تزخر سوريا بتنوع بيئي وطبيعي يشمل الغابات المتوسطية والسهوب شبه الجافة والبادية الصحراوية والأنهار والبحيرات. يواجه هذا التنوع تحديات بيئية متزايدة تتطلب جهوداً حثيثة للحفاظ عليه.

المصدر: Wikimedia Commons / NASA ISS, ملكية عامة
تقع الجمهورية العربية السورية في الجزء الغربي من قارة آسيا على مساحة إجمالية تبلغ 185,180 كيلومتراً مربعاً، وتتميز بموقع جغرافي فريد يجمع بين البحر المتوسط غرباً والبادية الصحراوية شرقاً وجنوباً. يمنح هذا الموقع سوريا تنوعاً بيئياً استثنائياً، إذ تقع عند ملتقى ثلاث مناطق بيوجغرافية رئيسية: المنطقة البحر متوسطية (Mediterranean) التي تشمل الساحل والجبال الساحلية، والمنطقة الإيرانوتورانية (Irano-Turanian) التي تغطي السهول الداخلية والسهوب، والمنطقة الصحراوية العربية (Saharo-Arabian) التي تمتد عبر البادية الجنوبية والشرقية. يتراوح الارتفاع عن سطح البحر من مستوى الساحل حتى 2,814 متراً في قمة جبل الشيخ (حرمون)، مما يخلق تدرجاً بيئياً واسعاً يدعم أنظمة إيكولوجية متباينة من الغابات الرطبة إلى البوادي الجافة. سُجّل في سوريا أكثر من 3,000 نوع نباتي ونحو 125 نوعاً من الثدييات و360 نوعاً من الطيور.
تتوزع سوريا على ثلاث مناطق مناخية رئيسية تتفاوت تفاوتاً كبيراً في معدلات الأمطار ودرجات الحرارة:
أولاً: المناخ المتوسطي الساحلي — يسود المنطقة الساحلية والسفوح الغربية للجبال الساحلية. يتميز بصيف حار جاف وشتاء معتدل ممطر. يبلغ معدل الأمطار السنوي في اللاذقية نحو 800 ملم، وقد يتجاوز 1,000 ملم في المناطق الجبلية المرتفعة كمنطقة صلنفة وكسب. تتراوح درجات الحرارة بين 10 درجات مئوية شتاءً و30 درجة صيفاً على الساحل.
ثانياً: المناخ القاري الداخلي — يسيطر على المناطق الداخلية كسهل الغاب ومنطقة حلب ودمشق. يتميز بتفاوت حراري كبير بين الصيف والشتاء، حيث قد تصل الحرارة إلى 45 درجة مئوية صيفاً في المناطق الشرقية وتنخفض إلى ما دون الصفر شتاءً. يتراوح معدل الأمطار بين 250 و500 ملم سنوياً.
ثالثاً: المناخ الصحراوي (مناخ البادية) — يهيمن على البادية السورية التي تشكل نحو 55% من مساحة البلاد. تتميز بشح شديد في الأمطار (أقل من 200 ملم سنوياً) وتفاوت حراري يومي وفصلي حاد. تعاني هذه المنطقة من موجات جفاف متكررة تتفاقم مع ظاهرة التغير المناخي.
تتمتع سوريا بتنوع بيئي لافت رغم أن نسبة كبيرة من مساحتها تقع ضمن المناطق الجافة وشبه الجافة. تتركز الغابات الطبيعية بشكل أساسي في المنطقة الساحلية وسلسلة الجبال الساحلية، وتبلغ مساحتها الإجمالية نحو 2.5% من مساحة البلاد (حوالي 460 ألف هكتار). تُعدّ غابات محافظة اللاذقية ومنطقة صلنفة من أجمل الغابات في الشرق الأوسط، حيث ترتفع صلنفة نحو 1,100 متر عن سطح البحر وتكسوها غابات كثيفة من الصنوبر والبلوط والسنديان. يسود فيها مناخ معتدل ورطب يجعلها مصيفاً شهيراً يُعرف بـ"عروس المصايف السورية".
تحتضن سوريا واحدة من أندر الغابات في المنطقة وهي غابة الفرنلق (الأرز والشوح)، الواقعة في جبل النبي متى شمال اللاذقية على ارتفاع يتراوح بين 900 و1,400 متر. تضم هذه الغابة أشجار أرز لبنان (Cedrus libani) المعمرة التي يتجاوز عمر بعضها ألف عام، إلى جانب أشجار الشوح السوري (Abies cilicica) النادرة. أُعلنت غابة الفرنلق محمية طبيعية وتبلغ مساحتها نحو 5,360 هكتاراً، وتُعدّ من آخر بقايا الغابات البدائية التي كانت تغطي جبال الساحل السوري. كما تنتشر غابات السنديان والبطم والغار في مناطق كسب والبسيط على الحدود التركية، وتتميز هذه المنطقة بتنوعها البيولوجي الاستثنائي.

المصدر: Wikimedia Commons, CC BY 2.0
تقع واحة تدمر (بالميرا) في قلب البادية السورية على ارتفاع نحو 400 متر عن سطح البحر، وقد شكّلت عبر التاريخ محطة حيوية على طريق القوافل التجارية بين البحر المتوسط وبلاد ما بين النهرين. تتغذى الواحة من ينابيع عين أفقا الكبريتية ومياه جوفية عميقة، وتنمو فيها أشجار النخيل والزيتون والرمان. أما بحيرة الأسد فهي أكبر مسطح مائي في سوريا، وقد تشكّلت خلف سد الطبقة (سد الثورة) على نهر الفرات في محافظة الرقة، وبُني السد بمساعدة سوفياتية واكتمل عام 1973. تبلغ مساحة البحيرة نحو 610 كيلومترات مربعة وطولها 80 كيلومتراً، وتُستخدم لتوليد الطاقة الكهرومائية (بطاقة 824 ميغاواط) وري الأراضي الزراعية وتربية الأسماك.
تُعدّ بحيرة الجبّول (سبخة الجبّول) من أهم الأراضي الرطبة في سوريا والشرق الأوسط، وتقع جنوب شرق مدينة حلب على مساحة تبلغ نحو 150 كيلومتراً مربعاً. هي بحيرة ملحية ضحلة تُعتبر موقعاً ذا أهمية عالمية للطيور المهاجرة، وقد أُدرجت ضمن قائمة اتفاقية رامسار للأراضي الرطبة عام 2006. تستقبل البحيرة أعداداً كبيرة من طيور الفلامنغو والبط والإوز والنسور خلال مواسم الهجرة. أما جبل الشيخ (حرمون) فيقع في أقصى الجنوب الغربي من سوريا على الحدود اللبنانية، ويبلغ ارتفاع قمته 2,814 متراً (أعلى قمة في سلسلة جبال لبنان الشرقية). تكسو الثلوج قمته معظم أشهر السنة، وتنبع منه عدة أنهار وينابيع تغذي نهر بانياس ونهر بردى.
أنشأت سوريا شبكة من المحميات الطبيعية لحماية تراثها البيئي الفريد، وتبلغ المساحة الإجمالية للمناطق المحمية نحو 0.7% من مساحة البلاد. من أبرز هذه المحميات:
محمية الفرنلق — تقع في جبل النبي متى شمال اللاذقية على مساحة 5,360 هكتاراً وارتفاع 900–1,400 متر. تحتضن أشجار أرز لبنان (Cedrus libani) المعمّرة والشوح السوري (Abies cilicica)، وتُعدّ من آخر الغابات البدائية في شرق المتوسط. صُنّفت محمية طبيعية من الفئة الأولى وفقاً لمعايير IUCN.
محمية أبو قبيس — تقع في محافظة حماة على السفوح الشرقية لجبال العلويين، وتمتد على مساحة نحو 1,350 هكتاراً. تتميز بغابات السنديان والبطم المتوسطية، وتؤوي عدداً من الأنواع النباتية المستوطنة في سوريا، إضافة إلى حيوانات مثل الضبع المخطط والوشق.
محمية الثورة (جبل البلعاس) — تقع في البادية السورية الوسطى على مساحة نحو 5,000 هكتار، وتُعنى بحماية النظام البيئي البادوي شبه الجاف. تضم نباتات رعوية مهمة وأنواعاً من الزواحف والطيور المتكيفة مع البيئة الصحراوية.
محمية طليلة — أُنشئت عام 1991 في بادية تدمر على مساحة نحو 22,000 هكتار، وتُعدّ من أهم مشاريع إعادة التوطين في الشرق الأوسط. أُعيد إليها المها العربي (Oryx leucoryx) وغزال الريم (Gazella subgutturosa) والنعام العربي. نجح البرنامج في زيادة أعداد المها العربي من أفراد قليلة إلى قطيع يتجاوز مئة رأس قبل أحداث 2011. تُشرف على المحمية الهيئة العامة لإدارة وتنمية البادية بالتعاون مع IUCN/SSC.
محمية جبل عبد العزيز — في محافظة الحسكة، وهي أكبر محمية في سوريا بمساحة نحو 49 ألف هكتار. تضم غابات الفستق الحلبي البرية وأنواعاً نادرة من الطيور الجارحة.
تقع سوريا عند ملتقى ثلاث مناطق بيوجغرافية (البحر متوسطية والإيرانوتورانية والصحراوية)، مما يمنحها تنوعاً بيولوجياً استثنائياً. سُجّل في سوريا أكثر من 3,000 نوع نباتي ونحو 125 نوعاً من الثدييات و360 نوعاً من الطيور. من أبرز الحيوانات التي عُرفت في سوريا تاريخياً الدب البني السوري (Ursus arctos syriacus)، وهو نُويع من الدب البني كان يعيش في الجبال الساحلية وجبل لبنان، لكنه يُعتبر اليوم منقرضاً محلياً في سوريا. كذلك عاشت في البادية السورية غزلان الدوركاس (Gazella dorcas) والغزال العربي (Gazella arabica)، وقد تراجعت أعدادها بشكل حاد بسبب الصيد الجائر والتصحر.
تضم سوريا عدة محميات طبيعية، أبرزها محمية جبل عبد العزيز في محافظة الحسكة (ومساحتها نحو 49 ألف هكتار)، ومحمية الطليلة البرية في تدمر التي أُنشئت عام 1991 لإعادة توطين حيوانات المها العربي وغزال الريم والنعام العربي. كما تُعدّ سوريا ممراً حيوياً لهجرة الطيور الجارحة، حيث تعبر أعداد ضخمة من العقبان والحوام والنسور عبر الأراضي السورية في رحلتها بين أوروبا وأفريقيا. ومن الطيور الجارحة المسجلة في سوريا: النسر الأسمر والعقاب الملكي والصقر الحر والصقر الشاهين. تعرضت الحياة البرية السورية لضغوط هائلة خلال سنوات النزاع بسبب الصيد العشوائي وتدمير المواطن الطبيعية وانهيار منظومات الإدارة البيئية، وقد وثّقت منظمات بيئية دولية تراجعاً حاداً في أعداد الكثير من الأنواع.
تواجه سوريا مجموعة من التحديات البيئية الخطيرة التي تفاقمت بشكل كبير خلال سنوات النزاع منذ 2011:
التصحر وتدهور الأراضي — يُعدّ التصحر من أخطر المشكلات البيئية في سوريا، حيث تتعرض نحو 60% من مساحة البلاد لخطر التصحر بدرجات متفاوتة. ساهم الرعي الجائر والحراثة العشوائية في البادية وتراجع الغطاء النباتي في تسارع هذه الظاهرة. شهدت سوريا موجة جفاف حادة خلال الفترة 2006–2010 وُصفت بأنها الأسوأ منذ قرن، أدت إلى نزوح مئات الآلاف من سكان الأرياف الشرقية.
أزمة المياه والجفاف — تعاني سوريا من شح مائي متزايد، إذ انخفض نصيب الفرد من المياه المتجددة إلى ما دون خط الفقر المائي (1,000 متر مكعب سنوياً). تراجع منسوب نهر الفرات بشكل ملحوظ بسبب السدود التركية (مشروع GAP) وتغير أنماط الأمطار. كما تعرضت المياه الجوفية للاستنزاف المفرط، خاصة في حوض دمشق وحوض الخابور.
تلوث المياه والتربة — أدت سنوات النزاع إلى تلوث واسع النطاق للموارد المائية نتيجة تدمير محطات معالجة مياه الصرف الصحي وتسرب المواد الكيميائية. سُجّلت حالات تلوث نفطي خطيرة في مناطق شمال شرق سوريا نتيجة تكرير النفط البدائي، مما أثر على التربة الزراعية ومصادر المياه.
تأثير الحرب على البيئة — خلّف النزاع المسلح أضراراً بيئية جسيمة تشمل: حرائق الغابات المتعمدة والعرضية في الساحل السوري (خاصة حرائق 2020 التي أتلفت آلاف الهكتارات)، التلوث بمخلفات الذخائر والنفايات الحربية، تدمير البنية التحتية البيئية (محطات رصد، مختبرات، محميات)، وانتشار مكبات النفايات العشوائية. وثّق برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) في تقاريره تراجعاً حاداً في المساحات الخضراء وتدهوراً في جودة الهواء والمياه في المناطق المتضررة.