شكّلت سوريا واحدةً من أغنى الولايات وأكثرها حيويةً في العالمين اليوناني والروماني على مدار ألفِ عامٍ تقريباً، منذ فتح الإسكندر الأكبر لها في معركة إيسوس عام 333 قبل الميلاد وحتى سقوط الحكم البيزنطي إثر معركة اليرموك عام 636 ميلادي. خلال هذه الحقبة الطويلة، غدت سوريا مركزاً للتجارة العالمية ومهداً للتلاقح الحضاري بين الشرق والغرب، وأنجبت عواصمَ عظيمةً كأنطاكية وتدمر وبُصرى، وبرز منها أباطرةٌ وفقهاءُ قانونٍ وآباءُ كنيسة غيّروا مجرى التاريخ الإنساني.
كانت سوريا جزءاً من الإمبراطورية الأخمينية (الفارسية) منذ القرن السادس قبل الميلاد، حين ضمّها قمبيز الثاني ثم أعاد تنظيمها داريوس الأول ضمن الساترابية الخامسة المعروفة بـ«عبر النهر» (Eber-Nari). في خريف عام 333 ق.م، التقى جيش الإسكندر المقدوني بقوات الملك الفارسي داريوس الثالث في معركة إيسوس (قرب الإسكندرون الحالية جنوبي تركيا)، وانتهت المعركة بهزيمة فارسية ساحقة فتحت أمام الإسكندر أبواب بلاد الشام ومصر والعراق.
تقدّم الإسكندر جنوباً عبر الساحل السوري، وحاصر صور (332 ق.م) سبعة أشهر قبل أن يُسقطها، ثم اتّجه إلى غزة ففتحها بعد حصارٍ دامَ شهرين. لم يُلقَ مقاومةٌ تُذكر في المدن الداخلية السورية كدمشق التي استسلمت سلمياً، واستولى الإسكندر على خزائن داريوس الثالث فيها.
بعد وفاة الإسكندر عام 323 ق.م وانقسام إمبراطوريته بين قادته (الديادوخوي)، آلت سوريا بعد «حروب الخلفاء» إلى سلوقس الأول نيكاتور الذي أسّس المملكة السلوقية عام 312 ق.م. وفي عام 300 ق.م، أنشأ سلوقس مدينة أنطاكية (Ἀντιόχεια) على ضفاف نهر العاصي وسمّاها باسم أبيه أنطيوخوس، فأصبحت عاصمةً لإمبراطوريته الممتدة من الأناضول إلى حدود الهند.
أنشأ السلوقيون شبكةً من المدن اليونانية في سوريا ضمن سياسة تعرف بـ«الأغرقة» (Hellenization)، أبرزها:
بلغت المملكة السلوقية ذروة قوتها في عهد أنطيوخوس الثالث الكبير (222–187 ق.م) الذي وسّع نفوذها شرقاً وغرباً، لكنّ هزيمته أمام الرومان في معركة مغنيسيا (190 ق.م) بدأت حقبة التراجع. تسارع الانهيار خلال القرن الثاني قبل الميلاد بفعل الحروب الأهلية السلوقية والتدخلات البارثية والأرمنية، حتى لم يبقَ للسلوقيين سوى بقايا حول أنطاكية عندما قدم بومبيوس الروماني عام 64 ق.م.
في سياق الحرب الرومانية المثرداتية الثالثة (73–63 ق.م)، حقّق القائد الروماني غنايوس بومبيوس ماغنوس انتصارات حاسمة على مثرداتس السادس ملك البنطس وتيغرانيس الثاني ملك أرمينيا. استغلّ بومبيوس الفراغ السياسي فزحف جنوباً إلى سوريا عام 64 ق.م، حيث عزل الملك السلوقي الأخير أنطيوخوس الثالث عشر أسياتيكوس — وأمر بإعدامه لاحقاً — وأعلن ضمّ سوريا ولايةً رومانيةً رسمية.
عيّن بومبيوس ماركوس أميليوس سكاوروس أولَ حاكمٍ (والٍ) على الولاية الجديدة، وجعل أنطاكية عاصمةً لها. امتدت حدود الولاية من جبال الأمانوس شمالاً إلى تخوم مملكة الأنباط جنوباً، ومن ساحل البحر المتوسط غرباً إلى الفرات شرقاً.
تطوّر النظام الإداري لسوريا الرومانية عبر مراحل متعددة:
المرحلة الأولى (64–27 ق.م): ولاية سناتورية يحكمها نائب قنصل (Proconsul).
المرحلة الثانية (27 ق.م – 197 م): حوّلها أوغسطس إلى ولاية إمبراطورية خاصة يحكمها مندوب الإمبراطور (Legatus Augusti pro praetore) برتبة قنصلية، نظراً لأهميتها الاستراتيجية كحصنٍ في مواجهة الإمبراطورية البارثية. رابطت فيها دائماً 2–4 فيالق رومانية.
التقسيم الأول (197 م): قسّمها الإمبراطور سبتيموس سيفيروس إلى ولايتين:
التقسيم الثاني (حوالي 415 م): قُسّمت سوريا كويلي إلى:
الإصلاح الجستنياني (528 م): استحدث الإمبراطور جستنيان ولاية ساحلية صغيرة باسم «ثيودورياس» من أجزاء الولايتين.
غدت أنطاكية في العصر الروماني ثالث أكبر مدينة في الإمبراطورية بعد روما والإسكندرية. تراوحت تقديرات سكانها بين 200,000 و500,000 نسمة في أوج ازدهارها خلال القرنين الأول والثالث الميلاديين، وفقاً لتقديرات دوائر المعارف الكبرى (بريتانيكا، وورلد هيستوري إنسايكلوبيديا).
تمتّعت المدينة ببنيةٍ تحتيةٍ استثنائية: شيّد يوليوس قيصر أول قناة مائية كبرى خارج إيطاليا لتزويدها بالمياه، ثم أضاف الإمبراطور هادريان قناةً أكثر فخامة. خدمت أنطاكية كمقرٍّ لقيادة الفيالق الرومانية في الشرق، وكقاعدةٍ لوجستية لكل الحملات ضد البارثيين والساسانيين.
لكنّ الأهمية الكبرى لأنطاكية تكمن في دورها الديني: إذ كانت المركز الأول للتبشير المسيحي بين غير اليهود، وفيها أُطلق على أتباع المسيح اسم «المسيحيون» (χριστιανοί) لأول مرة، كما ذُكر في سفر أعمال الرسل (11:26). ومنها انطلقت رحلات بولس الرسول التبشيرية الثلاث الكبرى.
اندمجت تدمر في الولاية الرومانية في عهد الإمبراطور طيبريوس (14–37 م)، وحصلت على لقب «مدينة حرة» من الإمبراطور هادريان عام 129 م، ثم ارتقت إلى مرتبة «مستعمرة رومانية» (Colonia) عام 212 م. سيطرت تدمر على طريقين تجاريين رئيسيين: طريق الخليج العربي وطريق الحرير، فكانت الوسيط التجاري الأبرز بين العالم الروماني والإمبراطورية البارثية/الساسانية. بلغ عدد سكانها نحو 200,000–250,000 نسمة في القرنين الثاني والثالث الميلاديين، وعبرها تدفّقت الحرير والتوابل والبخور والعاج والأحجار الكريمة والعبيد والملح.
غدت بصرى بعد ضمّ تراجان لمملكة الأنباط عام 106 م عاصمةً لولاية العربية البتراوية الجديدة. بلغ عدد سكانها نحو 80,000 نسمة، وشُيّد فيها مسرحٌ ضخم من البازلت (117–138 م) يتسع لـ17,000 متفرج ويُعدّ من أكبر المسارح المحفوظة في العالم القديم. وقد حوّله الأيوبيون في العصور الوسطى إلى قلعة محصّنة، مما حفظه بحالةٍ ممتازة. أُدرجت بصرى في قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1980.
تميّزت أفاميا بشارع أعمدتها العظيم (Cardo Maximus) الذي يمتدّ نحو كيلومترين ويُعدّ من أطول شوارع الأعمدة في الإمبراطورية الرومانية، بأعمدةٍ ارتفاع كلٍّ منها 9 أمتار. أظهر إحصاء سكاني أُجري حوالي عام 6 م أنّ المدينة ضمّت 117,000 مواطن حر. ضمّت أفاميا أيضاً أكبر مسرح محفوظ في الإمبراطورية بسعة تزيد عن 20,000 مقعد. أُعيد بناء شارع الأعمدة بالكامل بعد زلزال عام 115 م المدمّر.
أُسّست دورا أوروبوس حوالي عام 300 ق.م كحصن سلوقي على الضفة الغربية للفرات. استولى عليها الرومان عام 165 م وجعلوها أقصى حصونهم شرقاً. دمّرها الساسانيون عامَي 256–257 م ولم تُسكن بعد ذلك قط، فغطّتها رمال الصحراء وحفظتها كـ«بومبي الصحراء». اكتُشفت عام 1920 وكشفت الحفريات عن كنوزٍ فريدة: كنيسٌ يهودي بجدارياتٍ توراتيةٍ كاملة، وإحدى أقدم الكنائس المسيحية المعروفة، ومعبدٌ لميثرا، وأكثر من 12,000 قطعة من الحياة اليومية.
مثّلت سوريا الرومانية واحدةً من أغنى ولايات الإمبراطورية اقتصادياً، بفضل موقعها كملتقى لطرق التجارة العالمية ومركزٍ إنتاجيٍّ متنوع.
كانت أنطاكية النقطة الأخيرة لطريق الحرير القادم من الصين عبر آسيا الوسطى، فيما سيطرت تدمر على التجارة العابرة بين البحر المتوسط والخليج العربي. سجّلت النقوش التدمرية من القرن الثاني الميلادي مرور العبيد والملح والأغذية المجففة وقماش الأرجوان والعطور والحرير واليشم والمسلن والتوابل وخشب الأبنوس والبخور والعاج والأحجار الكريمة والزجاج. وقد حلّت تدمر محلّ البتراء كأهمّ مدينة تجارية عربية بعد ضمّ تراجان لمملكة الأنباط عام 106 م.
اشتُهرت سوريا بعدة صناعاتٍ فاخرة صُدِّرت إلى أنحاء الإمبراطورية:
فرض الرومان نظاماً ضريبياً دقيقاً على التجارة العابرة: كُشف في تدمر عن «تعرفة تدمر الجمركية» (137 م)، وهي لوحٌ حجريٌّ ضخم يُفصّل الرسوم المفروضة على البضائع العابرة بلغتين (يونانية وآرامية)، ويُعدّ من أهمّ الوثائق الاقتصادية من العالم القديم.
شكّلت سوريا واحدةً من أكثر الولايات تحصيناً عسكرياً في الإمبراطورية بسبب مواجهتها المباشرة للإمبراطورية البارثية ثم الساسانية. رابطت فيها بشكلٍ دائم عدة فيالق:
| الفيلق | الشعار | ملاحظات |
|---|---|---|
| الفيلق الثالث الغالي (Legio III Gallica) | ثور / جدي | أسّسه يوليوس قيصر ~49 ق.م؛ رابط في سوريا بشكلٍ شبه دائم |
| الفيلق الرابع السكيثي (Legio IV Scythica) | ثور / جدي | مرابط في زيوغما/سورا على الفرات |
| الفيلق السادس عشر فلافيا فيرما (XVI Flavia Firma) | أسد | أسّسه فسباسيان 70 م؛ مرابط في ساموساتا/كوماجيني |
| الفيلق السادس الحديدي (Legio VI Ferrata) | — | رابط مؤقتاً في سوريا |
أنشأ الرومان خطّ دفاعٍ حدوديٍّ يمتدّ نحو 1,500 كيلومتر من خليج العقبة شمال شرقاً حتى شمال سوريا، عُرف بـ«الليمس العربي». شيّد الإمبراطور تراجان «طريق تراجان الجديد» (Via Traiana Nova) عام 111–114 م بطول 267 ميلاً رومانياً من العقبة إلى بصرى. وفي عهد الإمبراطور دقلديانوس (284–305 م)، تمّت توسعةٌ ضخمة للتحصينات بإضافة قلاعٍ وأبراج مراقبة وحصونٍ صغيرة على طول الخط الدفاعي.
أنجبت سوريا الرومانية عدداً من الشخصيات التي وصلت إلى أعلى مراتب السلطة والثقافة في الإمبراطورية:
وُلد ماركوس يوليوس فيليبوس حوالي عام 204 م في مدينة شهبا (تراخونيتيس) جنوب شرقي دمشق. تولّى الحكم بعد مقتل الإمبراطور غورديان الثالث عام 244 م، وحظيت فترة حكمه باستقرارٍ نسبيٍّ نادر في «قرن أباطرة الجند». احتفل فيليب بالذكرى الألفية لتأسيس روما عام 248 م بألعابٍ وأعياد ضخمة، وأعاد تسمية مسقط رأسه شهبا باسم «فيليبوبوليس» وبنى فيها منشآتٍ عامة فخمة لا تزال آثارها قائمة. قُتل في معركة فيرونا عام 249 م.
لعبت مدينة حمص (إيميسا القديمة) دوراً استثنائياً في تاريخ الإمبراطورية عبر الأسرة السيفيرية:
وُلد غنايوس دوميتيوس أنيوس أولبيانوس حوالي عام 170 م في صور بولاية سوريا الفينيقية. يُعدّ أحد أعظم فقهاء القانون الروماني، إذ شكّلت أعماله نحو ثُلث محتوى «الديجستا» (Digesta) التي أمر الإمبراطور جستنيان بتدوينها عام 533 م، والتي أصبحت أساس القانون المدني الأوروبي. خلّف أولبيان مقولته الشهيرة: «وصايا القانون هي: أن تعيش بشرف، ولا تؤذي غيرك، وتعطي كلّ ذي حقٍّ حقّه».
وُلد في أنطاكية وأسّس فيها مدرسة الخطابة الأشهر في الإمبراطورية الشرقية عام 354 م. خلّف أكثر من 1,600 رسالة و64 خطاباً تُعدّ المصدر التاريخي الأهمّ عن الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في أنطاكية والمشرق خلال القرن الرابع الميلادي. رغم بقائه على الوثنية، درّس على يديه آباء كنيسة كبار مثل يوحنا ذهبي الفم وباسيليوس القيصري.
تُمثّل حقبة الملكة زنوبيا واحدةً من أكثر فصول تاريخ سوريا إثارة. بعد اغتيال زوجها أذينة (أودايناثوس) أمير تدمر عام 267 م — وكان حليفاً وفيّاً لروما ضدّ الساسانيين — تولّت زنوبيا الحكم وصيّةً على ابنها وهب اللات (فابالاثوس).
سرعان ما استقلّت زنوبيا بالسياسة الخارجية: احتلّت مصر عام 270 م وأجزاء واسعة من الأناضول، وأسّست إمبراطوريةً تدمرية ترامت من جنوب مصر إلى وسط آسيا الصغرى. أعلنت نفسها «أوغسطا» (إمبراطورة)، وضربت عملاتٍ باسمها، واستقطبت مثقفين يونان إلى بلاطها.
رفض الإمبراطور أوريليان هذا التحدي، فزحف شرقاً عام 272 م وهزم قوات زنوبيا في معركتَي إيمّاي وإيميسا (قرب حمص)، ثم حاصر تدمر وأسرها. حُملت زنوبيا أسيرةً إلى روما حيث سارت في موكب نصره مقيّدةً بسلاسل من ذهب. دُمّرت تدمر عام 273 م بعد ثورةٍ جديدة، ولم تستعد مجدها قط. عاشت زنوبيا بقية حياتها في فيلا قرب تيفولي الإيطالية.
امتزجت الآلهة المحلية السامية بالآلهة اليونانية والرومانية في ظاهرة «توفيقٍ ديني» فريدة:
لعبت سوريا دوراً محورياً في نشأة المسيحية وانتشارها:
خلّفت الحقبة الرومانية في سوريا إرثاً معمارياً هائلاً يتميّز بخصائص محلية فريدة:
كانت الشوارع المعمّدة (Cardo Maximus) سمةً مميزة للمدن الرومانية في سوريا:
بعد التقسيم النهائي للإمبراطورية عام 395 م، بقيت سوريا ضمن الإمبراطورية الشرقية (البيزنطية). حافظت أنطاكية على مكانتها كحاضرةٍ شرقية كبرى ومقرٍّ لـ«كوميس الشرق» (Comes Orientis)، لكنّ الهجمات الخارجية تكرّرت:
في 20 أغسطس عام 636 م، التقت القوات العربية الإسلامية بقيادة خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح بالجيش البيزنطي في معركة اليرموك الحاسمة جنوبي الجولان. انتهت المعركة بهزيمةٍ بيزنطية ساحقة أنهت ما يقرب من ألف عامٍ من الحكم اليوناني-الروماني-البيزنطي لسوريا، وفتحت الطريق أمام الفتح الإسلامي الكامل للبلاد وبدء حقبةٍ إسلاميةٍ جديدة في تاريخها.
استسلمت دمشق سلمياً بموجب اتفاقية مع أبي عبيدة عام 636 م، ودخلها المسلمون دون تدمير. وسرعان ما أصبحت عاصمةً للخلافة الأموية (661 م)، لتبدأ فصلاً جديداً من أمجادها.
خلّفت الحقبة اليونانية-الرومانية في سوريا إرثاً حضارياً هائلاً لا يزال حاضراً: