امتدّ الحكم العثماني لسوريا قرابة أربعة قرون، من عام 1516 م حتى عام 1918 م، وشكّل هذه الحقبة فترة محورية في تاريخ سوريا أعادت رسم خريطتها الإدارية والاجتماعية والاقتصادية. بدأ العصر العثماني بمعركة مرج دابق الحاسمة التي أنهت حكم المماليك، ومرّ بمراحل متعددة من الاستقرار والإصلاح والتراجع، وانتهى مع الثورة العربية الكبرى ودخول القوات العربية-البريطانية دمشق في أكتوبر 1918 م. تركت هذه الحقبة أثراً عميقاً في البنية الاجتماعية والعمرانية والثقافية لسوريا لا يزال ماثلاً حتى اليوم.
جاء الفتح العثماني لسوريا نتيجة الصراع بين الدولة العثمانية بقيادة السلطان سليم الأول ودولة المماليك بقيادة السلطان قانصوه الغوري. وقعت المعركة الفاصلة في سهل مرج دابق شمال حلب يوم 24 أغسطس 1516 م (وفقاً لموسوعة بريتانيكا). حشد السلطان سليم الأول جيشاً قوامه 60,000 إلى 80,000 مقاتل مقابل 40,000 إلى 60,000 مقاتل في الجيش المملوكي (وفقاً للمصادر التاريخية المتعددة). انتهت المعركة بهزيمة ساحقة للمماليك ومقتل السلطان قانصوه الغوري في ميدان المعركة، ممّا فتح الطريق أمام القوات العثمانية للسيطرة على كامل بلاد الشام ثم مصر عام 1517 م.
بعد الانتصار في مرج دابق، تقدّم الجيش العثماني جنوباً ودخل مدينة حلب ثم دمشق دون مقاومة تُذكر، إذ رحّب كثير من سكان المدن السورية بالعثمانيين أملاً في إنهاء الفوضى التي سادت أواخر العصر المملوكي. اعتبر السلطان سليم الأول نفسه حامياً للحرمين الشريفين وخليفة للمسلمين، ممّا أضفى على حكمه شرعية دينية في أعين كثير من السكان.
أعاد العثمانيون تنظيم سوريا إدارياً وفق نظام الإيالات (الولايات الكبرى). كانت إيالة دمشق هي الوحدة الإدارية الأولى التي شملت معظم بلاد الشام الجنوبية. ثم فُصلت إيالة حلب كوحدة إدارية مستقلة عام 1534 م لتشمل شمال سوريا والمناطق المحيطة بها، تلتها إيالة طرابلس عام 1579 م التي ضمّت الساحل اللبناني وأجزاء من الساحل السوري، ثم إيالة صيدا عام 1660 م (وفقاً لموسوعة بريتانيكا — Syria: Ottoman period).
كان والي كل إيالة يُعيَّن مباشرة من إسطنبول ويتمتع بصلاحيات واسعة في الشؤون المدنية والعسكرية وجمع الضرائب. وقد تباينت درجة السيطرة المركزية على المناطق السورية المختلفة، إذ تمتّعت بعض المناطق الجبلية والبدوية باستقلالية نسبية عن السلطة المركزية.
ازدهرت التجارة في سوريا خلال القرون الأولى من الحكم العثماني، إذ كانت حلب ودمشق محطتين رئيسيتين على طرق التجارة بين الشرق والغرب. اشتُهرت حلب بتجارة الحرير والتوابل، بينما كانت دمشق مركزاً لتنظيم قوافل الحج إلى مكة المكرمة، ممّا أكسبها أهمية اقتصادية ودينية كبيرة. كما ازدهرت الصناعات الحرفية التقليدية كصناعة النسيج والصابون والزجاج.
تميّز المجتمع السوري في العصر العثماني بتعدديته الدينية والعرقية، إذ عاشت فيه مجتمعات مسلمة (سنّة وعلويون ودروز وإسماعيليون) ومسيحية (أرثوذكس وكاثوليك وسريان ومارونيون) ويهودية، وفق نظام المِلَل العثماني الذي منح كل طائفة درجة من الاستقلالية في إدارة شؤونها الداخلية.
شهدت سوريا عام 1860 م أحداثاً طائفية دامية، لا سيما في دمشق وجبل لبنان، حيث وقعت مذابح طالت الأحياء المسيحية في دمشق. جاءت هذه الأحداث في سياق توترات اجتماعية واقتصادية معقدة تفاقمت مع تطبيق إصلاحات التنظيمات التي منحت غير المسلمين حقوقاً متساوية، ممّا أثار استياء بعض الفئات. تدخّلت فرنسا عسكرياً بموجب اتفاق دولي، وأنشأ العثمانيون نظام المتصرفية في جبل لبنان كحلّ إداري للأزمة. وقد درس الباحث موشيه معوز هذه الأحداث في سياقها الأوسع ضمن دراسته الأكاديمية «Ottoman Reform in Syria and Palestine, 1840-1861» (وفقاً لدراسة Moshe Maoz الأكاديمية). كما تناولت مجلة International Journal of Middle East Studies أحداث حلب عام 1850 م التي سبقت أحداث دمشق وشكّلت مقدمة لها (وفقاً لـ Cambridge/IJMES).
بدأت حركة إصلاحات التنظيمات في الدولة العثمانية عام 1839 م بصدور خط شريف كلخانة، وشملت إصلاحات إدارية وقانونية وعسكرية واسعة النطاق. في سوريا، تجلّت هذه الإصلاحات في عدة مجالات: إعادة تنظيم الجهاز الإداري وتحويل نظام الإيالات إلى نظام الولايات عام 1864 م وفق قانون الولايات الجديد، وإنشاء مجالس إدارية محلية ضمّت ممثلين عن مختلف الطوائف، وتحديث نظام التعليم بإنشاء مدارس حكومية حديثة إلى جانب الكتاتيب التقليدية، وإصلاح النظام القضائي بإنشاء محاكم مدنية نظامية (وفقاً لموسوعة بريتانيكا وتاريخ كامبريدج للإسلام).
كان لهذه الإصلاحات أثر متباين في المجتمع السوري، إذ رحّبت بها النخب الحضرية والأقليات الدينية التي استفادت من مبدأ المساواة، بينما قاومتها بعض الفئات التقليدية التي رأت فيها تهديداً للنظام الاجتماعي القائم.
اندلعت الثورة العربية الكبرى في 10 يونيو 1916 م بقيادة الشريف حسين بن علي، أمير مكة، بدعم بريطاني وبمشاركة ضباط عرب من بلاد الشام والعراق (وفقاً لتقرير الجزيرة). جاءت الثورة في سياق تصاعد القومية العربية ورفض سياسات التتريك التي انتهجتها حكومة الاتحاد والترقي، فضلاً عن إعدام عدد من الزعماء العرب في دمشق وبيروت عام 1915-1916 م. شكّلت الثورة نقطة تحوّل حاسمة في تاريخ المنطقة، رغم أن وعود الاستقلال العربي اصطدمت لاحقاً باتفاقية سايكس-بيكو السرية.
دخلت القوات العربية-البريطانية مدينة دمشق في أكتوبر 1918 م، منهيةً بذلك أربعة قرون من الحكم العثماني لسوريا. أُعلن عن قيام الحكومة العربية في دمشق برئاسة الأمير فيصل بن الحسين، لكن هذه التجربة لم تدم طويلاً، إذ فرض مؤتمر سان ريمو عام 1920 م نظام الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ سوريا الحديث.
ترك العصر العثماني إرثاً عميقاً في سوريا لا يزال ماثلاً في العمارة والمدن التاريخية — من الأسواق المسقوفة والخانات والحمّامات والمساجد في حلب ودمشق وحمص — وفي البنية الاجتماعية والعائلات العريقة التي تعود جذورها إلى تلك الحقبة، وفي المنظومة القانونية والإدارية التي استمرت أساساتها حتى بعد انتهاء الحكم العثماني.
يحتاج هذا القسم إلى توثيق بالمصادر والمراجع الأكاديمية.