حمص هي ثالث أكبر مدينة في الجمهورية العربية السورية من حيث عدد السكان، وتقع في وسط البلاد على ضفاف نهر العاصي، على بعد نحو 162 كيلومتراً شمال دمشق. عُرفت في العصور القديمة باسم إيميسا (Emesa)، وكانت مركزاً دينياً وسياسياً بارزاً في الإمبراطورية الرومانية. تتمتع المدينة بموقع استراتيجي يربط بين الساحل السوري والداخل، مما جعلها عبر التاريخ عقدة تجارية وعسكرية محورية. تعرّضت حمص لدمار واسع النطاق خلال الثورة السورية السورية التي اندلعت عام 2011 م، حيث لُقّبت بـ«عاصمة الثورة»، وشهدت حصاراً مطوّلاً وقصفاً مدمّراً طال أحياءها التاريخية.
تقع حمص على ارتفاع نحو 501 متر فوق مستوى سطح البحر في سهل فسيح يُعرف بـ«فجوة حمص»، وهو ممر طبيعي يفصل بين سلسلتي جبال لبنان الشرقية وجبال النصيرية. تبلغ مساحة محافظة حمص نحو 42,226 كيلومتراً مربعاً، مما يجعلها أكبر المحافظات السورية مساحةً. يخترق المدينة نهر العاصي الذي ينبع من لبنان ويتجه شمالاً نحو تركيا. يمنح هذا الموقع المدينة أهمية استراتيجية كبرى، إذ تتحكم في الطريق الواصل بين دمشق وحلب، وكذلك الطريق بين الساحل المتوسطي (طرطوس واللاذقية) والمناطق الداخلية السورية. مناخ حمص شبه جاف، حيث تبلغ معدلات الأمطار السنوية نحو 400 ملم وفقاً لبيانات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو). يُطلق على حمص أيضاً لقب «أم الحجارة السود» بسبب الحجر البازلتي الأسود المستخدم في مبانيها القديمة.
عُرفت حمص في العصور القديمة باسم إيميسا (Emesa)، وكانت مقراً لعبادة إله الشمس إل جبل (Elagabalus)، حيث كان معبدها يحتضن حجراً أسود مخروطي الشكل يُعتقد أنه نيزك وكان محور الطقوس الدينية. حكمت المدينة أسرة كهنوتية عربية عُرفت بالسلالة الإيميسية، وبلغت ذروة نفوذها حين وصلت جوليا دومنا (Julia Domna) — وهي ابنة الكاهن الأكبر لمعبد إيميسا — إلى منصب إمبراطورة روما بزواجها من الإمبراطور سيبتيموس سيفيروس عام 187 م. أنجبت جوليا دومنا الإمبراطور كاراكلا الذي منح الجنسية الرومانية لجميع سكان الإمبراطورية، كما أن حفيد أختها جوليا ميسا أصبح الإمبراطور إلغبالس (218-222 م) الذي نقل عبادة إله الشمس الإيميسي إلى روما نفسها وبنى لها معبداً ضخماً على تل بالاتين. وقد أشار المؤرخ الروماني هيروديان إلى أهمية المعبد الإيميسي في كتاباته عن تاريخ الإمبراطورية.
في عام 272 م، وقعت معركة إيميسا الحاسمة التي هزم فيها الإمبراطور أوريليان جيش الملكة زنوبيا ملكة تدمر، مما أنهى فعلياً استقلال مملكة تدمر وأعاد توحيد الإمبراطورية الرومانية. تحوّلت إيميسا لاحقاً إلى المسيحية، وأصبحت مقراً لأسقفية مهمة في القرن الرابع الميلادي.
فُتحت حمص عام 636 م (15 هـ) على يد القائد خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح، وذلك في إطار الفتوحات الإسلامية للشام. دخلها المسلمون صلحاً بعد حصار قصير، واتخذوها قاعدة عسكرية مهمة انطلقت منها الحملات نحو شمال سوريا. استقر خالد بن الوليد في حمص حتى وفاته عام 642 م (21 هـ)، ودُفن فيها حيث أُقيم فوق قبره مسجده الشهير لاحقاً. أصبحت حمص عاصمة لجند حمص، أحد الأجناد الخمسة التي قُسّمت إليها بلاد الشام في الخلافة الأموية، وازدهرت كمركز علمي وديني خرج منه عدد من علماء الحديث والفقه.
خلال الحروب الصليبية، تعرّضت حمص لعدة حملات، لكنها ظلت في الغالب تحت السيطرة الإسلامية. حكمها الأتابكة الزنكيون ثم الأيوبيون، وشهدت المدينة ازدهاراً عمرانياً في عهد أسد الدين شيركوه الثاني. بنى الصليبيون قلعة الحصن (كراك دي شوفالييه) على بعد 60 كيلومتراً غرب المدينة لتكون حصناً دفاعياً متقدماً. في عام 1260 م، لعبت حمص دوراً مهماً في صد الغزو المغولي، إذ وقعت بالقرب منها معركة حمص الأولى. كما شهدت المنطقة معركة حمص الثانية عام 1281 م التي انتصر فيها المماليك بقيادة السلطان قلاوون على المغول انتصاراً حاسماً. واستكمل السلطان المملوكي بيبرس تحرير قلعة الحصن من الصليبيين عام 1271 م.
خضعت حمص للحكم العثماني منذ عام 1516 م، وكانت تابعة لولاية طرابلس الشام ثم ولاية سوريا. خلال هذه الفترة، حافظت على دورها كمركز تجاري زراعي مهم. ومع نهاية الحكم العثماني بعد الحرب العالمية الأولى، خضعت حمص للانتداب الفرنسي (1920-1946 م)، ثم أصبحت جزءاً من الجمهورية السورية المستقلة.
يُعدّ مسجد خالد بن الوليد من أبرز المعالم التاريخية والدينية في حمص وسوريا عموماً. يقع المسجد في حي الخالدية شمال المدينة القديمة، ويضم بحسب التقليد ضريح القائد الإسلامي خالد بن الوليد المعروف بـ«سيف الله المسلول«. بُني المسجد الأصلي في العصر الأيوبي، ثم أُعيد بناؤه بشكله الحالي في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني خلال الفترة 1908-1912 م على الطراز التركي العثماني، ويتميّز بقبابه التسع ومئذنتيه الشاهقتين وزخارفه الداخلية الرائعة.
خلال الثورة السورية، تعرّض المسجد لأضرار جسيمة. ففي يوليو 2013 م، أُصيبت المنطقة المحيطة بالمسجد بقصف مدفعي أدى إلى تدمير جزئي للقبة الرئيسية وإلحاق أضرار بالغة بالضريح الداخلي، وفقاً لتقارير وكالة رويترز. وثّقت صور الأقمار الاصطناعية التي نشرها معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث (يونيتار-يونوسات) حجم الدمار الذي لحق بالمسجد ومحيطه. أثار تدمير المسجد موجة إدانات دولية واسعة، حيث وصفت منظمة اليونسكو الاعتداء على المواقع التراثية في سوريا بأنه خسارة فادحة للتراث الإنساني المشترك. بعد انتهاء المعارك في حمص، بدأت جهود ترميم المسجد وأُعلن عن مراحل متعددة لإعادة التأهيل.
كانت حمص من أولى المدن السورية التي شهدت احتجاجات واسعة ضد نظام الرئيس بشار الأسد في مارس 2011 م، واكتسبت لقب »عاصمة الثورة« نظراً لحجم المظاهرات وعدد المشاركين فيها. شهد حي بابا عمرو وحي الخالدية والبلدة القديمة وأحياء أخرى تظاهرات يومية حاشدة. وبحلول منتصف عام 2011 م، تحوّلت الاحتجاجات السلمية تدريجياً إلى مواجهات مسلحة مع تصاعد العمليات العسكرية للقوات الحكومية.
يُعدّ حصار حي بابا عمرو من أكثر الفصول دموية في بدايات الثورة السورية السورية. في فبراير 2012 م، شنّت القوات الحكومية السورية حملة قصف مكثّف بالمدفعية وراجمات الصواريخ على الحي، واستمرت العمليات العسكرية قرابة 27 يوماً. وفقاً لصور الأقمار الاصطناعية التي حللتها منظمة هيومن رايتس ووتش (2 مارس 2012 م)، تضرر 640 مبنى بشكل ظاهر في حي بابا عمرو، ورُصد ما لا يقل عن 950 حفرة من آثار القصف في الأراضي المفتوحة والطرقات (Syria: New Satellite Images Show Homs Shelling، هيومن رايتس ووتش). وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان (SOHR) مقتل مئات المدنيين خلال فترة الحصار، بينما أشارت تقارير هيومن رايتس ووتش إلى مقتل نحو 700 مدني في حمص منذ بدء الهجوم في 3 فبراير 2012 م. كما أفادت منظمة العفو الدولية باستخدام القوات الحكومية قذائف هاون من عيار 240 ملم روسية الصنع في القصف العشوائي على المناطق السكنية (أمنستي إنترناشونال، فبراير 2012 م).
في 22 فبراير 2012 م، قُتلت الصحفية الأمريكية ماري كولفن (Marie Colvin) مراسلة صحيفة »صنداي تايمز» البريطانية، والمصور الفرنسي ريمي أوشليك (Rémi Ochlik)، جرّاء قصف استهدف مركزاً إعلامياً مؤقتاً في بابا عمرو، وفقاً لتقارير لجنة حماية الصحفيين الدولية (CPJ). حظي مقتلهما باهتمام دولي واسع وأدان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة القصف العشوائي على المناطق السكنية في حمص. وصفت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا التابعة للأمم المتحدة (تقارير مجلس حقوق الإنسان: A/HRC/45/31، A/HRC/39/65، A/HRC/28/69) الأعمال العسكرية في حمص بأنها ترقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية.
فرضت القوات الحكومية حصاراً خانقاً على أحياء البلدة القديمة في حمص بدءاً من منتصف عام 2012 م، شمل أحياء الحميدية وبستان الديوان وجورة الشياح وغيرها. أدى الحصار إلى أزمة إنسانية حادة، حيث أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بأن نحو 2500 شخص حوصروا في ظروف قاسية مع نقص حاد في الغذاء والدواء والمياه. في فبراير 2014 م، تمكنت الأمم المتحدة والهلال الأحمر العربي السوري من إدخال قوافل مساعدات محدودة إلى الأحياء المحاصرة بعد مفاوضات مطوّلة.
في مايو 2014 م، تم التوصل إلى اتفاق لإجلاء المقاتلين والمدنيين من أحياء البلدة القديمة المحاصرة، وخرج نحو 2200 شخص بموجب الاتفاق وفقاً لتقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR). سيطرت القوات الحكومية بعدها على كامل أحياء حمص القديمة. أُعلنت المدينة رسمياً تحت السيطرة الكاملة للحكومة بحلول ديسمبر 2015 م بعد خروج آخر مقاتلي المعارضة من حي الوعر بموجب اتفاق مصالحة.
وثّق تقرير صادر عن البنك الدولي بعنوان “The Toll of War: The Economic and Social Consequences of the Conflict in Syria” عام 2017 م أن نحو 60 بالمئة من المباني في أحياء حمص القديمة تعرّضت لأضرار جزئية أو كلية. وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية التي حلّلها يونيتار-يونوسات تدمير آلاف المباني السكنية والتجارية. بلغ إجمالي الوفيات الموثقة في محافظة حمص 40,986 شخصاً وفقاً للتقرير ذاته. وقدّر البنك الدولي تكلفة إعادة الإعمار الإجمالية في سوريا بأكثر من 226 مليار دولار أمريكي، وكانت محافظة حمص من بين الأكثر تضرراً. كما أفادت هيومن رايتس ووتش بأن عمليات هدم ممنهجة طالت أحياء بأكملها (In Cold Blood: Summary Executions by Syrian Security Forces and Pro-Government Militias، 9 أبريل 2012 م).
قبل اندلاع الثورة السورية عام 2011 م، بلغ عدد سكان مدينة حمص نحو 775,404 نسمة وفقاً لتقديرات الجهاز المركزي للإحصاء في سوريا لعام 2010 م، بينما قُدّر عدد سكان محافظة حمص بنحو 1.8 مليون نسمة. تتميّز حمص بتنوع ديموغرافي وطائفي يشمل المسلمين السنة والعلويين والمسيحيين (من طوائف الأرثوذكس والكاثوليك والسريان) وغيرهم. عُرف أهل حمص تاريخياً بروح الدعابة والفكاهة المميزة، وتُنسب إليهم نوادر شهيرة في الثقافة الشعبية السورية والعربية.
أدت الحرب إلى نزوح وتهجير مئات الآلاف من سكان حمص. أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بأن محافظة حمص كانت من أكثر المحافظات السورية تأثراً بالنزوح الداخلي. وبحسب تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عام 2015 م، فقد نزح أكثر من نصف سكان المدينة عن منازلهم. أشارت الأمم المتحدة في تقرير صدر في سبتمبر 2021 م إلى أن الحرب في سوريا خلّفت ما لا يقل عن 350,000 قتيل على مستوى البلاد. بدأت أعداد محدودة من النازحين بالعودة إلى حمص بعد عام 2016 م، لكن وتيرة العودة ظلت بطيئة بسبب الدمار الهائل ونقص الخدمات الأساسية وفقاً لتقارير أوتشا.
تحتل حمص مكانة اقتصادية مهمة في سوريا بفضل موقعها الجغرافي المركزي وبنيتها الصناعية. من أبرز القطاعات الاقتصادية:
قدّر البنك الدولي في تقريره الصادر عام 2017 م أن الأضرار الاقتصادية في محافظة حمص كانت من بين الأعلى على مستوى المحافظات السورية، مع تراجع حاد في الناتج الصناعي والتجاري.
تضم حمص ومحافظتها عدداً من المعالم التاريخية والأثرية البارزة:
أُسست جامعة حمص (جامعة البعث) عام 1979 م، وتُعدّ من الجامعات الرئيسية في البلاد. تضم كليات متعددة في الطب والهندسة والعلوم والآداب والصيدلة والزراعة والتربية، وتستقطب طلاباً من مختلف المحافظات السورية.