زنوبيا (باللاتينية: Septimia Zenobia Augusta؛ بالتدمرية: بت زبّاي «بنت زبّاي»؛ نحو 240–بعد 274 م) هي ملكة مملكة تدمر (بالميرا) في بادية الشام، حكمت بوصفها وصيةً على عرش ابنها وهب اللات (فاباللاتوس) بعد اغتيال زوجها أذينة (أوديناتوس) عام 267 م. قادت واحدة من أجرأ حركات التمرّد على الإمبراطورية الرومانية في القرن الثالث الميلادي، فبسطت سلطانها على مصر والأناضول وأجزاء واسعة من المشرق، قبل أن يهزمها الإمبراطور أورليان في معركتَي إمّاي وحمص عام 272 م. تُعدّ زنوبيا من أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ الشرق القديم، وأيقونة وطنية سورية تجسّد الكبرياء والتحدّي.
تحمل زنوبيا عدة أسماء تعكس التنوّع الثقافي لمدينة تدمر التي جمعت بين التقاليد الآرامية واليونانية والرومانية. اسمها التدمري الأصلي هو بت زبّاي (بالخط التدمري: btzby)، وهو اسم آرامي يعني «بنت زبّاي» أو «ابنة التاجر». أمّا اسم زنوبيا (Ζηνοβία) فهو الصيغة اليونانية التي استُخدمت في النقوش الرسمية والمراسلات الدبلوماسية. وبعد توسُّع مملكتها، اتخذت الاسم اللاتيني الكامل سبتيميا زنوبيا أوغسطا (Septimia Zenobia Augusta)، حيث يشير لقب «سبتيميا» إلى ادّعائها الانتماء إلى سلالة الأسرة السيفيرية الرومانية ذات الأصول السورية، ولقب «أوغسطا» إلى مرتبة الإمبراطورة.
ادّعت زنوبيا — وفقًا لمؤرّخي العصور القديمة — انتسابها إلى كليوباترا السابعة ملكة مصر البطلمية، وإلى ديدو (عليسة) مؤسِّسة قرطاج، وهي ادّعاءات ذات طابع سياسي أكثر منها تاريخي، هدفت إلى إضفاء الشرعية على حكمها ومطامحها التوسعية. والراجح أنها تنتمي إلى أسرة تدمرية عريقة من طبقة أشراف المدينة التجّار الذين أثْروا من تجارة القوافل على طريق الحرير.
لا يمكن فهم صعود زنوبيا دون استيعاب مكانة تدمر الاستثنائية في العالم القديم. تقع تدمر (بالميرا بالإغريقية، أي «مدينة النخيل») في واحة وسط البادية السورية، على بُعد نحو 215 كيلومترًا شمال شرق دمشق، وقد ازدهرت بوصفها محطّة تجارية حيوية تربط بين الإمبراطورية الرومانية في الغرب والإمبراطورية البارثية (ثم الساسانية) في الشرق.
بحلول القرن الثاني الميلادي، غدت تدمر من أغنى مدن الشرق الروماني، وتحوّلت من مدينة-دولة تابعة اسميًّا لروما إلى قوة إقليمية ذات نفوذ عسكري واقتصادي كبير. شُيّدت فيها المعابد الضخمة كمعبد بعل (بل) الشهير، والأعمدة المُزيَّنة بالتماثيل، والمسرح الروماني، والأسواق المسقوفة (الأغورا). وكان سكّانها يتحدّثون الآرامية التدمرية واليونانية، ويعبدون آلهة مزيجًا من التقاليد السامية والإغريقية والرومانية.
كان أذينة (لوسيوس سبتيميوس أوديناتوس) زوج زنوبيا وحاكم تدمر، قد حقّق مكانة استثنائية في العالم الروماني. ففي عام 260 م، عندما أسر الملك الساساني شابور الأول الإمبراطورَ الروماني فاليريان في معركة الرُّها (إديسا) — وهي واحدة من أعظم الكوارث في التاريخ الروماني — انتهز أذينة الفرصة لمحاربة الفرس. فقاد حملات عسكرية ناجحة ضدّ الساسانيين، واستعاد المقاطعات الشرقية التي كانت قد سقطت بأيديهم، بل وصل إلى أبواب العاصمة الساسانية قطيسفون (المدائن) مرّتين.
كافأه الإمبراطور غالّيينوس بمنحه لقب «مُصلح الشرق بأسره» (Corrector totius Orientis)، ممّا جعله الحاكم الفعلي لكلّ المقاطعات الرومانية الشرقية. غير أنّ هذا المجد لم يدُم طويلًا، إذ اغتيل أذينة وابنه البكر هيروديانوس (من زوجة سابقة) في ظروف غامضة عام 267 أو 268 م. وتشير بعض المصادر القديمة إلى أنّ ابن أخيه مَعنَي (مايونيوس) هو مَن دبّر الاغتيال بدافع الطموح الشخصي، وإن ظلّ دور زنوبيا نفسها محلَّ جدل بين المؤرّخين.
بعد مقتل أذينة، تولّت زنوبيا الحكم بصفتها وصية على ابنها الصغير وهب اللات (فاباللاتوس أثينودوروس)، الذي كان لا يزال طفلًا. وسرعان ما أثبتت أنها ليست مجرّد وصية شكلية، بل حاكمة فعلية ذات رؤية سياسية وعسكرية طموحة. أحاطت نفسها بمستشارين من أرفع المستويات الفكرية والعسكرية، أبرزهم:
كاسيوس لونغينوس (نحو 213–273 م): الفيلسوف والناقد البلاغي اليوناني الشهير، الذي كان يُدرّس في أثينا لثلاثين عامًا قبل أن ينتقل إلى تدمر ليصبح المستشار الأول للملكة. وُصف بأنّه «مكتبة حيّة ومتحف يمشي على قدمين»، وكان تأثيره في السياسة التدمرية عظيمًا حتى قيل إنه هو مَن شجّع زنوبيا على إعلان الاستقلال عن روما.
زبدا (زابداس): القائد العسكري الأعلى لجيوش تدمر، وهو الذي قاد الحملات العسكرية في مصر والأناضول.
زبّاي (زبّايوس): قائد عسكري آخر تولّى قيادة العمليات في آسيا الصغرى.
وصفها المؤرّخ الروماني تريبليوس بوليو في «تاريخ الأباطرة» (Historia Augusta) بأنها كانت فائقة الجمال، سمراء البشرة، ذات عينين سوداوين لامعتين وأسنان ناصعة البياض، وأنها كانت تتحدّث المصرية (القبطية) واليونانية والآرامية واللاتينية. كما وصفها بأنها كانت تصطاد وتشرب مع جنرالاتها وتسير على قدميها أميالًا مع جنودها.
كانت مصر أولى الأهداف الكبرى لزنوبيا، نظرًا لأهميتها الاقتصادية بوصفها مصدر الحبوب الرئيسي للإمبراطورية الرومانية ومركزًا تجاريًّا عالميًّا. في خريف عام 270 م، أرسلت زنوبيا جيشًا قوامه نحو سبعين ألف مقاتل بقيادة الجنرال زبدا لغزو مصر.
وجد الجيش التدمري حليفًا محلّيًّا في شخص تيماغينيس، وهو مصري من أصل تدمري ساعد في تنظيم المقاومة ضدّ الحامية الرومانية. استطاع القائد الروماني تيناغينو بروبوس استعادة الإسكندرية مؤقتًا في نوفمبر 270 م، لكنّ زبدا هزمه هزيمة ساحقة وطارده حتى حصن بابليون (قرب القاهرة الحديثة)، حيث حوصر بروبوس واضطُرّ إلى الانتحار بعد أسره. تابع زبدا زحفه جنوبًا حتى أحكم السيطرة على مصر بأكملها، وأُعلنت زنوبيا ملكةً على مصر.
كان سقوط مصر بيد تدمر ضربة هائلة لروما، إذ قطع إمدادات الحبوب الحيوية التي كانت تُطعم العاصمة الإمبراطورية وجيوشها.
لم تكتفِ زنوبيا بمصر، بل وجّهت أنظارها شمالًا نحو آسيا الصغرى (الأناضول). في ربيع عام 271 م، بدأ القائد زبّاي العمليات العسكرية في آسيا الصغرى، ثم لحق به زبدا بقوات إضافية. أخضع الجيش التدمري مقاطعة غلاطية واحتلّ مدينة أنقرة (عاصمة تركيا الحديثة)، مسجّلًا أقصى امتداد للإمبراطورية التدمرية. غير أنّ محاولات الوصول إلى خلقيدون (قبالة القسطنطينية على البوسفور) باءت بالفشل.
بحلول منتصف عام 271 م، أصبحت الإمبراطورية التدمرية تمتدّ من أنقرة في وسط الأناضول شمالًا إلى صعيد مصر جنوبًا، مرورًا بسوريا وفلسطين والأردن ولبنان وأجزاء من الجزيرة العربية. كانت تضمّ المقاطعات الرومانية: سوريا، وسوريا فلسطين، وشبه الجزيرة العربية (Arabia Petraea)، ومصر، وأجزاء واسعة من آسيا الصغرى.
تطوّرت علاقة زنوبيا بروما تدريجيًّا من التبعية الاسمية إلى الانفصال التامّ، وتُوثّق هذه المراحل بوضوح في المسكوكات (العملات) التي سكّتها:
المرحلة الأولى: سكّت عملات تحمل صورة الإمبراطور أورليان على الوجه بلقب «إمبراتور» (imperator)، وصورة وهب اللات على الظهر بلقب «ملك» (rex)، في محاولة لإظهار الولاء الشكلي لروما.
المرحلة الثانية: أزالت صورة أورليان تدريجيًّا من العملات مع الاحتفاظ بألقاب أقلّ شأنًا.
المرحلة الثالثة (أبريل 272 م): أصدرت دارَا السكّ في الإسكندرية وأنطاكية عملات جديدة باسم وهب اللات بلقب «أوغسطس» (إمبراطور) وزنوبيا بلقب «أوغسطا» (إمبراطورة)، في إعلان صريح بالانفصال عن روما والمساواة بالإمبراطور الروماني.
كما تؤكّد النقوش المكتشفة في تدمر هذا التطوّر، فنقش يعود إلى أغسطس 271 م يصف زنوبيا بلقب «يوسيبِس» (eusebes = التقيّة)، وهو لقب خاصّ بالإمبراطورات الرومانيات، ونقش آخر معاصر يصفها بلقب «سِباستي» (sebastē)، وهو المعادل اليوناني للقب «أوغسطا» (إمبراطورة).
لم يكن الإمبراطور الروماني لوسيوس دوميتيوس أورليانوس (أورليان، حكم 270–275 م) من النوع الذي يتسامح مع تفكّك إمبراطوريته. كان أورليان جنرالًا صلبًا من أصول متواضعة، لُقّب بـ«مُعيد العالم» (Restitutor Orbis) لنجاحه في إعادة توحيد الإمبراطورية المتشظّية. بعد أن أمّن حدود الدانوب ضدّ القوط والجرمان، وأخضع الإمبراطورية الغالية المنشقّة في الغرب، حوّل أنظاره شرقًا نحو تدمر.
في ربيع عام 272 م، زحف أورليان بجيشه عبر آسيا الصغرى مستعيدًا المقاطعات التي كانت قد خضعت لتدمر دون مقاومة تُذكر. ثم اتّجه جنوبًا نحو سوريا حيث كانت المواجهة الحاسمة تنتظره.
وقعت المعركة الأولى عند إمّاي (Immae)، بالقرب من أنطاكية (أنطاكيا الحديثة في تركيا). كان الجيش التدمري يعتمد اعتمادًا كبيرًا على فرسانه المدرّعين الثقيلين (الكاتافراكتاريّين)، وهم فرسان يرتدون دروعًا كاملة ويمتطون خيولًا مُدرَّعة، يمثّلون قوة صدم هائلة في الميدان.
استخدم أورليان خدعة عسكرية بارعة: أمر فرسانه الخفاف بالتظاهر بالانسحاب أمام هجوم الفرسان التدمريين الثقيلين، فانجرّ هؤلاء وراءهم في مطاردة طويلة أنهكت خيولهم ومقاتليهم. وعندما بلغ الإرهاق مداه، نفّذ الرومان حركة التفاف (كمّاشة) محكمة طوّقت الفرسان التدمريين المنهكين وأبادت أعدادًا كبيرة منهم. كانت هزيمة ساحقة أجبرت القوات التدمرية على الانسحاب جنوبًا.
لم تستسلم زنوبيا بعد هزيمة إمّاي، بل جمعت قواتها المتبقّية واتّخذت موقعًا دفاعيًّا قرب مدينة حمص (إميسا)، المركز الديني المهم الذي كان يضمّ معبد إله الشمس إل جبل. جرت المعركة الثانية الحاسمة هناك، واستخدم أورليان التكتيكات نفسها التي نجحت في إمّاي، لكنه أضاف عنصرًا جديدًا: وحدات مشاة مسلّحة بهراوات ثقيلة ودبابيس صُمّمت خصّيصًا لمواجهة الفرسان المدرّعين. لم يستطع الفرسان التدمريون الدفاع ضدّ هذا السلاح الجديد، وسقط كثيرون منهم في المعركة.
انتهت معركة حمص بهزيمة تدمرية كاملة. فرّت زنوبيا إلى تدمر مع بقايا جيشها، وتحصّنت فيها استعدادًا لحصار طويل.
تقدّم أورليان نحو تدمر وفرض عليها حصارًا. كانت المدينة محصّنة بأسوار قوية ومحاطة بالصحراء، ممّا جعل الحصار صعبًا على المهاجمين أيضًا. غير أنّ انقطاع طرق الإمداد وتضاؤل المؤن أضعف المقاومة التدمرية تدريجيًّا. أرسل أورليان رسالة إلى زنوبيا يعرض عليها الاستسلام مقابل الحفاظ على حياتها وحياة أبنائها، فردّت عليه — وفقًا لـ«تاريخ الأباطرة» — رسالة متحدّية جاء فيها أنها لن تستسلم وأنها تنتظر النجدة من حلفائها الفرس والأرمن.
لكنّ النجدة لم تأتِ. وفي صيف عام 272 م، قرّرت زنوبيا الفرار شرقًا عبر الصحراء للوصول إلى الفرات ومنه إلى الإمبراطورية الساسانية طلبًا للجوء. ركبت جملًا واتّجهت نحو النهر، لكنّ فرسان أورليان أدركوها وهي على وشك عبور الفرات وأسروها في أغسطس 272 م.
سقطت تدمر بعد ذلك، وأعدم أورليان عددًا من مستشاري زنوبيا وقادتها. كان أبرز مَن أُعدم الفيلسوف كاسيوس لونغينوس، الذي واجه مصيره بشجاعة وثبات فيلسوف حقيقي. وتفيد المصادر القديمة أنّ زنوبيا، في محاولة لإنقاذ نفسها، ألقت اللوم على مستشاريها — وخاصّة لونغينوس — بوصفهم مَن أغراها بالتمرّد على روما. وسواء كان هذا الاتّهام صحيحًا أم كان مناورة يائسة، فإنّ لونغينوس دفع حياته ثمنًا لنصائحه.
يُعدّ مصير زنوبيا بعد أسرها من أكثر المسائل التاريخية إثارة للجدل، إذ تتضارب المصادر القديمة تضاربًا كبيرًا:
وفقًا لـ«تاريخ الأباطرة» (Historia Augusta) — وهو المصدر الأكثر تفصيلًا وإن كان موضع شكّ في بعض تفاصيله — اقتيدت زنوبيا إلى روما حيث سارت في موكب النصر (triumph) الذي أقامه أورليان عام 274 م. وصُوّرت وهي مُثقلة بالأغلال الذهبية والجواهر، حتى إنّ بعض حرّاسها كانوا يساعدونها في حمل سلاسلها من شدّة ثقلها. بعد الموكب، عاملها أورليان بإنسانية، ومنحها فيلّا في تيبور (تيفولي الحالية) قرب فيلّا الإمبراطور هادريان الشهيرة، حيث عاشت بقيّة حياتها في رغد وسلام مع أبنائها.
تحتلّ زنوبيا مكانة خاصّة في الوعي الجمعي السوري والعربي بوصفها رمزًا للمقاومة والكبرياء الشرقي في مواجهة الهيمنة الغربية. وقد تبنّت الحركات القومية العربية في القرن العشرين صورتها بوصفها بطلة عربية تحدّت الاستعمار الروماني، وإن كانت هويّتها التاريخية أكثر تعقيدًا من هذا التصنيف المبسَّط، إذ كانت تنتمي إلى مجتمع تدمري متعدّد الثقافات يمزج عناصر آرامية وعربية ويونانية ورومانية.
أصدرت الحكومة السورية طوابع بريدية وعملات تذكارية تحمل صورة زنوبيا، وأُطلق اسمها على شوارع ومدارس وفنادق في أنحاء سوريا والعالم العربي.
ألهمت قصة زنوبيا عددًا كبيرًا من الأعمال الأدبية والفنية عبر العصور:
في الأدب الغربي: كتب عنها جيوفاني بوكاتشو في كتابه «عن النساء المشهورات» (De Mulieribus Claris، القرن الرابع عشر)، وذكرها جيفري تشوسر في «حكايات كانتربري» (The Canterbury Tales) ضمن «حكاية الراهب» بوصفها نموذجًا للعظمة الساقطة. كما تناولها الشاعر الإيطالي بترارك.
في الأوبرا والموسيقى: ألّف عدد من الموسيقيين أوبرات مستوحاة من قصتها، أبرزها أوبرا «زنوبيا ملكة تدمر» (Zenobia, regina de’ Palmireni) لتوماسو ألبينوني (1694).
في الفنّ التشكيلي: رسمها عدد من الفنانين الأوروبيين، من أشهرهم هيربرت شمالتز في لوحته «زنوبيا، آخر نظرة إلى تدمر» (1888)، وجيوفاني باتّيستا تييبولو في لوحة «ملكة زنوبيا تخاطب جنودها» (القرن الثامن عشر).
ارتبط اسم زنوبيا ارتباطًا وثيقًا بالموقع الأثري لمدينة تدمر المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو. وقد شكّل تدمير تنظيم داعش لأجزاء من آثار تدمر عام 2015 — بما فيها معبد بعلشمين وقوس النصر — صدمة للضمير الإنساني العالمي، وأعاد زنوبيا إلى الواجهة بوصفها رمزًا لحضارة مُهدَّدة.
لم تنتهِ قصة تدمر بسقوط زنوبيا. ففي عام 273 م، ثار أهل تدمر مجدّدًا على الحكم الروماني، فعاد أورليان ودمّر المدينة تدميرًا شبه كامل هذه المرّة. تحوّلت تدمر بعدها من مدينة تجارية عظيمة إلى حصن عسكري روماني صغير على حافّة الصحراء، ثمّ أصبحت في العصر البيزنطي موقعًا لأسقفية مسيحية متواضعة. وفي العصر الإسلامي المبكر، فتحها خالد بن الوليد سلمًا، واستمرّت بوصفها بلدة صغيرة حتى أعاد علماء الآثار اكتشاف عظمتها القديمة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
تثير شخصية زنوبيا نقاشًا مستمرًّا بين المؤرّخين حول عدّة محاور:
أولًا: الدوافع السياسية — هل كانت زنوبيا تسعى فعلًا إلى الاستقلال عن روما منذ البداية، أم أنّها انجرّت تدريجيًّا نحو الانفصال بسبب ضعف السلطة المركزية الرومانية خلال «أزمة القرن الثالث»؟ تشير الأدلّة النقدية (المسكوكات) إلى أنّ الانفصال كان تدريجيًّا ومحسوبًا.
ثانيًا: الهوية الثقافية — تتنازع عدّة هويّات حديثة تراث زنوبيا: فالسوريون يعتبرونها بطلة سورية عربية، والبعض يراها آرامية، بينما يؤكّد آخرون طابعها الكوزموبوليتاني الذي يتجاوز التصنيفات القومية الحديثة.
ثالثًا: المصادر التاريخية — يعتمد معظم ما نعرفه عن زنوبيا على «تاريخ الأباطرة» (Historia Augusta)، وهو مصدر لاتيني من أواخر القرن الرابع الميلادي معروف بعدم دقّته وميله إلى التزيين والمبالغة. وتُكمّله مصادر يونانية وسريانية متفرّقة، إضافةً إلى الأدلّة الأثرية والنقدية من تدمر نفسها.