الجمهورية العربية المتحدة (بالإنجليزية: United Arab Republic، واختصاراً: UAR) هي دولة عربية نشأت في الأول من فبراير 1958 من اتحاد الجمهورية المصرية والجمهورية السورية تحت رئاسة جمال عبد الناصر، في أول تجربة وحدوية عربية فعلية في التاريخ الحديث. كانت القاهرة عاصمةً للدولة الجديدة التي امتدت على مساحة 1,195,000 كيلومتر مربع. جاء الاتحاد تجسيداً لمدّ القومية العربية والناصرية في ذروة صعودهما بعد حرب السويس 1956، غير أنه انتهى بانقلاب عسكري سوري في 28 سبتمبر 1961 أفضى إلى انفصال سوريا، فيما احتفظت مصر باسم «الجمهورية العربية المتحدة» رسمياً حتى عام 1971 حين غيّره الرئيس أنور السادات إلى «جمهورية مصر العربية».
شكّلت فكرة الوحدة العربية ركيزة أساسية في الفكر السياسي العربي منذ بدايات القرن العشرين، إذ رأى مفكرون مثل ساطع الحصري وميشيل عفلق أن الأمة العربية وحدة ثقافية ولغوية وتاريخية ينبغي أن تتجسد في كيان سياسي موحد. وقد تعزز هذا التيار بعد نكبة فلسطين عام 1948 التي كشفت عجز الدول العربية المنفردة عن مواجهة التحديات المصيرية.
وبحلول منتصف خمسينيات القرن العشرين، أصبح الرئيس المصري جمال عبد الناصر رمزاً للقومية العربية والتحرر من الاستعمار، لا سيما بعد نجاحه في تأميم قناة السويس عام 1956 وصموده أمام العدوان الثلاثي (البريطاني-الفرنسي-الإسرائيلي)، مما حوَّله إلى بطل شعبي في أرجاء العالم العربي.
في منتصف عام 1957، شهدت سوريا أزمة سياسية حادة عُرفت بـأزمة سوريا 1957. تنامت مخاوف القوى الغربية من توجه سوريا نحو المعسكر الشيوعي بسبب وجود حزب شيوعي منظم وتعيين العميد عفيف البزري — المحسوب على التيار اليساري — رئيساً لأركان الجيش. هذه الأزمة دفعت قادة سوريين عسكريين ومدنيين إلى البحث عن ملاذ سياسي في الوحدة مع مصر، كسبيل لإنقاذ البلاد من الانجرار إلى أحد محوري الحرب الباردة.
كان حزب البعث العربي الاشتراكي المحرك الأساسي لمشروع الوحدة من الجانب السوري، إذ جعل الوحدة العربية عقيدته المركزية منذ تأسيسه على يد ميشيل عفلق و**صلاح الدين البيطار** في أربعينيات القرن العشرين. آمل قادة البعث أن يمنحهم التحالف مع ناصر نفوذاً في الحكم، غير أن ناصر لم يكن يعتزم مشاركة السلطة مع أي حزب.
في 11 يناير 1958، توجه وفد عسكري سوري بقيادة العميد عفيف البزري إلى القاهرة دون دعوة مسبقة، مطالباً بالوحدة الفورية مع مصر. لم يكن سوى بعض قادة البعث على علم بهذه الخطوة، فيما فوجئ الرئيس السوري شكري القوتلي ورئيس الوزراء خالد العظم بالأمر واعتبراه أشبه بانقلاب عسكري.
وضع ناصر شروطاً غير قابلة للتفاوض لقبول الوحدة، وهي:
أثار الشرطان الأخيران قلقاً عميقاً لدى النخب السورية التي رأت فيهما «تدميراً للحياة السياسية في سوريا»، لكنهم وجدوا أنفسهم محاصرين بين ضغوط القوى العظمى فقبلوا الاندماج بوصفه أهون الشرّين.
أُجري الاستفتاء الشعبي في 21 فبراير 1958 في مصر وسوريا معاً، وجاءت النتيجة بأغلبية ساحقة لصالح الوحدة. أُعلنت النتائج في 22 فبراير 1958، وتسلَّم ناصر منصب رئيس الجمهورية العربية المتحدة في 23 فبراير 1958. ألقى الرئيس السوري شكري القوتلي كلمته الشهيرة مخاطباً ناصر: «أسلّمك شعباً كل فرد فيه يعتبر نفسه سياسياً»، في إشارة إلى تعقيد المشهد السوري.
تبنت الجمهورية العربية المتحدة عَلَم التحرير العربي بألوانه الثلاثة (الأحمر والأبيض والأسود) مع نجمتين خضراوين في الشريط الأبيض ترمزان إلى إقليمي الدولة (مصر وسوريا). ولاحقاً تبنّى العراق علماً مشابهاً بثلاث نجوم عام 1963 تعبيراً عن أمل انضمامه إلى الاتحاد.
أصدر ناصر دستوراً مؤقتاً يحدد هيكل الدولة الجديدة، مع تقسيم الجمهورية إلى إقليمين: الإقليم الجنوبي (مصر) والإقليم الشمالي (سوريا). وتتلخص أبرز ملامح النظام السياسي في:
عيّن ناصر أربعة نواب للرئيس بالتساوي بين الإقليمين:
بعد حل حكومة عموم فلسطين عام 1959، أصبحت الجمهورية العربية المتحدة تمارس الإدارة المباشرة على قطاع غزة حتى حرب يونيو 1967 التي احتلت فيها إسرائيل القطاع.
سرعان ما تحوّل مشروع الوحدة المتكافئة إلى هيمنة مصرية شبه كاملة على الشؤون السورية. ففي الفترة بين شتاء 1959 وربيع 1960، أقصى ناصر تدريجياً السوريين البارزين من مواقع التأثير:
وصف أحد الدعاة السوريين الوضع بأن المصريين «انتشروا كالأخطبوط في كل مكان»، مما أثار سخطاً شعبياً متنامياً.
رغم كون البعث الدافع الأساسي للوحدة، فقد وجد نفسه مُقصىً من السلطة. ففي انتخابات الاتحاد القومي التي أشرف عليها العقيد السراج بدعم المشير عامر، لم يفز مرشحو البعث سوى بنحو خمسة بالمئة من مقاعد اللجان العليا، بينما فازت الشخصيات المحافظة التقليدية بالأغلبية الساحقة. أدى ذلك إلى صدام مباشر بين قيادة البعث ونظام ناصر.
طُبِّق نظام الإصلاح الزراعي المصري في سوريا، فخُفِّض الحد الأقصى لملكية الأراضي من 200 إلى 100 فدان. وخُفِّضت أسعار الفائدة على القروض الزراعية «تخفيضاً جذرياً وصل في بعض الحالات إلى الإلغاء الكامل». أثار هذا الإصلاح استياء كبار ملّاك الأراضي السوريين الذين رأوا فيه تقويضاً لبنية الاقتصاد السوري القائمة على الملكية الخاصة الكبيرة.
في يوليو 1961، أصدر ناصر قرارات تأميم واسعة دون استشارة كبار المسؤولين الاقتصاديين السوريين، شملت:
كانت هذه القرارات مُصمَّمة وفق النموذج الاشتراكي المصري ولم تراعِ خصوصية الاقتصاد السوري الذي كان أكثر انفتاحاً وتنوعاً، مما أثار موجة غضب واسعة في أوساط رجال الأعمال والتجار السوريين.
في أغسطس 1961، ألغى ناصر الحكومتين الإقليميتين وأقام حكومة مركزية واحدة تعمل من دمشق (فبراير-مايو) والقاهرة (بقية العام)، مُعمِّقاً الشعور بالتهميش. نُقل العقيد السراج إلى القاهرة حيث وجد نفسه «بلا سلطة حقيقية»، وفي 15 سبتمبر عاد إلى سوريا ثم قدّم استقالته من جميع مناصبه في 26 سبتمبر بعد لقاء مع ناصر والمشير عامر.
فجر يوم 28 سبتمبر 1961، بثّت إذاعة دمشق بياناً باسم «القيادة العربية العليا للقوات المسلحة» أعلن انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة. قاد الانقلاب المقدم عبد الكريم النحلاوي بمشاركة مجموعة من الضباط السوريين.
كان قادة الانقلاب مستعدين في البداية لإعادة التفاوض على شروط الوحدة بما يضمن مساواة سوريا مع مصر، لكن ناصر رفض أي تسوية. وكان قد فكّر في البداية بالتدخل العسكري لاستعادة سوريا، لكنه تراجع حين علم أن آخر حلفائه في الجيش السوري قد هُزموا. أعلن ناصر في خطاب عاطفي قبوله بالأمر الواقع قائلاً إنه لن يسمح بإراقة دم عربي في سبيل السلطة.
ترك فشل الوحدة أثراً عميقاً في الحياة السياسية السورية:
أكد المؤرخون أن فشل الجمهورية العربية المتحدة يعود إلى عدة عوامل بنيوية:
| البيان | التفاصيل |
|---|---|
| الاسم الرسمي | الجمهورية العربية المتحدة |
| التأسيس | 1 فبراير 1958 |
| الاستفتاء | 21 فبراير 1958 |
| الانفصال | 28 سبتمبر 1961 |
| حل الاسم رسمياً | 2 سبتمبر 1971 |
| العاصمة | القاهرة |
| المساحة | 1,195,000 كم مربع |
| الرئيس | جمال عبد الناصر |
| العلم | أحمر-أبيض-أسود بنجمتين خضراوين |
| مدة الاتحاد الفعلي | 3 سنوات و7 أشهر و27 يوماً |
أحدثت الوحدة تحوّلات ملموسة في الحياة اليومية للسوريين. فمن الناحية الإيجابية، شعر كثير من المواطنين العاديين بنشوة قومية غير مسبوقة في الأسابيع الأولى للوحدة، إذ تدفقت الجماهير إلى الشوارع احتفالاً بما اعتبروه فجر عصر عربي جديد. وزار ناصر دمشق وحلب واستُقبل استقبال الأبطال من ملايين السوريين الذين رأوا فيه رمزاً للكرامة العربية.
غير أن الحماس الشعبي سرعان ما اصطدم بواقع البيروقراطية المصرية. فقد أصبحت المعاملات الحكومية أكثر تعقيداً وبطئاً، وفُرضت رقابة مشددة على الصحافة والإعلام السوري الذي كان يتمتع بحرية نسبية مقارنة بنظيره المصري. أُغلقت صحف ومجلات سورية عريقة، وباتت الأجهزة الأمنية بقيادة عبد الحميد السراج تراقب النشاط السياسي والفكري بصرامة لم يعهدها السوريون.
على المستوى الشعبي، أثارت التجربة مشاعر متناقضة. فمن جهة، تعزّزت الروابط الثقافية بين البلدين عبر الإذاعة والتلفزيون والسينما المشتركة. ومن جهة أخرى، تولّد شعور بالدونية لدى السوريين إزاء ما اعتبروه استعلاءً مصرياً. وقد ترك هذا التوتر أثراً طويل الأمد في العلاقات السورية-المصرية حتى بعد عقود من الانفصال.
استقبلت الشعوب العربية أنباء الوحدة بحماس بالغ، وخرجت مظاهرات تأييد في بغداد وعمّان وبيروت. حاول الملك حسين في الأردن والملك فيصل الثاني في العراق تشكيل اتحاد هاشمي مضاد أُعلن في 14 فبراير 1958 باسم الاتحاد العربي، لكنه انهار سريعاً بعد ثورة 14 تموز في العراق التي أطاحت بالنظام الملكي في يوليو 1958. كما شهد لبنان أزمة سياسية حادة عام 1958 مرتبطة جزئياً بتداعيات الوحدة المصرية-السورية على التوازنات الطائفية اللبنانية.