إدلب (بالإنجليزية: Idlib) مدينة سورية تقع في الشمال الغربي من البلاد، وهي عاصمة محافظة إدلب ومركزها الإداري. تبعد نحو 59 كيلومتراً إلى الجنوب الغربي من حلب وقرابة 300 كيلومتر شمالي دمشق، وترتفع ما بين 420 و500 متر فوق مستوى سطح البحر في حوض خصب يتوسط المسافة بين حلب واللاذقية. اكتسبت المدينة أهمية تاريخية بالغة بوصفها مركزاً زراعياً رئيسياً — ولا سيما في إنتاج الزيتون — وبقربها من مواقع أثرية فريدة كمدينة إيبلا (تل مرديخ) والمدن الميتة المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، فضلاً عن الدور المحوري الذي أدّته خلال الثورة السورية السورية بوصفها آخر معاقل المعارضة المسلحة الكبرى حتى عملية «ردع العدوان» في نوفمبر 2024 التي أفضت إلى سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر 2024.
تقع مدينة إدلب عند الإحداثيات الجغرافية 35°56′ شمالاً و36°38′ شرقاً تقريباً، في الجزء الشمالي الغربي من الجمهورية العربية السورية. تتربّع المدينة في سهل خصب محاط بتلال الكتلة الكلسية (الجبل الزاويّة وجبل الأعلى وجبل ريحا) التي تمتد من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي على مساحة تبلغ نحو 140 كيلومتراً طولاً و20 إلى 40 كيلومتراً عرضاً. تتميّز هذه الكتلة الكلسية بتربتها الصالحة لزراعة الزيتون والكرمة، وهي ذاتها التي احتضنت المدن الميتة الشهيرة على مدى قرون.
يسود المنطقة مناخ البحر الأبيض المتوسط المعتدل، حيث تتراوح درجات الحرارة في الصيف بين 30 و38 درجة مئوية، بينما تنخفض في الشتاء إلى ما بين 2 و10 درجات مئوية. يبلغ متوسط هطول الأمطار السنوي نحو 400-500 ملليمتر، ويتركز معظمه في الأشهر الممتدة من نوفمبر حتى مارس، مما يجعل المنطقة ملائمة للزراعة البعلية ولا سيما أشجار الزيتون واللوز والتين.
تحدّ محافظة إدلب من الشمال الحدود التركية، ومن الشرق محافظة حلب، ومن الجنوب محافظة حماة، ومن الغرب محافظة اللاذقية. بلغ عدد سكان مدينة إدلب نحو 98,791 نسمة بحسب التعداد الرسمي لعام 2004، وقُدّر بنحو 165,000 نسمة عام 2010 قبيل اندلاع الأزمة. أما محافظة إدلب فقد كان عدد سكانها يناهز 1.5 مليون نسمة قبل الحرب، لكنها أصبحت تضم ما بين 3 و4 ملايين شخص بحلول عام 2022 بسبب النزوح الداخلي الكثيف من مناطق سورية أخرى، إذ قدّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) عدد السكان بنحو 2,927,392 نسمة في مايو 2022، منهم قرابة 1,899,350 نازحاً داخلياً.
غالبية سكان إدلب من المسلمين السنّة، وكانت المدينة تضم في السابق أقلية مسيحية ملحوظة، غير أن ظروف الحرب أدت إلى تراجع حاد في أعدادهم. وإلى جانب العرب، تعيش في المحافظة أقليات من التركمان والأكراد.
تُعدّ منطقة إدلب من أقدم مناطق الاستيطان البشري في بلاد الشام. كشفت التنقيبات الأثرية في موقع «تل عين الكرخ» القريب من المدينة عن استيطان يعود إلى العصر الحجري الحديث (نحو 8500 قبل الميلاد)، مما يشير إلى أن المنطقة شهدت بواكير الزراعة والاستقرار البشري. وتُعدّ مدينة إيبلا (تل مرديخ)، الواقعة على بعد نحو 55 كيلومتراً إلى الجنوب من إدلب، من أبرز المدن-الدول في التاريخ القديم، إذ ازدهرت في الألفية الثالثة قبل الميلاد كمركز تجاري وإداري من الطراز الأول. وقد أشارت ألواح إيبلا المسمارية (نحو 2350 ق.م.) إلى اسم «دوحولابوم» الذي يُرجَّح أنه يشير إلى موقع إدلب الحالي، مما يمنح المدينة عمقاً تاريخياً يمتد لنحو أربعة آلاف وخمسمائة عام.
خضعت المنطقة بعد فتوحات الإسكندر المقدوني (333 ق.م.) لحكم الإمبراطورية السلوقية، ثم ضمّها الملك الأرمني تيغرانيس الكبير إلى مملكته في القرن الأول قبل الميلاد، قبل أن يفتحها القائد الروماني بومبيوس العظيم عام 64 ق.م. وأصبحت إدلب جزءاً من مقاطعة سوريا الرومانية. لم تكن المدينة نفسها ذات شأن كبير في تلك الحقبة، إلا أن المنطقة المحيطة بها شهدت ازدهاراً ملحوظاً، ولا سيما في زراعة الزيتون وتجارة زيته التي ربطت المنطقة بمدينتَيْ أنطاكية وأفاميا الكبيرتين.
بلغت المنطقة أوج ازدهارها في العصر البيزنطي بين القرنين الرابع والسابع الميلاديين، حين أصبحت جزءاً من مقاطعة «سوريا الثانية» (Syria Secunda). شهدت هذه الحقبة بناء مئات القرى والمستوطنات الزراعية على امتداد الكتلة الكلسية، والمعروفة اليوم بـ«المدن الميتة» أو «القرى الأثرية في شمال سوريا». كانت هذه القرى محركاً زراعياً كبيراً يزوّد المدن الرئيسية بزيت الزيتون والنبيذ والحبوب. وقد شُيّدت فيها كنائس بازيليكية رائعة وحمّامات ومعاصر زيتون ومنازل حجرية لا تزال بقاياها قائمة حتى اليوم بحالة حفظ استثنائية، أبرزها كنيسة قلب لوزة الشهيرة التي تعود إلى ستينيات القرن الخامس الميلادي.
فُتحت المنطقة على يد الجيوش الإسلامية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب بين عامَيْ 636 و637 ميلادية (15-16 هجرية)، وأصبحت جزءاً من جند قنسرين ضمن الولاية الإسلامية في بلاد الشام. أدّى الفتح الإسلامي وتحوّل طرق التجارة إلى تراجع تدريجي في الاقتصاد القائم على تصدير زيت الزيتون نحو أنطاكية وأفاميا، مما أفضى إلى هجر معظم قرى الكتلة الكلسية بين القرنين الثامن والعاشر الميلاديين — وهو ما منحها لاحقاً تسمية «المدن الميتة».
في عصر الحروب الصليبية (القرنين الحادي عشر والثالث عشر)، كانت المنطقة ساحة مواجهة بين الممالك الصليبية — ولا سيما إمارة أنطاكية — والقوى الإسلامية. شُيّدت في محيط إدلب حصون وقلاع دفاعية، وشهدت المنطقة صراعات متكررة انتهت بانتصار المسلمين في عهد صلاح الدين الأيوبي ثم خلفائه من الأيوبيين والمماليك، الذين أحكموا سيطرتهم على شمال غرب سوريا بالكامل بحلول نهاية القرن الثالث عشر.
دخلت إدلب والمنطقة المحيطة بها تحت الحكم العثماني بعد معركة مرج دابق عام 1516، وأصبحت تابعة لولاية حلب. يُشير المؤرخون إلى أن قرية إدلب شهدت نقلة نوعية في عهد فاضل أحمد باشا، ابن الصدر الأعظم كوبرولو محمد باشا (حكم 1656-1661)، الذي عُيّن والياً على دمشق وأسهم في تطوير المنطقة. منذ تلك الحقبة — المعروفة بعصر الكوبرولية — أصبحت إدلب مركزاً مهماً لإنتاج الزيتون، الذي أفرز بدوره صناعة صابون مزدهرة قائمة على زيت الزيتون.
في منتصف القرن التاسع عشر، قُدّر عدد سكان البلدة بنحو 8,000 نسمة، منهم نحو 500 من المسيحيين. وكانت إدلب آنذاك سوقاً إقليمية مهمة ومركزاً لتجارة المنتجات الزراعية، ولا سيما الزيتون وزيته والحبوب والقطن. استمرت المدينة في النمو التدريجي طوال العهد العثماني، مستفيدةً من موقعها على الطرق التجارية بين حلب والساحل السوري.
بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، خضعت سوريا بأسرها للانتداب الفرنسي بموجب اتفاقيات سايكس-بيكو وقرارات مؤتمر سان ريمو عام 1920. ضُمّت إدلب إلى «دولة حلب» التي أسسها الفرنسيون ضمن سياسة تقسيم سوريا إلى كيانات طائفية وإقليمية. شاركت المدينة ومحيطها في حركات المقاومة ضد الانتداب، وإن كان دورها أقل بروزاً مقارنة بدمشق وحلب.
بعد الاستقلال عام 1946، أصبحت إدلب عاصمة لمحافظة إدلب المُستحدثة، وتحوّلت إلى مركز إداري وزراعي ذي أهمية إقليمية. ظلت المدينة محافظة على طابعها الزراعي الغالب، إذ اعتمد اقتصادها على زراعة الزيتون والحبوب والقطن والفواكه. شهدت إدلب في العقود التالية تطوراً عمرانياً محدوداً مقارنة بالمدن السورية الكبرى، وإن أُنشئت فيها مؤسسات حكومية ومدارس ومستشفيات. ظلت المحافظة تُعدّ من المناطق الأقل حظاً في التنمية ضمن التقسيم الإداري السوري، مع ارتفاع نسبي في معدلات الفقر والبطالة مقارنة بالمراكز الحضرية الكبرى.
شهدت إدلب، كسائر المدن السورية، احتجاجات شعبية مع اندلاع الثورة السورية في مارس 2011. تصاعدت الاحتجاجات تدريجياً لتتحول إلى مواجهات مسلحة بين قوات النظام وفصائل المعارضة. في يوليو 2012، تمكّنت قوات الجيش السوري الحر من السيطرة على أجزاء واسعة من المدينة، قبل أن يستعيد النظام السيطرة عليها في وقت لاحق. شهدت المحافظة خلال الفترة بين 2012 و2015 كرّاً وفرّاً بين القوات الحكومية وفصائل المعارضة المتعددة.
في مارس 2015، حقّق تحالف «جيش الفتح» — الذي ضمّ جبهة النصرة (الفرع السوري لتنظيم القاعدة آنذاك) وحركة أحرار الشام وفصائل أخرى — نصراً حاسماً بالسيطرة على مدينة إدلب بالكامل، مما جعلها ثاني عاصمة محافظة تخرج عن سيطرة نظام الأسد بعد الرقة. وقد أعقب ذلك سيطرة المعارضة على معظم أرجاء المحافظة، بما في ذلك مدن جسر الشغور وأريحا ومعرة النعمان.
بدأ التدخل العسكري الروسي المباشر في سبتمبر 2015 بناءً على طلب نظام الأسد، وكانت محافظة إدلب من أكثر المناطق تعرضاً للقصف الجوي الروسي والسوري. وثّقت منظمات حقوقية دولية — من بينها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية — غارات جوية متكررة استهدفت مستشفيات ومدارس وأسواقاً شعبية ومنشآت مدنية، مما أسفر عن سقوط آلاف الضحايا المدنيين وتدمير واسع في البنية التحتية. وقد وصف مسؤولون أمميون الأوضاع في إدلب بأنها «أسوأ كارثة إنسانية في القرن الحادي والعشرين».
بين عامَيْ 2017 و2019، تمكّنت هيئة تحرير الشام — التي تشكّلت في يناير 2017 من اندماج جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً) مع فصائل أخرى — من فرض سيطرتها الكاملة على محافظة إدلب وأجزاء من ريف حلب الغربي وريف حماة الشمالي وسهل الغاب في ريف اللاذقية. أنشأت الهيئة بقيادة أحمد الشرع (المعروف باسم أبو محمد الجولاني) جهازاً إدارياً مدنياً أُطلق عليه «حكومة الإنقاذ السورية»، تولّى إدارة شؤون الحياة اليومية من تعليم وصحة وقضاء وأمن داخلي.
اتسمت هذه الحقبة بمحاولات الهيئة إعادة تقديم نفسها كقوة حكم معتدلة بعيدة عن التطرف، في سياق قطع روابطها التنظيمية مع تنظيم القاعدة. إلا أن المنطقة ظلت تعاني من تحديات أمنية واقتصادية هائلة، في ظل الحصار شبه الكامل المفروض عليها والقصف المتقطع من قبل النظام وحلفائه.
شنّت قوات النظام السوري بدعم جوي روسي مكثف هجوماً واسعاً على جنوب محافظة إدلب وشمال حماة بين أبريل 2019 ومارس 2020، أسفر عن سيطرة النظام على مدن استراتيجية عديدة — من بينها معرة النعمان وسراقب وخان شيخون — وعن موجة نزوح هائلة قُدّرت بأكثر من مليون شخص فرّوا شمالاً نحو الحدود التركية في ظروف شتوية قاسية. وقد وُصفت هذه الموجة بأنها أكبر حركة نزوح في تاريخ الأزمة السورية.
في الخامس من مارس 2020، توصّل الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين إلى اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب خلال قمة في موسكو. نصّ الاتفاق على إنشاء ممر أمني بعرض 6 كيلومترات على جانبَيْ طريقَيْ M4 (حلب-اللاذقية) وM5 (حلب-دمشق)، وتسيير دوريات مشتركة تركية-روسية. أسهم هذا الاتفاق في تجميد خطوط المواجهة إلى حد بعيد، وإن لم يمنع تماماً عمليات القصف المتقطعة والاغتيالات.
عاشت إدلب بين عامَيْ 2020 و2024 في حالة حصار شبه كامل، إذ ظلت المنطقة معزولة عن بقية سوريا باستثناء معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا الذي مثّل شريان الحياة الوحيد لإيصال المساعدات الإنسانية الأممية. ضمّت المنطقة ما بين 3 و4 ملايين مدني، بينهم نحو مليونَيْ نازح داخلي من مناطق سورية أخرى، مما جعلها أكثر المناطق اكتظاظاً في سوريا قياساً بمساحتها المحدودة. رغم هذه الظروف القاسية، استمرت الحياة المدنية بأشكال متعددة: عملت المدارس والمستشفيات والجامعات والأسواق، وإن كانت تعاني من نقص حاد في التمويل والموارد.
في السابع والعشرين من نوفمبر 2024، أطلقت «غرفة العمليات العسكرية» بقيادة هيئة تحرير الشام، وبدعم من فصائل الجيش الوطني السوري المدعوم تركياً، عملية عسكرية واسعة أطلقت عليها اسم «ردع العدوان». جاءت العملية رداً على تصاعد القصف المدفعي من قوات النظام على مناطق مدنية في إدلب، والذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 30 مدنياً.
استندت قيادة الهيئة في اختيار هذا التوقيت إلى حسابات استراتيجية دقيقة، إذ كان حلفاء نظام الأسد الإقليميون والدوليون مقيّدين في قدراتهم: روسيا منشغلة بحربها في أوكرانيا، وإيران وحزب الله منخرطان في المواجهة مع إسرائيل في أعقاب حرب غزة — مما أتاح فرصة تكتيكية نادرة.
حقّقت القوات المتقدمة اختراقات سريعة فاقت كل التوقعات. في التاسع والعشرين من نوفمبر، دخلت قوات المعارضة مدينة حلب وسيطرت على معظمها في ظل انهيار مفاجئ للقوات الحكومية. ثم استعادت السيطرة على سراقب وأبو الظهور ومعرة النعمان وخان شيخون وكفرنبل، لتُحكم قبضتها على كامل محافظة إدلب بحلول الثلاثين من نوفمبر.
لم تتوقف العملية عند حدود إدلب وحلب، بل استمرت جنوباً بوتيرة متسارعة. في الخامس من ديسمبر سقطت مدينة حماة، وفي السادس والسابع من ديسمبر سقطت حمص، وفي الثامن من ديسمبر 2024 دخلت قوات المعارضة العاصمة دمشق، منهيةً بذلك حكم عائلة الأسد الذي استمر 53 عاماً وحكم حزب البعث الذي دام أكثر من ستة عقود. فرّ بشار الأسد من البلاد، وأُعلن عن تشكيل حكومة انتقالية.
وهكذا تحوّلت إدلب — التي كانت لسنوات «المعقل الأخير» المحاصَر — إلى نقطة الانطلاق لأكبر تحوّل سياسي وعسكري في تاريخ سوريا الحديث، في حملة عسكرية لم تستغرق سوى اثني عشر يوماً.
تُعدّ المدن الميتة من أبرز المعالم الأثرية في سوريا والعالم. تضم هذه المجموعة أكثر من 700 موقع مهجور في الكتلة الكلسية بشمال غرب سوريا، تمتد بين محافظتَيْ إدلب وحلب. أُدرجت 36 قرية من هذه المواقع — مُنظَّمة في ثمانية «حدائق أثرية» — على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2011 تحت مسمّى «القرى الأثرية في شمال سوريا»، ثم أُضيفت إلى قائمة التراث المهدد بالخطر عام 2013 بسبب الحرب.
يعود تاريخ معظم هذه القرى إلى الفترة بين القرنين الأول والسابع الميلاديين، وتتميّز بحالة حفظ استثنائية لمبانيها الحجرية — من مساكن ومعابد وثنية وكنائس وصهاريج وحمّامات ومعاصر زيتون — مما يمنح الباحثين نافذة فريدة على الحياة الريفية في أواخر العصور القديمة والعصر البيزنطي. من أبرز هذه المواقع:
قلب لوزة: تضم كنيسة بازيليكية تعود إلى ستينيات القرن الخامس الميلادي (نحو 460 م)، وتُعدّ من أفضل الكنائس المحفوظة من تلك الحقبة في المنطقة. تتميّز بتصميم معماري ثوري حيث اسْتُبدلت الأعمدة التقليدية التي تفصل الأروقة الجانبية عن الصحن المركزي بأقواس مرتفعة تمنح المبنى شعوراً بالاتساع والرحابة. تتصدّر واجهتها الأمامية قوس مركزي كبير يحيط به قوسان جانبيان وبرجان متماثلان على الأطراف. وقد وصفتها الرحّالة البريطانية غيرترود بيل بأنها بداية «فصل جديد في عمارة العالم»، ويرى باحثون أن تصميمها — ولا سيما مفهوم «البرجين المحيطين بالنافذة الوردية» — انتقل إلى أوروبا عبر الصليبيين في القرن الثاني عشر وأثّر في العمارة القوطية، بما في ذلك كاتدرائية نوتردام في باريس.
سرجيلا: من أفضل المدن الميتة حفظاً، تقع في جبل ريحا على بعد نحو 65 كيلومتراً شمال حماة و80 كيلومتراً جنوب غرب حلب. تأسست نحو عام 473 ميلادية، وتضم مجموعة متكاملة من المنازل السكنية وكنيسة بازيليكية وحمّام عام ومعاصر زيتون ومبنى عام يُعرف بالـ«أندرون» (قاعة اجتماعات الرجال) ومدافن وتوابيت حجرية. توفّر سرجيلا للباحثين رؤية فريدة عن الممارسات الزراعية البيزنطية في زراعة الكرمة والزيتون.
البارة: تمتد أطلالها على مساحة تزيد عن 6 كيلومترات، وتضم بقايا ست كنائس على الأقل وعدة أديرة. تتميّز البارة بمدافنها الهرمية الفريدة وتوابيتها الحجرية التي لا مثيل لها في أيّ من المدن الميتة الأخرى، مما يشير إلى ثراء سكانها القدامى الذين اعتمدوا على زراعة الكرمة والزيتون.
ومن المواقع البارزة الأخرى في محيط إدلب: رويحة، وجرادة، وبابسقا، وداحس، وكنيسة القديس سمعان العمودي (قلعة سمعان) التي تقع في محافظة حلب المجاورة لكنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمنظومة المدن الميتة ذاتها.
تقع مدينة إيبلا الأثرية (تل مرديخ) على بعد نحو 55 كيلومتراً إلى الجنوب الغربي من حلب، ضمن محافظة إدلب. اكتُشف الموقع عام 1964 على يد بعثة أثرية إيطالية من جامعة روما بقيادة عالم الآثار باولو ماتييه. وفي الأول من أكتوبر 1975، عثر الفريق على الأرشيف الملكي لإيبلا في غرفة داخل القصر، وقد ضمّ نحو 15,000 لوح مسماري وشظايا سليمة إلى حد بعيد.
تُشكّل ألواح إيبلا المسمارية — التي يُقدَّر عددها الإجمالي بنحو 1,800 لوح كامل و4,700 شظية وآلاف القطع الصغيرة — مجموعة أرشيفية استثنائية تعود إلى الفترة بين نحو 2500 و2250 قبل الميلاد. كُتبت هذه الألواح بلغتين: السومرية، ولغة محلية لم تكن معروفة من قبل أطلق عليها عالم الآثار جيوفاني بيتيناتو مبدئياً اسم «البروتو-كنعانية» قبل أن يُعاد تسميتها بـ«الإبلاوية». فكّ بيتيناتو شفرة هذه الألواح التي كشفت عن نظام إداري وتجاري معقد، وأثبتت أن بلاد الشام كانت مركز حضارة مركزية متقدمة توازي مصر وبلاد ما بين النهرين في العصر البرونزي المبكر — مما نقض الرأي السائد سابقاً بأن هاتين الأخيرتين كانتا المركزين الحضاريين الوحيدين ذوَيْ الأهمية في الشرق الأدنى القديم.
تعرّض الموقع لأضرار خلال الثورة السورية نتيجة أعمال النهب والتنقيب غير المشروع، مما أثار مخاوف دولية واسعة على سلامة هذا الإرث الإنساني الفريد.
تُعدّ محافظة إدلب أكبر منتج للزيتون في سوريا على الإطلاق، إذ تضم نحو 100,000 هكتار من أشجار الزيتون بما يتجاوز 11 مليون شجرة. يُقدَّر متوسط الإنتاج السنوي بأكثر من 100,000 طن من الزيتون، وتُسهم المحافظة مع محافظة حلب المجاورة في إنتاج نحو 40% من إجمالي إنتاج الزيتون السوري. وعلى نطاق أوسع، تُنتج محافظات إدلب وحلب واللاذقية وطرطوس مجتمعةً نحو 72% من مساحة مزارع الزيتون و68% من الإنتاج الإجمالي.
يُمثّل قطاع الزيتون شريان الحياة الاقتصادي لأكثر من 200,000 أسرة (أي نحو مليون شخص) يعتمدون على دخل الزيتون بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وقد ظلّ إنتاج زيت الزيتون قائماً حتى خلال سنوات الحرب، وإن عانى من تحديات جسيمة تتعلق بالتصدير والتسويق ونقص المحروقات اللازمة للمعاصر.
إلى جانب الزيتون، تُنتج محافظة إدلب محاصيل متنوعة تشمل القمح والشعير والقطن والسمسم والتين واللوز والعنب والكرز والطماطم. كانت المحافظة قبل الحرب تضم صناعات خفيفة في مجالات النسيج وتصنيع الغذاء، غير أن معظم هذه المنشآت تعرّض للتدمير أو التوقف بسبب الحرب. شهد الاقتصاد المحلي انهياراً حاداً مع فقدان العملة السورية لقيمتها وانقطاع سلاسل التوريد والحصار شبه الكامل، مما دفع السكان إلى الاعتماد بشكل متزايد على المساعدات الإنسانية والتحويلات المالية من المغتربين والتجارة العابرة عبر المعبر التركي.
مثّلت محافظة إدلب مقصداً رئيسياً للنازحين من مختلف المحافظات السورية التي استعاد النظام السيطرة عليها — من حلب وحمص ودمشق وريفها ودرعا وغيرها — في إطار اتفاقيات «المصالحة» التي كانت في حقيقتها عمليات تهجير قسري. أدّى هذا التدفق الكثيف إلى مضاعفة عدد سكان المحافظة عدة مرات، مع ما رافق ذلك من ضغوط هائلة على البنية التحتية والخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وصرف صحي.
انتشرت مخيمات النازحين في أرجاء المحافظة — ولا سيما في شريطها الشمالي قرب الحدود التركية — في ظروف معيشية بالغة القسوة، خاصة في فصل الشتاء حيث تتعرض الخيام للأمطار والعواصف والبرد القارس.
مثّل معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا الشريان الرئيسي لإيصال المساعدات الإنسانية الأممية إلى شمال غرب سوريا. وبحسب منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان»، يُعدّ هذا المعبر خط حياة حيوياً لأكثر من 4 ملايين شخص من أطفال ونساء ورجال. وقد شهد تفعيل المعبر — إلى جانب معبرَيْ باب السلامة والراعي — أكثر من 190 زيارة لموظفي الأمم المتحدة إلى شمال غرب سوريا في عام 2024 وحده.
ظلّ تجديد التفويض الأممي لإيصال المساعدات عبر الحدود موضوع جدل متكرر في مجلس الأمن الدولي، حيث استخدمت روسيا والصين حق النقض مراراً أو هدّدتا باستخدامه لتقليص نطاق العمليات الإنسانية العابرة للحدود.
وثّقت منظمات حقوقية دولية بارزة — من بينها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية والمرصد السوري لحقوق الإنسان ومنظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان» — عشرات الغارات الجوية الروسية والسورية التي استهدفت منشآت طبية ومدارس وأسواقاً في محافظة إدلب. في الأول من ديسمبر 2024 وحده، قُتل 22 مدنياً — بينهم 3 نساء و7 أطفال — وأُصيب 40 آخرون على الأقل في غارات جوية متعددة نفّذتها القوات الحكومية على مناطق في إدلب.
عانى القطاع الصحي في إدلب من أزمة تمويل خانقة منذ مطلع عام 2024، مع تراجع التمويل الإنساني بنسبة تتراوح بين 35 و40 بالمائة، مما هدّد بإغلاق مستشفيات حيوية — من بينها مستشفى باب الهوى — في وقت كانت فيه المرافق الصحية القائمة غير قادرة على خدمة جميع المحتاجين. وقد فاقم زلزال فبراير 2023 المدمّر — الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا — من حدة الأزمة الإنسانية، مُلحقاً دماراً واسعاً بالبنية التحتية وزاد من الضغط على القطاع الصحي المنهك أصلاً.