امتد الانتداب الفرنسي على سوريا من عام 1920 م حتى عام 1946 م، وهو من أكثر الفترات تأثيراً وحساسية في تاريخ سوريا الحديث. فُرض هذا الانتداب نتيجة تقاسم مناطق النفوذ بين القوى الأوروبية الكبرى في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ومثّل انتهاكاً صريحاً لتطلعات الشعب السوري في تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة. شهدت هذه الحقبة التي استمرت ستة وعشرين عاماً مقاومة وطنية مسلحة وسياسية متواصلة، وتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، وتشكّلت خلالها ملامح الهوية الوطنية السورية المعاصرة (Khoury, 1987, p. 5). يُعدّ فهم فترة الانتداب مفتاحاً لفهم التطورات السياسية والاجتماعية في سوريا طوال القرن العشرين وحتى الوقت الحاضر.
المصدر: Wikimedia Commons, CC BY 3.0
في أيار 1916 م أبرمت بريطانيا وفرنسا اتفاقية سرية عُرفت باسم اتفاقية سايكس-بيكو، نسبة إلى المفاوضَين مارك سايكس البريطاني وفرانسوا جورج-بيكو الفرنسي. قسّمت الاتفاقية المشرق العربي الخاضع للدولة العثمانية إلى مناطق نفوذ: حصلت فرنسا على سوريا ولبنان وجنوب شرق الأناضول، فيما حصلت بريطانيا على العراق وشرق الأردن وفلسطين (Gelvin, 1998, p. 28). جاءت هذه الاتفاقية متناقضة مع وعود بريطانيا للشريف حسين بن علي في مراسلات حسين-مكماهون (1915–1916 م) التي تعهدت فيها بدعم قيام دولة عربية مستقلة مقابل إطلاق الثورة العربية ضد العثمانيين. كشف البلاشفة الروس نص الاتفاقية بعد ثورة أكتوبر 1917 م، مما أثار صدمة واسعة في العالم العربي (Thompson, 2000, p. 34).
أطلق الشريف حسين بن علي الثورة العربية الكبرى في حزيران 1916 م بدعم بريطاني، وتمكن ابنه الأمير فيصل بن الحسين من قيادة القوات العربية شمالاً حتى دخل دمشق في تشرين الأول 1918 م بالتزامن مع انسحاب القوات العثمانية. أسس فيصل حكومة عربية في دمشق، وأرسل وفداً إلى مؤتمر السلام في باريس عام 1919 م للمطالبة بالاستقلال. أوصت لجنة كينغ-كراين الأمريكية التي زارت المنطقة في صيف 1919 م بعدم فرض الانتداب الفرنسي لمعارضة الأغلبية الساحقة من السكان له، لكن توصياتها أُهملت (Gelvin, 1998, p. 42).
في 8 آذار 1920 م أعلن المؤتمر السوري العام استقلال سوريا بحدودها الطبيعية (بما فيها لبنان وفلسطين والأردن) وتوّج فيصل ملكاً دستورياً عليها. كانت هذه المملكة العربية السورية أول محاولة لإقامة دولة عربية حديثة مستقلة في المشرق، لكنها لم تحظَ باعتراف دولي ولم تعمّر سوى أشهر قليلة (Provence, 2005, p. 47).
في 19–26 نيسان 1920 م انعقد مؤتمر سان ريمو في مدينة سان ريمو الإيطالية بمشاركة رؤساء حكومات بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان. قرّر المؤتمر توزيع الانتدابات على المنطقة العربية وفق صكوك عصبة الأمم المتحدة: مُنحت فرنسا الانتداب على سوريا ولبنان، ومُنحت بريطانيا الانتداب على فلسطين والعراق وشرق الأردن (Khoury, 1987, p. 98). تجاهل المؤتمر تماماً إعلان استقلال سوريا وتتويج فيصل، وأثارت قراراته موجة غضب عارمة في سوريا والعالم العربي. صدر صك الانتداب رسمياً عن عصبة الأمم في 24 تموز 1922 م (وثائق عصبة الأمم، C.528.M.313.1922.VI).

المصدر: Wikimedia Commons, ملكية عامة
وجّه الجنرال الفرنسي هنري غورو إنذاراً نهائياً لحكومة فيصل في 14 تموز 1920 م يطالب فيه بقبول الانتداب وحل الجيش العربي وتسليم خطوط السكك الحديدية. رغم قبول فيصل بالإنذار تحت الضغط، تقدّم غورو بقواته نحو دمشق. في 24 تموز 1920 م وقعت معركة ميسلون الفاصلة عند ممر ميسلون غربي دمشق. قاد وزير الحربية يوسف العظمة القوات العربية المتواضعة — التي لم تتجاوز ثلاثة آلاف مقاتل يفتقرون إلى السلاح الثقيل — في مواجهة الجيش الفرنسي المجهّز بتسعة آلاف جندي والطائرات والدبابات والمدفعية (Provence, 2005, p. 52). استشهد يوسف العظمة في ساحة المعركة وهو يقود رجاله رافضاً الاستسلام رغم علمه باستحالة النصر العسكري، وأصبح رمزاً خالداً للتضحية الوطنية السورية. دخلت القوات الفرنسية دمشق في اليوم ذاته، وأُجبر الملك فيصل على مغادرة سوريا إلى المنفى.
اتبعت سلطات الانتداب الفرنسي سياسة «فرّق تسد» (Diviser pour régner) المنهجية لإضعاف الوحدة الوطنية السورية ومنع تبلور حركة وطنية موحدة. قسّمت فرنسا سوريا إلى عدة كيانات على أسس طائفية وإثنية (Khoury, 1987, pp. 56–63):
أُعيد دمج دولتي دمشق وحلب في عام 1924 م في كيان واحد عُرف بالدولة السورية، بينما ظلت دولة العلويين ودولة جبل الدروز منفصلتين حتى عام 1936 م حين أُعيد إلحاقهما رسمياً بالاتحاد السوري. هدفت هذه السياسة إلى تعميق الانقسامات الطائفية والمناطقية وإضعاف أي شعور بالهوية الوطنية الجامعة (Thompson, 2000, p. 55).
اندلعت الثورة السورية الكبرى في تموز 1925 م من جبل الدروز بقيادة سلطان باشا الأطرش. جاء الاندلاع بعد سلسلة من الممارسات القمعية للحاكم الفرنسي الكابتن كاربييه الذي اعتقل ثلاثة من زعماء الدروز ورفض الاستجابة لمطالب السكان. أصدر سلطان الأطرش بيان الثورة الشهير الذي رفع فيه شعار «الدين لله والوطن للجميع» داعياً جميع السوريين بمختلف طوائفهم ومذاهبهم إلى الوحدة في مواجهة الاحتلال (Provence, 2005, pp. 95–112).
سرعان ما امتدت الثورة من جبل الدروز لتشمل دمشق وغوطتها وحمص وحماة وأجزاء واسعة من ريف سوريا. انضم إليها قادة من مختلف المناطق والطوائف، منهم حسن الخرّاط الذي قاد المقاومة في أحياء دمشق القديمة، ونسيب البكري وفوزي القاوقجي. في 18 تشرين الأول 1925 م ارتكبت القوات الفرنسية جريمة قصف دمشق بالمدفعية الثقيلة والطائرات لمدة ثمانٍ وأربعين ساعة متواصلة، مما أدى إلى دمار هائل في أحياء المدينة التاريخية وسقوط مئات الضحايا المدنيين وتشريد آلاف السكان (Khoury, 1987, pp. 152–161). أدان المجتمع الدولي هذا القصف الوحشي، وأثار موجة تعاطف واسعة مع القضية السورية.
تمكنت فرنسا من إخماد الثورة عسكرياً بحلول عام 1927 م بعد إرسال تعزيزات كبيرة بلغت نحو خمسين ألف جندي واستخدام القوة المفرطة. لجأ سلطان الأطرش إلى شرق الأردن ثم إلى السعودية. سقط خلال الثورة آلاف الشهداء السوريين ودُمّرت قرى ومناطق بأكملها. رغم إخفاقها عسكرياً، أثبتت الثورة أن الوجود الفرنسي مرفوض شعبياً وأسّست لمرحلة جديدة من النضال السياسي المنظّم (Provence, 2005, p. 140).
تأسست الكتلة الوطنية عام 1927 م بعد إخماد الثورة السورية الكبرى، كحركة سياسية وطنية تتبنى نهج العمل السياسي والدبلوماسي لتحقيق الاستقلال. ضمّت أبرز الشخصيات الوطنية السورية (Khoury, 1987, pp. 220–258):
نظّمت الكتلة الوطنية إضرابات عامة كبرى أبرزها الإضراب الستيني عام 1936 م الذي شلّ الحياة الاقتصادية في المدن السورية وأجبر فرنسا على فتح باب المفاوضات.
في أيلول 1936 م توجّه وفد سوري برئاسة هاشم الأتاسي إلى باريس ووُقّعت معاهدة فرنسية-سورية في 9 أيلول 1936 م. نصّت المعاهدة على اعتراف فرنسا باستقلال سوريا وسيادتها مع فترة انتقالية مدتها خمسة وعشرون عاماً، وإبقاء قواعد عسكرية فرنسية وامتيازات اقتصادية ودبلوماسية (Khoury, 1987, pp. 410–435). عاد الأتاسي إلى دمشق استقبالاً شعبياً حاشداً وانتُخب رئيساً للجمهورية. غير أن البرلمان الفرنسي رفض المصادقة على المعاهدة عام 1938 م بحجة أنها تُضعف مصالح فرنسا الاستراتيجية في المنطقة، مما أثار إحباطاً شعبياً عميقاً وأزمة سياسية حادة في سوريا. استقال الأتاسي من الرئاسة احتجاجاً في تموز 1939 م.
شكّل لواء الإسكندرون قضية وطنية محورية لا تزال حيّة في الوجدان السوري. كان اللواء جزءاً لا يتجزأ من الأراضي السورية يتمتع بحكم ذاتي تحت الانتداب، وتسكنه أغلبية عربية (عرب سنة وعلويون) وأقلية تركية إلى جانب مجتمعات أرمنية وكردية. في عام 1937 م بدأت فرنسا تحت ضغط تركي بالتنازل التدريجي عن اللواء: نُظّم استفتاء مثير للجدل عام 1938 م وسط اتهامات واسعة بالتزوير والترهيب التركي، وأُعلنت «جمهورية هاتاي» المؤقتة. في 23 حزيران 1939 م أبرمت فرنسا وتركيا اتفاقية ضمّ اللواء نهائياً إلى تركيا في مقابل ضمان الحياد التركي في الحرب العالمية الثانية الوشيكة (Gelvin, 1998, p. 227). هاجر عشرات الآلاف من سكان اللواء العرب والأرمن نحو سوريا. لم تعترف سوريا رسمياً بهذا الضم، وظلت الخرائط السورية الرسمية تتضمن لواء الإسكندرون ضمن حدود سوريا الوطنية لعقود طويلة.
بعد سقوط فرنسا أمام ألمانيا النازية في حزيران 1940 م، خضعت سوريا لسيطرة حكومة فيشي الموالية للنازيين. استُخدمت سوريا كممر لتهريب الأسلحة الألمانية إلى العراق خلال ثورة رشيد عالي الكيلاني عام 1941 م. في 8 حزيران 1941 م شنّت القوات البريطانية والأسترالية وقوات فرنسا الحرة بقيادة الجنرال كاترو عملية عسكرية لانتزاع سوريا ولبنان من سيطرة فيشي. أعلن كاترو في بيان رسمي باسم الجنرال ديغول منح سوريا ولبنان الاستقلال التام، لكن فرنسا الحرة تلكأت في تنفيذ وعودها واستمرت في التحكم بالمؤسسات السيادية (Thompson, 2000, pp. 236–240).
انتُخب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية السورية في 17 آب 1943 م على رأس حكومة وطنية من الكتلة الوطنية. بدأت الحكومة بانتزاع الصلاحيات السيادية تدريجياً من سلطات الانتداب: نُقلت إدارة الأمن الداخلي والتعليم والاقتصاد إلى السلطات السورية. في 22 كانون الأول 1943 م أعلنت فرنسا نقل السلطات الدستورية إلى الحكومة السورية لكنها أبقت على وجودها العسكري وحاولت انتزاع معاهدة تضمن امتيازات دائمة.
في 29 أيار 1945 م — بعد أيام قليلة من انتهاء الحرب العالمية الثانية في أوروبا — شنّت القوات الفرنسية عدواناً عسكرياً وحشياً على دمشق، قصفت خلاله مبنى البرلمان السوري ومناطق سكنية عديدة. سقط مئات الشهداء والجرحى المدنيين. أثار هذا العدوان استنكاراً دولياً واسعاً، وتدخلت بريطانيا بإنذار حازم لفرنسا أجبرها على وقف إطلاق النار (Thompson, 2000, p. 268). طالبت سوريا مجلس الأمن الدولي بإلزام فرنسا بسحب قواتها، وحظيت بدعم دولي واسع.
تحقق الجلاء الكامل والنهائي للقوات الفرنسية عن الأراضي السورية في 17 نيسان 1946 م بعد نضال وطني متواصل استمر ستة وعشرين عاماً. أصبح هذا اليوم التاريخي عيداً وطنياً رسمياً لسوريا يُعرف بـ«عيد الجلاء» ويُحتفل به سنوياً تخليداً لذكرى آلاف الشهداء الذين بذلوا أرواحهم في سبيل الحرية والاستقلال. كانت سوريا من أوائل الدول العربية التي انضمت إلى منظمة الأمم المتحدة عام 1945 م كعضو مؤسس.
ترك الانتداب الفرنسي آثاراً عميقة ومتشعبة في بنية الدولة والمجتمع السوريين:
يحتاج هذا القسم إلى إضافة مصادر ومراجع موثوقة.