يُعدّ الإعلام السوري من أقدم المنظومات الإعلامية في المنطقة العربية، إذ تعود بداياته إلى أواخر العهد العثماني حين صدرت أولى الصحف في دمشق وحلب. مرّ المشهد الإعلامي السوري بمراحل متباينة: من التعددية النسبية في عهد الاستقلال، إلى السيطرة الحكومية شبه الكاملة بعد وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963 م، ثم إلى الانفجار الإعلامي غير المسبوق الذي أعقب انطلاق الثورة السورية عام 2011 م، وصولاً إلى مرحلة إعادة البناء بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 م. صنّفت منظمة مراسلون بلا حدود (RSF) سوريا باستمرار ضمن أسوأ خمس دول في العالم في مجال حرية الصحافة (RSF, World Press Freedom Index, 2015-2023)، فيما وثّقت لجنة حماية الصحفيين (CPJ) مقتل أكثر من 130 صحفياً في سوريا بين عامَي 2011 م و 2023 م (CPJ, Journalists Killed in Syria, 2023).
شهدت سوريا في عهد الانتداب الفرنسي وفترة الاستقلال الأولى مشهداً صحفياً متنوعاً نسبياً. صدرت صحف عديدة تعكس التعددية السياسية، منها: القبس، والأيام، وبردى، والنضال، وفتى العرب، وألف باء. تبعت هذه الصحف توجهات سياسية متنوعة من قومية وليبرالية واشتراكية وإسلامية. ساهم صحفيون ومثقفون سوريون بارزون في تطوير الصحافة العربية الحديثة، وكانت دمشق وحلب مركزَين رئيسيَّين للنشاط الصحفي والثقافي في المشرق العربي.
تأسست وكالة الأنباء العربية السورية (سانا) عام 1965 م بموجب مرسوم حكومي كوكالة أنباء رسمية للجمهورية العربية السورية (SANA, About Us). عملت الوكالة بعدة لغات تشمل العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية والتركية، وكانت المصدر الرسمي الأول للأخبار الداخلية والخارجية. خلال حكم عائلة الأسد، عملت سانا كأداة دعائية للنظام ونقلت الرواية الرسمية للأحداث حصرياً، ولم تُنشر أي تقارير تنتقد الحكومة أو القيادة السياسية. بعد سقوط النظام في كانون الأول 2024 م، بدأت عملية إعادة هيكلة الوكالة لتحويلها إلى مؤسسة إعلامية مهنية مستقلة.
تأسس التلفزيون العربي السوري عام 1960 م عندما كانت سوريا جزءاً من الجمهورية العربية المتحدة مع مصر، مما يجعله من أقدم محطات التلفزيون في المنطقة العربية. بدأ البث من استديوهات دمشق بالأبيض والأسود حتى عام 1976 م حين انتقل إلى البث الملوّن. ضمّ التلفزيون السوري عدة قنوات: القناة الأولى (الرسمية)، والقناة الثانية (ثقافية وتعليمية)، والقناة الفضائية السورية التي أُطلقت للبث عبر الأقمار الصناعية.
أما إذاعة دمشق فتُعدّ من أقدم المحطات الإذاعية في العالم العربي، إذ بدأ بثّها في ثلاثينيات القرن العشرين. ضمّت الشبكة الإذاعية أيضاً إذاعة صوت الشعب وإذاعة شباب إف إم التي استهدفت جيل الشباب.
اشتهرت سوريا بصناعة الدراما التلفزيونية التي حققت شهرة عربية واسعة. تميّزت المسلسلات السورية بجودة الإنتاج والتمثيل والكتابة، وتناولت مواضيع اجتماعية وتاريخية متنوعة. أصبحت دمشق مركزاً رئيسياً لإنتاج الدراما العربية قبل أن تتراجع هذه الصناعة بشكل كبير خلال سنوات الحرب بعد عام 2011 م.
تُعدّ صحيفة الوطن أبرز مثال على الإعلام الخاص الذي عمل ضمن حدود النظام. تأسست عام 2006 م وارتبطت بشكل وثيق برجل الأعمال رامي مخلوف، ابن خال الرئيس بشار الأسد وأحد أبرز رموز الاقتصاد السوري حينذاك (Reuters, “Syria’s Makhlouf says won’t fund Assad war effort”, 2020). على الرغم من كونها صحيفة خاصة، إلا أنها التزمت بالخطوط الحمراء التي رسمها النظام ولم تنتقد القيادة السياسية أو الأمنية. مثّلت الوطن نموذجاً لما سُمّي بـ«الإعلام الخاص المُسيَّس» الذي مُنح هامشاً محدوداً في القضايا الاقتصادية والاجتماعية مع الالتزام الكامل بالسردية الرسمية في الشأن السياسي.
استند النظام السوري في قمع حرية الإعلام إلى منظومة قانونية مُحكمة:
وثّقت منظمات حقوق الإنسان الدولية حملات اعتقال ممنهجة بحق الصحفيين والمدوّنين السوريين. وثّقت لجنة حماية الصحفيين (CPJ) أن سوريا كانت من أكبر سجون الصحفيين في العالم، إذ بلغ عدد الصحفيين المسجونين فيها ذروته في الفترة بين 2012 م و 2015 م (CPJ, Prison Census, 2012-2015). تعرّض صحفيون سوريون وأجانب للاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري في سجون النظام، بمن فيهم الصحفي الأمريكي أوستن تايس المفقود منذ عام 2012 م (CPJ, Austin Tice profile).
فرض النظام رقابة واسعة على الإنترنت شملت:
صنّفت منظمة فريدم هاوس سوريا ضمن فئة «غير حرّة» في تقاريرها السنوية عن حرية الإنترنت (Freedom House, Freedom on the Net, 2012-2023).
احتلت سوريا مراتب متدنية جداً في مؤشر حرية الصحافة العالمي الذي تصدره منظمة مراسلون بلا حدود سنوياً:
ظلّت سوريا بذلك ضمن أسوأ خمس أو عشر دول في العالم من حيث حرية الصحافة طوال أكثر من عقد كامل، ولم تكن تسبقها إلا دول مثل كوريا الشمالية وإريتريا وتركمانستان.
وثّقت لجنة حماية الصحفيين (CPJ) مقتل أكثر من 130 صحفياً في سوريا خلال الفترة من 2011 م إلى 2023 م، مما جعل سوريا أخطر بلد في العالم على الصحفيين لعدة سنوات متتالية (CPJ, Journalists Killed in Syria, 2023). شمل الضحايا صحفيين سوريين وأجانب سقطوا في ظروف متعددة:
وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش (HRW) ومنظمة العفو الدولية (Amnesty International) بشكل مفصّل حالات اعتقال وتعذيب الصحفيين في سجون النظام السوري (HRW, “Torture Archipelago”, 2012; Amnesty International, “Human Slaughterhouse”, 2017).
أدّت الثورة السورية عام 2011 م إلى ولادة عشرات المؤسسات الإعلامية المستقلة والمعارضة التي كسرت احتكار الدولة للمعلومات:
تأسست صحيفة عنب بلدي عام 2011 م في مدينة داريا بريف دمشق على يد مجموعة من الناشطين الشباب كصحيفة ورقية سرّية تُوزَّع يدوياً في المناطق المحاصرة. تحوّلت لاحقاً إلى منصة إعلامية رقمية شاملة تعمل من تركيا وتُصدر محتوى بالعربية والإنجليزية. حصلت عنب بلدي على عدة جوائز دولية تقديراً لشجاعة صحفييها ومهنيتهم، وفقدت عدداً من مؤسسيها الذين قُتلوا أو اعتُقلوا من قبل النظام (Enab Baladi, About Us).
تأسست مؤسسة سوريا على طول (Syria Direct) كمنظمة إعلامية غير ربحية تهدف إلى تقديم تغطية صحفية مهنية ومستقلة للشأن السوري باللغتين العربية والإنجليزية. تأسست في عمّان بالأردن واعتمدت على شبكة من المراسلين داخل سوريا وفي دول الجوار، وركّزت على القصص الإنسانية والتحقيقات الاستقصائية.
مشروع إعلامي ثقافي مستقل يوثّق الحراك المدني السوري والمبادرات الثقافية والفنية التي رافقت الثورة. يقدّم محتوى بالعربية والإنجليزية ويركّز على الجانب الإنساني والثقافي للتحوّلات السورية.
من أوائل القنوات التلفزيونية السورية المعارضة، أسسها رجل الأعمال السوري غسان عبود وبدأت بثها من دبي قبل الثورة، ثم انتقلت إلى تغطية الأحداث السورية بشكل مكثّف بعد عام 2011 م. تبث من إسطنبول ودبي وتُعدّ من أكثر القنوات السورية متابعة.
موقع إخباري سوري مستقل تأسس كمنصة رقمية لنقل الأخبار السورية والتحقيقات الاستقصائية. تميّز بنشر وثائق مسرّبة من أجهزة النظام الأمني وتقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان، وتعرّض لمحاولات اختراق إلكتروني متكررة.
لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً وغير مسبوق في الثورة السورية عام 2011 م، في سياق ما عُرف بـ«الربيع العربي«. في ظل غياب صحافة حرّة وإغلاق النظام للبلاد أمام وسائل الإعلام الدولية، أصبح المواطن العادي هو الصحفي الأول:
أدّى هذا التحوّل إلى بروز ظاهرة »صحافة المواطن» (Citizen Journalism) حيث وثّق ناشطون محليون أحداث الثورة والحرب بكاميرات هواتفهم المحمولة. دفع كثير من هؤلاء الناشطين حياتهم ثمناً لهذا التوثيق، إذ استهدفهم النظام بشكل ممنهج (RSF, “Citizen-journalists: the new face of Syrian media”, 2012).
بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 م، دخل الإعلام السوري مرحلة تحوّل جذري:
يُجمع المراقبون على أن بناء إعلام سوري حر ومهني ومستقل يُعدّ من أهم ركائز عملية الانتقال السياسي والديمقراطي في سوريا الجديدة.
يحتاج هذا القسم إلى توثيق بالمصادر والمراجع الأكاديمية.