بُصْرَى الشام (باللاتينية: Bostra، وبالنبطية: بُصرا) مدينةٌ تاريخيةٌ عريقة تقع في سهل حوران جنوبيَّ سوريا، ضمن محافظة درعا، على مسافة نحو مئةٍ وأربعين كيلومتراً جنوبَ دمشق وأربعين كيلومتراً شرقيَّ مدينة درعا. تُعدُّ بصرى من أبرز المواقع الأثرية في العالم العربي والشرق الأوسط، إذ تتكدَّسُ فيها طبقاتٌ حضاريةٌ متراكمةٌ تمتدُّ عبر أكثر من ثلاثة آلاف عام، من العصر البرونزي المتأخِّر مروراً بالحقب النبطية والرومانية والبيزنطية والإسلامية وصولاً إلى العصر الحديث. أُدرجت المدينة القديمة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1980 م تحت الرقم 22، ونُقلت إلى قائمة التراث المهدَّد بالخطر عام 2013 م بسبب الثورة السورية.
تقع بصرى الشام عند الإحداثيات الجغرافية 32°31′06″ شمالاً و36°28′50″ شرقاً، على ارتفاع يبلغ نحو 850 متراً فوق سطح البحر، في قلب سهل حوران البركاني الذي يتَّسم بتربته البازلتية السوداء الخصبة. تمتدُّ المنطقة الأثرية المحميَّة على مساحة 116,2 هكتاراً، فيما تبلغ مساحة المنطقة العازلة حولها 200,4 هكتار، وفقاً لتصنيف منظمة اليونسكو.
تتموضع المدينة عند ملتقى طرق تجارية قديمة كانت تربط بين شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر، مما أكسبها أهميةً استراتيجيةً واقتصاديةً بالغة عبر العصور. فقد كانت بصرى محطةً رئيسيةً على طريق القوافل المتَّجه من مكة المكرمة إلى دمشق، وهو ما يُفسِّر ازدهارها التجاري المتواصل منذ أقدم العصور. كما أنَّ طبيعتها البركانية وفَّرت حجر البازلت الأسود الذي شُيِّدت منه أغلب مبانيها الأثرية، مما أضفى عليها طابعاً معمارياً فريداً يميِّزها عن سائر المدن القديمة.
بلغ عدد سكان المدينة نحو 19.683 نسمة وفقاً لإحصاء عام 2004 م، غير أنَّ هذا العدد تراجع تراجعاً كبيراً خلال سنوات الثورة السورية التي بدأت عام 2011 م، إذ نزح كثيرٌ من سكانها بسبب المعارك والقصف الذي طال المنطقة.
يعود أقدم ذكرٍ معروف لبصرى إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، حيث وردت في وثائق تلِّ العمارنة (رسائل العمارنة) التي اكتُشفت في صعيد مصر. وتُعدُّ هذه الرسائل، التي يرجع تاريخها إلى عهد الفرعون أخناتون (حوالي 1351-1334 ق.م)، مراسلاتٍ دبلوماسيةً بين حكَّام مصر الفرعونية وملوك الممالك في بلاد الشام وبلاد الرافدين. ويدلُّ ذكر بصرى في هذه الوثائق على أنها كانت مستوطنةً ذات أهميةٍ منذ تلك الحقبة المبكِّرة، وإن كانت المعلومات المتوفِّرة عن طبيعتها في تلك الفترة لا تزال شحيحة.
خلال العصر الحديدي والفترة الآرامية، استمرَّ الاستيطان في المنطقة، وإن لم تبرز بصرى بوصفها مركزاً رئيسياً في المصادر المكتوبة. غير أنَّ موقعها الاستراتيجي على مفترق الطرق التجارية ضَمِن لها استمرار الحياة فيها عبر تلك الحقب المتعاقبة.
في أعقاب فتوحات الإسكندر المقدوني (356-323 ق.م) وتأسيس الممالك الهلنستية، دخلت بصرى في فلك النفوذ السلوقي. وقد شهدت المنطقة تحوُّلاتٍ ثقافية وعمرانية متأثِّرةً بالحضارة اليونانية، وإن حافظت على طابعها الشرقي الأصيل. وخلال هذه الحقبة بدأ الأنباط يوسِّعون نفوذهم تدريجياً نحو حوران، مما مهَّد لمرحلة جديدة من تاريخ بصرى.
منذ القرن الثاني قبل الميلاد تقريباً، بدأت بصرى تبرز بوصفها مركزاً نبطياً مهماً في شمال المملكة النبطية التي كانت عاصمتها الرئيسية مدينة رقمو (البتراء) في الأردن الحالي. وقد اتَّخذها الأنباط عاصمةً لإقليمهم الشمالي، فأصبحت محوراً تجارياً حيوياً يربط بين البتراء وطرق التجارة المتَّجهة إلى دمشق وبلاد الرافدين.
ازدهرت بصرى في ظلِّ الحكم النبطي ازدهاراً كبيراً بفضل سيطرة الأنباط على طرق تجارة البخور والتوابل القادمة من جنوب شبه الجزيرة العربية. وقد أتقن الأنباط إدارة الموارد المائية في تلك البيئة شبه الجافة، فأقاموا السدود وشقُّوا القنوات وحفروا الآبار، مما وفَّر الأساس اللازم لنموِّ المدينة وتوسُّعها.
تُظهر البقايا الأثرية النبطية في بصرى أنَّ الأنباط شيَّدوا فيها معابدَ ومباني عامة بأسلوبهم المعماري المميَّز الذي يمزج بين التأثيرات الهلنستية والتقاليد المحلية. ومع وفاة آخر ملوك الأنباط، رَبْعيل الثاني (رَبِّيل الثاني)، عام 106 م، انتقلت المملكة النبطية بأسرها إلى السيطرة الرومانية في عهد الإمبراطور تراجان، لتبدأ حقبةٌ جديدةٌ من تاريخ بصرى.
في عام 106 م، أمر الإمبراطور الروماني تراجان (53-117 م) قائده كورنيليوس بالما (Cornelius Palma)، والي سوريا، بضمِّ المملكة النبطية وتحويلها إلى ولاية رومانية جديدة عُرفت باسم «الولاية العربية البتراوية» (Provincia Arabia Petraea). واختار تراجان مدينة بصرى لتكون عاصمةً لهذه الولاية الجديدة بدلاً من البتراء، فمنحها الاسم الرسمي «نوفا ترايانا بوسترا» (Nova Traiana Bostra) تكريماً لنفسه.
امتدَّت الولاية العربية البتراوية من الساحل الغربي لشبه جزيرة سيناء، مروراً بالحدود السورية اللبنانية الحالية إلى ما يقع جنوبَ دمشق، ووصولاً إلى الساحل الشرقي للبحر الأحمر حتى مدائن صالح (إِجرا) في الحجاز. وبذلك أصبحت بصرى مركز إدارة إقليم شاسع يضمُّ مناطقَ تمتدُّ عبر أراضي سوريا والأردن وشمال غرب المملكة العربية السعودية الحالية.
رابط في بصرى «الفيلق الثالث القورينائي» (Legio III Cyrenaica)، أحد أعرق الفيالق الرومانية، الذي نُقل إلى الولاية العربية الجديدة بعد ضمِّها. وقد استُقدم هذا الفيلق من مصر واستقرَّ في بصرى بشكلٍ دائم بين عامَي 120 و125 م، وظلَّ مرابطاً فيها لأكثر من قرنين ونصف القرن، حتى نهاية القرن الرابع الميلادي تقريباً.
ترك الفيلق الثالث القورينائي بصمةً عمرانيةً عميقةً في المدينة، إذ شارك جنوده ومهندسوه في تشييد بوَّابات المدينة والجسور والحمَّامات والطرق المعبَّدة، فضلاً عن المسرح الروماني الضخم الذي لا يزال قائماً حتى اليوم. وقد ذُكر الفيلق في «دليل المناصب» (Notitia Dignitatum)، وهو سجلٌّ روماني يعود إلى العشرينيات أو الثلاثينيات من القرن الخامس الميلادي، تحت مسمَّى «قائد الفيلق الثالث القورينائي في بوسترا» (Praefectus legionis tertiae Cyrenaicae, Bostra).
شهدت بصرى في ظلِّ الحكم الروماني نهضةً عمرانيةً شاملة، فشُيِّدت فيها المنشآت العامة الكبرى وفق التخطيط الروماني المنظَّم. تضمَّنت المدينة أعمدةً مصطفَّة على جانبَي الشوارع الرئيسية (الكاردو والديكومانوس)، وحمَّاماتٍ عامة، وأسواقاً (أغورا)، وأقواسَ نصر، ومعابدَ رومانية، ونظامَ صرفٍ صحِّي متطوِّراً. كما ضُربت فيها النقود الخاصة بالولاية العربية، مما يعكس مكانتها الإدارية والاقتصادية الرفيعة.
حظيت بصرى باهتمام عددٍ من الأباطرة الرومان، ولا سيما تراجان (حكم 98-117 م) وهادريان (حكم 117-138 م) وسيبتيموس سيفيروس (حكم 193-211 م) وفيليب العربي (حكم 244-249 م)، الذي يُرجَّح أنه وُلد في المنطقة المحيطة ببصرى. وقد رُفعت المدينة إلى مرتبة «مستعمرة» (Colonia) في عهد ألكسندر سيفيروس (حكم 222-235 م)، وهو أعلى تصنيف عمراني في النظام الروماني.
يُعدُّ المسرح الروماني في بصرى الأثرَ الأبرز والأكثر اكتمالاً في المدينة، وهو واحدٌ من أضخم المسارح الرومانية وأفضلها حفظاً في العالم بأسره. شُيِّد هذا المسرح في القرن الثاني الميلادي، ويُرجَّح أنَّ بناءه بدأ في عهد الإمبراطور تراجان واكتمل في عهد هادريان. يبلغ قطره الخارجي 102 متراً ويرتفع 22 متراً، وقد نُحت بالكامل من حجر البازلت الأسود المحلِّي، مع استخدام بعض كتل الغرانيت الوردي المصري في أعمال الترميم.
على خلاف كثيرٍ من المسارح الرومانية التي بُنيت مستندةً إلى سفوح التلال الطبيعية، أُقيم مسرح بصرى على أرضٍ مستوية تماماً، مما استوجب تشييد أقبيةٍ ودعاماتٍ ضخمة تحت المدرَّجات لحمل ثقل الهيكل بأكمله. ويدلُّ هذا الإنجاز الهندسي على المهارة الفائقة التي بلغها المهندسون الرومان في فنون البناء.
تتَّسع مدرَّجات المسرح لما بين 15.000 و17.000 متفرِّج، وتنقسم إلى ثلاث مناطق وفق التقسيم الروماني التقليدي:
يبلغ إجمالي الصفوف 35 صفاً (وفي بعض المصادر 37 صفاً)، تتَّخذ شكلَ نصف دائرة تواجه الشمال. أما الأوركسترا (الساحة نصف الدائرية أمام خشبة المسرح) فيبلغ قطرها 21 متراً، وتحيط بها درابزينات زخرفية ويُدخل إليها من بابَين جانبيَّين.
تمتدُّ خشبة المسرح (proscaenium) بطول يتراوح بين 44 و45 متراً وبعمق يتراوح بين 5 و8 أمتار، وتحتوي على فتحاتٍ كانت تُستخدم لرفع الستائر والمناظر المسرحية. وخلف خشبة المسرح تقوم واجهة المسرح (scaenae frons) التي كانت تتألَّف من طبقاتٍ متعدِّدة من الأعمدة والتماثيل، وإن فُقد كثيرٌ من عناصرها الزخرفية مع مرور الزمن.
شهد مسرح بصرى عروضاً أدبيةً ومسرحيةً باللغتين اليونانية واللاتينية، شملت المسرحيات الكوميدية والتراجيدية على حدٍّ سواء، فضلاً عن العروض الموسيقية والخطابية. وقد استمرَّ المسرح في أداء وظيفته الترفيهية والثقافية طوال الحقبة الرومانية وجزءٍ من الحقبة البيزنطية.
مع انتشار المسيحية في بلاد الشام وتحوُّلها إلى ديانةٍ رسمية للإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع الميلادي، أصبحت بصرى مقرّاً أسقفياً مهماً. وفي عام 512 م، شُيِّدت كاتدرائية القدِّيسَين سرجيوس وباخوس ولاونطيوس على يد الأسقف يوليانوس، وهي تُعدُّ من أقدم الكنائس المسقوفة في العالم ومن أبرز نماذج العمارة الكنسية ذات التصميم المركزي.
يبلغ عرض الكاتدرائية نحو 9 أمتار وطولها 26 متراً، وقد اتَّخذت مخطَّطاً مثمَّن الأضلاع (Octagonal plan) يجمع بين التأثيرات المعمارية الرومانية والابتكارات البيزنطية. ويُعتقد أنَّ تصميمها كان مصدر إلهامٍ لكنيسة القدِّيسَين سرجيوس وباخوس في القسطنطينية (آيا صوفيا الصغرى)، التي شيَّدها الإمبراطور جستنيان الأول بعد بضعة عقود.
كُرِّست الكاتدرائية للقدِّيسَين سرجيوس وباخوس ولاونطيوس، وهم جنودٌ رومان استُشهدوا بسبب إيمانهم المسيحي. وقد عزَّز الأباطرة البيزنطيون عبادة القدِّيسين العسكريين كوسيلةٍ لتعزيز الروح المعنوية للسكان في فترةٍ كانت فيها الإمبراطورية مهدَّدةً من الفرس الساسانيين. وتُمثِّل بقايا هذه الكاتدرائية، وفقاً لتقييم اليونسكو، «نموذجاً بالغ الأهمية للكنائس ذات التصميم المركزي من حيث تطوُّر أشكال العمارة الكنسية المبكِّرة».
إلى جانب الكاتدرائية الكبرى، ضمَّت بصرى عدداً من الكنائس والأديرة التي شُيِّدت خلال الفترة البيزنطية، مما يعكس أهميتها الدينية كمركزٍ أسقفي في جنوب سوريا. وقد أسهم الاستقرار النسبي خلال القرنَين الخامس والسادس الميلاديَّين في ازدهار الحياة الدينية والفكرية في المدينة.
تحتلُّ بصرى مكانةً خاصة في التراث الإسلامي بوصفها المدينة التي شهدت لقاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو صبيٌّ بالراهب بحيرا (واسمه جرجيس). ووفقاً للروايات الإسلامية، ولا سيما ما أورده ابن إسحاق في «السيرة النبوية» وابن هشام في تهذيبه لها، والطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، فقد سافر النبي محمد وهو في نحو الثانية عشرة من عمره (حوالي سنة 582-583 م) مع عمِّه أبي طالب بن عبد المطلب في قافلةٍ تجاريةٍ من مكة إلى الشام، حتى بلغوا بصرى.
وتروي المصادر أنَّ الراهب بحيرا، الذي كان يقيم في صومعته (دير) بالقرب من بصرى، لاحظ علاماتٍ غير مألوفة مع وصول القافلة، منها أنَّ سحابةً كانت تُظلِّل الصبيَّ أينما سار. فدعا الراهبُ أهلَ القافلة إلى مأدبة — وكان لا يفعل ذلك من قبل — ثم سأل النبيَّ الصبيَّ أسئلةً عدَّة، ورأى علامةً بين كتفَيه عرفها بأنها «خاتم النبوة». فقال لأبي طالب، وفقاً لرواية ابن إسحاق: «ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه من اليهود»، وفي رواية الطبري: «واحذر عليه من الروم».
تباينت آراء العلماء المسلمين حول مدى صحة رواية بحيرا. فقد أخرجها الترمذي في «سننه» وحسَّنها، بينما ضعَّف بعض علماء الحديث إسنادها، ومنهم الذهبي. غير أنَّ الرواية ظلَّت حاضرةً بقوَّة في كتب السيرة والتاريخ الإسلامي، وأصبحت جزءاً لا يتجزَّأ من الهوية التاريخية لمدينة بصرى. ولا تزال أطلال ما يُعتقد أنه «دير بحيرا» قائمةً في المدينة، وتُعدُّ من المعالم التي يقصدها الزوَّار.
كانت بصرى أولَّ مدينةٍ كبرى في جنوب سوريا تفتحها الجيوش الإسلامية في عام 634 م (13هـ)، في إطار حركة الفتوحات الإسلامية لبلاد الشام. وقد قاد الفتح القائد خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجرَّاح بأمرٍ من الخليفة أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه.
يروي المؤرِّخون أنَّ حاكم بصرى الروماني (البيزنطي) سلَّم المدينة سلمياً بعد مفاوضاتٍ قصيرة، نظراً لعجزه عن مواجهة الجيش الإسلامي المتقدِّم. وبفتح بصرى تأمَّن الجناح الجنوبي للجيوش الإسلامية، مما مهَّد الطريقَ أمام التقدُّم نحو دمشق وسائر مدن الشام.
يُنسب تأسيس المسجد العُمري في بصرى إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه (حكم 634-644 م)، وهو ما يجعله واحداً من أقدم المساجد القائمة في العالم الإسلامي. اكتمل بناء المسجد في عام 721 م (102هـ) في عهد الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك، ويحمل نقشاً بالخط الكوفي يعود إلى تلك الفترة يصف المكان بأنه «مسجد النبي».
يتألَّف المسجد من فناءٍ مستطيل الشكل تبلغ أبعاده 16×13 متراً، تحيط به أروقةٌ محمولة على 44 عموداً. وكان المسجد يؤدِّي وظيفةً مزدوجة: فإلى جانب كونه مكاناً للعبادة، كان يُستخدم محطةً للمسافرين والقوافل التجارية والحجَّاج المتَّجهين إلى مكة المكرمة، حيث كان فناؤه يُستعمل سوقاً ومكاناً للمبيت.
يُعدُّ مئذنة المسجد العُمري من أقدم النماذج المعمارية للمآذن في طراز العمارة الأموية. كانت المئذنة مربَّعة الشكل ترتفع 24 متراً، وتبلغ أبعاد قاعدتها 4,80×4,80 متراً. وقد رُمِّم المسجد في عام 1950 م ضمن جهود الحفاظ على التراث الإسلامي في سوريا. إلا أنَّ المئذنة تعرَّضت للتدمير في 13 أبريل 2013 م خلال الثورة السورية، مما أثار إدانةً دوليةً واسعة.
حافظت بصرى على أهميتها التجارية والدينية في ظلِّ الخلافة الأموية (661-750 م)، إذ استمرَّت في كونها محطةً رئيسيةً على طريق الحج الشامي المتَّجه إلى مكة. كما شهدت عمليات بناءٍ وتوسعةٍ عدَّة خلال تلك الفترة. وفي العهد العباسي (750-1258 م)، تراجعت أهمية بصرى نسبياً مع تحوُّل مركز الخلافة إلى بغداد، لكنها ظلَّت مدينةً عامرة ذات قيمةٍ تاريخية ودينية.
يُعدُّ تحصين المسرح الروماني وتحويله إلى قلعةٍ عسكرية منيعة أبرزَ إنجازٍ معماري ارتبط بالحقبة الأيوبية في بصرى. بدأت أعمال التحصين في عهد السلطان الأيوبي الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب (شقيق صلاح الدين الأيوبي)، واستمرَّت بين عامَي 1196 و1218 م (593-615هـ) تقريباً.
شملت التحصينات إحاطة المسرح الروماني بالكامل بأسوارٍ دفاعية ضخمة وأبراجٍ مراقبة، بلغ عددها أحدَ عشرَ برجاً، موزَّعةً على محيط القلعة. ملأ الأيوبيون الخندق المحيط بالمسرح بالمياه لتعزيز قدراته الدفاعية، وأضافوا ممرَّاتٍ وغرفاً داخلية للجنود والإمدادات.
أسفرت هذه التحصينات عن حماية المسرح الروماني من الداخل بصورةٍ غير مقصودة، إذ حالت الجدران والأبراج الأيوبية دون تعرُّض المدرَّجات وخشبة المسرح الرومانية للعوامل الجوية ولعمليات النهب والتخريب التي تعرَّضت لها كثيرٌ من المسارح القديمة الأخرى. ولهذا السبب وصل المسرح إلينا بحالة حفظٍ استثنائية تكاد تكون فريدةً من نوعها في العالم.
جاء تحصين بصرى في سياق الصراع بين الأيوبيين والصليبيين، إذ كانت المنطقة تقع على مقربةٍ من الجبهة الأمامية مع المملكة الصليبية في بيت المقدس والإمارات الصليبية الأخرى. وقد أدركَ الملك العادل أهمية تأمين الطرق المؤدِّية إلى دمشق من الجنوب، فعزَّز تحصينات بصرى إلى جانب قلاعٍ أخرى في المنطقة.
بعد سقوط الدولة الأيوبية، انتقلت بصرى إلى سيطرة المماليك الذين حافظوا على دورها كمحطةٍ على طريق الحج الشامي. وخلال هذه الفترة، أُجريت بعض الإصلاحات على القلعة والمسجد العُمري، وإن كانت المدينة قد فقدت كثيراً من أهميتها الإدارية السابقة.
في ظلِّ الحكم العثماني الذي امتدَّ من القرن السادس عشر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، تحوَّلت بصرى إلى بلدةٍ صغيرة في ولاية سوريا العثمانية. وعلى الرغم من تراجع مكانتها السياسية والاقتصادية، فقد ظلَّت محطةً مهمة على طريق الحج، وحافظت على معالمها الأثرية التي بدأت تستقطب اهتمام الرحَّالة الأوروبيين منذ القرن التاسع عشر.
يُعدُّ المركيز الفرنسي ملكيور دو فوغويه (Melchior de Vogüé، 1829-1916) من أوائل المستكشفين الأوروبيين الذين وصفوا آثار بصرى وصفاً علمياً منهجياً. ففي حملتَيه إلى سوريا عامَي 1860 و1862 م، زار فوغويه بصرى ورسم مخطَّطاتٍ تفصيلية لمبانيها الأثرية، ونشر نتائج أبحاثه في مؤلَّفه الشهير «العمارة المدنية والدينية في سوريا الوسطى» (Architecture civile et religieuse de la Syrie Centrale). وقد مهَّدت أعماله الطريقَ أمام البعثات الأثرية اللاحقة.
قاد المعماري والأثري الأمريكي هاورد كروسبي بَتلر (Howard Crosby Butler، 1872-1922) من جامعة برنستون عدَّة بعثات أثرية إلى سوريا بين عامَي 1899 و1909 م، شملت توثيقاً مفصَّلاً لآثار بصرى. وقد نشر بَتلر نتائج أعماله في سلسلة «سوريا: منشورات بعثات جامعة برنستون الأثرية إلى سوريا» (Syria: Publications of the Princeton University Archaeological Expeditions to Syria)، وتضمَّنت رسوماً معمارية وصوراً فوتوغرافية لمباني بصرى ونقوشها.
تكتسب أعمال بَتلر أهميةً خاصة لأنَّ كثيراً من المعالم الأثرية التي وثَّقها قبل أكثر من قرن قد اختفت أو تضرَّرت منذ ذلك الحين، مما يجعل صوره ورسوماته سجلّاً تاريخياً لا يُعوَّض.
منذ عام 1981 م، بدأت «البعثة الأثرية الفرنسية في جنوب سوريا» (Mission archéologique française en Syrie du Sud) عملها في بصرى والمنطقة المحيطة بها تحت إدارة عالم الآثار الفرنسي جان ماري دانتزر (Jean-Marie Dentzer). وقد تعاونت البعثة مع المعهد الفرنسي للآثار في الشرق الأدنى (IFAPO، الذي أصبح لاحقاً IFPO) والمديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا.
أسفرت أعمال البعثة الفرنسية عن اكتشافاتٍ مهمة تتعلَّق بالطبقات الأثرية المتعاقبة في المدينة، من الفترة النبطية وحتى العهد الإسلامي، وأسهمت في إعداد خرائطَ أثرية تفصيلية وترميم عددٍ من المباني. كما أتاحت هذه الأعمال فهماً أعمقَ لتطوُّر المدينة عبر الحقب التاريخية المختلفة وللعلاقة بين مكوِّناتها المعمارية المتنوِّعة.
في الدورة الرابعة للجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو عام 1980 م، أُدرجت «مدينة بصرى القديمة» ضمن قائمة التراث العالمي تحت الرقم 22، استناداً إلى ثلاثة معايير:
قبل اندلاع الثورة السورية، كان المسرح الروماني في بصرى يستضيف «مهرجان بصرى الدولي للثقافة والفنون»، أحد أبرز المهرجانات الثقافية في سوريا والعالم العربي. وكان المهرجان يجمع بين العروض الموسيقية والمسرحية وعروض الرقص الشعبي والمعاصر، ويستقطب فنَّانين من مختلف أنحاء العالم. وقد أضفت الخلفية الأثرية للمسرح الروماني على العروض طابعاً استثنائياً فريداً، مما جعل المهرجان تجربةً ثقافيةً لا تُنسى.
مع اندلاع الثورة السورية في مارس 2011 م، تعرَّضت بصرى كسائر المناطق السورية لتداعياتٍ مدمِّرة. ومنذ خريف 2012 م، بدأت تتوارد تقارير عن أضرارٍ لحقت بأجزاءٍ من المدينة القديمة بسبب قصف الدبابات والقنابل. وفي عام 2013 م، أفادت التقارير بأنَّ قنَّاصةً كانوا يُطلقون النار من المسرح الروماني والقلعة بشكلٍ منتظم، مما حوَّل هذا الأثر الإنساني إلى موقعٍ عسكري.
في يونيو 2013 م، أدرجت اليونسكو جميع مواقع التراث العالمي الستة في سوريا — بما فيها بصرى وتدمر وقلعة الحصن — ضمن قائمة التراث العالمي المهدَّد بالخطر. وفي 13 أبريل 2013 م، دُمِّرت مئذنة المسجد العُمري التاريخية، التي كانت من أقدم المآذن الإسلامية الباقية، مما شكَّل خسارةً أثريةً فادحة.
في 25 مارس 2015 م، سيطرت جماعاتٌ مسلَّحة معارضة على مدينة بصرى بعد معاركَ عنيفة. وفي ديسمبر 2015 م، تعرَّضت المدينة القديمة لقصفٍ مدفعي ثقيل أسفر عن أضرارٍ جسيمة في الفناء الغربي المجاور للمسرح الروماني وأجزاءٍ من القلعة الأيوبية المحيطة به.
أصدرت المديرة العامة لليونسكو إيرينا بوكوفا بياناً شديدَ اللهجة أدانت فيه «تدمير آثارٍ في مدينة بصرى القديمة، الموقع السوري المدرج في التراث العالمي»، مؤكِّدةً أنَّ هذا الدمار يُمثِّل تصعيداً خطيراً في الأضرار التي لحقت بالموقع أثناء الحرب. كما أدان مكتب الأمم المتحدة للأخبار التدمير الأثري في الموقع في ديسمبر 2015 م.
أسهمت «مبادرة التراث الثقافي» التابعة للمنظمة الأمريكية لأبحاث الشرق الأدنى (ASOR Cultural Heritage Initiatives) في رصد الأضرار التي لحقت ببصرى وتوثيقها باستخدام صور الأقمار الاصطناعية عالية الدقة. وأظهرت التقارير الصادرة عام 2016 م وجود مساراتٍ مُحصَّنة للمركبات شُقَّت عبر مناطقَ أثرية، فضلاً عن حُفَرٍ ناجمة عن سقوط القذائف داخل حدود المدينة القديمة.
كما أعدَّت الجمعية الأمريكية لتقدُّم العلوم (AAAS) دراسةً بعنوان «تاريخٌ قديم، دمارٌ حديث: تقييم الوضع الراهن لمواقع التراث العالمي في سوريا باستخدام صور الأقمار الاصطناعية عالية الدقة»، تضمَّنت تحليلاً مفصَّلاً للأضرار في بصرى ومواقعَ أخرى.
في عام 2018 م، استعادت القوات الحكومية السورية السيطرة على بصرى ومحافظة درعا بشكلٍ عام. ومنذ ذلك الحين، بدأت جهودٌ محدودة لتقييم الأضرار والتخطيط لعمليات الترميم، بالتعاون مع المنظمات الدولية المعنية بحماية التراث الثقافي. ورغم أنَّ المسرح الروماني نجا إلى حدٍّ كبير بفضل جدران القلعة الأيوبية التي حمته، فإنَّ معالمَ أخرى في المدينة تعرَّضت لأضرارٍ تتطلَّب سنواتٍ من العمل لترميمها.
يقع في الجزء الجنوبي من المدينة قوسٌ نبطيٌّ يعود إلى القرن الأول الميلادي تقريباً، ويُعدُّ من أقدم المعالم القائمة في بصرى. يعكس هذا القوس أسلوب العمارة النبطية الذي يمزج بين التأثيرات الهلنستية والتقاليد المحلية.
تضمُّ بصرى بقايا حمَّاماتٍ رومانية عامة (ثيرماي) كانت تُعدُّ من المرافق الأساسية في كلِّ مدينةٍ رومانية. وتتضمَّن هذه الحمَّامات غرفاً ساخنة (كالداريوم) وفاترة (تيبيداريوم) وباردة (فريجيداريوم)، وتُظهر نظامَ التدفئة تحت الأرضيات (الهيبوكاوست) الذي أبدع فيه الرومان.
لا تزال بقايا الأعمدة التي كانت تصطفُّ على جانبَي الشوارع الرئيسية (الكاردو والديكومانوس) شاهدةً على التخطيط العمراني الروماني المنظَّم للمدينة. وقد ربطت هذه الشوارع المعبَّدة بين المرافق العامة الرئيسية — المسرح والمعابد والأسواق والحمَّامات — ضمن شبكةٍ عمرانية متكاملة.
إلى جانب المسجد العُمري، تضمُّ بصرى «مسجد مبرك الناقة» الذي يعود تأسيسه إلى الفترة الفاطمية، ويرتبط بالتقليد الإسلامي الذي يقول إنَّ ناقة النبي محمد بركت في هذا المكان أثناء زيارته للمدينة وهو صبي.
تنتشر في أنحاء بصرى بقايا معمارية بيزنطية متنوِّعة، تشمل كنائسَ وأديرة ومساكنَ ومبانيَ إدارية، تعكس مجتمعةً صورةً حيَّة للحياة في مدينةٍ بيزنطية مزدهرة خلال القرنَين الخامس والسادس الميلاديَّين.
تتفرَّد بصرى الشام بكونها متحفاً مفتوحاً يجسِّد تعاقب الحضارات على أرض سوريا عبر أكثر من ثلاثة آلاف عام. فقد تركت كلُّ حضارةٍ مرَّت بها بصماتِها المعمارية والفنية والروحية في نسيج المدينة، مما أنتج تراكماً حضارياً فريداً يصعب العثور على مثيله في أيِّ مكانٍ آخر من العالم.
تجمع بصرى بين:
وبذلك تُعدُّ بصرى شاهداً حيّاً على قدرة الحضارات المتعاقبة على التعايش والتداخل، حيث بُنيت معالم كلِّ حقبةٍ فوق بقايا سابقتها أو بجوارها، مما خلق نسيجاً عمرانياً متعدِّد الطبقات يحمل في ثناياه قصة الإنسانية جمعاء.