مدينة السويداء هي عاصمة محافظة السويداء الواقعة في أقصى جنوب سوريا، وتُعدّ المركز الحضاري والثقافي الرئيسي لمنطقة جبل العرب (جبل الدروز). تضمّ المحافظة أكبر تجمّع درزي في العالم، إذ يُشكّل الدروز أكثر من 90% من سكانها البالغ عددهم نحو 500 ألف نسمة وفقاً لتقديرات المكتب المركزي للإحصاء في سوريا لعام 2011 م. تجمع المدينة بين إرث أثري يعود إلى العصور الرومانية والنبطية، وتاريخ نضالي طويل تُوّج بالثورة السورية الكبرى عام 1925 م، ونسيج اجتماعي متماسك يتميّز بالانفتاح الثقافي والتعايش بين الطوائف.

المصدر: Wikimedia Commons, KFZI310, Public Domain

المصدر: Wikimedia Commons, Shadi Alashkar, CC BY 2.0
تقع محافظة السويداء في الزاوية الجنوبية الشرقية من سوريا. يحدّها من الشمال محافظة ريف دمشق، ومن الجنوب المملكة الأردنية الهاشمية، ومن الغرب محافظة درعا (سهل حوران)، ومن الشرق بادية الشام. تبعد مدينة السويداء نحو 128 كيلومتراً جنوب شرق دمشق. تبلغ مساحة المحافظة حوالي 6,550 كيلومتراً مربعاً، أي نحو 3.5% من إجمالي مساحة سوريا (Encyclopaedia Britannica, “As-Suwayda Governorate”).
يُشكّل جبل العرب (المعروف تاريخياً بجبل الدروز وجبل حوران) كتلة بركانية بازلتية تكوّنت خلال العصر الرباعي (Quaternary). تمتد المرتفعات بطول نحو 120 كيلومتراً من الشمال إلى الجنوب وعرض 66 كيلومتراً. تبلغ أعلى قمة فيها — تلّ القنية — 1,803 أمتار فوق سطح البحر (Wirth, Eugen: Syrien: Eine geographische Landeskunde, 1971 م). تكسو الجبل غابات طبيعية من السنديان والبلوط والزعرور، فيما تنتشر صخور البازلت السوداء التي أعطت المدينة اسمها (السويداء مشتقة من «السوداء» إشارة إلى لون الحجر البركاني).
يتّسم مناخ المنطقة بالاعتدال صيفاً (لا تتجاوز درجات الحرارة 32 درجة مئوية في الغالب) والبرودة شتاءً مع تساقط ثلوج كثيفة على القمم. يتراوح معدل الأمطار السنوي بين 300 و600 ملم حسب الارتفاع (وزارة الزراعة السورية، التقرير السنوي 2010 م).
يبلغ عدد سكان محافظة السويداء نحو 500,000 نسمة وفقاً لتقديرات المكتب المركزي للإحصاء السوري لعام 2011 م (آخر إحصاء رسمي قبل النزاع). يُشكّل الموحّدون الدروز أكثر من 90% من السكان، إلى جانب أقليات من المسيحيين (أرثوذكس وكاثوليك) والبدو العرب السنّة الذين يعيشون تاريخياً في وئام اجتماعي (Firro, Kais: A History of the Druzes, 1992 م، ص 18-20). يتميّز المجتمع المحلي بارتفاع نسب التعليم، إذ تُسجَّل من بين أعلى نسب الالتحاق بالجامعات على مستوى سوريا، فضلاً عن دور المرأة البارز في الحياة العامة والثقافية.
نشأت العقيدة الدرزية (التوحيدية) في مصر الفاطمية في مطلع القرن الحادي عشر الميلادي (حوالي 1017 م) في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله. يُنسب تأسيس الدعوة إلى حمزة بن علي بن أحمد ومحمد بن إسماعيل الدرزي (الذي اشتُقّ منه الاسم). انتشرت الدعوة بين جماعات في لبنان وسوريا وفلسطين، ثم أُغلق باب الدعوة بعد فترة قصيرة فأصبح المذهب مغلقاً لا يقبل التحويل (Hodgson, Marshall: The Order of Assassins, 1955 م؛ Dana, Nissim: The Druze in the Middle East, 2003 م، ص 1-15).
بدأت موجات هجرة الدروز من جبل لبنان إلى جبل حوران (جبل العرب) في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وتسارعت بعد أحداث 1860 م الطائفية في جبل لبنان. استقرّ الدروز في قرى الجبل البركاني واستصلحوا أراضيه الزراعية وأسّسوا مجتمعاً متماسكاً يقوم على العصبية القبلية والتكافل الاجتماعي (Firro, Kais: A History of the Druzes, 1992 م، ص 150-175).
تمتّع الدروز في جبل العرب بقدر من الاستقلالية في ظلّ الحكم العثماني، إذ اعترف الباب العالي بزعاماتهم المحلية مقابل دفع الضرائب والولاء الشكلي. بعد انهيار الدولة العثمانية وفرض الانتداب الفرنسي على سوريا عام 1920 م، أنشأ الفرنسيون «دولة جبل الدروز» (État des Druzes) عام 1921 م كوحدة إدارية مستقلة ضمن سياسة «فرّق تسُد». امتدّ هذا الكيان حتى عام 1936 م حين أُدمج في الدولة السورية الموحّدة بموجب المعاهدة الفرنسية السورية (Provence, Michael: The Great Syrian Revolt and the Rise of Arab Nationalism, 2005 م، ص 40-65).
وُلد سلطان بن ذوقان الأطرش عام 1891 م في قرية القريّا جنوب السويداء، وهو سليل أسرة آل الأطرش التي تزعّمت الدروز في جبل حوران لأجيال. أُعدم والده ذوقان على يد السلطات العثمانية عام 1911 م بتهمة التمرّد، فنشأ سلطان على كراهية الظلم والاستبداد (Provence, 2005 م، ص 68-72).
في تموز (يوليو) 1925 م، أعلن سلطان الأطرش الثورة على الانتداب الفرنسي بعد اعتقال الجنرال الفرنسي كاربييه لعدد من الزعماء الدروز. أطلق نداءه الشهير بعبارته الخالدة: «الدين لله والوطن للجميع»، داعياً جميع السوريين من مختلف الطوائف والمذاهب إلى الوحدة في مواجهة المحتل.
حقّق الثوار انتصارات عسكرية بارزة:
بعد إخماد الثورة عسكرياً عام 1927 م، حُكم على سلطان الأطرش بالإعدام غيابياً ولجأ إلى شرق الأردن ثم إلى الأزرق في بادية الأردن. عاد إلى سوريا بعد معاهدة 1937 م واستُقبل استقبال الأبطال. ظلّ رمزاً للوحدة الوطنية حتى وفاته في 26 آذار 1982 م في القريّا، ودُفن فيها وسط تشييع شعبي حاشد (Provence, 2005 م، ص 145-150؛ Firro, 1992 م، ص 280-285).
تقع مدينة شهبا على بعد نحو 87 كيلومتراً جنوب دمشق. أسّسها الإمبراطور الروماني فيليب العربي (ماركوس يوليوس فيليبّوس، حكم 244-249 م)، وهو أول إمبراطور روماني من أصل عربي سوري، وُلد في هذه القرية ثم ارتقى حتى صار إمبراطوراً على روما. بنى فيها مدينة رومانية كاملة تضمّ:
يضمّ متحف شهبا مجموعة من الفسيفساء الرومانية الاستثنائية التي تُصوّر مشاهد أسطورية (أورفيوس، أفروديت، آريس) وتُعدّ من أفضل الفسيفساء المحفوظة في الشرق الأوسط. رُشّحت هذه المواقع ضمن القائمة المؤقتة لمواقع التراث العالمي لدى اليونسكو (UNESCO World Heritage Tentative List, «Ancient Villages of Northern Syria» and “Shahba/Philippopolis”; Browning, Iain: Jerash and the Decapolis, 1982 م).
تقع على بعد 7 كيلومترات شمال شرق السويداء. تضمّ آثاراً رومانية وبيزنطية بارزة تشمل:
كانت قنوات مركزاً دينياً وتجارياً مهماً يُظهر التمازج بين الحضارات النبطية والرومانية والبيزنطية (Butler, Howard Crosby: Publications of the Princeton University Archaeological Expedition to Syria, 1919 م).
يقع معبد سيع على بعد 3 كيلومترات جنوب شرق قنوات، ويعود إلى الفترة النبطية-الرومانية (القرن الأول قبل الميلاد — القرن الثاني الميلادي). كان مُكرّساً للإله بعل شمين (إله السماء) ويُظهر التأثير النبطي في العمارة الدينية في المنطقة. يضمّ الموقع ساحة مقدّسة ومذبحاً وأعمدة منحوتة (Dentzer, Jean-Marie: Hauran I, 1986 م).
تشتهر السويداء بكونها المنطقة الأولى في سوريا في زراعة العنب (الكرمة). يُنتج الجبل عشرات الآلاف من الأطنان سنوياً من أصناف متنوعة كالحلواني والبلدي والزيني. يُستخدم العنب في صناعة منتجات تقليدية عريقة:
يُشكّل القطاع الزراعي العمود الفقري للاقتصاد المحلي، إلى جانب تربية الماشية (الأغنام والماعز) والدواجن (وزارة الزراعة السورية، الإحصاءات الزراعية السنوية، 2010 م).
إثر تردّي الأوضاع المعيشية وانهيار قيمة الليرة السورية ورفع الدعم عن المحروقات، اندلعت في 20 آب (أغسطس) 2023 م احتجاجات شعبية واسعة في مدينة السويداء سرعان ما امتدّت إلى معظم بلدات المحافظة. تجمّع المتظاهرون في ساحة الكرامة (الساحة الرئيسية وسط المدينة) في مشهد غير مسبوق منذ عام 2011 م (Al Jazeera, “Syria’s Sweida protests: What you need to know”, 25 August 2023; Reuters, “Anti-Assad protests expand in Syria’s Druze stronghold Sweida”, 24 August 2023).
رفع المتظاهرون مطالب سياسية واقتصادية واضحة:
تميّز حراك السويداء بعدة سمات فريدة:
رحّب عدد من المنظمات الدولية بسلمية الحراك. أشار المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا غير بيدرسن إلى أهمية الأصوات المطالبة بالحلّ السياسي وفق القرار 2254 (UN News, “Syria: UN envoy urges political solution”, September 2023). كما وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش تهديدات تعرّض لها المحتجون من قبل أجهزة الأمن وميليشيات موالية (Human Rights Watch, October 2023).
في كانون الأول 2024 م، شهدت سوريا تحوّلات سياسية وعسكرية كبرى أدّت إلى سقوط نظام الأسد بعد هجوم واسع شنّته فصائل المعارضة بقيادة هيئة تحرير الشام. انتقلت السلطة في دمشق إلى حكومة انتقالية جديدة. في السويداء، حافظت المحافظة على استقرارها النسبي بفضل التماسك الاجتماعي المحلي والدور التاريخي لمؤسسات المجتمع الأهلي والدرزي. تواصلت المطالب الشعبية بضمان حقوق الأقليات وبناء دولة مدنية ديمقراطية تحفظ التنوّع السوري وتحقّق العدالة الانتقالية (Al Jazeera, “What the fall of Assad means for Syria’s minorities”, December 2024; Reuters, “Syria’s Druze seek guarantees as new rulers take charge”, December 2024).
يحتاج هذا القسم إلى إضافة مصادر ومراجع موثوقة.