حزب البعث العربي الاشتراكي هو حزبٌ سياسيٌّ قوميٌّ عربيٌّ تأسَّس في دمشق في السابع من أبريل عام 1947 م على يد المفكِّرَيْن ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، وانضمَّ إليهما لاحقاً زكي الأرسوزي بوصفه أحد الروافد الفكرية المؤسِّسة. تبنَّى الحزب شعار «وحدة، حرية، اشتراكية»، وجمع في أيديولوجيته بين القومية العربية والعلمانية والاشتراكية العربية ومعاداة الاستعمار، ساعياً إلى تحقيق وحدة الأمة العربية في دولة واحدة تتجاوز الحدود التي رسمها الاستعمار الأوروبي.
استولى الحزب على السلطة في سوريا عبر انقلاب الثامن من آذار 1963 م، وأعلن حالة الطوارئ التي استمرَّت سبعةً وأربعين عاماً. وقد شهد الحزب صراعاتٍ داخليةً عنيفةً أفضت إلى انقلاب فبراير 1966 م الذي أطاح بالقيادة المدنية التاريخية، ثم إلى «حركة التصحيح» التي قادها حافظ الأسد في 13 نوفمبر 1970 م والتي حوَّلت الحزب من كيان أيديولوجي إلى أداة لإدامة حكم الفرد الواحد. بلغ عدد أعضاء الحزب ذروته عام 2011 م حين وصل إلى نحو مليونَيْن ونصف المليون عضو وفق التقديرات الرسمية، غير أنَّ هذا الرقم عكس حاجة المواطنين إلى بطاقة الحزب للترقِّي الوظيفي أكثر ممَّا عكس إيماناً أيديولوجياً حقيقياً.
انتهى حكم البعث في سوريا بسقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024 م بعد واحد وستين عاماً من الحكم المتواصل، وحُلَّ الحزب رسمياً في التاسع والعشرين من يناير 2025 م، ونُقلت أصوله إلى وزارة المالية السورية، مُسدِلاً الستار على واحدة من أطول تجارب الحكم الحزبي الشمولي في العالم العربي.
نشأت البعثية من التقاء ثلاثة تيارات فكرية عربية في مطلع القرن العشرين، تقاطعت جميعها عند الإيمان بوحدة الأمة العربية وضرورة نهضتها من كبوة الاستعمار. الرافد الأول والأبرز هو ذلك الذي حمله ميشيل عفلق (1910-1989)، المفكر السوري المسيحي الأرثوذكسي المولود في حي الميدان بدمشق، والذي سافر إلى باريس عام 1929 م لدراسة الفلسفة في جامعة السوربون. هناك التقى صلاح الدين البيطار (1912-1980)، الشاب الدمشقي المسلم السنِّي الذي كان يدرس الفيزياء والعلوم الطبيعية في الجامعة نفسها. وقد تأثَّر كلاهما بالتيارات الفكرية الأوروبية السائدة آنذاك، لا سيَّما القومية الرومانسية الألمانية والاشتراكية الفابية والوجودية الفرنسية، كما تعمَّق إحساسهما بالهُوِّيَّة العربية في مواجهة الهيمنة الاستعمارية الفرنسية والبريطانية على المشرق العربي.
عاد عفلق والبيطار إلى دمشق عام 1932 م، وعملا مدرِّسَيْن في مدرسة التجهيز الأولى، حيث بدآ بتشكيل حلقات فكرية ونقاشية بين طلَّابهما حول القومية العربية والعدالة الاجتماعية والتحرُّر من الاستعمار. أثمرت هذه الحلقات عن تكوين «حركة الإحياء العربي» التي شكَّلت النواة الأولى للحزب.
أمَّا الرافد الثاني فجاء من زكي الأرسوزي (1899-1968)، الفيلسوف العلوي من اللاذقية الذي درس هو أيضاً في السوربون. أسَّس الأرسوزي عام 1940 م «حركة البعث العربي» التي ركَّزت على البُعد اللغوي والحضاري للهُوِّيَّة العربية، ورأت في اللغة العربية جوهر الأمة وروحها. كان للأرسوزي أثرٌ بالغٌ في الأجيال اللاحقة من البعثيين السوريين، وبعد انقلاب 1966 م اعتمده الفرع السوري أباً فكرياً للحزب بديلاً من عفلق الذي تبنَّاه الفرع العراقي.
الرافد الثالث تمثَّل في أكرم الحوراني (1912-1996)، السياسي الحموي الذي أسَّس «الحزب العربي الاشتراكي» عام 1951 م وبنى قاعدة شعبية ريفية واسعة تجاوزت عشرة آلاف عضو في مدينة حماة وريفها. أضاف الحوراني إلى البعثية بُعداً اجتماعياً تطبيقياً وقاعدة فلَّاحية صلبة كان الحزب الأصلي يفتقر إليها بحكم نشأته المدنية الدمشقية.
في السابع من أبريل 1947 م، انعقد المؤتمر التأسيسي الأول لحزب البعث العربي في مقهى الرشيد بدمشق، وحضره نحو مئتَيْ مندوب من سوريا وعدد محدود من الأقطار العربية الأخرى. اختير ميشيل عفلق أميناً عاماً للقيادة القومية، وصلاح الدين البيطار نائباً له. أقرَّ المؤتمر دستور الحزب الذي نصَّ على أنَّ «الأمة العربية أمة واحدة ذات رسالة خالدة»، وتبنَّى شعار «وحدة، حرية، اشتراكية» ركيزةً أيديولوجيةً ثلاثية.
في عام 1952 م، بدأت مفاوضات الاندماج بين حزب البعث العربي وحزب أكرم الحوراني العربي الاشتراكي، وتمَّت المصادقة الرسمية عليها عام 1953 م — وثمَّة خلاف بين المصادر حول ما إذا كان الاندماج الفعلي قد تمَّ في 1952 م أم 1953 م، والأرجح أنَّ الاتفاق المبدئي جرى عام 1952 م فيما تمَّت المصادقة الرسمية في العام التالي. أصبح الاسم الجديد «حزب البعث العربي الاشتراكي»، وأضيفت كلمة «الاشتراكية» إلى اسم الحزب وشعاره. منح هذا الاندماج الحزبَ قاعدةً اجتماعيةً ريفية واسعة وحضوراً شعبياً في المحافظات الداخلية، لا سيَّما حماة وحمص وريفهما.
قامت أيديولوجيا حزب البعث على ثلاثة مرتكزات مترابطة شكَّلت إطاره الفكري المرجعي:
أوَّلاً: الوحدة العربية. آمن البعث بأنَّ العرب يُكوِّنون أمةً واحدةً تمتدُّ من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، وأنَّ الحدود القائمة بين الدول العربية هي نتاج الاستعمار الأوروبي ومعاهدات سايكس-بيكو، ويجب إزالتها لبناء دولة عربية واحدة موحَّدة. رأى عفلق أنَّ الوحدة ليست مجرَّد خيار سياسي، بل ضرورة حضارية تاريخية تعبِّر عن جوهر الأمة العربية.
ثانياً: الحرية. تضمَّن مفهوم الحرية البعثي بُعدَيْن: بُعداً خارجياً يتمثَّل في التحرُّر من الاستعمار والهيمنة الأجنبية والصهيونية، وبُعداً داخلياً يتمثَّل في الحريات المدنية والسياسية للمواطنين. غير أنَّ الممارسة العملية كشفت عن تناقضٍ جوهريٍّ في هذا المبدأ، إذ قبل الحزب نظرياً بتقديم «الوعي القومي» على الحريات الفردية حين تتعارض، وهو ما استُخدم لاحقاً ذريعةً لتبرير القمع الداخلي.
ثالثاً: الاشتراكية العربية. ميَّز البعث نفسه عن الماركسية بوضوح، فرفض تحليل الصراع الطبقي بوصفه المحرِّك الأساسي للتاريخ، ورفض الأممية البروليتارية مُقدِّماً الانتماء القومي العربي عليها، وقبل بالملكية الخاصة في حدود لا تتعارض مع المصلحة الوطنية. رأى عفلق أنَّ الاشتراكية أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، لا غاية بحدِّ ذاتها. وقد تُرجمت هذه الاشتراكية عملياً في تأميم الموارد الطبيعية والصناعات الكبرى، وتوزيع الأراضي الزراعية على الفلاحين، وحماية الصناعة الوطنية.
اتخذ البعث موقفاً علمانياً من الدين يجمع بين احترام الإسلام بوصفه إرثاً حضارياً عربياً عظيماً ورفض اعتماده أساساً للحكم السياسي. رأى عفلق — وهو المسيحي — أنَّ الإسلام يُمثِّل أعظم إنجازات الحضارة العربية وأنَّه جزءٌ لا يتجزَّأ من الهُوِّيَّة القومية، لكنَّه رفض الثيوقراطية (الحكم الديني) كما رفض الإلحاد الماركسي. كان وجود مؤسِّسين مسيحيين ومسلمين في قيادة الحزب انعكاساً عملياً لهذا التوجُّه العلماني الجامع الذي سعى إلى تجاوز الانتماءات الطائفية والمذهبية نحو هُوِّيَّة عربية شاملة.
ميَّز البعث نفسه عن الناصرية بتأكيده على الحزبية المؤسسية مقابل الزعامة الفردية (وإن انتهى هو ذاته إلى حكم الفرد)، وعن الماركسية برفضه الصراع الطبقي والأممية البروليتارية، وعن الليبرالية الغربية بتبنِّيه الاشتراكية ورفضه الاستعمار، وعن الإسلام السياسي بعلمانيته. غير أنَّ هذا التمايز النظري لم يمنع الحزب من الانزلاق عملياً نحو التأثُّر بكلِّ هذه التيارات في مراحل مختلفة من تاريخه.
بعد التأسيس، نشط حزب البعث في الحياة السياسية السورية التي كانت تتميَّز آنذاك بتعدُّدية حزبية نسبية. دخل الحزب الانتخابات التشريعية لعام 1954 م وحقَّق نتائج لافتة، إذ أصبح ثاني أكبر حزب في البرلمان السوري. أكسب هذا النجاح الحزبَ شرعيةً سياسيةً واسعة ومكَّنه من التأثير في السياسة السورية من خلال القنوات المؤسسية. استقطب البعث في هذه المرحلة شرائح متنوِّعة من المجتمع السوري: طلَّاباً جامعيين ومعلِّمين ومثقَّفين في المدن، وفلَّاحين وأبناء أرياف في المحافظات الداخلية بفضل اندماجه مع حزب الحوراني، وضبَّاطاً شباباً طموحين في الجيش وجدوا في الأيديولوجيا البعثية إطاراً لتطلُّعاتهم القومية والاجتماعية.
كان حزب البعث المحرِّك الرئيسي لمشروع الوحدة بين سوريا ومصر. في الأول من فبراير 1958 م، أُعلنت الجمهورية العربية المتحدة برئاسة جمال عبد الناصر، وبدا أنَّ الحلم البعثي بالوحدة العربية يتحقَّق. غير أنَّ ناصر اشترط حلَّ جميع الأحزاب السياسية في سوريا، فحلَّ البعث نفسه طوعاً — وهو قرار اعتبره كثيرون لاحقاً خطأً استراتيجياً فادحاً.
سرعان ما تبيَّن أنَّ الوحدة لم تكن شراكةً متكافئة، بل هيمنةً مصرية على سوريا. أقصى ناصر تدريجياً القيادة البعثية السورية من مراكز صنع القرار بين عامَيْ 1959 و1960 م، وأحلَّ محلَّها ضبَّاطاً ومسؤولين مصريين أو موالين له. أدَّى هذا التهميش إلى تنامي الاستياء ليس فقط في صفوف البعث، بل في أوساط واسعة من النخب السياسية والعسكرية والاقتصادية السورية. وفي الثامن والعشرين من سبتمبر 1961 م، نفَّذ ضبَّاط سوريون انقلاباً عسكرياً أنهى الجمهورية العربية المتحدة بعد ثلاث سنوات ونصف فقط.
خرج البعث من تجربة الوحدة الفاشلة بدروس بالغة الأهمية شكَّلت مسار الحزب في المرحلة التالية. أدرك البعثيون أنَّ الاعتماد على التحالفات السلمية والعمل السياسي المدني لا يكفي للوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها في منطقة تحكمها القوة العسكرية. وفي هذا السياق، تشكَّلت «اللجنة العسكرية» السرية داخل الجيش السوري بين عامَيْ 1961 و1963 م، وضمَّت ثلاثة ضبَّاط بعثيين طموحين هم: محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد. عمل هؤلاء الضبَّاط في الخفاء على بناء شبكة من الموالين داخل المؤسسة العسكرية تمهيداً للاستيلاء على السلطة بالقوة.
في الثامن من مارس 1963 م — أو ما سمَّته الدعاية الرسمية لاحقاً «ثورة الثامن من آذار المجيدة» — نفَّذت اللجنة العسكرية البعثية انقلاباً عسكرياً أطاح بحكومة الانفصال. استعان الانقلابيون بالضابط المستقل زياد الحريري الذي لم يكن بعثياً في الأصل لكنَّه استُدرج مقابل وعدٍ بمنصب رئيس الأركان — وهو ما حصل عليه فعلاً بعد نجاح الانقلاب. أُعلنت حالة الطوارئ التي ظلَّت سارية المفعول حتى رفعها شكلياً عام 2011 م، أي سبعة وأربعين عاماً متواصلة.
يُثير هذا الحدث جدلاً تاريخياً وأكاديمياً حول طبيعته: فبينما وصفته الرواية الرسمية البعثية بأنَّه «ثورة شعبية»، يؤكِّد المؤرِّخون الأكاديميون أنَّه كان انقلاباً عسكرياً كلاسيكياً نفَّذته لجنة عسكرية سرية بموافقة مشروطة من القيادة المدنية للحزب بزعامة عفلق. وقد جاء هذا الانقلاب بعد أسابيع قليلة من انقلاب مماثل في العراق في فبراير 1963 م نفَّذه الفرع العراقي من حزب البعث، ما بعث آمالاً بتحقيق الوحدة العربية تحت راية البعث.
سرعان ما تفجَّرت الصراعات الداخلية بين أجنحة الحزب المختلفة. انقسم البعثيون إلى معسكرين رئيسيين: «الحرس القديم» بقيادة عفلق والبيطار الذي تمسَّك بالأيديولوجيا المدنية والخط القومي التقليدي، و«اليسار العسكري» بقيادة صلاح جديد وحافظ الأسد الذي دفع نحو تطرُّف اشتراكي وهيمنة عسكرية على الحزب. في يوليو 1963 م، فشلت محاولة انقلاب ناصرية كانت تستهدف الإطاحة بالبعث، ما عزَّز موقف المؤسسة العسكرية البعثية وأعطاها مبرِّراً إضافياً لتشديد قبضتها على السلطة.
في الحادي والعشرين من فبراير 1966 م، نفَّذ صلاح جديد وحلفاؤه من الضبَّاط الشباب انقلاباً داخل الحزب أطاح بالقيادة القومية التاريخية. أُقصي ميشيل عفلق من منصبه أميناً عاماً وأُخرج من سوريا، ففرَّ أوَّلاً إلى لبنان ثم استقرَّ في العراق بعد عام 1968 م حيث تبنَّاه الفرع العراقي من البعث. كما أُطيح بأمين الحافظ رئيس الدولة آنذاك. مثَّل هذا الانقلاب قطيعةً جذريةً مع البعث التأسيسي، وولادةً لما عُرف بـ«النيو-بعث» (البعث الجديد) الذي اتَّسم بالتطرُّف الأيديولوجي والهيمنة العسكرية.
أصبح صلاح جديد (1926-1993) الحاكم الفعلي لسوريا بين عامَيْ 1966 و1970 م، رغم أنَّه لم يشغل منصباً رسمياً ظاهراً في الدولة، بل حكم من خلف الكواليس بصفته الأمين العام المساعد للقيادة القطرية. تبنَّى جديد سياسات اشتراكية متطرِّفة تضمَّنت مصادرة واسعة للممتلكات الخاصة والمشاريع التجارية، والتحالف الوثيق مع الاتحاد السوفييتي، ودعم حركات التحرُّر العربية والفلسطينية بأسلوب أقرب إلى الماركسية المتشدِّدة. صدر في مايو 1966 م «قانون العقوبات الاقتصادية» الذي منح الدولة صلاحيات واسعة لمصادرة الأملاك ومحاكمة رجال الأعمال.
مثَّلت هزيمة حزيران 1967 م وخسارة هضبة الجولان صدمةً هائلةً للنظام البعثي في سوريا. فقد كشفت الهزيمة العسكرية السريعة عن الفجوة الواسعة بين الخطاب الثوري الناري والواقع العسكري الهشِّ. أضعفت الهزيمة شرعية نظام جديد وعمَّقت الانقسامات داخل القيادة، لا سيَّما بين جديد الذي أصرَّ على المزيد من التطرُّف الثوري، وحافظ الأسد الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع والذي دعا إلى واقعية سياسية وبناء تحالفات إقليمية أوسع.
تعمَّق الشقاق بين جديد والأسد خلال أحداث أيلول الأسود في الأردن عام 1970 م. حين شنَّ الجيش الأردني هجومه على المنظمات الفلسطينية المسلحة، طالب جديد بالتدخُّل العسكري السوري الكامل لإنقاذ الفلسطينيين، فأرسل قوَّات برِّية إلى شمال الأردن. غير أنَّ حافظ الأسد، بصفته وزيراً للدفاع وقائداً للقوات الجوية، رفض إرسال الطائرات لتوفير الغطاء الجوي للقوات المتقدِّمة، ما أدَّى إلى فشل العملية وانسحاب القوات السورية. لم يكن هذا الرفض مجرَّد خلاف تكتيكي، بل كان إعلاناً بأنَّ الأسد لم يعد يقبل بتبعيته لقيادة جديد، وأنَّه يمتلك السيطرة الفعلية على القوة العسكرية.
في الثالث عشر من نوفمبر 1970 م، نفَّذ حافظ الأسد ما سمَّاه «حركة التصحيح»، وهو انقلاب عسكري أبيض أزاح صلاح جديد ومعاونيه من السلطة دون إراقة دماء. اعتُقل جديد وظلَّ في سجن المزَّة بدمشق ثلاثاً وعشرين سنة حتى وفاته في الثالث والعشرين من أغسطس 1993 م، دون أن يُحاكَم أو يُفرج عنه قطُّ. أصدر الأسد في السادس عشر من نوفمبر 1970 م بياناً أدان فيه «الاستبداد وقمع الجماهير» في عهد جديد — وهي تهمة سيُوجِّهها السوريون لاحقاً إلى الأسد نفسه.
بعد تثبيت سلطته، أقدم الأسد على تحوُّلات جذرية في بنية الحزب والدولة: فقد انتُخب رئيساً للجمهورية في مارس 1971 م في استفتاء بلغت نسبة «الموافقة» فيه أرقاماً فلكية، وأعاد هيكلة الحزب بإلغاء القيادة الجماعية وتمركز السلطة في يده شخصياً. أصبح الأسد في آنٍ واحد رئيس الجمهورية والقائد العام للجيش والقوات المسلحة والأمين العام للقيادة القطرية لحزب البعث، ممسِكاً بكلِّ خيوط السلطة التنفيذية والعسكرية والحزبية.
في عام 1973 م، صدر الدستور الجديد الذي كرَّس دور البعث بوصفه «الحزب القائد للدولة والمجتمع» في المادة الثامنة، وهي المادة التي ظلَّت رمزاً لاحتكار البعث للسلطة حتى تعديل الدستور عام 2012 م تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية. كما خاض الأسد حرب تشرين التحريرية عام 1973 م ضدَّ إسرائيل، وهي الحرب التي عزَّزت شرعيته الداخلية وأضفت عليه هالة القائد العسكري رغم أنَّ نتائجها العسكرية الصافية لم تكن حاسمة.
حوَّل حافظ الأسد حزب البعث تحوُّلاً جوهرياً من حركة أيديولوجية تسعى إلى تغيير المجتمع إلى جهاز بيروقراطي ضخم يخدم استمرار النظام. وصف المؤرِّخ باتريك سيل هذا التحوُّل بأنَّ «الأسد حوَّل البعث من حزب أيديولوجي إلى جهاز بقاء للنظام؛ إطار لتعبئة الموارد وليس تعبيراً عن رؤية فكرية متماسكة». لم يعد الحزب أداة لصنع السياسات، بل أصبح قناة لتوزيع المكاسب والولاءات وضبط المجتمع. وقد تعايش الحزب مع أجهزة أمنية ومخابراتية متعدِّدة ومتنافسة (المخابرات العسكرية، المخابرات الجوية، أمن الدولة، الأمن السياسي) شكَّلت هي القوة الحقيقية خلف الستار.
شهد عهد حافظ الأسد واحدة من أكثر الفصول دمويةً في تاريخ سوريا الحديث، حين قمع النظام انتفاضة جماعة الإخوان المسلمين في حماة في فبراير 1982 م بوحشية مفرطة. حاصر الجيش السوري المدينة وقصفها بالمدفعية والطيران، وتتراوح تقديرات أعداد الضحايا بين عشرة آلاف وفق التقديرات المنخفضة وأربعين ألفاً وفق التقديرات المرتفعة، فيما رجَّحت منظمة هيومن رايتس ووتش أنَّ العدد يتراوح بين عشرة آلاف وخمسة وعشرين ألف قتيل. أرسلت هذه المجزرة رسالة واضحة مفادها أنَّ أيَّ تحدٍّ مسلح للنظام سيُقابَل بقوة ساحقة لا تُميِّز بين مقاتل ومدني.
في الحادي والعشرين من يوليو 1980 م، اغتيل صلاح الدين البيطار، المؤسِّس المشارك للحزب، في باريس برصاصتَيْن في الرأس. كان البيطار قد غادر سوريا بعد انقلاب 1966 م وعاش في لبنان وأوروبا، وأسَّس في باريس منبراً إعلامياً معارضاً لنظام الأسد. رجَّحت التحقيقات تورُّط الاستخبارات السورية في عملية الاغتيال، وإن نفت الحكومة السورية ذلك دائماً. ولم يُحاكَم أحد على هذه الجريمة. مثَّل اغتيال البيطار نقطةً مأساويةً في تاريخ الحزب: فالرجل الذي شارك في تأسيسه وتولَّى رئاسة الوزراء في حكوماته عدَّة مرَّات (1963، 1964، 1966) قُتل على يد النظام الذي يحمل اسم حزبه.
توفِّي ميشيل عفلق في الثالث والعشرين من يونيو 1989 م، ويختلف المؤرِّخون حول مكان وفاته: فبعض المصادر تقول إنَّه توفِّي في باريس، فيما تؤكِّد المصادر العراقية الرسمية أنَّه توفِّي في بغداد. دُفن في بغداد وأُعلن لاحقاً أنَّه اعتنق الإسلام قُبيل وفاته، وهو ادِّعاء اعتبره كثير من المؤرِّخين تسويقاً سياسياً عراقياً مشكوكاً في صحَّته. كشف الخلاف حول عفلق بعد وفاته عمق الانقسام بين الفرعَيْن السوري والعراقي: فبينما اعتبر الفرع العراقي عفلقَ الأب المؤسِّس الحصري للبعثية، تبنَّى الفرع السوري (بعد انقلاب 1966 م) زكي الأرسوزي أباً فكرياً بديلاً.
بنى حزب البعث هيكلاً تنظيمياً هرمياً معقَّداً يمتدُّ من القمة إلى القاعدة، وكان نظرياً يعتمد على مبدأ «المركزية الديمقراطية» (وهو مصطلح مستعار من التنظيم اللينيني). تكوَّن الهرم من المستويات التالية:
القيادة القومية: في القمة، وضمَّت واحداً وعشرين عضواً — نصفهم تقريباً من السوريين — وكانت نظرياً الهيئة العليا التي تُوجِّه الحزب على مستوى الأمة العربية كلِّها. غير أنَّ هذه القيادة أصبحت في عهد حافظ الأسد هيئةً شرفيةً فاقدةً للسلطة الفعلية.
القيادة القطرية: وهي مركز القرار الحقيقي، ضمَّت ما بين أربعة عشر وواحداً وعشرين عضواً، بينهم بحكم مناصبهم رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس الشعب. كان الأمين العام للقيادة القطرية — وهو رئيس الجمهورية ذاته — يتربَّع على قمة هذا الجهاز الذي يرسم السياسات الحقيقية.
المجلس المركزي: وضمَّ ستَّة وتسعين عضواً ينتخبهم المؤتمر القطري كلَّ خمس سنوات نظرياً، وكان يُصادق على قرارات القيادة القطرية.
الفروع: على مستوى المحافظات، وكلُّ فرع يغطِّي محافظة كاملة.
الشُّعَب: على مستوى المدن والمناطق.
الفِرَق: على مستوى الأحياء والقرى.
الحلقات (الخلايا): الوحدة الأساسية في قاعدة الهرم، وتضمُّ ما بين ثلاثة وسبعة أعضاء.
تدرَّجت العضوية في الحزب عبر ثلاث مراتب: «مؤيِّد» ثمَّ «منتسب» ثمَّ «عضو عامل»، وكانت كلُّ ترقية تستغرق ثمانية عشر شهراً. بلغ عدد الأعضاء العاملين نحو خمسين ألفاً عام 1987 م، إضافة إلى مئتَيْ ألف عضو مرشَّح في فترة التجربة. وبحلول يناير 2011 م، أعلن الحزب أنَّ عدد أعضائه بلغ مليونَيْن ونصف المليون عضو وفق تقرير مركز كارنيجي، وهو رقم يعكس توسُّع العضوية الشكلية لأغراض وظيفية واجتماعية أكثر ممَّا يعكس التزاماً أيديولوجياً حقيقياً.
كان للحزب قطاعٌ عسكريٌّ منفصل يعمل داخل الجيش والقوات المسلحة، ولا يلتقي بالقطاع المدني إلَّا في مستوى القيادة القطرية. عمل ضبَّاط البعث في كلِّ وحدة عسكرية وفق نظام أشبه بنظام «الكوميسار» السوفييتي، مهمَّتهم مراقبة ولاء العسكريين وضمان انسجامهم مع توجُّهات القيادة السياسية.
اخترق حزب البعث المنظومة التعليمية السورية اختراقاً منهجياً وعميقاً. بدءاً من الصف العاشر، أصبح الانتساب التلقائي إلى منظمات الشبيبة البعثية أمراً واقعاً لا مفرَّ منه. تضمَّنت المناهج الدراسية حفظ شعارات الحزب وسيرة الرئيس وقرارات مؤتمرات الحزب. وقد أُنشئت منظومة كاملة من التنظيمات الشبابية المتدرِّجة: «طلائع البعث» للأطفال في المراحل الابتدائية، و«اتحاد شبيبة الثورة» للمراهقين في المرحلة الإعدادية والثانوية، و«الاتحاد الوطني لطلبة سوريا» في المرحلة الجامعية. كان الانتماء الحزبي شرطاً غير رسمي — لكنَّه فعَّال — للترقِّي في المناصب الحكومية والأكاديمية، ممَّا جعل بطاقة الحزب أداة للتقدُّم الوظيفي أكثر ممَّا كانت تعبيراً عن قناعة سياسية. وثَّق معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى في دراسته المعنونة «أيديولوجيا السلطة: خمسون عاماً من التعليم في سوريا» كيف حوَّل البعث المدارس إلى أدوات للتلقين الأيديولوجي وزرع ثقافة الولاء للقائد والحزب.
أخضع البعث النقابات والمنظمات المهنية لسيطرته الكاملة. وُضع «الاتحاد العام لنقابات العمال» و«الاتحاد العام للفلاحين» تحت هيمنة الحزب المباشرة، كما وُجِّهت نقابات المحامين والأطباء والمهندسين حزبياً. لم تعد هذه النقابات تُمثِّل مصالح منتسبيها المهنية، بل تحوَّلت إلى أذرع للحزب تُعبِّئ أعضاءها في المناسبات السياسية وتضمن ولاءهم.
كانت العضوية الحزبية شرطاً غير رسمي لكنَّه حاسم للترقِّي في صفوف الجيش السوري. ارتبطت الوحدات العسكرية النخبوية — كالفرقة الرابعة والحرس الجمهوري — ارتباطاً مباشراً بالعائلة الأسدية أكثر من ارتباطها بالحزب ذاته، فيما شكَّلت فصائل «الشبِّيحة» ذراعاً شبه عسكري غير رسمي. وقد وُظِّف نظام «المفوَّض السياسي» البعثي داخل كلِّ وحدة عسكرية لمراقبة الضبَّاط والجنود وإعداد تقارير دورية عن ولائهم ومواقفهم.
سيطر البعث على المنظومة الإعلامية السورية بشكل شبه كامل. كانت صحيفة «البعث» اليومية لسان حال الحزب الرسمي، فيما خضعت الإذاعة والتلفزيون الحكوميان لتوجيهات الحزب المباشرة. وعملت وكالة الأنباء العربية السورية (سانا) صوتاً رسمياً للدولة-الحزب. لم يُسمح بإعلام مستقلٍّ حقيقيٍّ طوال عقود حكم البعث، وكان كلُّ محتوى إعلامي يخضع للرقابة المسبقة التي تُمارسها أجهزة الأمن بالتنسيق مع المكتب الإعلامي في القيادة القطرية للحزب.
أسَّس حافظ الأسد عام 1972 م «الجبهة الوطنية التقدمية» بوصفها تحالفاً سياسياً يجمع حزب البعث وعدداً من الأحزاب الصغيرة المرخَّصة، من بينها الحزب الشيوعي السوري (بجناحَيْه) وحزب الاتحاد الاشتراكي العربي والحزب الوحدوي الاشتراكي الديمقراطي وأحزاب ناصرية واشتراكية أخرى. غير أنَّ هذه الجبهة لم تكن تحالفاً ديمقراطياً حقيقياً، بل واجهةً سياسيةً أعطت النظام مظهر التعدُّدية الحزبية دون جوهرها.
احتفظ البعث وحده بسلطة رسم قوائم الانتخابات وتحديد حصص المقاعد البرلمانية لكلِّ حزب مشارك في الجبهة، فيما مُنعت الأحزاب الأخرى من النشاط خارج إطار الجبهة أو من استقطاب أعضاء جدد في الجيش والجامعات. وظلَّ البعث يحتفظ بأغلبية مريحة في مجلس الشعب عبر الجبهة، مع ضمان ألَّا تتحوَّل أيُّ من أحزابها إلى قوة منافسة حقيقية. وبذلك أصبح النظام السياسي في سوريا نموذجاً فريداً من «التعدُّدية المقيَّدة» التي تجمع بين الشكل الديمقراطي والجوهر الاستبدادي.
بعد وفاة حافظ الأسد في العاشر من يونيو 2000 م، تولَّى ابنه بشار الأسد — طبيب العيون الذي درس في لندن والذي لم يكن مُعدَّاً أصلاً لخلافة والده — رئاسة الجمهورية والأمانة العامة للقيادة القطرية. عُدِّل الدستور في جلسة برلمانية استثنائية لخفض الحدِّ الأدنى لعمر الرئيس من أربعين إلى أربع وثلاثين سنة — وهو عمر بشار آنذاك — في مشهدٍ كشف أنَّ الدستور كان أداةً بيد النظام لا إطاراً مؤسسياً حاكماً.
أطلق بشار ما عُرف بـ«ربيع دمشق»، وهو فترة وجيزة من الانفتاح السياسي النسبي شهدت انعقاد منتديات فكرية وإصدار بيانات مطالبة بالإصلاح. غير أنَّ هذا «الربيع» أُجهض سريعاً بحملة اعتقالات واسعة طالت الناشطين والمثقَّفين عام 2001 م. كان واضحاً أنَّ النظام يرفض أيَّ إصلاح سياسي حقيقي قد يُهدِّد احتكار البعث والعائلة الأسدية للسلطة.
في عهد بشار الأسد، تراجع دور حزب البعث بشكل ملحوظ لصالح الأجهزة الأمنية والمخابراتية من جهة، وشبكات المصالح الاقتصادية المرتبطة بعائلة الأسد وحلفائها من جهة أخرى. تحوَّل الحزب إلى هيكل بيروقراطي وظيفته الرئيسية إضفاء الشرعية على النظام وإدارة شؤون التعيينات في المستويات الدنيا من الجهاز الحكومي. استأثرت الأجهزة الأمنية — المخابرات الجوية، وأمن الدولة، والمخابرات العسكرية، والأمن السياسي — بالسلطة الفعلية، فيما تحوَّلت المناصب القيادية في الحزب إلى مواقع شرفية يشغلها موالون لا حول لهم ولا قوة.
عُقد المؤتمر العاشر للحزب عام 2005 م وسُمح فيه بنقاشات محدودة حول الإصلاح، لكنَّها لم تُفضِ إلى أيِّ تغيير جوهري. وقد أفادت الليبرالية الاقتصادية التي تبنَّاها بشار النخبَ الموالية للأسد — كعائلة مخلوف وغيرها — أكثر ممَّا أفادت عموم المواطنين، ما أعمق الفجوة الاجتماعية والاقتصادية.
مع اندلاع الثورة السورية في مارس 2011 م، حاول النظام استخدام حزب البعث في الحملات المضادة للاحتجاجات، لكنَّه فشل فشلاً ذريعاً. وثَّق تقرير مركز كارنيجي للسلام الدولي الصادر في ديسمبر 2012 م بقلم الباحث سهيل بلحاج انهيار الحزب في المحافظات المنتفضة: ففي درعا مثلاً، تهاوى عدد أعضاء فرع الحزب من سبعين ألف عضو إلى عدد نزر في غضون أشهر. فقد الحزب أكثر من نصف أعضائه بحلول عام 2012 م، وتحوَّلت المقرَّات الحزبية في مناطق المعارضة إلى مبانٍ مهجورة أو مراكز عسكرية.
عُقد المؤتمر الحادي عشر للحزب عام 2014 م في ظروف استثنائية، وكشف عن حجم سيطرة الأجهزة الأمنية على الحزب حيث اختارت هذه الأجهزة المندوبين بنفسها. وقد وصف تقرير كارنيجي الصادر عام 2021 م بعنوان «ابتذال السيطرة الاستبدادية: حزب البعث في سوريا يمضي قُدُماً» الحزب بأنَّه تحوَّل إلى هيكل فارغ من أيِّ محتوى أيديولوجي أو إداري حقيقي، يستمرُّ بالقصور الذاتي لا بالفاعلية.
مثَّل الانشقاق بين الفرعَيْن السوري والعراقي لحزب البعث أحد أبرز مفارقات القومية العربية: فالحزب الذي نادى بوحدة الأمة العربية عجز عن الحفاظ على وحدته الداخلية. بدأ الانشقاق فعلياً مع انقلاب فبراير 1966 م في سوريا الذي أطاح بالقيادة القومية التاريخية بزعامة ميشيل عفلق. لجأ عفلق إلى العراق حيث تبنَّاه الفرع العراقي بقيادة أحمد حسن البكر ثم صدام حسين، وأصبح رمزياً الأمين العام للقيادة القومية في بغداد.
تشابه النظامان البعثيان في سوريا والعراق في عدة سمات جوهرية: كلاهما تحوَّل من حزب أيديولوجي إلى نظام حكم شمولي يتمحور حول شخص الرئيس، وكلاهما أنشأ أجهزة أمنية ومخابراتية متعدِّدة ومتنافسة لضمان السيطرة، وكلاهما قمع المعارضة بالتعذيب والقتل والاختفاء القسري، وكلاهما أخفق إخفاقاً ذريعاً في تحقيق الأهداف الثلاثة التي تأسَّس عليها الحزب: الوحدة والحرية والاشتراكية.
رغم التشابه في البنية الاستبدادية، اختلف الفرعان في عدة جوانب مهمة: دام حكم البعث في سوريا واحداً وستين عاماً (1963-2024) بينما دام في العراق خمسة وثلاثين عاماً (1968-2003). واجه البعث السوري معارضة الإخوان المسلمين أساساً، فيما واجه البعث العراقي تحدِّيات من الأكراد والشيعة. انتهى البعث العراقي بالغزو الأمريكي عام 2003 م وتبعته عملية «اجتثاث البعث» الشاملة التي ألغت مؤسسات الدولة وأشعلت فوضى أمنية واسعة، فيما انتهى البعث السوري بسقوط ذاتي نتيجة ثورة شعبية وهجوم مسلح داخلي. فرَّ بشار الأسد إلى روسيا بينما اعتُقل صدام حسين وأُعدم. كما أنَّ عملية إزالة البعث في سوريا كانت أكثر تدرُّجاً وأقل تدميراً للمؤسسات مقارنة بالتجربة العراقية.
في السابع والعشرين من نوفمبر 2024 م، شنَّت هيئة تحرير الشام والفصائل المسلحة المتحالفة معها هجوماً واسع النطاق على مواقع النظام في شمال سوريا. تساقطت المدن والمناطق بسرعة مذهلة كشفت هشاشة النظام الأمنية والعسكرية رغم عقود من بناء أجهزة القمع. وفي الثامن من ديسمبر 2024 م، سقط نظام بشار الأسد بعد واحد وستين عاماً من حكم البعث المتواصل، وفرَّ الأسد إلى موسكو تاركاً خلفه دولةً ممزَّقة ومجتمعاً منهكاً.
في الحادي عشر من ديسمبر 2024 م، أعلن حزب البعث تعليق جميع أنشطته «حتى إشعار آخر»، وسلَّم الأسلحة والسيارات الحكومية التي كانت بحوزته. حُوِّل المقرُّ المركزي للحزب في دمشق إلى مركز لتسجيل عناصر الجيش والأجهزة الأمنية السابقين — في مشهدٍ رمزيٍّ بالغ الدلالة على انتهاء حقبة.
وفي التاسع والعشرين من يناير 2025 م، أُعلن الحل الرسمي النهائي للحزب خلال «مؤتمر انتصار الثورة السورية»، ونُقلت أصول الحزب الثابتة والمنقولة — من عقارات ومقرَّات وحسابات مصرفية — إلى وزارة المالية السورية. أُسدل بذلك الستار على واحد من أطول فصول الحكم الحزبي الشمولي في التاريخ العربي المعاصر.
تناول الباحثون الأكاديميون تجربة حزب البعث في سوريا من زوايا مختلفة أسهمت في تكوين فهم متعدِّد الأبعاد لهذه الظاهرة السياسية المعقَّدة:
رأى هانا باتاتو في كتابه «فلَّاحو سوريا وأحفاد أعيانها الصغار وسياستهم» (1999) أنَّ البعث لم يكن قوَّةً موحَّدةً متجانسة، بل مجموعةً من المصالح المتشابكة ذات خلفيات ريفية متفاوتة. وقد أرجع باتاتو الجذور الاجتماعية للبعثية إلى الريف المهمَّش وأبناء الأقليات الذين وجدوا في الحزب والجيش سُلَّماً للتقدُّم الاجتماعي الذي حرمتهم منه البنى التقليدية.
أمَّا نيقولاوس فان دام في كتابه «الصراع على السلطة في سوريا» (1979، وطبعات لاحقة حتى 2011)، فقد رأى أنَّ السبب الحقيقي لصمود النظام البعثي لم يكن الأيديولوجيا، بل الروابط الطائفية والجهوية والقبلية. وأوضح كيف أنَّ الأقليات — العلويين والدروز والإسماعيليين — وأبناء الأرياف الفقيرة وجدوا في الحزب والجيش مسرحاً للتحرُّر الاجتماعي، وحافظوا على تضامن داخلي لمواجهة ما اعتبروه هيمنة الأغلبية السنية الحضرية.
قدَّم ريموند حنبوش في كتابه «السلطة الاستبدادية وتشكُّل الدولة في سوريا البعثية» (1990) مفهوم «الاستبداد الشعبوي» لتفسير طبيعة نظام البعث: قاعدة شعبية ريفية وعمَّالية واسعة تدعم النظام مقابل السياسات الاجتماعية التوزيعية — الإصلاح الزراعي، والتعليم المجاني، والرعاية الصحية — التي قدَّمها البعث في عقوده الأولى.
أمَّا باتريك سيل في كتابه «الأسد: الصراع على الشرق الأوسط» (1988)، فقد رصد كيف حوَّل حافظ الأسد البعث من حزب أيديولوجي يسعى إلى تغيير المجتمع إلى جهاز بقاء للنظام يُعبِّئ الموارد ويضمن الولاءات.
وفي تقييم أحدث، وصف الباحث سهيل بلحاج في دراسته لمركز كارنيجي (2012) الحزبَ بأنَّه كان «مُدرَجاً فيه الجميع» من الناحية العملية — أي أنَّ العضوية أصبحت إجراءً روتينياً لا خياراً سياسياً — لكنَّه فقد كلَّ مصداقية أيديولوجية وإدارية بحلول عام 2012 م.
يكشف هذا المسح الأكاديمي أنَّ حزب البعث مرَّ بتحوُّلات جوهرية حوَّلته من حركة فكرية قومية ذات قاعدة شعبية في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، إلى أداة للحكم الشمولي والسيطرة الاجتماعية في عقوده اللاحقة، قبل أن ينتهي هيكلاً فارغاً من أيِّ مضمون. وقد أخفق الحزب إخفاقاً تامَّاً في تحقيق أهدافه المعلنة الثلاثة: فالوحدة العربية لم تتحقَّق بل تعمَّقت الانقسامات، والحرية لم تُصَن بل حلَّ محلَّها قمعٌ ممنهج، والاشتراكية لم تتحقَّق بل تحوَّلت إلى رأسمالية محاسيب واحتكار اقتصادي لصالح النخبة الحاكمة.