تضم سوريا شبكة من المدن العريقة التي تمتد جذورها في أعماق التاريخ، من دمشق وحلب إلى حمص واللاذقية ودير الزور. لكل مدينة طابعها الخاص وتاريخها الفريد ودورها في الحضارة السورية.
حمص ثالث أكبر مدينة سورية من حيث عدد السكان (نحو 1.76 مليون نسمة في محافظتها قبل الأزمة (تقديرات 2010)) وتقع في وسط البلاد على نهر العاصي. اسمها القديم «إميسا» (Emesa)، وكانت مركزاً لعبادة إله الشمس (إيل جبل). اشتهرت تاريخياً بأنها مسقط رأس الإمبراطورة الرومانية جوليا دومنا (زوجة الإمبراطور سبتيموس سيفيروس) في القرن الثاني الميلادي، ومنها أسرة سيفيروس التي حكمت روما. تضمّ المدينة جامع خالد بن الوليد الذي يحوي ضريح القائد الإسلامي خالد بن الوليد الذي تُوفّي في حمص عام 642 م. تُعرف حمص في الثقافة الشعبية السورية بنكاتها الشهيرة (»نكت الحمصية/الحمصنة«)، وهي مدينة صناعية مهمة كانت تضمّ مصفاة النفط الرئيسية في البلاد. تقع بالقرب منها قلعة الحصن الصليبية الشهيرة وبحيرة قطينة (بحيرة حمص). تعرّضت حمص لدمار كبير خلال الأزمة السورية، لا سيما أحياؤها القديمة مثل بابا عمرو والخالدية، وأُلحقت أضرار جسيمة بسوقها التاريخي وبعض مساجدها وكنائسها القديمة.
حماة تقع شمال حمص على نهر العاصي وتشتهر عالمياً بـنواعيرها (السواقي المائية الخشبية الكبيرة) التي تُعدّ رمزاً للمدينة وأيقونة سورية بامتياز. النواعير هي عجلات مائية خشبية ضخمة يصل قطر أكبرها (ناعورة المحمدية) إلى نحو 21 متراً، وتدور بقوة تيار نهر العاصي لترفع المياه من النهر إلى قنوات مرتفعة (أقنية حجرية) تنقلها لسقي الحدائق والبساتين. يعود تاريخ النواعير في حماة إلى العصر البيزنطي على الأقل، وبلغ عددها في السابق أكثر من 50 ناعورة، بقي منها اليوم نحو سبع عشرة ناعورة لا تزال قائمة. تُصدر النواعير أثناء دورانها أصوات أنين مميزة ناتجة عن احتكاك الخشب أصبحت جزءاً من الهوية الصوتية للمدينة. أُدرجت نواعير حماة على القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي لليونسكو.
من الناحية التاريخية، كانت حماة مملكة آرامية مهمة في الألف الأول قبل الميلاد عُرفت باسم »حمات«، وقد كُشفت فيها آثار حثية وآرامية مهمة. ومن معالمها التاريخية قلعة حماة الأثرية (التل الأثري في وسط المدينة) وجامع النوري الكبير وعدد من الخانات والحمامات العثمانية. تُعرف حماة أيضاً بتاريخها السياسي المعاصر، لا سيما أحداث عام 1982.
اللاذقية هي الميناء الرئيسي لسوريا وأكبر مدنها الساحلية، تقع على البحر الأبيض المتوسط وتُطلّ على جبال اللاذقية المكسوة بالغابات. أسّسها سلوقس الأول نيكاتور في القرن الرابع قبل الميلاد وسمّاها على اسم أمه لاودكية (Laodicea). بلغ عدد سكان محافظتها نحو مليون نسمة. تضمّ المدينة بقايا أثرية رومانية تشمل قوساً نصرياً (تترابيلون) وأعمدة معبد. يقع بالقرب منها موقع رأس شمرا الأثري (أوغاريت القديمة) على بعد نحو 16 كم شمالاً، وهو الموقع الذي اكتُشفت فيه عام 1929 الأبجدية الأوغاريتية — أقدم أبجدية مسمارية معروفة (القرن الرابع عشر قبل الميلاد) — وهي أبجدية مسمارية مؤلفة من ثلاثين حرفاً أثّرت في تطور الكتابة الحديثة. تتميّز اللاذقية بمناخها المعتدل وشواطئها وغاباتها، وتُعتبر وجهة سياحية داخلية مهمة. يقع قربها أيضاً قلعة صلاح الدين (قلعة صهيون) المدرجة على لائحة التراث العالمي.
دير الزور أكبر مدن شرق سوريا، تقع على ضفاف نهر الفرات في منطقة الجزيرة السورية. كان عدد سكان محافظتها يبلغ نحو 1.24 مليون نسمة (تقديرات 2011). تُعرف بأنها »لؤلؤة الفرات« ومركز عشائري مهم، وتتميّز بطابعها البدوي وضيافة أهلها المشهورة. تاريخياً كانت المنطقة جزءاً من حضارات بلاد الرافدين. من أبرز معالمها الجسر المعلّق الشهير على نهر الفرات (بُني في عهد الانتداب الفرنسي ودُمّر خلال الأزمة)، و**كنيسة الشهداء الأرمن** التي تضمّ متحفاً ونصباً تذكارياً لضحايا الإبادة الأرمنية عام 1915، إذ كانت دير الزور نقطة النهاية في مسيرات الموت التي ساقها العثمانيون للأرمن عبر الصحراء. تقع بالقرب منها أطلال دورا أوروبوس (الصالحية) المدينة الهلنستية-الرومانية الشهيرة على الفرات، و**ماري** (تل الحريري) العاصمة السومرية-الأكادية القديمة التي اكتُشف فيها أكثر من 25,000 لوح مسماري.
الرقّة تقع على الضفة الشمالية لنهر الفرات وتأسّست في العصر الهلنستي باسم نيكيفوريون (Nikephorion) على يد سلوقس الأول نيكاتور، ثم سُمّيت كالينيكوم (Callinicum) في عهد سلوقس الثاني. بلغت أوج ازدهارها في العصر العباسي حين اتخذها الخليفة هارون الرشيد عاصمةً ثانيةً للخلافة العباسية بين عامَيْ 796 و809 م، ممّا جعلها لفترة وجيزة أهم مدينة في العالم الإسلامي بعد بغداد. بنى فيها الرشيد قصوراً ومسجداً كبيراً لا تزال أطلاله قائمة. من معالمها الأثرية باب بغداد وأجزاء من أسوارها العباسية. تعرّضت الرقة لأضرار فادحة حين اتخذها تنظيم داعش عاصمةً لـ»خلافته» المزعومة بين عامَيْ 2014 و2017، ودُمّر جزء كبير من المدينة خلال عمليات التحرير.
درعا تقع في أقصى جنوب سوريا بالقرب من الحدود الأردنية في سهل حوران الخصيب. تُعرف تاريخياً باسم أذرعات (Adraa) ولها ذكر في النصوص المصرية القديمة والتوراتية. كانت محطة مهمة على طريق الحج الشامي وعلى خطّ سكة حديد الحجاز (دمشق–المدينة المنوّرة) التي بُنيت في العهد العثماني بين عامَيْ 1900 و1908 والتي كانت درعا إحدى محطاتها الرئيسية. تُعرف المنطقة بزراعة القمح وأشجار الزيتون والعنب. تشتهر حوران ببيوتها البازلتية السوداء المميزة المبنية من الحجر البركاني. اكتسبت درعا شهرة عالمية بوصفها المدينة التي انطلقت منها أولى الاحتجاجات الشعبية في مارس 2011.
بصرى (بصرى الشام) تقع جنوب سوريا في سهل حوران وتضمّ آثاراً تعود إلى الحقبة النبطية والرومانية والبيزنطية والإسلامية. كانت عاصمة ولاية العربية (Provincia Arabia) الرومانية منذ عام 106 م بعد ضمّ مملكة الأنباط. أبرز معالمها المسرح الروماني الذي يُعدّ أكبر مسرح روماني وأفضلها حفظاً في العالم، إذ يتسع لنحو 15,000-17,000 متفرج وبُني في القرن الثاني الميلادي ثم حوّله العرب لاحقاً إلى قلعة محصّنة. من معالمها أيضاً كاتدرائية بصرى (القرن السادس الميلادي) التي تُعتبر من أولى الكنائس ذات المخطط المركزي في تاريخ العمارة المسيحية وأثّرت في تصميم العمارة الدينية لاحقاً، والجامع العمري (أحد أقدم المساجد في الإسلام، يُنسب إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب). لبصرى مكانة خاصة في التاريخ الإسلامي المبكر، إذ تُشير المصادر التاريخية إلى أن النبي محمداً (صلى الله عليه وسلم) زارها في صباه مع عمّه أبي طالب في رحلة تجارية، والتقى فيها الراهب بَحيرى الذي تعرّف على علامات النبوّة فيه. أُدرجت بصرى على لائحة مواقع التراث العالمي لليونسكو عام 1980.