الثورة العربية الكبرى هي الانتفاضة المسلحة التي أطلقها الشريف حسين بن علي أمير مكة المكرمة في العاشر من حزيران/يونيو 1916 م ضد الدولة العثمانية، بدعم بريطاني، بهدف تأسيس دولة عربية مستقلة تمتد من حلب شمالاً إلى عدن جنوباً. قادت هذه الثورة إلى تحرير بلاد الشام من الحكم العثماني ودخول القوات العربية بقيادة الأمير فيصل بن الحسين مدينة دمشق في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 1918 م، وتأسيس المملكة العربية السورية — أولى محاولات إقامة دولة عربية حديثة ومستقلة. لكن هذا الحلم تحطّم سريعاً على صخرة المؤامرات الاستعمارية، إذ أنهت القوات الفرنسية المملكة الوليدة في معركة ميسلون يوم 24 تموز/يوليو 1920 م، لتبدأ حقبة الانتداب الفرنسي التي استمرت ستة وعشرين عاماً.
شهدت أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين صعود الوعي القومي العربي في ولايات الدولة العثمانية العربية، متأثراً بعدة عوامل:
نشأت في بلاد الشام والعراق عدة جمعيات سرية تهدف إلى تحقيق الاستقلال العربي:
جمعية الفتاة (الجمعية العربية الفتاة): تأسست في باريس عام 1909 م ثم انتقل مقرها إلى دمشق وبيروت. ضمّت نخبة من المثقفين والسياسيين العرب من بلاد الشام، ولعبت دوراً محورياً في التخطيط للثورة والتنسيق مع الشريف حسين.
جمعية العهد: تأسست في إسطنبول عام 1913 م من ضباط عرب في الجيش العثماني. أسسها عزيز علي المصري وضمّت ضباطاً عراقيين وسوريين أصبحوا لاحقاً قادة الثورة العربية وحكومة فيصل.
الجمعية القحطانية: تأسست عام 1909 م ودعت إلى نظام مزدوج عربي-تركي على غرار النموذج النمساوي-المجري.
في عام 1915 م، أرسلت جمعيتا الفتاة والعهد مبعوثاً إلى الشريف حسين في مكة يحمل ما عُرف بـ«بروتوكول دمشق»، وهو وثيقة تحدد حدود الدولة العربية المطلوبة وشروط التعاون مع بريطانيا ضد العثمانيين. اشترطت الوثيقة اعتراف بريطانيا باستقلال البلاد العربية ضمن حدود تشمل سوريا والعراق والجزيرة العربية، مقابل إطلاق ثورة عربية ضد الدولة العثمانية.
تبادل الشريف حسين بن علي والسير هنري مكماهون (المندوب السامي البريطاني في مصر) عشر رسائل بين تموز/يوليو 1915 م وآذار/مارس 1916 م. في هذه المراسلات، تعهّدت بريطانيا بالاعتراف باستقلال العرب وتأييد إقامة دولة عربية مقابل إعلان الشريف حسين الثورة على الدولة العثمانية.
أهم ما جاء في مراسلات مكماهون:
بينما كانت بريطانيا تتعهد للشريف حسين بدعم الاستقلال العربي، كانت تعقد في الوقت نفسه صفقتين سريتين متناقضتين:
اتفاقية سايكس-بيكو (كانون الثاني/يناير 1916 م): اتفاقية سرية بين بريطانيا وفرنسا (بموافقة روسيا) لتقاسم المشرق العربي العثماني إلى مناطق نفوذ: فرنسا تحصل على سوريا ولبنان والموصل (عُدّلت لاحقاً)، وبريطانيا تحصل على العراق وشرق الأردن وفلسطين. تفاوض على الاتفاقية الدبلوماسيان مارك سايكس البريطاني وفرانسوا جورج-بيكو الفرنسي.
وعد بلفور (تشرين الثاني/نوفمبر 1917 م): تعهّد وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور بدعم إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين.
كشف البلاشفة الروس نص اتفاقية سايكس-بيكو بعد ثورة أكتوبر 1917 م، مما أثار صدمة عارمة في العالم العربي وشكّك في نوايا بريطانيا. لكن الشريف حسين آثر الاستمرار في الثورة بعد تلقيه تطمينات بريطانية بأن الاتفاقية لن تُنفّذ.
في العاشر من حزيران/يونيو 1916 م، أعلن الشريف حسين بن علي الثورة على الدولة العثمانية بإطلاق طلقة من بندقيته من نافذة قصره في مكة المكرمة باتجاه ثكنة الحامية العثمانية. كانت هذه الطلقة إيذاناً ببدء أكبر انتفاضة عربية ضد الحكم العثماني الذي دام أربعة قرون.
تتابعت أحداث الثورة العسكرية على عدة مراحل:
المرحلة الأولى — تحرير الحجاز (1916 م):
سيطر الثوار على مكة المكرمة بسرعة، ثم حاصروا الحاميات العثمانية في المدينة المنورة وجدة والطائف. سقطت جدة في التاسع من حزيران/يونيو والطائف في أيلول/سبتمبر 1916 م. لكن المدينة المنورة صمدت بقيادة فخري باشا العثماني حتى عام 1919 م.
المرحلة الثانية — الزحف شمالاً (1917 م):
بتوجيه من المستشار العسكري البريطاني توماس إدوارد لورنس (لورنس العرب، 1888-1935 م)، نفّذ الأمير فيصل وقواته حرب عصابات فعّالة ضد خط سكة حديد الحجاز الذي كان شريان الإمداد العثماني. في تموز/يوليو 1917 م، حقق الثوار انتصاراً مفصلياً باحتلال ميناء العقبة في هجوم مباغت من الصحراء — وهو إنجاز عسكري مذهل فاجأ الأتراك الذين توقعوا الهجوم من البحر.
المرحلة الثالثة — تحرير بلاد الشام (1918 م):
بالتنسيق مع الحملة البريطانية بقيادة الجنرال إدموند ألنبي التي كانت تتقدم من فلسطين، زحف فيصل وقواته العربية شمالاً عبر شرق الأردن. بعد سلسلة من الانتصارات وتدمير خطوط السكك الحديدية العثمانية، اقتربت القوات العربية من دمشق في أواخر أيلول/سبتمبر 1918 م.
في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 1918 م — بعد انسحاب القوات العثمانية — دخلت القوات العربية مدينة دمشق وسط استقبال شعبي حاشد. تبقى مسألة من دخل المدينة أولاً موضع خلاف تاريخي: تشير بعض المصادر إلى أن سلاح الفرسان الأسترالي الخفيف كان أول من وصل إلى أطراف المدينة، بينما تؤكد المصادر العربية أن القوات العربية بقيادة نسيب البكري وشكري القوتلي هي التي رفعت أولاً العلم العربي فوق دار الحكومة.
رفع الشريف ناصر بن علي (ابن عم فيصل) العلم العربي ذا الألوان الأربعة (الأسود والأبيض والأخضر والأحمر) فوق مبنى البلدية، معلناً تحرير دمشق من الحكم العثماني الذي دام أربعة قرون.
فور دخوله دمشق، أسس الأمير فيصل حكومة عربية مؤقتة عُرفت بالحكومة العربية في المشرق. عيّن علي رضا الركابي رئيساً للحكومة، وبدأ في بناء مؤسسات الدولة: إدارة مدنية، نظام قضائي، قوات شرطة، وجيش نظامي.
واجهت الحكومة تحديات جسيمة:
في كانون الثاني/يناير 1919 م، توجّه فيصل إلى مؤتمر السلام في باريس على رأس وفد عربي للمطالبة بالاستقلال. ألقى خطاباً مؤثراً أمام المؤتمر في 6 شباط/فبراير 1919 م دافع فيه عن حق العرب في تقرير مصيرهم وتأسيس دولتهم المستقلة. لكن فرنسا رفضت مطالبه بشكل قاطع وأصرّت على حقها في سوريا بموجب اتفاقية سايكس-بيكو.
اقترح الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون — المتحمس لمبدأ تقرير المصير — إرسال لجنة تحقيق دولية لاستطلاع رغبات سكان بلاد الشام. رفضت فرنسا وبريطانيا المشاركة، فأُرسلت لجنة أمريكية فقط برئاسة هنري تشرشل كينغ وتشارلز كرين.
زارت اللجنة سوريا ولبنان وفلسطين في حزيران-تموز 1919 م واستمعت إلى آراء أكثر من 1,800 وفد. خلصت إلى أن الغالبية الساحقة من السكان ترفض الانتداب الفرنسي وتفضل الاستقلال تحت حكم فيصل، مع قبول المساعدة الأمريكية إن لزم الأمر. لكن تقرير اللجنة أُهمل تماماً ولم يُنشر إلا عام 1922 م، بعد فوات الأوان.
في أيار/مايو 1919 م، انعقد المؤتمر السوري العام في دمشق كأول برلمان منتخب في تاريخ سوريا الحديث. ضمّ المؤتمر ممثلين من جميع أنحاء سوريا الطبيعية (سوريا الحالية ولبنان وفلسطين وشرق الأردن). ترأسه هاشم الأتاسي الذي أصبح لاحقاً رئيساً للجمهورية السورية.
أقرّ المؤتمر «برنامج دمشق»، وهو سلسلة من القرارات تطالب بـ:
في الثامن من آذار/مارس 1920 م — في خطوة جريئة استبقت قرارات القوى الكبرى — أعلن المؤتمر السوري العام استقلال سوريا الكامل بما فيها فلسطين ولبنان ضمن حدودها الطبيعية، ونادى بالأمير فيصل ملكاً دستورياً على المملكة العربية السورية. جاء في نص الإعلان:
«نعلن استقلال بلادنا سوريا التام والمطلق بحدودها الطبيعية، بما فيها فلسطين، على أساس حكومة مدنية نيابية تصون حقوق الأقليات».
عُرفت هذه الفترة القصيرة بـ«المملكة العربية السورية»، وهي أول كيان سياسي عربي مستقل في العصر الحديث.
في نيسان/أبريل 1920 م، اجتمعت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى في مؤتمر سان ريمو بإيطاليا لتقرير مصير الولايات العثمانية السابقة. تجاهل المؤتمر تماماً إعلان الاستقلال السوري وتوصيات لجنة كينغ-كرين، وقرّر:
كان هذا القرار بمثابة حكم الإعدام على المملكة العربية السورية.
في 14 تموز/يوليو 1920 م، وجّه الجنرال الفرنسي هنري غورو — قائد جيش المشرق — إنذاراً إلى الملك فيصل يطالبه بـ:
مُنح فيصل مهلة حتى العشرين من تموز/يوليو للاستجابة.
واجه فيصل ووزراؤه معضلة مؤلمة. في الثامن عشر من تموز/يوليو 1920 م، وافق فيصل والحكومة بأكملها — باستثناء وزير الحربية يوسف العظمة — على شروط الإنذار الفرنسي وأصدروا أوامر بحلّ الجيش العربي.
لكن يوسف العظمة — الضابط السوري الذي تدرّب في الأكاديمية العسكرية العثمانية في إسطنبول وخدم في الجيش العثماني قبل الانضمام إلى الثورة العربية — رفض الاستسلام بشكل قاطع. أصرّ على مواجهة القوات الفرنسية المتقدمة من لبنان باتجاه دمشق، رغم إدراكه التفوق العسكري الساحق للفرنسيين.
في فجر الرابع والعشرين من تموز/يوليو 1920 م، التقى الجيشان عند خان ميسلون في ممر جبلي يبعد نحو 25 كيلومتراً غرب دمشق في سلسلة جبال لبنان الشرقية (جبال القلمون).
قاد يوسف العظمة قوة متواضعة قُدّر عددها بنحو 4,000 مقاتل، تتألف من بقايا الجيش العربي النظامي وفرسان بدو ومتطوعين مدنيين من دمشق ومحيطها، مع تسليح خفيف وذخيرة محدودة. في المقابل، قاد الجنرال ماريانو غويبيه قوة فرنسية محترفة مجهزة بالمدفعية والدبابات والطائرات.
لم تدم المعركة سوى أربع ساعات. قاتل العظمة وجنوده ببسالة رغم التفوق الفرنسي الساحق. سقط يوسف العظمة شهيداً برصاص رشاش دبابة فرنسية أصابه في رأسه وصدره. تفرّق المقاتلون العرب بعد مقتل قائدهم.
في اليوم التالي، 25 تموز/يوليو 1920 م، دخلت القوات الفرنسية دمشق. غادر فيصل المدينة قبل وصول الفرنسيين متوجهاً إلى درعا ثم حيفا ثم أوروبا (نصّبه البريطانيون لاحقاً ملكاً على العراق عام 1921 م). انتهت بذلك المملكة العربية السورية بعد أربعة أشهر فقط من إعلانها، وبدأت حقبة الانتداب الفرنسي التي استمرت حتى عام 1946 م.
أمير مكة ومُطلق الثورة العربية الكبرى. ينتمي إلى آل هاشم من نسل النبي محمد ﷺ. نُفي بعد سقوط مملكته في الحجاز أمام ابن سعود إلى قبرص، وتوفي في عمّان عام 1931 م.
ابن الشريف حسين وقائد القوات العربية في الشام. أصبح أول ملك على سوريا (آذار-تموز 1920 م) ثم أول ملك على العراق (1921-1933 م). يُعدّ رمزاً للطموح العربي في تقرير المصير.
وزير الحربية السوري وشهيد معركة ميسلون. وُلد في دمشق وتخرج من الكلية الحربية في إسطنبول. أصبح رمزاً للمقاومة الوطنية السورية، ويُحتفل بذكرى استشهاده سنوياً، ويزور آلاف السوريين ضريحه في ميسلون.
ضابط استخبارات بريطاني عمل مستشاراً عسكرياً لفيصل خلال الثورة. لعب دوراً محورياً في تخطيط العمليات العسكرية ولا سيما الهجوم على العقبة. كتب مذكراته الشهيرة «أعمدة الحكمة السبعة» (1926 م) التي صارت من كلاسيكيات الأدب الإنجليزي. يبقى دوره مثار جدل: هل كان صديقاً حقيقياً للعرب أم أداة للسياسة البريطانية؟
رئيس المؤتمر السوري العام وأحد آباء الاستقلال السوري. أصبح لاحقاً رئيساً للجمهورية السورية ثلاث مرات. يمثّل الجيل المؤسس للدولة السورية الحديثة.
تحتل هذه الفترة (1916-1920 م) مكانة مركزية في الذاكرة الوطنية السورية: