معركة ميسلون هي المعركة الفاصلة التي وقعت في الرابع والعشرين من تموز (يوليو) عام 1920 م، الموافق للسابع من ذي القعدة 1338هـ، عند ممرّ خان ميسلون في سلسلة جبال لبنان الشرقية (جبال القلمون)، على بُعد نحو خمسة وعشرين كيلومتراً إلى الغرب من دمشق. خاض هذه المعركة الجيش العربي السوري بقيادة وزير الحربية يوسف العظمة ضد قوات جيش المشرق الفرنسي المتفوّقة عدداً وعتاداً، وانتهت بهزيمة القوات السورية واستشهاد قائدها، ممّا أفضى إلى سقوط المملكة العربية السورية ودخول الفرنسيين دمشق في اليوم التالي، لتبدأ حقبة الانتداب الفرنسي التي امتدت ستة وعشرين عاماً.
اندلعت الثورة العربية الكبرى في حزيران (يونيو) 1916 م بقيادة الشريف حسين بن علي ضد الدولة العثمانية، واستناداً إلى المراسلات التي جرت بينه وبين السير هنري مكماهون، المندوب السامي البريطاني في مصر، والتي تعهّدت بريطانيا فيها بدعم إقامة دولة عربية مستقلة تشمل بلاد الشام والحجاز والعراق. وقد أسهم الأمير فيصل بن الحسين، النجل الثالث للشريف حسين، في قيادة القوات العربية شمالاً حتى دخل دمشق في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) 1918 م، بعد انسحاب القوات العثمانية منها في أعقاب هزيمتها في الحرب العالمية الأولى.
غير أن اتفاقية سايكس-بيكو السرية التي أُبرمت عام 1916 م بين بريطانيا وفرنسا كانت قد قسّمت المشرق العربي إلى مناطق نفوذ، فوضعت سوريا ولبنان ضمن منطقة النفوذ الفرنسي. وقد تجاهلت هذه الاتفاقية تطلّعات العرب في الاستقلال، رغم التضحيات الجسيمة التي قدّموها خلال الحرب.
في الثامن من آذار (مارس) 1920 م، انعقد المؤتمر السوري العام في دمشق وأعلن استقلال سوريا الكامل بحدودها الطبيعية — شاملةً لبنان وفلسطين وشرقي الأردن — ونادى بالأمير فيصل ملكاً على المملكة العربية السورية تحت نظام ملكي دستوري نيابي. وقد جاء هذا الإعلان ردّاً على مقرّرات مؤتمر سان ريمو الذي انعقد في نيسان (أبريل) 1920 م، والذي قرّرت فيه دول الحلفاء الكبرى منح فرنسا الانتداب على سوريا ولبنان ضمن نظام عصبة الأمم، متجاهلين إرادة الشعب السوري.
شهدت الأشهر التي تلت إعلان الاستقلال توتّراً متصاعداً بين الحكومة العربية في دمشق وبين القوات الفرنسية المتمركزة في الساحل اللبناني بقيادة الجنرال هنري غورو، المندوب السامي الفرنسي في المشرق. وقد عمل غورو على حشد قواته وتعزيزها، مستعدّاً لفرض الانتداب بالقوة إن لزم الأمر.
في الرابع عشر من تموز (يوليو) 1920 م، أصدر الجنرال هنري غورو إنذاراً نهائياً إلى الملك فيصل، تضمّن شروطاً صارمة أبرزها:
وحدّد غورو مهلة انتهاء الإنذار بالعشرين من تموز (يوليو) 1920 م، مهدّداً بالتقدّم العسكري نحو دمشق في حال عدم الامتثال.
أثار الإنذار انقساماً حادّاً في الحكومة العربية ومجتمع دمشق السياسي. فقد انقسم المسؤولون بين فريقين: فريق رأى ضرورة قبول الإنذار تجنّباً لمواجهة عسكرية غير متكافئة ستُفضي حتماً إلى كارثة، وفريق آخر — على رأسه وزير الحربية يوسف العظمة — دعا إلى المقاومة والشرف العسكري، مؤكّداً أن الاستسلام دون قتال سيكون وصمة عار لا تُمحى من تاريخ الأمة.
في الثامن عشر من تموز (يوليو) 1920 م، وافق الملك فيصل ومجلس الوزراء بأكمله — باستثناء يوسف العظمة — على شروط الإنذار، وأصدروا أوامر بتسريح وحدات الجيش العربي المرابطة في عنجر وعلى طريق بيروت–دمشق وفي تلال جبال لبنان الشرقية المطلّة على سهل البقاع. غير أن ردّ فيصل وصل إلى غورو بعد انقضاء المهلة المحدّدة، سواء أكان ذلك بسبب تأخّر البريد أم بفعل تعمّد فرنسي، ممّا أعطى الجنرال الفرنسي ذريعة للتقدّم العسكري.
وُلد يوسف العظمة عام 1884 م (1301هـ) في حي الشاغور العريق بدمشق، وهو حيّ ذو جذور تاريخية عميقة يُعرف بروحه الوطنية وعراقة أهله. نشأ في أسرة دمشقية محافظة، وتلقّى تعليمه الأوّلي في المدرسة الابتدائية في الياغوشية بدمشق، ثم انتقل إلى المدرسة الراشدية العسكرية في جامع يلبغا ضمن حي البحصة عام 1893 م.
تابع العظمة مسيرته التعليمية في المدرسة الإعدادية العسكرية بدمشق عام 1897 م، ثم انتقل عام 1900 م إلى مدرسة «قُلَّلي» الإعدادية العسكرية الواقعة على شاطئ مضيق البوسفور في إسطنبول، حيث أتمّ دراسته العسكرية العليا وتخرّج منها عام 1903 م برتبة ملازم ثانٍ، ثم رُقّي إلى رتبة ملازم أول عام 1905 م.
عاد العظمة إلى إسطنبول ليُعيَّن مرافقاً لوزير الحربية العثمانية أنور باشا، وهو منصب رفيع أتاح له الاطّلاع على شؤون الجيش العثماني في مختلف الجبهات. تنقّل بين الأناضول وسوريا والعراق لتفقّد الجيوش العثمانية، واكتسب خبرة عسكرية واسعة في ميادين القتال المختلفة. عُيّن رئيساً لأركان حرب القوات المرابطة في القوقاز إبّان تأزّم الأحداث هناك، ثم أصبح رئيساً لأركان حرب الجيش الأول في إسطنبول.
مع تأسيس المملكة العربية السورية عام 1920 م، عُيّن يوسف العظمة وزيراً للحربية في حكومة الملك فيصل، فانكبّ على تنظيم الجيش العربي السوري الوليد بحرفية عسكرية عالية. أدرك العظمة حجم التحدّي الذي يواجه هذا الجيش الناشئ — قلّة العتاد وضعف التسليح مقابل جيش فرنسي محترف مجهّز بأحدث الأسلحة — لكنه آمن بأن الشرف الوطني يقتضي المقاومة لا الاستسلام.
عندما قرّر مجلس الوزراء قبول إنذار غورو، وقف العظمة وحيداً في معارضته، ورفض التخلّي عن واجبه العسكري والوطني. روت المصادر التاريخية أنه قال عبارته الشهيرة: «لن أسلّم البلاد دون قتال، فإن كانت الهزيمة حتمية، فلتكن على الأقل بعد معركة تحفظ شرف هذه الأمة». وقد خاطب الملك فيصل قائلاً إنه سيخرج إلى ميسلون حتى لو لم يكن معه سوى حارسه الشخصي.
تفاوتت تقديرات المؤرّخين لأعداد القوات المشاركة في المعركة، لكن الثابت أن التفاوت بين الطرفين كان هائلاً:
القوات الفرنسية (بقيادة الجنرال ماريانو غويبي ميدانياً، تحت إمرة الجنرال غورو):
القوات العربية السورية (بقيادة يوسف العظمة):
يقع ممرّ ميسلون — أو خان ميسلون — في وادي القرن بين سلاسل جبال لبنان الشرقية، وهو ممرّ استراتيجي ضيّق يربط بين الساحل اللبناني وسهل دمشق. اتّخذ يوسف العظمة مواقعه الدفاعية على المرتفعات المشرفة على الطرف الأدنى من وادي القرن، مستفيداً من طبيعة الأرض الجبلية الوعرة لتعويض النقص في العدد والعتاد.
بدأ الهجوم الفرنسي فجر يوم الرابع والعشرين من تموز (يوليو) 1920 م عند الساعة السادسة والنصف صباحاً:
المرحلة الأولى (06:30 – 08:00): اشتبكت طلائع الفرسان على الجمال والخيول مع القوات الفرنسية المتقدّمة، وأبدى المدافعون السوريون مقاومة شرسة في البداية. نجحت المدفعية السورية في إلحاق خسائر ببطارية مدفعية فرنسية، ممّا أعطى المقاتلين العرب دفعة معنوية قوية في الساعات الأولى من المواجهة.
المرحلة الثانية (08:00 – 08:30): كثّف الفرنسيون نيران مدفعيتهم الثقيلة وأمطروا المواقع السورية بوابل من القذائف، مستخدمين تفوّقهم الناري الساحق. عند الساعة الثامنة والنصف تقريباً، تمكّنت القوات الفرنسية من اختراق الخندق المركزي للمواقع السورية بفضل القصف المدفعي المركّز.
المرحلة الثالثة (08:30 – 10:30): بدأت المقاومة السورية المنظّمة تتهاوى مع اشتداد القصف الفرنسي واستخدام الدبّابات والطائرات. عند الساعة العاشرة صباحاً تقريباً، كانت المعركة قد حُسمت عسكرياً لصالح الفرنسيين. وعند الساعة العاشرة والنصف، وصلت القوات الفرنسية إلى مقرّ قيادة يوسف العظمة.
استشهاد يوسف العظمة: اختلفت الروايات في تفاصيل مقتل وزير الحربية السوري؛ فبعض المصادر تذكر أنه سقط برصاص رشّاش إحدى الدبّابات الفرنسية، بينما تُشير روايات أخرى إلى أنه قُتل وهو يحاول تفجير ألغام لعرقلة تقدّم العدوّ. وفي كلتا الحالتين، فقد ظلّ في خطوط القتال الأمامية حتى لحظته الأخيرة، رافضاً الانسحاب رغم انهيار الموقف العسكري.
المرحلة الأخيرة (10:30 – 13:30): استمرّت اشتباكات متقطّعة مع فلول المقاتلين السوريين المنسحبين، الذين تعرّضوا لقصف جوّي فرنسي أثناء انسحابهم باتجاه دمشق.
أسفرت المعركة — التي لم تدم أكثر من أربع ساعات متواصلة — عن خسائر بشرية موجعة:
بعد انتصارهم في ميسلون، واصلت القوات الفرنسية تقدّمها شرقاً دون مقاومة تُذكر، ودخلت دمشق في الخامس والعشرين من تموز (يوليو) 1920 م، أي بعد يوم واحد فقط من المعركة. استسلمت المدينة العريقة — التي طالما حلم أبناؤها بأن تكون عاصمة دولة عربية مستقلة — لقوة احتلال أجنبية جديدة.
غادر الملك فيصل دمشق في السابع والعشرين من تموز (يوليو) 1920 م، ولم يصطحب معه سوى وزير المعارف ساطع الحصري. توجّه إلى حيفا في فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني، ووصل إليها في الأول من آب (أغسطس) 1920 م. وقد آثر الملك الرحيل تجنّباً لمزيد من إراقة الدماء بعد أن هدّد الفرنسيون زعماء القبائل بعواقب وخيمة إن استمرّت المقاومة. انتقل فيصل لاحقاً إلى بريطانيا ثم نُصّب ملكاً على العراق عام 1921 م.
أقدمت السلطات الفرنسية بعد احتلال سوريا على تقسيمها إلى كيانات طائفية وإقليمية صغيرة بهدف إضعاف الحركة الوطنية السورية ومنع قيام دولة عربية موحّدة:
استمرّ هذا التقسيم حتى اندلاع الثورة السورية الكبرى عام 1925 م بقيادة سلطان باشا الأطرش، والتي أجبرت فرنسا في نهاية المطاف على إعادة توحيد أجزاء من هذه الكيانات.
من أكثر الحوادث المثيرة للجدل في أعقاب المعركة ما نُسب إلى الجنرال غورو أو قائده الميداني الجنرال ماريانو غويبي عند زيارة ضريح صلاح الدين الأيوبي في الجامع الأموي بدمشق. إذ نُقل عنه قوله: «صلاح الدين، ها نحن ذا قد عدنا» (بالفرنسية: Saladin, nous voilà)، وفي رواية أخرى: «استيقظ يا صلاح الدين، لقد عدنا. إن وجودي هنا يُتوّج انتصار الصليب على الهلال».
غير أن نسبة هذه العبارة محلّ خلاف بين المؤرّخين. فأقدم مصدر يوردها هو مذكّرات غابرييل بيو، المندوب السامي الفرنسي في المشرق (1938–1940 م)، التي صدرت عام 1952 م — أي بعد الحادثة بأكثر من ثلاثين عاماً. كما أن غورو نفسه لم يدخل دمشق إلا في السابع من آب (أغسطس) 1920 م، بعد أسبوعين من سقوطها، ممّا يُرجّح أن تكون العبارة قد صدرت عن غويبي الذي دخل المدينة فعلياً يوم الخامس والعشرين من تموز. وتُشير بعض الشهادات المعاصرة إلى أن غورو عند زيارته للجامع الأموي جلس خارج ضريح صلاح الدين تحت ظلّ شجرة ليمون ولم يدخل الضريح.
على أي حال، أصبحت هذه العبارة — سواء أكانت حقيقية أم منسوبة — رمزاً مكثّفاً لوعي عربي جريح، واستحالت دليلاً على الطبيعة الاستعمارية للمشروع الفرنسي الذي رأى فيه كثيرون امتداداً للحروب الصليبية.
تحوّلت معركة ميسلون من هزيمة عسكرية إلى رمز خالد للكرامة والمقاومة في الوجدان العربي والسوري. فقد وصفها المربّي والمفكّر ساطع الحصري بأنها «من أهمّ الأحداث في التاريخ الحديث للأمة العربية»، ورأى فيها تعبيراً عن «البطولة والشجاعة اليائسة أمام احتمالات ساحقة». وأصبح يوسف العظمة نموذجاً للقائد العسكري الذي يختار الشهادة على الاستسلام، والشرف على النجاة.
يُحيي السوريون ذكرى معركة ميسلون في الرابع والعشرين من تموز (يوليو) من كل عام، وهو يوم يُعرف بـ«عيد ميسلون» أو «يوم الشهيد». تُقام في هذه المناسبة مراسم رسمية وشعبية عند ضريح الشهيد يوسف العظمة في ميسلون، حيث يُلقي المسؤولون كلمات تستذكر بطولته وتضحيته.
أُقيم متحف عسكري باسم الشهيد يوسف العظمة في موقع المعركة بمنطقة خان ميسلون، يضمّ مقتنيات تاريخية ووثائق وصوراً تتعلّق بالمعركة وبتاريخ الحركة الوطنية السورية. ويُعدّ هذا المتحف مقصداً للزوّار والباحثين المهتمّين بتاريخ سوريا الحديث.
ألهمت معركة ميسلون واستشهاد يوسف العظمة كثيراً من الأعمال الأدبية والفنية العربية. فقد رثاه شعراء كبار، وكُتبت عنه مسرحيات وروايات، وأُنتجت أفلام وثائقية تروي قصة المعركة. كما سُمّيت شوارع وساحات ومدارس في مختلف المدن السورية والعربية باسمه وباسم المعركة، تخليداً لذكراه وترسيخاً لقيم المقاومة والتضحية التي جسّدها.
تظلّ معركة ميسلون درساً تاريخياً بليغاً في عدة محاور:
اتّخذت بريطانيا موقفاً متواطئاً مع فرنسا في قضية سوريا، إذ آثرت الحفاظ على تحالفها مع باريس على حساب وعودها للعرب. فلم تتدخّل لمنع الاحتلال الفرنسي لدمشق، بل سهّلت الأمر بانسحابها من المنطقة وتركها للقوات الفرنسية. وقد اعتبر كثير من المؤرّخين أن الموقف البريطاني شكّل خيانة للوعود التي قُطعت للشريف حسين خلال مراسلات حسين–مكماهون.
أحدثت هزيمة ميسلون صدمة عميقة في الوعي العربي، وأسهمت في تشكيل الفكر القومي العربي الحديث. فقد باتت المعركة دليلاً على أن القوى الاستعمارية لن تمنح العرب استقلالهم طوعاً، وأن الحرية لا بدّ أن تُنتزع انتزاعاً. كما أثّرت في جيل كامل من القادة السياسيين والعسكريين العرب الذين ناضلوا لاحقاً من أجل استقلال بلادهم.
لم يقتصر تأثير ميسلون على سوريا وحدها، بل امتدّ إلى سائر أنحاء المشرق العربي. ففي فلسطين، عزّز سقوط المملكة العربية السورية مخاوف الفلسطينيين من المشروع الصهيوني الذي رعته بريطانيا عبر وعد بلفور (1917 م). وفي العراق، أسهمت أنباء ميسلون في إذكاء ثورة العشرين (1920 م) ضد الاحتلال البريطاني. وفي لبنان، بدأ الوعي بأن «دولة لبنان الكبير» ما هي إلا أداة فرنسية لتقسيم بلاد الشام.