تُعدّ السينما السورية من أعرق الحركات السينمائية في العالم العربي، وقد أسهمت على مدى عقود في إثراء المشهد الثقافي والفني في المنطقة. تتميز السينما السورية بطابعها الواقعي والاجتماعي، وقد أنتجت أعمالاً حازت على تقدير عربي ودولي واسع. شكّلت السينما السورية جسراً ثقافياً بين الشرق والغرب، وعكست في أعمالها تحولات المجتمع السوري وقضاياه عبر مراحل تاريخية مختلفة.
شهدت مدينة حلب أولى العروض السينمائية في سوريا عام 1908، مما جعلها من أوائل المدن العربية التي عرفت هذا الفن. كانت دور العرض الأولى في حلب تقدم أفلاماً صامتة فرنسية وإيطالية، وسرعان ما انتشرت صالات السينما في أحياء المدينة القديمة.
وفي عام 1928، أُنتج أول فيلم سوري بعنوان "المتهم البريء«، ليؤسس بذلك لانطلاقة صناعة السينما في البلاد. شهدت فترة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين محاولات متواضعة لإنتاج أفلام سورية، إلا أن الصناعة لم تتبلور بشكل حقيقي إلا بعد الاستقلال عام 1946.
انتشرت دور السينما في المدن السورية الكبرى خلال النصف الأول من القرن العشرين. في دمشق، كانت سينما »الأهرام« وسينما »الدنيا« وسينما »الشرق« من أبرز دور العرض التي شكّلت جزءاً من الحياة الثقافية للعاصمة. كما عُرفت سينما »الأمباسادور« في شارع الصالحية بأناقتها واستقطابها للطبقة المتوسطة.
أما في حلب، فقد كانت سينما »رمسيس« وسينما »الكندي« من أبرز صالات العرض. وقد شهدت هذه الصالات عصرها الذهبي في الخمسينيات والستينيات، حين كان الذهاب إلى السينما جزءاً أساسياً من الحياة الاجتماعية السورية.
تأسست المؤسسة العامة للسينما عام 1963، وأصبحت الجهة الرسمية المسؤولة عن دعم وإنتاج الأفلام السورية. لعبت المؤسسة دوراً محورياً في تطوير السينما الوطنية ورعاية المواهب الإبداعية. أنتجت المؤسسة عشرات الأفلام الروائية والوثائقية التي شكّلت هوية السينما السورية، وأتاحت للمخرجين الشباب فرصة تقديم أعمالهم الأولى بدعم حكومي. كما ساهمت في إرسال البعثات الدراسية إلى معاهد السينما العالمية في موسكو وباريس وغيرها.
أُطلق مهرجان دمشق السينمائي عام 1979، ليصبح أحد أبرز المهرجانات السينمائية في المنطقة العربية، واستقطب صنّاع أفلام من مختلف أنحاء العالم. أُقيم المهرجان بشكل دوري كل عامين، وقدّم جوائز في فئات متعددة شملت الأفلام الروائية والوثائقية والقصيرة. استضاف المهرجان نجوماً ومخرجين عالميين، وكان منصة مهمة للسينما العربية والأفريقية وسينما العالم الثالث. توقف المهرجان بسبب الأزمة السورية بعد دورته الأخيرة.
أنجبت السينما السورية عدداً من المخرجين البارزين الذين حققوا شهرة عربية ودولية، ومن أبرزهم:
يُعدّ مصطفى العقاد أشهر مخرج سوري على المستوى العالمي. وُلد في حلب وانتقل إلى الولايات المتحدة لدراسة السينما. اشتُهر بإخراج فيلم »الرسالة« (1976) الذي يروي قصة الإسلام المبكر، وأُنتج بنسختين عربية وإنجليزية. كما أخرج فيلم »عمر المختار« (1981) عن المقاومة الليبية ضد الاستعمار الإيطالي بطولة أنتوني كوين. بالإضافة إلى ذلك، أنتج العقاد سلسلة أفلام الرعب الشهيرة »هالوين« (Halloween). استُشهد في تفجيرات فنادق عمّان عام 2005.
يُعتبر محمد ملص من أهم مخرجي السينما السورية وأكثرهم تأثيراً. درس الإخراج في معهد السينما في موسكو (VGIK). من أبرز أعماله فيلم »أحلام المدينة« (1984) الذي يصوّر دمشق في الخمسينيات، وفيلم »الليل« (1992). يتميز أسلوبه بالعمق الشعري والبصري، ويُعدّ من رواد السينما المؤلف في العالم العربي. شاركت أفلامه في مهرجانات دولية كبرى مثل كان وبرلين وفينيسيا.
يُعدّ أسامة محمد من أبرز المخرجين السوريين في مجالي السينما الروائية والوثائقية. من أهم أعماله فيلم »نجوم النهار« (1988) وفيلم »صندوق الدنيا« (2002). تتميز أعماله بالجرأة في تناول القضايا الاجتماعية والسياسية. أخرج أيضاً فيلم »ماء الفضة« (2014) بالاشتراك مع وئام بدرخان، الذي وثّق الأزمة السورية وعُرض في مهرجان كان السينمائي.
رائد السينما الوثائقية السورية. من أبرز أعماله فيلم »الحياة اليومية في قرية سورية« (1974) وفيلم »طوفان في بلاد البعث« (2003). تميّزت أفلامه بالنظرة النقدية للواقع الاجتماعي والسياسي في سوريا.
مخرج سوري معاصر حقق إنجازات دولية بارزة. اشتُهر بأفلامه الوثائقية التي تناولت الأزمة السورية.
إلى جانب السينما، حققت الدراما التلفزيونية السورية شهرة واسعة في العالم العربي. يُعدّ مسلسل »باب الحارة« من أنجح المسلسلات السورية على الإطلاق، إذ صوّر الحياة في أحياء دمشق القديمة في فترة الانتداب الفرنسي، وحقق نسب مشاهدة قياسية في شهر رمضان عبر العالم العربي منذ انطلاقه عام 2006.
كما برزت مسلسلات تاريخية واجتماعية سورية أخرى حققت نجاحاً كبيراً، وأسهمت في تعزيز مكانة الدراما السورية كمنافس رئيسي للدراما المصرية في السوق العربية. اشتُهرت سوريا بإنتاج المسلسلات البدوية والتاريخية ومسلسلات البيئة الشامية التي استقطبت ملايين المشاهدين.
حقق فيلم »آخر الرجال في حلب« عام 2017 إنجازاً تاريخياً بحصوله على أول ترشيح لجائزة الأوسكار في تاريخ السينما السورية في فئة أفضل فيلم وثائقي، مما سلّط الضوء على قدرات صنّاع الأفلام السوريين على المستوى العالمي. الفيلم من إخراج فراس فياض ويوثّق عمل متطوعي الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) في مدينة حلب.