تُعدّ الموارد المائية في سوريا من أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجه البلاد منذ عقود، إذ يقع الجزء الأكبر من الأراضي السورية ضمن المناطق الجافة وشبه الجافة التي تعاني من شُحّ الأمطار وتذبذبها الموسمي. تمتلك سوريا شبكة مائية تشمل ستة عشر نهراً ورافداً، أبرزها نهر الفرات ونهر العاصي ونهر الخابور ونهر بردى ونهر اليرموك، فضلاً عن عدد من البحيرات الطبيعية والاصطناعية والأحواض الجوفية. غير أنّ عقوداً من الاستنزاف المفرط والنمو السكاني والجفاف المتكرر والصراع المسلح منذ عام 2011 م قد أوصلت البلاد إلى أزمة مائية حادة، حيث انخفض نصيب الفرد من المياه المتاحة من نحو 12,185 متراً مكعباً سنوياً عام 1992 م إلى أقل من 500 متر مكعب بحلول عام 2025 م، وهو ما يضع سوريا تحت خط الفقر المائي الدولي المحدد بألف متر مكعب للفرد سنوياً.
تمتد الجمهورية العربية السورية على مساحة تبلغ نحو 185,180 كيلومتراً مربعاً في الطرف الغربي من قارة آسيا، ويتسم مناخها بالتنوع بين المناطق الساحلية الرطبة نسبياً في الغرب والسهول شبه الجافة في الوسط والبادية الصحراوية القاحلة في الشرق والجنوب الشرقي. يتراوح معدل هطول الأمطار السنوي بين أكثر من 1,000 ملليمتر في الجبال الساحلية وأقل من 100 ملليمتر في البادية الشرقية، فيما يبلغ المتوسط العام لهطول الأمطار على مستوى البلاد نحو 252 ملليمتراً سنوياً.
تُقسم سوريا مناخياً إلى خمس مناطق رئيسية من حيث الاستقرار الزراعي: المنطقة الأولى ذات الأمطار الكافية (أكثر من 350 ملليمتراً سنوياً) وتشمل الساحل والجبال الغربية وأجزاء من الجزيرة السورية، والمنطقة الخامسة التي تمثل البادية بأمطار لا تتجاوز 200 ملليمتر سنوياً ولا تصلح إلا للرعي الموسمي. يُقدّر إجمالي الموارد المائية المتجددة في سوريا بنحو 16.8 مليار متر مكعب سنوياً، يأتي أكثر من نصفها من مصادر خارجية عبر الأنهار العابرة للحدود، وخاصة نهر الفرات القادم من تركيا، مما يجعل الأمن المائي السوري مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالسياسات المائية لدول الجوار.
وقد شهدت العقود الأخيرة تراجعاً مطرداً في الموارد المائية المتاحة، حيث تُظهر سجلات الرصد على مدى سبعين عاماً اتجاهاً سلبياً واضحاً في معدلات التدفق السنوي لنهر الفرات إلى نحو 25 مليار متر مكعب. وتشير التوقعات المناخية إلى انخفاض محتمل بنسبة 20 بالمئة في إجمالي الإمدادات المائية السورية بحلول عام 2050 م، مما يُنذر بتفاقم الأزمة في العقود المقبلة.
تضم سوريا شبكة من الأنهار التي تتباين في أحجامها ومصادرها وأهميتها الاقتصادية، وتتقاسم خمسة منها مع دول مجاورة هي تركيا والعراق ولبنان والأردن، ويشكّل تدفق هذه الأنهار المشتركة نحو 75 بالمئة من إجمالي موارد المياه السطحية المنظمة في البلاد وأكثر من 45 بالمئة من الموارد المائية القابلة للاستخدام.
يُعدّ نهر الفرات أطول أنهار غربي آسيا وأكبر الأنهار في سوريا على الإطلاق، إذ يمتد مجراه الإجمالي لمسافة تتجاوز 2,800 كيلومتر من منابعه في المرتفعات الأرمنية شرقي تركيا حتى التقائه بنهر دجلة في جنوب العراق ليشكّلا معاً شط العرب. يدخل الفرات الأراضي السورية عند مدينة جرابلس في محافظة حلب، ويقطع نحو 680 كيلومتراً داخل سوريا مروراً بمدينة الرقة ودير الزور والبوكمال قبل أن يعبر إلى الأراضي العراقية.
يُغذّى الفرات داخل سوريا بثلاثة روافد رئيسية هي: نهر الساجور ونهر البليخ ونهر الخابور، وجميعها تصب فيه من الضفة اليسرى. يبلغ متوسط التصريف السنوي التاريخي للفرات عند دخوله سوريا نحو 28 مليار متر مكعب، غير أنّ هذا المعدل شهد انخفاضاً حاداً في العقود الأخيرة بسبب مشاريع السدود التركية، حيث تراجع إلى نحو 25 مليار متر مكعب وفقاً للبيانات المتاحة، بل وصل في بعض السنوات الجافة إلى مستويات أدنى بكثير.
يُشكّل حوض الفرات شريان الحياة لملايين السوريين، حيث يعتمد عليه في الري والشرب وتوليد الطاقة الكهرومائية عبر سدود الطبقة وتشرين والبعث. وقد شهد مستوى مياه النهر تراجعاً خطيراً منذ عام 2020 م، حيث سجّلت سوريا عام 2021 م أدنى معدلات هطول في تاريخها المسجّل، مما تسبب في انخفاض حاد في تدفق النهر وتهديد مصادر مياه الشرب لأكثر من خمسة ملايين شخص.
يُعرف نهر العاصي أيضاً باسم «الأورنتس» (Orontes)، وهو ثاني أهم أنهار سوريا بعد الفرات. ينبع من سهل البقاع في لبنان على ارتفاع نحو 1,000 متر فوق سطح البحر، ويتدفق شمالاً عبر الأراضي السورية مروراً بمدينة حمص ومنخفض الغاب ومدينة جسر الشغور، ثم يدخل الأراضي التركية عند مقاطعة أنطاكية ليصب في البحر الأبيض المتوسط قرب مدينة السويدية. يبلغ الطول الإجمالي للنهر نحو 571 كيلومتراً، منها قرابة 325 كيلومتراً داخل الأراضي السورية، ويُقدّر حوضه بنحو 14 بالمئة من الإمدادات المائية السورية.
يرتبط نهر العاصي ارتباطاً وثيقاً بالتراث الثقافي السوري، وأبرز تجلياته النواعير الشهيرة في مدينة حماة التي تُعدّ من أقدم آلات رفع المياه في التاريخ. يضم موقع حماة وحده 17 ناعورة تاريخية على امتداد كيلومترين من مجرى النهر، وكان عددها تاريخياً يصل إلى 80 ناعورة على طول مجراه كاملاً. تتراوح أقطار هذه النواعير بين 7 أمتار لأصغرها و21 متراً لأكبرها، وقد ظلت لنحو خمسمئة عام أطول سواقٍ مائية في العالم، وهي مُدرجة على قائمة التراث الوطني السوري.
يواجه نهر العاصي تحديات بيئية متعددة، أبرزها الاستنزاف المفرط للمياه الجوفية في حوضه والتلوث الناجم عن الصرف الزراعي والصناعي، فضلاً عن آثار النزاع المسلح الذي لحق بمدن الحوض منذ عام 2011 م.
يُعدّ نهر الخابور أكبر روافد نهر الفرات في سوريا من حيث الطول ومساحة الحوض والتصريف، وهو الرافد الرئيسي الذي يصب في الفرات من ضفته اليسرى داخل الأراضي السورية. تنبع مصادره الكارستية الرئيسية من منطقة رأس العين (سري كانيه) على الحدود السورية التركية، ويتدفق جنوباً شرقاً مروراً بمدينة الحسكة حتى يصب في الفرات بالقرب من البصيرة في محافظة دير الزور.
شكّل وادي الخابور الخصيب عبر التاريخ موطناً للاستيطان البشري منذ العصور الآشورية والحضارات الزراعية المبكرة. غير أنّ النهر تعرّض لكارثة بيئية في العقود الأخيرة، حيث تراجعت مستويات مياهه بشكل كبير حتى كاد يجف تماماً، تاركاً آثاراً سلبية عميقة على منطقة الجزيرة في شمال شرق سوريا التي كان يمثل لها مصدراً مائياً حيوياً. ويعود هذا التراجع إلى عوامل متعددة تشمل الاستنزاف المفرط للمياه الجوفية في حوضه والتغيرات المناخية وتأثير المشاريع المائية التركية على منابعه.
يُعدّ نهر بردى شريان الحياة التاريخي لمدينة دمشق، إذ بدونه ما كان لهذه المدينة العريقة أن تنشأ وتستمر بوصفها واحدة من أقدم المدن المأهولة بالسكان على وجه الأرض. ينبع النهر من جبال لبنان الشرقية (سلسلة جبال القلمون) على ارتفاع يناهز 1,500 متر فوق سطح البحر، ويتدفق عبر وادي بردى الضيق قبل أن يدخل سهل دمشق ويتفرع إلى عدة قنوات تُغذّي واحة الغوطة الشهيرة، ثم يتلاشى في البادية الصحراوية شرقي العاصمة.
عُرفت واحة الغوطة تاريخياً بخصوبتها الاستثنائية التي وفّرها نهر بردى وتفرعاته، وكانت تُنتج الفواكه والخضروات لسكان دمشق منذ آلاف السنين. غير أنّ التوسع العمراني الهائل والنمو السكاني والاستنزاف المفرط للمياه الجوفية أدت إلى تراجع مستمر في تدفق النهر، حيث يتجاوز إجمالي استهلاك المياه في حوض بردى حجم الموارد المائية المتجددة المتاحة. وخلال الثورة السورية، قطع النظام السوري السابق مياه نهر بردى عن الغوطة الشرقية المحاصرة كأداة حرب، بهدف إضعاف معنويات السكان وإجبار المعارضة على الاستسلام.
يُعدّ نهر اليرموك أكبر روافد نهر الأردن، ويمتد على الحدود بين سوريا والأردن وفلسطين المحتلة. يشكّل النهر حداً طبيعياً بين سهول حوران والباشان والجولان شمالاً وجبال جلعاد جنوباً، وقد خدم تاريخياً كخط فاصل بين الكيانات السياسية المتعاقبة في المنطقة.
يرتبط نهر اليرموك بواحدة من أهم المعارك في التاريخ الإسلامي، وهي معركة اليرموك التي وقعت عام 636 م (15 هـ) بين جيوش الخلافة الراشدة بقيادة خالد بن الوليد والإمبراطورية البيزنطية بقيادة فاهان الأرمني. استمرت المعركة ستة أيام من 15 إلى 20 آب/أغسطس 636 م، وانتهت بانتصار حاسم للمسلمين أنهى فعلياً الحكم البيزنطي في سوريا.
على صعيد النزاعات المائية المعاصرة، تتقاسم سوريا والأردن والكيان الإسرائيلي مياه نهر اليرموك وفق اتفاقيات ثنائية متعددة، أبرزها الاتفاقية السورية الأردنية لعامي 1953 م و1987 م، واتفاقية وادي عربة الأردنية الإسرائيلية لعام 1994 م. وفي تطور لافت، وقّعت سوريا والأردن في تموز/يوليو 2025 م اتفاقية جديدة لتقاسم مياه اليرموك ومراقبة الاستخدام المشترك ومعالجة مشكلة الآبار غير المرخصة.
تضم سوريا عدداً من البحيرات الطبيعية والاصطناعية التي تؤدي أدواراً متباينة في المنظومة المائية والبيئية للبلاد.
تُعدّ بحيرة الأسد، المعروفة أيضاً ببحيرة الطبقة أو بحيرة الفرات، أكبر بحيرة في سوريا. تشكّلت عام 1974 م نتيجة إنشاء سد الطبقة على نهر الفرات في محافظة الرقة. تبلغ سعتها التخزينية القصوى 11.7 مليار متر مكعب (وتُقدّر في بعض المصادر بنحو 14.1 مليار متر مكعب عند مستوى 304 أمتار فوق سطح البحر)، وتمتد مساحتها السطحية القصوى إلى 525 كيلومتراً مربعاً بطول يصل إلى 80 كيلومتراً.
تُوفّر البحيرة مياه الشرب لأكثر من خمسة ملايين شخص في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، وتُغذّي مشاريع الري الواسعة في المنطقة. غير أنّها شهدت انخفاضاً خطيراً في منسوب مياهها بنحو ستة أمتار منذ عام 2020 م، بسبب الجفاف المطوّل وتراجع التدفقات من السدود التركية.
تقع بحيرة قطينة بالقرب من مدينة حمص، وهي البحيرة الدائمة الرئيسية في سوريا. ارتبطت تاريخياً بنظام الري في حوض نهر العاصي وكانت تُغذّي الأراضي الزراعية المحيطة بحمص.
تُعدّ سبخة الجبّول أو بحيرة الجبّول أكبر بحيرة طبيعية في سوريا وثاني أكبر مسطح مائي بعد بحيرة الأسد الاصطناعية. تقع على بُعد نحو 30 كيلومتراً جنوب شرقي حلب، وهي بحيرة مالحة موسمية تحيط بها سبخات ملحية واسعة. تُستخدم المنطقة المحيطة بها تقليدياً لصيد الطيور المائية ورعي المواشي في السهوب المجاورة واستخراج الملح، وتحظى بأهمية بيئية بوصفها موطناً لأنواع متعددة من الطيور المهاجرة.
تضم سوريا أيضاً عدداً من البحيرات الأصغر حجماً، منها بحيرة الخاتونية في محافظة الحسكة وبحيرة مزيريب في محافظة درعا وبحيرة المزيرعة وغيرها من المسطحات المائية الموسمية المنتشرة في مناطق مختلفة من البلاد.
تُشكّل المياه الجوفية مصدراً بالغ الأهمية لسوريا، إذ يعتمد عليها نحو 60 بالمئة من الزراعة المروية في البلاد. تمتلك سوريا عدة أحواض جوفية رئيسية موزعة على مختلف المناطق الجغرافية، بما فيها أحواض الفرات والعاصي وبردى والبادية.
شهدت سوريا منذ تسعينيات القرن العشرين طفرة هائلة في حفر الآبار الجوفية، حيث ارتفع عدد الآبار من 135,089 بئراً عام 1999 م إلى أكثر من 213,335 بئراً عام 2007 م، وجزء كبير منها آبار غير مرخصة. وقد أسهمت عوامل عدة في هذه الطفرة، منها الكهرباء الريفية المدعومة ودعم أسعار الوقود والقروض الميسّرة لحفر الآبار وتجهيزها، مما شجّع التوسع في الري بالمياه الجوفية دون ضوابط كافية.
أدّى هذا الاستنزاف المفرط إلى انخفاض حاد في مستويات المياه الجوفية في مناطق عديدة. ففي سهل المليطة قرب بلدة النبك في جبال القلمون شمالي دمشق، انخفض منسوب المياه الجوفية من 35 متراً تحت سطح الأرض عام 1984 م إلى أعمق من 250 متراً بحلول عام 2009 م، وهو ما يعكس حجم الكارثة البيئية. وفي حوض بردى حول دمشق، يتجاوز إجمالي الاستهلاك المائي حجم الموارد المائية المتجددة المتاحة، مما يعني أنّ الخزانات الجوفية تُستنزف بشكل مستمر دون تعويض كافٍ.
حاولت الحكومة السورية التصدي لهذه الأزمة من خلال قانون المياه لعام 2005 م الذي اشترط ترخيص جميع الآبار في البلاد وهدّد بعقوبات تشمل الغرامات والسجن لمن يُضبط وهو يضخ المياه الجوفية بصورة غير قانونية. غير أنّ تطبيق هذا القانون ظل محدوداً، نظراً لأنّ الآبار غير المرخصة تُسهم في زراعة مساحات واسعة وتُوظّف آلاف العاملين في القطاع الزراعي، وإغلاقها قد يُفاقم البطالة الريفية ويُضعف الأمن الغذائي.
يُعدّ سد الفرات، المعروف أيضاً بسد الطبقة، أكبر السدود في سوريا وأحد أبرز المشاريع الهندسية في تاريخ البلاد. يقع على نهر الفرات على بُعد نحو 40 كيلومتراً غربي مدينة الرقة في محافظة الرقة. شُيّد بمساعدة الاتحاد السوفيتي السابق في الفترة بين عامي 1968 م و1973 م، ويبلغ ارتفاعه 60 متراً وطوله 4.5 كيلومترات، وهو من السدود الترابية.
يضم السد ثماني توربينات لتوليد الطاقة الكهرومائية بقدرة إجمالية مركّبة تبلغ 880 ميغاواط (وتُقدّر في بعض المصادر بنحو 824 ميغاواط). وقد أنشأ السد بحيرة الأسد التي تُعدّ أكبر خزان مائي في سوريا. إلى جانب توليد الكهرباء، ينظم السد موارد المياه لأغراض الري عبر مساحات زراعية شاسعة في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة.
غير أنّ القدرة الإنتاجية الفعلية للسد تراجعت بشكل كارثي في السنوات الأخيرة، حيث انخفضت من 880 ميغاواط إلى ما بين 60 و65 ميغاواط فقط بحلول منتصف عام 2025 م، ويعود ذلك أساساً إلى عدم كفاية الضاغط المائي اللازم لتشغيل التوربينات نتيجة الانخفاض الحاد في منسوب البحيرة. وفي كانون الثاني/يناير 2026 م، أُعلن عن عودة جزئية للكهرباء والمياه بعد تحرير سد الطبقة في سياق التحولات السياسية التي شهدتها البلاد.
يقع سد تشرين على نهر الفرات على بُعد نحو 90 كيلومتراً شرقي مدينة حلب في محافظة حلب. شُيّد في الفترة بين عامي 1991 م و1999 م، ويبلغ ارتفاعه 40 متراً ويضم ست توربينات بقدرة إجمالية تصل إلى 630 ميغاواط، مما يجعله ثاني أكبر منشأة لتوليد الطاقة الكهرومائية في سوريا بعد سد الطبقة. تبلغ سعة خزانه التخزينية 1.3 كيلومتر مكعب، ويمتد الخزان لمسافة 60 كيلومتراً ويُغذّى بمياه الفرات ونهر الساجور.
أصبح سد تشرين بؤرة توتر استراتيجية في سوريا ما بعد سقوط نظام الأسد، حيث تنافست عليه قوى مختلفة لأهميته الحيوية في توليد الطاقة والتحكم في الموارد المائية.
يقع سد الرستن على نهر العاصي قرب مدينة الرستن في محافظة حمص. يبلغ ارتفاعه 40 متراً وطوله 200 متر ويتسع لنحو 65 مليون متر مكعب من المياه، وقد شُيّد عام 1961 م لخدمة مشاريع الري في سهل حمص والمناطق المحيطة.
نفّذت سوريا عدة مشاريع ري كبرى عبر تاريخها الحديث، أبرزها:
مشروع سهل الغاب: بدأ عام 1953 م بهدف استصلاح سهل الغاب المنخفض الذي كان يتحول إلى مستنقعات موسمياً. تضمّن المشروع إنشاء سدود وشبكات قنوات للري والصرف، بما فيها سدود المحردة وزيزون وقرقور وقرى أخرى، مما حوّل المنطقة إلى أرض زراعية منتجة.
مشروع ري حوض الفرات: يُعدّ من أكبر مشاريع الري في سوريا، ويهدف إلى استثمار مياه الفرات المخزونة في بحيرة الأسد لري مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية في منطقة الجزيرة السورية.
نظام القنوات (القنوات الرومانية): عرفت سوريا نظام القنوات المائية الجوفية منذ العصر الروماني، وهو نظام تقليدي لنقل المياه يتكون من نفق تحت الأرض وعدد من الآبار الرأسية لنقل المياه من المرتفعات إلى المنخفضات بالاعتماد على الجاذبية. حُدّد في سوريا ما مجموعه 42 موقعاً للقنوات تضم 91 قناة، لا يزال 30 منها يعمل حتى اليوم.
شهدت سوريا في الفترة بين عامي 2006 م و2011 م واحدة من أشد موجات الجفاف في تاريخها الحديث، والتي وصفها الباحثون بأنها الأسوأ منذ تسعمئة عام في المنطقة. بدأت موجة الجفاف في شتاء 2006-2007 م وامتدت لثلاث سنوات متتالية كانت الأكثر جفافاً في السجل المناخي المرصود لسوريا ومنطقة الهلال الخصيب.
ألحق الجفاف دماراً هائلاً بالقطاع الزراعي السوري، وخاصة في منطقة الجزيرة الشمالية الشرقية التي كانت تُنتج عادةً أكثر من ثلثي محاصيل البلاد. انهار النظام الزراعي في هذه المنطقة بشكل شبه كامل، حيث تعرّض نحو 75 بالمئة من أكثر السوريين اعتماداً على الزراعة لفشل كامل في المحاصيل، وفقد رعاة الماشية في الشمال الشرقي نحو 85 بالمئة من مواشيهم، مما أثّر على 1.3 مليون شخص. وفي عام 2008 م، بعد أكثر فصول الشتاء جفافاً في تاريخ سوريا المرصود، فشل إنتاج القمح وانخفضت حصة الزراعة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 17 بالمئة. وبلغت نسبة الأراضي التي تحولت إلى صحراء نحو 60 بالمئة من مساحة البلاد.
كان التأثير الأبرز للجفاف هو الهجرة الجماعية لما يصل إلى 1.5 مليون شخص من المناطق الزراعية الريفية إلى أطراف المراكز الحضرية الكبرى مثل دمشق وحلب وحمص ودرعا. أدّت هذه الهجرة إلى ضغط هائل على البنية التحتية الحضرية التي كانت أصلاً تعاني من تدفق نحو 1.5 مليون لاجئ عراقي فرّوا من الحرب في العراق.
أظهرت دراسة بارزة نُشرت في مجلة «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» (PNAS) الأمريكية عام 2015 م أنّ التأثير البشري على المناخ زاد من احتمالية حدوث موجات جفاف شديدة ومطوّلة في هذه المنطقة، وجعل احتمال وقوع جفاف بمدة ثلاث سنوات بحدة جفاف 2007-2010 م أكبر بمرتين إلى ثلاث مرات مقارنة بما يمكن أن تُنتجه التقلبات الطبيعية وحدها.
يُثار جدل أكاديمي واسع حول العلاقة بين الجفاف واندلاع الانتفاضة السورية عام 2011 م. يرى بعض الباحثين أنّ الجفاف المطوّل والهجرة الريفية الناجمة عنه أسهما في تغذية التوترات الاجتماعية والسياسية التي مهّدت للانتفاضة. غير أنّ دراسات أخرى، مثل تلك المنشورة في مجلة «Communications Earth & Environment» عام 2022 م، تُشير إلى أنّ الهشاشة المجتمعية أمام الجفاف تُفسَّر بالعوامل الزراعية والسياسات الحكومية أكثر مما تُفسَّر بالعوامل المناخية وحدها. ويُجمع معظم الباحثين على أنّ الجفاف كان عاملاً مُسهماً ضمن شبكة معقدة من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وليس سبباً وحيداً أو حتى رئيسياً بالضرورة.
وفي عام 2025 م، شهدت سوريا أسوأ جفاف منذ 36 عاماً وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، حيث واجه 10 ملايين شخص صعوبة في الحصول على مياه الشرب، وبلغ العجز في إنتاج القمح 2.7 مليون طن مما أثّر على 16.2 مليون شخص.
يُمثّل النزاع المائي بين سوريا وتركيا أحد أبرز الملفات الجيوسياسية في المنطقة، ويدور أساساً حول حصص المياه من نهري الفرات ودجلة.
أطلقت تركيا «مشروع جنوب شرق الأناضول» المعروف اختصاراً بـ «GAP» (Güneydoğu Anadolu Projesi)، وهو مشروع ضخم للأشغال العامة يهدف إلى استثمار مياه نهري الفرات ودجلة من خلال إنشاء 22 سداً لأغراض الري وتوليد الطاقة الكهرومائية. يُعدّ سد أتاتورك على نهر الفرات أكبر سدود المشروع بسعة تخزينية تصل إلى 48 مليار متر مكعب، وهو رابع أكبر سد في العالم من حيث حجم التخزين.
أدّى مشروع GAP إلى انخفاض تدفق مياه الفرات إلى سوريا بنسبة تُقدّر بنحو 40 بالمئة، مما ألحق أضراراً جسيمة بالزراعة السورية وتوليد الطاقة الكهرومائية ومصادر مياه الشرب. وامتدت الآثار السلبية أيضاً إلى العراق الذي يفقد سنوياً نحو 25,000 هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة بسبب التصحر والتملّح الناجمين عن نقص المياه.
في عام 1987 م، وقّعت تركيا وسوريا بروتوكولاً ضَمِنت بموجبه تركيا حداً أدنى من التدفق عبر الفرات يبلغ 500 متر مكعب في الثانية على مدار السنة. غير أنّ هذا الالتزام ظل موضع خلاف، حيث اتهمت سوريا والعراق تركيا مراراً بعدم الوفاء بالحد الأدنى المتفق عليه، خاصة خلال فترات ملء خزانات السدود التركية الجديدة.
وضعت سوريا والعراق خلافاتهما السياسية جانباً واتخذتا من الأمن المائي أساساً للتعاون المشترك في مواجهة السياسات المائية التركية، حيث طالب البلدان مراراً بزيادة حصتهما من المياه، فيما رفضت تركيا ذلك بحجة الحاجة إلى ملء خزانات سدودها. ولا تزال المفاوضات بشأن تقاسم عادل لمياه الفرات ودجلة تراوح مكانها، في ظل غياب اتفاقية شاملة ملزمة تضم الدول الثلاث.
يمتد التنافس المائي بين سوريا وتركيا أيضاً إلى حوض نهر العاصي الذي يمثل 14 بالمئة من الإمدادات المائية السورية. ومع ضم تركيا للواء إسكندرون (هاتاي) عام 1939 م، أصبحت المجرى الأخير للنهر ومصبّه في البحر المتوسط تحت السيطرة التركية، مما يُضيف بُعداً إضافياً للنزاع المائي بين البلدين.
ألحقت الثورة السورية التي اندلعت عام 2011 م دماراً هائلاً بالبنية التحتية المائية في البلاد، حيث استُخدمت المياه مراراً كسلاح حرب من قبل مختلف الأطراف المتصارعة.
أدت أكثر من عشر سنوات من النزاع إلى تدمير واسع للمرافق المائية في جميع أنحاء سوريا. ووفقاً للجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، أصبح لدى سوريا مياه شرب أقل بنسبة تصل إلى 40 بالمئة مقارنة بما كانت عليه قبل عقد من الزمن. فقبل عام 2010 م، كان 98 بالمئة من سكان المدن و92 بالمئة من سكان الأرياف يحصلون على مياه شرب آمنة بشكل موثوق، أما اليوم فلا يعمل سوى 50 بالمئة من أنظمة المياه والصرف الصحي بشكل سليم في مختلف أنحاء البلاد.
تشير الأرقام إلى أنّ نحو ثلثي محطات معالجة المياه ونصف محطات الضخ وثلث أبراج المياه في سوريا تعرّضت لأضرار خلال النزاع. وتوقفت محطات معالجة مياه الصرف الصحي التي تخدم مدينتي دمشق وحلب عن العمل عام 2012 م نتيجة التدمير المباشر، مما أدى إلى تصريف المياه العادمة غير المعالجة في البيئة الطبيعية وتلويث المياه الجوفية بشكل كبير.
وثّقت المنظمات الدولية هجمات متعمدة ومتكررة على البنية التحتية المائية المدنية، نفّذ كثيراً منها سلاح الجو الروسي أو قوات النظام السوري السابق. وفي عام 2019 م، سُجّلت 46 هجمة على منشآت مائية في مختلف أنحاء سوريا وفقاً لمنظمة اليونيسف. وصرّحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأنّ «المياه أصبحت في كثير من الأحيان في سوريا أداة في أيدي الأطراف المتحاربة… أصبحت سلاح حرب. والمدنيون هم من يعانون أكثر من غيرهم».
تُمثّل محطة مياه علوك في شمال شرق سوريا نموذجاً صارخاً لاستخدام المياه كأداة ضغط سياسي وعسكري. تُغذّي هذه المحطة نحو نصف مليون شخص في مدينة الحسكة والمناطق المحيطة بها. وفي عام 2022 م، توقفت المحطة عن العمل لمدة 128 يوماً، مع 54 يوماً إضافياً من الخدمة الجزئية فقط، مما حرم مئات الآلاف من الوصول الكافي إلى المياه النظيفة وأسهم في تفاقم الأزمة الصحية.
في أيلول/سبتمبر 2022 م، أُعلن عن تفشي وباء الكوليرا في سوريا للمرة الأولى منذ سنوات، وهو نتيجة مباشرة لتدهور البنية التحتية المائية وتلوث مصادر المياه. بحلول التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر 2022 م، سُجّلت 92 حالة وفاة و35,569 حالة اشتباه بالكوليرا في مختلف أنحاء البلاد.
استجابت منظمة اليونيسف بتوزيع أكثر من 2,217 طناً من هيبوكلوريت الصوديوم لتعقيم المياه في عشر محافظات مما أفاد 15.5 مليون شخص على مستوى البلاد. كما اشترت المنظمة مليوني جرعة من لقاح الكوليرا الفموي استُخدمت لتطعيم 1.9 مليون شخص في محافظات حلب ودير الزور والحسكة والرقة، إضافة إلى تزويد 52 مركزاً علاجياً بالمستلزمات اللازمة لعلاج 11,700 حالة كوليرا شديدة.
خلال النصف الأول من عام 2021 م، نفّذت اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر العربي السوري مئات المشاريع في مختلف أنحاء البلاد، مما أتاح لأكثر من 15 مليون شخص الوصول إلى مياه شرب آمنة من خلال إعادة تأهيل عدة محطات ضخ مياه في المناطق الأشد تضرراً.
بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 م، تواجه سوريا الجديدة تحديات مائية غير مسبوقة تتطلب جهوداً استثنائية في إعادة البناء والإصلاح.
تُشير التقديرات إلى أنّ سوريا بحاجة إلى ما بين 500 و700 مليون دولار لإصلاح شبكات توزيع المياه وحدها، وفقاً لتصريحات وزير الموارد المائية السوري. وعلى مستوى أشمل، قدّر البنك الدولي فاتورة إعادة الإعمار بما بين 141 و343 مليار دولار، فيما ادّعى وزير الاقتصاد والتجارة السوري محمد نضال الشعار في أيار/مايو 2025 م أنّ البلاد تحتاج إلى «ما لا يقل عن تريليون دولار» لإعادة الإعمار والبناء.
يظل نداء الأمم المتحدة الإنساني لسوريا البالغ 3.2 مليار دولار أمريكي ممولاً بنسبة 29 بالمئة فقط بحلول كانون الأول/ديسمبر 2025 م. وقد أدّت تخفيضات المساعدات في عام 2025 م، ولا سيما من الولايات المتحدة الأمريكية، إلى تقليص بعض الخدمات المحلية بما فيها خدمات المستشفيات وخدمات الحماية للنساء والفتيات ودعم اللاجئين. في المقابل، يُتوقع أن تزيد دول الجوار الإقليمي، وخاصة تركيا ودول الخليج العربي، من مساعداتها واستثماراتها لدعم الاستقرار وتعزيز نفوذها في سوريا ما بعد الأسد.
في ظل التوقعات بانخفاض الموارد المائية المتاحة بنسبة 20 بالمئة بحلول عام 2050 م وتراجع نصيب الفرد من المياه إلى النصف خلال العقود المقبلة، تبرز الحاجة الماسة إلى استراتيجية وطنية شاملة للتكيف مع تغير المناخ. تشمل الأولويات الرئيسية تحديث شبكات الري وتقليل الفاقد منها، والتحول إلى تقنيات الري الحديثة كالتنقيط والرش، وإعادة تنظيم استخدام المياه الجوفية ومكافحة الآبار غير المرخصة، وتطوير محطات تحلية المياه في المناطق الساحلية، وإعادة تأهيل البنية التحتية للمياه والصرف الصحي المدمرة.
يستلزم مستقبل الأمن المائي السوري إعادة التفاوض مع تركيا حول حصص عادلة من مياه الفرات ودجلة والعاصي، في ظل اختلال موازين القوى وغياب إطار قانوني دولي ملزم. كما يتطلب تعزيز التعاون مع العراق والأردن ولبنان في إدارة الأحواض المائية المشتركة، وإشراك المنظمات الدولية في دعم مشاريع إعادة التأهيل والبناء.
Kelley, C.P. et al., Climate change in the Fertile Crescent and implications of the recent Syrian drought, Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS), Vol. 112, No. 11, 2015. https://www.pnas.org/doi/10.1073/pnas.1421533112
Fanack Water, Water Resources in Syria, 2024. https://water.fanack.com/syria/water-resources/
Fanack Water, Shared Water Resources in Syria, 2024. https://water.fanack.com/syria/shared-water-resources-syria/
Fanack Water, Water Infrastructure in Syria, 2024. https://water.fanack.com/syria/water-infrastructure/
Fanack Water, Syria’s Water Sector After Regime Change, 2025. https://water.fanack.com/syria-water-crisis-regime-change-2025/
ICRC (اللجنة الدولية للصليب الأحمر), Syria water crisis: Up to 40% less drinking water after 10 years of war, 2021. https://www.icrc.org/en/document/syria-water-crisis-after-10-years-war
ICRC, Syria: Water used as weapon of war, 2021. https://www.icrc.org/en/document/syria-water-used-weapon-war
UNICEF (منظمة اليونيسف), Cholera Situation Report — 10 November 2022, Syrian Arab Republic. https://www.unicef.org/syria/reports/cholera-situation-report-10-november-2022
UNICEF, Whole of Syria Humanitarian Situation Report, January-December 2022. https://reliefweb.int/report/syrian-arab-republic/unicef-whole-syria-humanitarian-situation-report-january-december-2022
Carnegie Endowment for International Peace, Syria’s Water and Food Security Crisis, April 2024. https://carnegieendowment.org/sada/2024/04/syrias-water-and-food-security-crisis
Atlantic Council, Syria has a water crisis. And it’s not going away, 2024. https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/syria-has-a-water-crisis-and-its-not-going-away/
Weinthal, E. et al., The cholera outbreak in northeast Syria: water, conflict and humanitarian challenges, Speaking of Medicine and Health (PLOS), February 2023. https://speakingofmedicine.plos.org/2023/02/07/the-cholera-outbreak-in-northeast-syria-water-conflict-and-humanitarian-challenges/
Mathbout, S. et al., Societal drought vulnerability and the Syrian climate-conflict nexus are better explained by agriculture than meteorology, Communications Earth & Environment, 2022. https://www.nature.com/articles/s43247-022-00405-w
World Bank, Renewable internal freshwater resources per capita — Syrian Arab Republic, Data Portal. https://data.worldbank.org/indicator/ER.H2O.INTR.PC?locations=SY
Wikipedia, Tabqa Dam. https://en.wikipedia.org/wiki/Tabqa_Dam
Wikipedia, Tishrin Dam. https://en.wikipedia.org/wiki/Tishrin_Dam
Wikipedia, Southeastern Anatolia Project (GAP). https://en.wikipedia.org/wiki/Southeastern_Anatolia_Project
Wikipedia, Norias of Hama. https://en.wikipedia.org/wiki/Norias_of_Hama
CSIS (مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية), The Future of the Euphrates River, 2024. https://features.csis.org/the-future-of-the-Euphrates-River/
Levant24, Electricity and Water Return at Liberation of Tabqa Dam, January 2026. https://levant24.com/news/2026/01/electricity-and-water-return-at-liberation-of-tabqa-dam/
Global Energy Monitor, Tabqa Dam hydroelectric plant. https://www.gem.wiki/Tabqa_Dam_hydroelectric_plant
Lightfoot, D.R., Syrian qanat Romani: history, ecology, abandonment, Columbia University / Aleppo Project. https://aleppo.c4sr.columbia.edu/seminar/Case-Studies/Water-as-a-War-Weapon/Syrian_Qanat_Romani.pdf
FAO (منظمة الأغذية والزراعة), Syria Country Profile — Water Resources. https://www.fao.org/4/w4356e/w4356e0t.htm