في 30 سبتمبر 2015 م، أطلقت روسيا الاتحادية تدخلاً عسكرياً مباشراً في الثورة السورية السورية بناءً على طلب رسمي من الرئيس بشار الأسد. شكّل هذا التدخل أول نشر للقوات المسلحة الروسية خارج حدود الاتحاد السوفيتي السابق منذ نهاية الحرب الباردة، وغيّر مسار الصراع بشكل جذري لصالح الحكومة السورية. وثّقت منظمات دولية متعددة تأثير العمليات الروسية على المدنيين السوريين، حيث أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بمقتل 20,637 شخصاً جرّاء تلك العمليات، بينما استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي 17 مرة على الأقل لمنع صدور قرارات بشأن سوريا.
مع تصاعد الثورة السورية التي اندلعت في عام 2011 م، وجدت حكومة الرئيس بشار الأسد نفسها في مواجهة ضغوط عسكرية متزايدة من فصائل المعارضة المسلحة والتنظيمات الجهادية، بما فيها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجبهة النصرة. بحلول صيف 2015 م، كانت قوات الحكومة السورية قد فقدت السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي السورية، مما هدّد بقاء النظام ذاته. في هذا السياق، تقدّم الرئيس بشار الأسد بطلب رسمي إلى الحكومة الروسية للتدخل العسكري المباشر لدعم قواته في مواجهة الفصائل المسلحة.
ارتبطت دوافع التدخل الروسي بمجموعة من العوامل الاستراتيجية، أبرزها الحفاظ على النفوذ الروسي في منطقة الشرق الأوسط، وحماية القواعد العسكرية الروسية في سوريا التي تُعدّ الوحيدة خارج حدود الاتحاد السوفيتي السابق، فضلاً عن مواجهة التنظيمات المسلحة التي رأت فيها موسكو تهديداً لأمنها القومي. وقد أعلنت روسيا رسمياً أن هدف تدخلها الأساسي هو محاربة تنظيم داعش والتنظيمات الإرهابية، وهو ما شكّكت فيه دول غربية ومنظمات مراقبة عديدة أشارت إلى أن غالبية الضربات الروسية استهدفت فصائل المعارضة المعتدلة وليس التنظيمات الجهادية، وفقاً لتقارير مؤسسة RAND (تقرير RR3180).
في 30 سبتمبر 2015 م، بدأت القوات الجوية الروسية بتنفيذ أولى غاراتها الجوية على الأراضي السورية، معلنةً بذلك بداية التدخل العسكري المباشر. أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن الضربات استهدفت مواقع تنظيم داعش، غير أن المعارضة السورية والدول الغربية أكدت أن كثيراً من تلك الغارات طالت مناطق سيطرة فصائل المعارضة المسلحة غير المصنّفة إرهابياً. شكّل هذا التدخل نقطة تحوّل كبرى في مسار الثورة السورية، إذ أمّن دعماً جوياً ولوجستياً حاسماً لقوات الحكومة السورية التي كانت تعاني من التراجع على جبهات متعددة.
اعتمد التدخل الروسي في مرحلته الأولى بشكل رئيسي على القوة الجوية، حيث نفّذت الطائرات الحربية الروسية آلاف الطلعات الجوية خلال الأسابيع الأولى. كما استُخدمت صواريخ كروز أُطلقت من سفن حربية في بحر قزوين والبحر الأبيض المتوسط، في استعراض لافت للقدرات العسكرية الروسية. وقد وصفت منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر في ديسمبر 2015 م بعض تلك الضربات بأنها استهدفت مناطق مدنية.
اعتمد التدخل العسكري الروسي على قاعدتين رئيسيتين في سوريا:
قاعدة حميميم الجوية: تقع في محافظة اللاذقية غرب سوريا، وتُعدّ المركز الرئيسي للعمليات الجوية الروسية في البلاد. جرى توسيع القاعدة بشكل كبير منذ بداية التدخل لتستوعب مختلف أنواع الطائرات الحربية والمقاتلات والقاذفات الروسية. أصبحت حميميم بمثابة مركز القيادة والسيطرة للعمليات العسكرية الروسية في سوريا ومنطقة شرق المتوسط بشكل عام.
قاعدة طرطوس البحرية: تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط في مدينة طرطوس، وتُعدّ القاعدة البحرية الروسية الوحيدة في حوض المتوسط. استُخدمت القاعدة لتأمين الإمداد اللوجستي والدعم البحري للعمليات العسكرية، بما في ذلك إطلاق صواريخ كروز من السفن الحربية المتمركزة فيها.
مثّلت هاتان القاعدتان الركيزة الأساسية للوجود العسكري الروسي الدائم في سوريا، وأتاحتا لروسيا القدرة على إسقاط القوة العسكرية في منطقة شرق المتوسط والشرق الأوسط على نطاق واسع.
تنوّعت العمليات العسكرية الروسية في سوريا بين الجوية والبحرية والبرية. على صعيد العمليات الجوية، نفّذت القوات الجوية الروسية آلاف الغارات مستخدمةً طائرات مقاتلة وقاذفات استراتيجية، إضافة إلى صواريخ كروز أُطلقت من منصات بحرية وجوية. شملت الأسلحة المستخدمة قنابل عنقودية وذخائر غير موجّهة، وهو ما وثّقته منظمات حقوقية دولية عديدة.
على الصعيد البري، لم يقتصر الدور الروسي على الدعم الجوي، بل شمل نشر قوات العمليات الخاصة الروسية التي عملت على تقديم الدعم الاستشاري والتدريبي لقوات الحكومة السورية، فضلاً عن المشاركة المباشرة في بعض العمليات العسكرية. كما شاركت مجموعة فاغنر، وهي شركة عسكرية خاصة روسية، في العمليات القتالية البرية في مناطق عدة من سوريا، بما في ذلك عمليات في مناطق النفط والغاز في وسط وشرق البلاد. ونفت الحكومة الروسية في البداية أي صلة رسمية بمقاتلي فاغنر، إلا أن تقارير متعددة وثّقت وجودهم ودورهم في القتال.
استُخدمت القوات البحرية الروسية أيضاً في إطلاق صواريخ كروز من طراز كاليبر من سفن حربية في بحر قزوين والبحر الأبيض المتوسط، مستهدفةً مواقع في العمق السوري.
شكّلت معركة استعادة مدينة حلب أبرز محطات التدخل العسكري الروسي في سوريا. ففي ديسمبر 2016 م، تمكّنت قوات الحكومة السورية، بدعم جوي روسي مكثّف ودعم بري من حلفاء إقليميين، من استعادة السيطرة الكاملة على أحياء حلب الشرقية التي كانت تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة منذ عام 2012 م. مثّل سقوط حلب الشرقية نقطة تحوّل استراتيجية حاسمة في الثورة السورية، إذ أعاد لحكومة الأسد السيطرة على ثاني أكبر المدن السورية.
رافقت عمليات استعادة حلب حملة قصف جوي واسعة النطاق وثّقتها لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان الأممي، حيث أشارت تقاريرها إلى استهداف مستشفيات ومدارس وأسواق ومنشآت مدنية. كما وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها «استهداف الحياة في إدلب» الصادر في أكتوبر 2020 م أنماطاً مماثلة من الضربات على البنية التحتية المدنية.
بعد حلب، واصلت قوات الحكومة السورية بدعم روسي استعادة مناطق أخرى تباعاً في أنحاء مختلفة من البلاد، بما فيها مناطق في ريف دمشق وحمص ودرعا.
خلّف التدخل العسكري الروسي في سوريا أثراً إنسانياً بالغاً على المدنيين السوريين، وثّقته منظمات دولية ومحلية متعددة:
وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، بلغ عدد القتلى جرّاء العمليات العسكرية الروسية 20,637 شخصاً في الفترة الممتدة من سبتمبر 2015 م إلى فبراير 2021 م، من بينهم 8,661 مدنياً (المرصد السوري لحقوق الإنسان، 2015-2021).
وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقاريرها مقتل 6,954 مدنياً على الأقل جرّاء الضربات الروسية (الشبكة السورية لحقوق الإنسان، تقرير 2023 م).
أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان الأممي تقريراً في عام 2020 م وثّقت فيه هجمات عشوائية على أهداف مدنية نسبتها مباشرة إلى القوات الجوية الروسية، واصفةً إياها بأنها «ترقى إلى جرائم حرب» (لجنة التحقيق الأممية بشأن سوريا، تقرير 2020 م).
رصدت مؤسسة Airwaves (إيرويرز) بشكل مستمر الغارات الجوية في سوريا، وسجّلت أعداداً كبيرة من الضحايا المدنيين المحتملين جرّاء الضربات الروسية (Airwars، رصد مستمر).
وثّقت منظمة العفو الدولية منذ ديسمبر 2015 م استخدام ذخائر غير موجّهة في مناطق مأهولة بالسكان (منظمة العفو الدولية، ديسمبر 2015 م).
من جهتها، نفت الحكومة الروسية بشكل متكرر استهداف المدنيين عمداً، وأكدت أن عملياتها الجوية تستهدف حصراً مواقع التنظيمات الإرهابية وبنيتها التحتية العسكرية، مشيرةً إلى أنها تتخذ الاحتياطات اللازمة لتجنّب الخسائر في صفوف المدنيين.
على الصعيد الدبلوماسي، اتخذت روسيا موقفاً داعماً للحكومة السورية في المحافل الدولية. فقد استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) 17 مرة على الأقل في مجلس الأمن الدولي ضد مشاريع قرارات تتعلق بالأزمة السورية، وفقاً لسجلات الفيتو في مجلس الأمن. شملت هذه الفيتوات مشاريع قرارات تتعلق بإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية، وفرض عقوبات على الحكومة السورية، ووقف إطلاق النار، وآليات التحقيق في استخدام الأسلحة الكيميائية.
في المقابل، أسهمت روسيا في صياغة قرار مجلس الأمن رقم 2254 الصادر في ديسمبر 2015 م، الذي وضع خارطة طريق للانتقال السياسي في سوريا (قرار مجلس الأمن 2254، 2015 م).
كما قادت روسيا بالتعاون مع تركيا وإيران ما عُرف بمسار أستانا، وهو مسار مفاوضات مواز بدأ في مايو 2017 م هدف إلى التوصل إلى وقف إطلاق النار وإنشاء مناطق خفض التصعيد في مناطق عدة من سوريا. واعتبر مؤيدو هذا المسار أنه أسهم في تخفيف حدّة القتال في بعض المناطق، في حين رأى منتقدوه أنه جاء بديلاً عن مسار جنيف الأممي بهدف تجاوز الضغوط الدولية على الحكومة السورية.
في أبريل 2018 م، وقع هجوم بأسلحة كيميائية يُشتبه بأنها مادة الكلور على مدينة دوما في الغوطة الشرقية بريف دمشق، أسفر عن سقوط عشرات الضحايا المدنيين. أصدرت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) تقريرها بشأن الحادثة في مارس 2019 م، خلصت فيه إلى وجود «أسباب معقولة» للاعتقاد بأن سلاحاً كيميائياً قد استُخدم في دوما (تقرير OPCW بشأن دوما، مارس 2019 م).
أدى الهجوم إلى توجيه الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ضربات عسكرية مشتركة ضد مواقع يُشتبه بارتباطها بالبرنامج الكيميائي السوري. نفت كل من الحكومة السورية وروسيا وقوع أي هجوم كيميائي، واتهمتا فصائل المعارضة المسلحة بتدبير الحادثة واستخدامها ذريعة للتصعيد العسكري الغربي. وأثار التقرير جدلاً واسعاً، حيث شكّكت روسيا في نزاهة تحقيقات المنظمة ومنهجيتها.
حقّق التدخل العسكري الروسي في سوريا أهدافه الاستراتيجية الرئيسية، إذ نجح في منع سقوط حكومة الرئيس بشار الأسد وأعاد لها السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي السورية، بما في ذلك المدن الكبرى. كما عزّز التدخل الموقع الجيوسياسي لروسيا في منطقة الشرق الأوسط، وأكّد دورها كفاعل دولي رئيسي لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية للأزمة السورية.
غير أن التدخل ترك إرثاً ثقيلاً على الصعيد الإنساني، إذ تشير الأرقام الموثّقة من المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى مقتل أكثر من 20,000 شخص جرّاء العمليات الروسية، كما وثّقت لجنة التحقيق الأممية ممارسات وصفتها بأنها ترقى إلى جرائم حرب. وتبقى المساءلة عن الانتهاكات المرتكبة مسألة معلّقة في ظل استخدام روسيا المتكرر لحق النقض في مجلس الأمن.
على المستوى العسكري، مثّلت سوريا ساحة اختبار ميدانية للأسلحة والتكتيكات العسكرية الروسية الحديثة، واكتسبت القوات المسلحة الروسية خبرة قتالية واسعة. وعلى المستوى الدبلوماسي، أسّست روسيا عبر مسار أستانا إطاراً تفاوضياً موازياً أتاح لها دوراً محورياً في إدارة الأزمة السورية، وفقاً لتحليلات مؤسسة RAND (تقرير RR3180).
يحتاج هذا القسم إلى توثيق بالمصادر والمراجع الأكاديمية.