاريخ. تكشف الآثار عن مستوطنات بشرية تعود إلى العصر الحجري الحديث. وفي العصر البرونزي (3300-1200 ق.م) كانت المنطقة مأهولة بالأموريين (وهم عموريون كنعانيون)، وكانت تُعرف آنذاك باسم «أرض البشان». وتشهد المكتشفات الأثرية، ومنها شواهد دفن كنعانية تعود إلى نحو 2000 ق.م، على عمق الحضور البشري وتنوعه في هذه الهضبة.
بعد انهيار حضارات العصر البرونزي المتأخر، شكّلت الجولان جزءاً من مملكة جشور في القرن الثاني عشر قبل الميلاد. ثم في القرن التاسع قبل الميلاد امتدت سيطرة مملكة أرام دمشق الآرامية لتشمل معظم الجولان حتى شواطئ بحيرة طبريا. وفي القرن الثامن قبل الميلاد استولى الآشوريون على المنطقة، ثم تعاقب عليها البابليون فالأخمينيون (الفرس).
فتح الإسكندر الكبير الجولان عام 333 ق.م، وفي عهد خلفائه السلوقيين أُسست فيه مدن يونانية بارزة، أهمها:
ضمت روما هذه الأراضي عام 63 ق.م ضمن ولاية سوريا الرومانية. وقد ازدهرت المنطقة ازدهاراً واسعاً في العهد الروماني، وعثر علماء الآثار على 25 كنيساً يهودياً من الحقبتين الرومانية والبيزنطية، مما يدل على التعدد الديني والثقافي الذي عرفه الجولان عبر التاريخ. وقد وثّقت دراسات أكاديمية منشورة في مجلة JSTOR تفاصيل هذه المستوطنات وبنيتها المعمارية.
أسهمت الإدارة البيزنطية في ازدهار المجتمعين اليهودي والمسيحي على الهضبة. وتشير الحفريات الأثرية إلى كنيسة بازلتية مكتشفة حديثاً تعود إلى القرن الخامس الميلادي، إلى جانب آثار أديرة ومستوطنات زراعية بيزنطية متعددة.
في أغسطس 636 م دارت معركة اليرموك الفاصلة في المنطقة الممتدة بين نهر اليرموك جنوباً وهضبة الجولان شمالاً. واجهت جيوش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد القوات البيزنطية الضخمة التي يُقدَّر عددها بعشرات الآلاف. اختار خالد موقعاً دفاعياً استراتيجياً بالقرب من نهر اليرموك، مستغلاً الوديان الحادة جنوباً وغرباً لتقييد مناورات البيزنطيين وحصرهم في ميدان محدود. استمر القتال ستة أيام وانتهى بانتصار حاسم للعرب المسلمين أنهى الحكم البيزنطي في سوريا بصورة نهائية ومهّد لفتح فلسطين ومصر في السنوات التالية.
انتقل الجولان من حكم الراشدين إلى الأمويين — حين كانت دمشق عاصمة الخلافة الإسلامية — فالعباسيين فالحمدانيين فالأيوبيين فالمماليك. وفي هذه الحقب عُرف الجولان بأسمائه التاريخية في المصادر العربية الإسلامية: «الجولان» و**«أرض الجولان»**، وكان جزءاً لا يتجزأ من بلاد الشام الإدارية التابعة لدمشق.
في عام 1516 م ضمّ العثمانيون سوريا بعد معركة مرج دابق. وطوال أربعة قرون (1516-1918 م) ظل الجولان جزءاً من ولاية دمشق العثمانية، تُديره الإدارة العثمانية المحلية دون انفصال عن بقية المنطقة. واستقرت فيه جماعات سورية متنوعة الأعراق والمذاهب، وبخاصة الدروز والشركس والتركمان إلى جانب العرب السنة، في نسيج اجتماعي متعدد يعكس طبيعة بلاد الشام التاريخية.
أرست اتفاقية سايكس-بيكو السرية عام 1916 م الأسس الأولى لتقسيم بلاد الشام بين بريطانيا وفرنسا. وبموجب هذه الاتفاقية أُدرج الجولان ضمن منطقة النفوذ الفرنسي. ثم جاء مؤتمر سان ريمو عام 1920 م ليُضفي طابعاً رسمياً دولياً على الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان. وفي عام 1923 م أصبح الجولان جزءاً من دولة دمشق تحت الانتداب الفرنسي.
لعب ترسيم الحدود بين مناطق الانتداب الفرنسي (سوريا) والانتداب البريطاني (فلسطين) دوراً حاسماً في رسم خريطة الصراع اللاحق. فقد حُدّدت الحدود بين سوريا وفلسطين الانتدابية على أساس جغرافي ومائي، لكنها لم تُرسَّم بدقة كافية في بعض المناطق، وهو ما سيُولّد لاحقاً نزاعات حول مناطق مثل مزارع شبعا والمناطق المنزوعة السلاح.
حين انتهى الانتداب الفرنسي واستقلت سوريا في أبريل 1946 م، أصبح الجولان جزءاً لا يتجزأ من الجمهورية العربية السورية المستقلة، وظل كذلك إدارياً وقانونياً حتى حرب حزيران 1967 م. وبعد حرب فلسطين عام 1948 م واتفاقية الهدنة السورية-الإسرائيلية عام 1949 م، أُنشئت مناطق منزوعة السلاح قرب بحيرة طبريا وسهل الحولة، غدت مسرحاً لتوترات متكررة بين الجانبين.
في 5 يونيو (حزيران) 1967 م شنت إسرائيل حرباً على ثلاث جبهات في آن واحد: الجبهة المصرية (سيناء)، والجبهة الأردنية (الضفة الغربية والقدس)، والجبهة السورية (الجولان). في الأيام الأولى تمركزت المعارك الكبرى في سيناء والضفة الغربية، بينما ظلت الجبهة السورية هادئة نسبياً. وفي 9 يونيو — أي اليوم الخامس من الحرب — فتحت إسرائيل هجومها الكاسح على الجبهة السورية.
في 9 يونيو 1967 م أذاع حافظ الأسد — الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع آنذاك — بياناً عسكرياً أعلن فيه سقوط مدينة القنيطرة (عاصمة محافظة الجولان) قبل سقوطها الفعلي بنحو 17 ساعة. أربك هذا الإعلان السابق لأوانه خطوط الدفاع السورية وحطم معنويات الجنود المرابطين في مواقعهم، فشرع كثير منهم في الانسحاب العشوائي. وقد وصف المراسل البريطاني جيريمي بوين دخوله القنيطرة بالقول: «وصلنا إليها دون عائق، محركات الدبابات لم تتوقف، معدات الاتصال لا تزال تعمل، تم التخلي عنها». ظل هذا البيان واحداً من أكثر الأحداث إثارة للجدل في تاريخ عصر حافظ الأسد، واتهمه خصومه باستخدامه ذريعة سياسية لاحقاً.
في 10 يونيو 1967 م دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وكانت إسرائيل تسيطر على نحو 1.260 كم² من أراضي الجولان السوري، بما فيها مدينة القنيطرة عاصمة المحافظة ومئات القرى والمزارع.
مثّل سقوط الجولان كارثة إنسانية من الطراز الأول:
وفي نوفمبر 1967 م أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 242 الذي طالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة في حرب يونيو.
في 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973 م — الذي صادف يوم الغفران اليهودي وشهر رمضان — شن الجيش العربي السوري هجوماً شاملاً على الجبهة السورية في الجولان المحتل بالتزامن مع الهجوم المصري على سيناء. دُفع إلى المعركة أكثر من 1.400 دبابة سورية مدعومة بأسراب المشاة والمدفعية الثقيلة وصواريخ الدفاع الجوي. كان الهدف المعلن استعادة الجولان خلال 24 ساعة. اخترقت قوات الفرقتين المدرعتين الأولى والثالثة خط وقف إطلاق النار وحققت تقدماً ملموساً في الساعات الأولى.
في معبر القنيطرة خاضت القوات الإسرائيلية — ولا سيما اللواء المدرع السابع بقيادة العقيد أفيغدور بن غال — معارك دبابات من أشرس ما عرفه القرن العشرون ضد الفرقة السورية 81 المزودة بدبابات T-62 السوفيتية. أُطلق على الموضع اسم «وادي الدموع» (Valley of Tears) نظراً لفداحة الخسائر في الجانبين، وهو اليوم موقع سياحي إسرائيلي يحمل هذا الاسم.
في 31 مايو (أيار) 1974 م وُقّعت اتفاقية فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل برعاية الأمم المتحدة، وصدر بموجبها قرار مجلس الأمن 350. نصّت الاتفاقية على:
تأسست قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF — United Nations Disengagement Observer Force) بموجب القرار 350 ذاته، للإشراف على تنفيذ الاتفاقية ومراقبة منطقة الفصل. يتجدد تفويض القوة كل ستة أشهر منذ عام 1974 م وحتى اليوم، في واحدة من أطول بعثات حفظ السلام الأممية. ظلت هذه الآلية فاعلة نسبياً في الحفاظ على الهدوء على الجبهة السورية-الإسرائيلية لعقود، قبل أن تتعرض لتحديات جسيمة بعد اندلاع الأزمة السورية عام 2011 م وصولاً إلى سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 م.
بموجب اتفاقية فض الاشتباك، أُعيدت مدينة القنيطرة — عاصمة محافظة الجولان — إلى السيادة السورية ضمن منطقة الفصل. غير أن القوات الإسرائيلية قامت قبيل انسحابها بتدمير المدينة تدميراً ممنهجاً باستخدام الجرافات والديناميت، فهدمت المباني والمساجد والكنائس والمستشفيات والمدارس والبنى التحتية. استنتجت لجنة أممية مكلّفة بالتحقيق أن «القوات الإسرائيلية دمّرت المدينة عمداً قبيل انسحابها».
في 29 نوفمبر 1974 م أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً وصفت فيه تدمير القنيطرة بأنه «انتهاك فادح لاتفاقية جنيف الرابعة» المتعلقة بحماية المدنيين في زمن الحرب. وأبقت سوريا على أنقاض المدينة دون إعادة إعمار كشاهد حي على جرائم الاحتلال، وتحولت القنيطرة المدمرة إلى رمز وطني سوري للمقاومة والصمود في مواجهة الاحتلال.
في 14 ديسمبر (كانون الأول) 1981 م أقرّ الكنيست الإسرائيلي ما يُعرف بـ**«قانون مرتفعات الجولان»** الذي مدّد القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية على الجولان المحتل. ومع أن نص القانون لم يذكر كلمة «ضم» صراحةً، إلا أن المجتمع الدولي عدّه بمثابة ضم فعلي للأراضي السورية المحتلة.
في 17 ديسمبر 1981 م — أي بعد ثلاثة أيام فحسب — أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 497 بالإجماع (15 صوتاً من أصل 15)، وهو القرار الأهم في الملف القانوني للجولان. نصّ القرار على:
وفي يناير 1982 م تقدّم أعضاء في مجلس الأمن بمشروع قرار لفرض عقوبات على إسرائيل بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، لكن الولايات المتحدة استخدمت حق النقض (الفيتو) لإجهاضه.
تتوزع على الجولان المحتل 33 مستوطنة ضمن المجلس الإقليمي للجولان، إضافة إلى 19 موشاف و10 كيبوتسات، يقطنها نحو 31.000 مستوطن إسرائيلي بنهاية عام 2024 م. ويسيطر هؤلاء المستوطنون على أكثر من 96% من أراضي الجولان المحتل، فيما لا يملك السوريون الباقون سوى جزء يسير من الأرض التي كانت ملكاً لأجدادهم.
يُمارس الاحتلال الإسرائيلي استغلالاً واسعاً لموارد الجولان الطبيعية بما يتعارض مع القانون الدولي:
وفي ديسمبر 2024 م وافق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على خطة لمضاعفة عدد المستوطنين في الجولان بتخصيص 40 مليون شيكل (نحو 11 مليون دولار أمريكي).
من أصل 312 تجمعاً سكانياً سورياً كانت قائمة في الجولان قبل عام 1967 م، لم يبقَ سوى خمس قرى في شمال الجولان يقطنها سوريون من الطائفة الدرزية:
| القرية | التقدير السكاني (2023 م) |
|---|---|
| مجدل شمس | نحو 11.235 نسمة |
| مسعدة | نحو 10.000 نسمة |
| بقعاثا | نحو 5.000 نسمة |
| عين قنية | نحو 3.000 نسمة |
| الغجر | نحو 2.500 نسمة (قرية حدودية لبنانية) |
يبلغ إجمالي عدد السوريين في هذه القرى الخمس نحو 20.000 نسمة.
في عام 1981 م — إثر إقرار «قانون الجولان» — رفض أكثر من 90% من سكان القرى الدرزية الجنسية الإسرائيلية المعروضة عليهم، في موقف وطني جماعي اعتُبر من أبرز مظاهر المقاومة السلمية في تاريخ الاحتلال.
في فبراير (شباط) 1982 م أعلن سكان مجدل شمس إضراباً شاملاً احتجاجاً على قرار الكنيست بفرض بطاقات الهوية والتجنيد الإجباري الإسرائيليين. استمر الإضراب 19 أسبوعاً متواصلاً في ما بات يُعرف بإضراب «الكرامة»، وفرضت إسرائيل حصاراً على البلدة، لكنها اضطرت في نهاية المطاف إلى التراجع أمام صمود السكان.
يرفض نحو 80% من دروز الجولان الجنسية الإسرائيلية حتى اليوم، ويصنفون أنفسهم عرباً سوريين. قال الشيخ عيزات الصفدي — أحد أبرز رموز الهوية الوطنية في مجدل شمس: «هويتنا الوطنية ليست أقرب لطرف دون آخر، بل هي حقيقة؛ نحن عرب سوريون». ويقاطع الدروز الانتخابات البلدية الإسرائيلية، ويحتفظون بتواصل عاطفي وعائلي مع ذويهم في الجانب السوري عبر «خط الصراخ» (هاتف جدار الصوت) في مجدل شمس، حيث كان الأهالي يتنادون عبر السياج الفاصل قبل توفر وسائل الاتصال الحديثة.
غير أن أحداث سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 م وما تلاها من اضطرابات أثّرت على المشهد، إذ وصلت نسبة حاملي الجنسية الإسرائيلية في مجدل شمس إلى نحو 38% في مطلع 2026 م — وهي أعلى نسبة تاريخياً — وإن ظلت الغالبية رافضة للتجنس، وفق تقارير «مركز ويلسون» الأمريكي.
في أغسطس (آب) 1993 م أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر بشكل سري باستعداده للانسحاب الكامل من الجولان في حال التوصل إلى اتفاق سلام شامل مع سوريا. عُرف هذا الالتزام السري بـ**«وديعة رابين»** (Rabin Deposit). وفي يوليو (تموز) 1994 م أوضح رابين أن «الانسحاب الكامل» يعني العودة إلى خطوط 4 يونيو 1967 م — أي قبيل اندلاع الحرب مباشرة — مما كان سيمنح سوريا الوصول إلى ضفة بحيرة طبريا. لم يُطلع رابين شيمون بيريز على هذه الوديعة. وفي نوفمبر 1995 م اغتيل رابين على يد متطرف إسرائيلي، فأبلغ بيريز واشنطن بتأييده للوديعة. وثّقت مجلة تايم ومؤسسة الدراسات الفلسطينية ومعهد بروكينغز تفاصيل هذه الوديعة وسياقها.
في 3-10 يناير 2000 م استضافت مدينة شيبردزتاون (ولاية فرجينيا الغربية الأمريكية) مفاوضات سورية-إسرائيلية رفيعة المستوى برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون. قادها عن إسرائيل رئيس الوزراء إيهود باراك، وعن سوريا وزير الخارجية فاروق الشرع. تناولت المحادثات أربعة ملفات جوهرية:
انتهت المحادثات دون اتفاق. أحجم باراك عن التوقيع خشية الرأي العام الإسرائيلي، إذ أظهرت استطلاعات الرأي أن أقلية فقط من الإسرائيليين تدعم الانسحاب الكامل من الجولان. وقد وثّق معهد واشنطن للدراسات تفاصيل هذه المفاوضات في دراسته «هاوية السلام: المفاوضات الإسرائيلية-السورية».
في مارس 2000 م عُقدت قمة أخيرة في جنيف بين الرئيس كلينتون والرئيس السوري حافظ الأسد، انتهت بفشل ذريع. توفي حافظ الأسد في يونيو 2000 م وانتهى معه المسار السوري-الإسرائيلي للسلام عملياً، وإن بقيت الوديعة مرجعاً قانونياً ودبلوماسياً مهماً.
في 25 مارس (آذار) 2019 م وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرسوماً رئاسياً يعترف بـ«السيادة الإسرائيلية» على هضبة الجولان المحتلة. وكان هذا أول اعتراف من أي دولة في العالم بضم الجولان، وشكّل خروجاً صريحاً على الإجماع الدولي المتمثل في القرار 497.
جاء الإعلان الأمريكي محل إدانة واسعة:
وتواصل الجمعية العامة للأمم المتحدة إصدار قراراتها السنوية تحت عنوان «الجولان السوري المحتل» المطالبة بانسحاب إسرائيل الكامل.
في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024 م انهار نظام بشار الأسد على يد فصائل المعارضة المسلحة. في اليوم نفسه أعلنت إسرائيل أن اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 م «أصبحت لاغية»، وأرسلت قواتها لاحتلال المنطقة العازلة المنزوعة السلاح في انتهاك صريح للقرار 350 واتفاقية 1974 م. أقامت القوات الإسرائيلية 9 مواقع عسكرية جديدة داخل المنطقة العازلة.
تقدمت القوات الإسرائيلية نحو جبل الشيخ (2.814 م، أعلى نقطة في سوريا) لتبسط التغطية الاستخباراتية الإلكترونية عمقاً في الأراضي السورية. وأقامت مواقع عسكرية متقدمة على بعد 25 كم فقط من دمشق، في توسع غير مسبوق منذ حرب 1973 م.
صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن إسرائيل «ستتمسك بالجولان وتُزهره وتُعمّره». ووافقت الحكومة الإسرائيلية على خطة توسعية استيطانية بتمويل 40 مليون شيكل لمضاعفة عدد المستوطنين في الجولان. وقد وثّق تقرير مجلس الأمن الصادر في مارس 2025 م هذه التطورات وتأثيرها على عمل قوة UNDOF.
تُعدّ مشكلة الألغام الأرضية في الجولان من أخطر التحديات الإنسانية المزمنة في المنطقة. فقد زُرع نحو 1.2 مليون لغم في منطقة الجولان ووادي الأردن خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين من قبل الجانبين السوري والإسرائيلي. وتُشير المصادر الرسمية الإسرائيلية إلى أن أكثر من 75.000 دونم — أي نحو 6% من مساحة الجولان المحتل — مناطق مشبوهة بوجود ألغام.
سقط أكثر من 60 ضحية (بين قتلى وجرحى) من سكان الجولان جراء الألغام منذ عام 1967 م، ومن بينهم أطفال ورعاة ومزارعون. وقد أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) أن استخدام الألغام كان في معظمه مخالفاً للقانون الدولي الإنساني وذا أثر إنساني بالغ الضرر. كما وثّقت منظمة «المرصد» (Al-Marsad) حالات إصابة ومقتل مدنيين جراء هذه الألغام في تقاريرها المنشورة.
في عام 2011 م أقرّ الكنيست الإسرائيلي تشريعاً لإزالة الألغام غير الضرورية أمنياً، لكن وزارة الدفاع الإسرائيلية تُقدّر أن المشروع بالوتيرة الحالية قد يستغرق بين 50 و60 عاماً لإنجازه.
يستند الموقف القانوني الدولي بشأن الجولان إلى منظومة متكاملة من قرارات الأمم المتحدة:
| القرار | التاريخ | المضمون الرئيسي |
|---|---|---|
| القرار 242 (مجلس الأمن) | نوفمبر 1967 م | يطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة في حرب 1967 م |
| القرار 338 (مجلس الأمن) | أكتوبر 1973 م | وقف إطلاق النار في حرب أكتوبر، ويعيد التأكيد على القرار 242 |
| القرار 350 (مجلس الأمن) | مايو 1974 م | إنشاء قوة UNDOF والإشراف على منطقة الفصل |
| القرار 497 (مجلس الأمن بالإجماع) | 17 ديسمبر 1981 م | ضم إسرائيل «باطل وعديم الأثر القانوني»، ويطالب بالتراجع الفوري |
| القرار السنوي «الجولان السوري المحتل» (الجمعية العامة) | كل عام منذ 1981 م | يطالب بانسحاب إسرائيل ويؤكد عدم شرعية الاحتلال |
تنطبق اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 م المتعلقة بحماية المدنيين في زمن الحرب على الجولان المحتل باعتباره أرضاً محتلة وفق القانون الدولي. وتحظر الاتفاقية على دولة الاحتلال:
كما تُلزم لوائح لاهاي (المادة 55) سلطة الاحتلال بعدم استنزاف موارد الأرض المحتلة، وهو ما يُعدّه خبراء القانون الدولي منتهكاً في حالة الجولان.
باستثناء الولايات المتحدة (منذ إعلان ترامب 2019 م)، لا تعترف أي دولة في العالم بالسيادة الإسرائيلية على الجولان. ويظل الموقف الأممي والأوروبي والعربي والدولي واضحاً في اعتبار الجولان أرضاً سورية محتلة ينبغي إعادتها إلى سوريا في إطار تسوية سلمية شاملة. وقد أكد تقرير مجلس الأمن الصادر في مارس 2025 م بشأن تجديد تفويض UNDOF استمرار هذا الموقف القانوني دون تغيير.
تجدر الإشارة إلى منطقة مزارع شبعا التي تبلغ مساحتها نحو 22-25 كم² على تخوم الحدود اللبنانية-السورية-الإسرائيلية. تزعم لبنان أنها أراضٍ لبنانية وتؤيدها سوريا في ذلك، بينما تعتبرها إسرائيل جزءاً من الجولان السوري المحتل. يرجع الغموض إلى عدم ترسيم الحدود الفرنسية (اللبنانية-السورية) توثيقاً كاملاً في عهد الانتداب، وقد اتخذ حزب الله اللبناني من احتلالها مسوّغاً لاستمرار مقاومته المسلحة.
مجلس الأمن الدولي — القرار 497 (1981)، الرقم الأرشيفي: S/RES/497(1981). يُعلن بطلان ضم الجولان بالإجماع. https://docs.un.org/en/s/res/497(1981)
البعثة الدائمة لسوريا في الأمم المتحدة — الجولان السوري. صفحة رسمية تُوثق الموقف السوري في المحافل الأممية. https://www.un.int/syria/syria/syrian-golan
قوة UNDOF — الموقع الرسمي. التفويض ومنطقة الفصل. https://undof.unmissions.org/
مجلس الأمن — تقرير مارس 2025 م — تجديد تفويض UNDOF. يُوثق تطورات ما بعد سقوط الأسد وانتهاكات المنطقة العازلة. https://www.securitycouncilreport.org/monthly-forecast/2025-03/undof-golan-8.php
اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) — تلوث الأسلحة والألغام الأرضية. https://www.icrc.org/en/what-we-do/weapon-contamination
المرصد (Al-Marsad) — المركز العربي لحقوق الإنسان في الجولان السوري المحتل — التهجير القسري. https://golan-marsad.org/forcible-transfer/
المرصد (Al-Marsad) — خريطة القرى السورية المدمرة. https://golan-marsad.org/publication-of-a-new-map-of-syrian-villages-and-farms-destroyed-by-israel/
المرصد (Al-Marsad) — استغلال الموارد الطبيعية. https://golan-marsad.org/natural-resource-exploitation-2/
مؤسسة الدراسات الفلسطينية — الحياة تحت الاحتلال: مرتفعات الجولان. https://www.palestine-studies.org/ar/node/34516
مؤسسة أكيفوت (Akevot) — معهد إسرائيلي للأرشيف والتاريخ — التهجير في الجولان. https://www.akevot.org.il/en/article/displacement-in-the-golan/
الجزيرة نت — الجولان السوري… أرض القمح والبقر. https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2014/11/13/
NPR — ترامب يوقع إعلان الجولان. https://www.npr.org/2019/03/25/706588932/
الجزيرة (إنجليزي) — ترامب يعترف رسمياً بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان. https://www.aljazeera.com/news/2019/3/25/trump-formally-recognises-israeli-sovereignty-over-golan-heights
مركز الصحافة — الأمم المتحدة — ردود مجلس الأمن على اعتراف ترامب 2019. https://press.un.org/en/2019/sc13753.doc.htm
مجلس العلاقات الخارجية (CFR) — الجولان: ما الذي يجب مراعاته مع اعتراف ترامب. https://www.cfr.org/backgrounders/golan-heights-whats-stake-trumps-recognition
معهد بروكينغز (Brookings) — مسار سوريا الذي كان يمكن أن يكون: الجولان والمفاوضات. https://www.brookings.edu/articles/the-oslo-accords-at-25-the-syria-track-that-could-have-been/
معهد واشنطن للدراسات — هاوية السلام: المفاوضات الإسرائيلية-السورية. https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/brink-peace-israeli-syrian-negotiations
موسوعة بريتانيكا — هضبة الجولان. https://www.britannica.com/place/Golan-Heights
JSTOR (مقال أكاديمي) — المستوطنات في الحقبتين الرومانية والبيزنطية على هضبة الجولان. https://www.jstor.org/stable/27925896
مركز ويلسون (Wilson Center) — ولاءات قديمة وفرص جديدة: الهوية عند دروز الجولان. https://www.wilsoncenter.org/article/old-loyalties-new-opportunities-battle-identity-among-golani-druze
مجلة تايم (Time) — رابين وعد بإعطاء الجولان لسوريا (أرشيف). https://time.com/archive/6929295/book-rabin-promised-golan-to-syria-2/
مؤسسة Next Century Foundation — المياه المحتلة: الصراع الإسرائيلي-السوري على المياه. https://www.nextcenturyfoundation.org/occupied-waters/
مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي — المفاوضات والوساطة الأمريكية. https://carnegieendowment.org/research/2026/02/