شهدت الجمهورية العربية السورية في الفترة الممتدة بين عامَي 2012 م و2015 م تحولاً جذرياً في طبيعة الثورة، إذ انتقلت الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في آذار/مارس 2011 م من احتجاجات سلمية إلى النزاع المسلح شاملة متعددة الأطراف. تميّزت هذه المرحلة بتصاعد العمليات العسكرية، واستخدام الأسلحة الكيميائية، وظهور تنظيمات مسلحة متطرفة أبرزها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فضلاً عن تدخلات إقليمية ودولية واسعة النطاق. وقد أسفر هذا الصراع عن مقتل أكثر من 306,000 مدني في الفترة بين 2011 م و2021 م وفقاً لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR)، وتشريد ملايين السوريين داخلياً وخارجياً، ممّا جعل الأزمة السورية واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.
بدأت الاحتجاجات في سوريا في آذار/مارس 2011 م متأثرةً بموجة الربيع العربي التي اجتاحت عدداً من الدول العربية. طالب المتظاهرون في البداية بإصلاحات سياسية واقتصادية، غير أنّ مواجهة قوات الأمن السورية للاحتجاجات بالقوة المفرطة أدّى إلى تصعيد حاد في المواقف. ومع تزايد أعداد القتلى في صفوف المتظاهرين العُزّل، بدأت أصوات تنادي بإسقاط النظام بدلاً من إصلاحه. وبحلول أواخر عام 2011 م، بدأ عدد من العسكريين المنشقين عن الجيش السوري بحمل السلاح دفاعاً عن المدنيين بحسب ما أعلنوه، وهو ما اعتبره النظام السوري تمرّداً مسلّحاً تدعمه جهات خارجية. أدّى هذا التحول إلى عسكرة الصراع تدريجياً، وبحلول مطلع عام 2012 م، باتت سوريا تشهد حرباً أهلية بكلّ المعايير، حيث تواجهت قوات النظام مع فصائل مسلحة متعددة عبر مساحات واسعة من البلاد.
أسهمت عوامل عديدة في تسارع هذا التحول، منها الانقسام الطائفي والمناطقي، وتدفّق الأسلحة من الخارج، وعجز المجتمع الدولي عن التوصّل إلى موقف موحّد بسبب استخدام روسيا والصين حقّ النقض (الفيتو) في مجلس الأمن مراراً لمنع صدور قرارات ملزمة ضدّ الحكومة السورية. وقد وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقاريرها الصادرة بين عامَي 2013 م و2015 م انتهاكات جسيمة ارتكبتها مختلف أطراف النزاع.
في 29 تموز/يوليو 2011 م، أعلن العقيد رياض الأسعد، وهو ضابط منشقّ عن الجيش العربي السوري، تأسيس الجيش السوري الحر من مقرّه في تركيا. جاء هذا الإعلان بوصفه محاولة لتوحيد صفوف العسكريين المنشقّين تحت قيادة واحدة وتنظيم العمليات العسكرية ضدّ قوات النظام. ضمّ الجيش الحر في بداياته مئات الضبّاط والجنود الذين رفضوا الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين، وسرعان ما توسّع ليشمل آلاف المقاتلين من خلفيات عسكرية ومدنية متنوعة.
غير أنّ الجيش السوري الحر لم يتمكّن في أيّ مرحلة من تحقيق وحدة قيادية حقيقية على الأرض. فقد تشكّلت عشرات الفصائل والألوية المحلية التي حملت اسم الجيش الحر لكنّها عملت باستقلالية كبيرة عن القيادة المركزية. وقد أشارت تقارير هيومن رايتس ووتش إلى أنّ هذا التشرذم أضعف قدرة المعارضة المسلحة على تنسيق عملياتها، كما فتح المجال لتسلّل عناصر متطرفة إلى صفوفها. وطوال الفترة بين 2012 م و2015 م، ظلّ الجيش السوري الحر يمثّل أحد الأطراف الرئيسية في الصراع، وإن تراجع دوره تدريجياً لصالح فصائل إسلامية أخرى.
في شباط/فبراير 2012 م، شنّ الجيش السوري هجوماً مدفعياً واسع النطاق على حيّ بابا عمرو في مدينة حمص، التي كانت تُعرف بـ«عاصمة الثورة«. استمرّ القصف المكثّف لأسابيع، واستُخدمت فيه الدبابات والمدفعية الثقيلة وقذائف الهاون ضدّ مناطق سكنية مكتظّة. وقد وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش دمار البنية التحتية في الحيّ ومقتل مئات المدنيين خلال هذه العملية.
اعتبر النظام السوري العملية جزءاً من جهود مكافحة الإرهاب واستعادة الأمن والاستقرار، بينما وصفتها المعارضة والمنظمات الدولية بأنّها عقاب جماعي ضدّ السكان المدنيين. وقد لفت حصار بابا عمرو انتباه العالم بعد مقتل المراسلَين الصحفيَّين ماري كولفين وريمي أوشليك أثناء تغطيتهما للأحداث. سقطت بابا عمرو في نهاية المطاف بيد القوات الحكومية في آذار/مارس 2012 م، لكنّ مدينة حمص بأكملها ظلّت ساحة مواجهات لسنوات لاحقة، ولم تستعد القوات الحكومية السيطرة الكاملة على أحيائها المحاصَرة إلّا في أيّار/مايو 2014 م بموجب اتفاق إجلاء.
شكّل حصار حمص نموذجاً لاستراتيجية »الحصار والتجويع« التي اعتمدتها القوات الحكومية لاحقاً في مناطق عديدة، والتي وثّقتها تقارير مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة (OHCHR) باعتبارها انتهاكاً صريحاً للقانون الإنساني الدولي.
شهدت الفترة بين عامَي 2012 م و2013 م تصاعداً ملحوظاً في حدّة القتال وتوسّع رقعته الجغرافية. انتقلت المعارك إلى المدن الكبرى، ولا سيّما حلب التي بدأت معركتها الكبرى في تموز/يوليو 2012 م حين سيطرت فصائل المعارضة على أجزاء واسعة من شرق المدينة. تحوّلت حلب إلى خطّ تماسٍ ثابت بين القوات الحكومية في الغرب وفصائل المعارضة في الشرق، واستمرّت المواجهات فيها حتى أواخر 2016 م.
في الفترة ذاتها، اشتدّت المعارك في ريف دمشق، حيث حاولت فصائل المعارضة التقدّم نحو العاصمة من عدّة محاور، فيما ردّت القوات الحكومية بفرض حصار خانق على مناطق الغوطة الشرقية ومعضمية الشام وداريا. كما شهدت محافظات إدلب ودرعا ودير الزور والرقة والحسكة عمليات عسكرية واسعة.
برزت خلال هذه المرحلة أيضاً ظاهرة التفجيرات الانتحارية في المدن الكبرى، وتنامي دور الميليشيات الأجنبية الموالية للنظام، ولا سيّما حزب الله اللبناني الذي شارك بشكل علني في معركة القصير في حزيران/يونيو 2013 م. وقد وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان تصاعداً مستمراً في أعداد الضحايا خلال هذه الفترة.
في 21 آب/أغسطس 2013 م، وقع أكبر هجوم بالأسلحة الكيميائية في الصراع السوري، حيث استُهدفت مناطق في الغوطة الشرقية بضواحي دمشق بصواريخ محمّلة بغاز السارين. تراوحت تقديرات أعداد الضحايا بشكل كبير بحسب المصادر: أفادت منظمة أطباء بلا حدود بمقتل 355 شخصاً على الأقلّ، فيما قدّرت الحكومة الأمريكية العدد بنحو 1,429 قتيلاً، بينما تراوحت التقديرات الأخرى بين 281 و1,729 ضحية.
خلصت بعثة تقصّي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) إلى أنّ غاز السارين استُخدم بالفعل على نطاق واسع في الغوطة. ونسبت الحكومات الغربية ومعظم المنظمات الدولية المسؤولية إلى القوات الحكومية السورية، مستندةً إلى نوع الذخائر المستخدمة ومسار إطلاقها. في المقابل، نفت الحكومة السورية مسؤوليتها نفياً قاطعاً، وأشارت إلى أنّ فصائل المعارضة المسلحة هي من نفّذت الهجوم بهدف استدراج تدخّل عسكري غربي. وأيّدت روسيا هذا الموقف، وقدّمت ما وصفته بأدلّة تدعم رواية الحكومة السورية.
هدّد الرئيس الأمريكي باراك أوباما بتوجيه ضربات عسكرية ضدّ سوريا بعد تجاوز ما وصفه بـ»الخطّ الأحمر« المتعلق باستخدام الأسلحة الكيميائية. غير أنّ مبادرة دبلوماسية روسية أفضت إلى اتفاق بموجبه تعهّدت سوريا بالانضمام إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية وتسليم ترسانتها الكيميائية بالكامل. وقد صادق مجلس الأمن الدولي على هذا الاتفاق بإصداره القرار رقم 2118 في أيلول/سبتمبر 2013 م. وأشرفت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية على عملية تدمير المخزون الكيميائي السوري المُعلَن، رغم استمرار التقارير عن هجمات كيميائية لاحقة بمواد أخرى كالكلور.
ظهر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في الساحة السورية بشكل واضح اعتباراً من عام 2013 م، حين توسّع من قاعدته في العراق ليسيطر على مناطق واسعة في شرق سوريا. وفي 29 حزيران/يونيو 2014 م، أعلن زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي قيام ما أسماه »الخلافة الإسلامية«، ونصّب نفسه »خليفةً للمسلمين« (مركز ويلسون: جدول زمني لتنظيم داعش).
سيطر التنظيم على مدينة الرقة السورية واتّخذها عاصمةً لـ»خلافته«، كما تمدّد ليشمل مدينة دير الزور ومناطق واسعة على ضفاف نهر الفرات. وقد فرض التنظيم نظاماً قمعياً شديداً على السكان، وارتكب فظائع موثّقة تشمل الإعدامات الجماعية والاستعباد، ولا سيّما بحقّ الأقلّيات كالأيزيديين في العراق والمسيحيين والأكراد في سوريا.
أدّى صعود داعش إلى تعقيد المشهد العسكري في سوريا تعقيداً بالغاً، إذ بات التنظيم يقاتل على جبهات متعددة ضدّ كلّ من القوات الحكومية السورية وفصائل المعارضة المسلحة والقوات الكردية. كما دفع هذا التهديد الولايات المتحدة إلى تشكيل التحالف الدولي ضدّ داعش في أيلول/سبتمبر 2014 م، الذي بدأ بشنّ غارات جوية على مواقع التنظيم في سوريا والعراق. وقد أوردت تقارير هيومن رايتس ووتش (2014-2015 م) توثيقاً مفصّلاً لجرائم التنظيم ضدّ الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرته.
وفقاً لإحصاءات المرصد السوري لحقوق الإنسان، كان عام 2014 م الأكثر دموية في تاريخ الصراع السوري، حيث سُجّلت 110,920 حالة وفاة خلال ذلك العام وحده. يُعزى هذا الارتفاع الحادّ في أعداد الضحايا إلى عدّة عوامل متداخلة:
شكّل هذا العام نقطة تحوّل في إدراك المجتمع الدولي لحجم الكارثة الإنسانية في سوريا، وأسهم في تكثيف الجهود الدبلوماسية للتوصّل إلى حلّ سياسي، وإن ظلّت هذه الجهود بلا نتائج ملموسة على أرض الواقع.
أصدر مجلس الأمن الدولي خلال هذه الفترة عدداً من القرارات المتعلقة بالأزمة السورية، أبرزها:
القرار 2118 (أيلول/سبتمبر 2013 م): جاء في أعقاب هجوم الغوطة الكيميائي، ونصّ على تدمير ترسانة الأسلحة الكيميائية السورية تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW). وقد اعتُبر هذا القرار إنجازاً دبلوماسياً نادراً في ظلّ الانقسام الحادّ داخل مجلس الأمن بشأن الملفّ السوري.
القرار 2139 (شباط/فبراير 2014 م): طالب جميع أطراف النزاع بالسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين المحاصَرين، ودعا إلى وقف الهجمات العشوائية على المناطق المأهولة بالسكان، بما في ذلك استخدام البراميل المتفجّرة. وقد وثّقت مفوضية حقوق الإنسان (OHCHR) استمرار الانتهاكات رغم صدور هذا القرار.
القرار 2254 (كانون الأول/ديسمبر 2015 م): يُعدّ هذا القرار الإطار المرجعي للعملية السياسية في سوريا، إذ نصّ على وقف إطلاق النار وبدء مفاوضات بين الحكومة والمعارضة بهدف تشكيل هيئة حكم انتقالية وصولاً إلى صياغة دستور جديد وإجراء انتخابات حرّة.
على صعيد المفاوضات، عُقدت جولات عديدة من المحادثات في جنيف برعاية الأمم المتحدة، لكنّها لم تُفضِ إلى اختراق حقيقي بسبب تباعد مواقف الأطراف حول مصير الرئيس بشّار الأسد ومستقبل النظام السياسي. وقد تعثّرت هذه المحادثات مراراً بسبب التصعيد العسكري على الأرض وانهيار اتفاقات وقف إطلاق النار.
خلّفت الثورة السورية في الفترة 2012-2015 م كارثة إنسانية غير مسبوقة في المنطقة. وفيما يلي أبرز المؤشرات:
الضحايا: وثّقت مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة (OHCHR) مقتل أكثر من 306,000 مدني في الفترة الممتدة بين 2011 م و2021 م. وسجّل المرصد السوري لحقوق الإنسان 110,920 حالة وفاة في عام 2014 م وحده، ممّا يجعله العام الأكثر دموية في الصراع.
النزوح الداخلي: بحلول نهاية عام 2015 م، كان أكثر من 6.5 مليون سوري قد نزحوا داخل بلادهم، فيما فرّ أكثر من 4 ملايين سوري إلى دول الجوار، ولا سيّما تركيا ولبنان والأردن والعراق، وفقاً لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
تدمير البنية التحتية: تعرّضت المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء لأضرار بالغة جرّاء القصف المتواصل. ووثّقت هيومن رايتس ووتش في تقاريرها (2013-2015 م) استهداف المرافق الصحية بشكل ممنهج في مناطق المعارضة.
الحصار: فرضت القوات الحكومية حصاراً محكماً على عدد من المناطق المأهولة بالسكان، ممّا أدّى إلى نقص حادّ في الغذاء والدواء. وقد وصف تقرير مفوضية حقوق الإنسان (OHCHR) استخدام الحصار كسلاح حرب بأنّه يرقى إلى مستوى جرائم ضدّ الإنسانية.
أزمة اللجوء في أوروبا: بلغت موجات اللجوء السوري ذروتها في عام 2015 م حين توجّه مئات الآلاف من السوريين إلى أوروبا عبر البحر المتوسط وطريق البلقان، ممّا أثار أزمة سياسية حادّة داخل الاتحاد الأوروبي حول سياسات الهجرة واللجوء.
الأثر الاقتصادي: انهار الاقتصاد السوري بشكل شبه كامل خلال هذه الفترة، وفقدت الليرة السورية معظم قيمتها، وارتفعت معدّلات الفقر والبطالة إلى مستويات غير مسبوقة، فيما قُدّرت خسائر البنية التحتية بمئات المليارات من الدولارات.