يُعدّ نهر العاصي (بالإغريقية: Ὀρόντης، أورونتس) ثاني أهمّ أنهار سوريا بعد نهر الفرات، وأحد أبرز الأنهار في منطقة المشرق العربي. ينبع هذا النهر من سهل البقاع اللبناني ويشقّ طريقه شمالاً عبر الأراضي السورية حتى يعبر إلى تركيا ليصبّ في البحر الأبيض المتوسط، متحدّياً بمساره الفريد من الجنوب إلى الشمال المألوفَ من معظم أنهار المنطقة. شكّل هذا النهر عبر آلاف السنين شريان الحياة لمدن حمص وحماة وسهل الغاب، وشهدت ضفافه حضاراتٍ عريقة ومعاركَ فاصلة غيّرت مجرى التاريخ القديم.
يحمل نهر العاصي في اللغة العربية اسماً بالغ الدلالة؛ فكلمة «العاصي» مشتقّة من الجذر اللغوي «عصى» بمعنى التمرّد والخروج عن المألوف. وقد أطلق العرب عليه هذا الاسم لأنه يجري من الجنوب إلى الشمال، خلافاً لمعظم أنهار بلاد الشام التي تتّجه من الشمال نحو الجنوب أو من الشرق نحو الغرب. فهو بذلك يبدو كأنه «يعصي» قوانين الطبيعة ويتمرّد على المسار المعتاد للمجاري المائية في المنطقة. وقد أضفت هذه الصفة على النهر هالةً أدبية ورمزية خاصة في الوجدان الشعبي العربي، حيث صار رمزاً للتحدّي والإصرار على المضيّ في طريقٍ مغاير.
وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أنّ العرب أطلقوا عليه أيضاً اسم «الميماس»، وهو اسم يُعتقد أنه مرتبط بإلهة مائية ذُكرت في النقوش الآرامية القديمة. كما عُرف في بعض الحقب باسم «نهر حمص» نسبةً إلى أكبر المدن التي يمرّ بها في مجراه الأوسط.
أمّا الاسم الكلاسيكي «أورونتس» (Orontes) الذي استخدمه اليونانيون والرومان، فيُرجَّح أنه تحريف يوناني لاسم سامي أقدم. فقد أطلق الآشوريون في القرن التاسع قبل الميلاد على النهر اسم «أرانتو» (Arantu)، فيما سمّاه المصريون القدماء «أراونتي» (Araunti). وقد تحوّل هذا الاسم تدريجياً إلى «أورونتس» في الاستعمال اليوناني. ويذكر المؤرّخ الروماني سترابون أنّ الاسم ربّما يعود إلى شخص يُدعى «أورونتس» بنى أوّل جسر على النهر، غير أنّ هذه الرواية تبقى في نطاق الأسطورة أكثر منها في نطاق التاريخ الموثّق.
تعدّدت أسماء هذا النهر عبر الحقب المختلفة، ممّا يعكس التنوّع الحضاري الهائل الذي شهدته ضفافه. فقد عُرف في النصوص الحثّية باسم يُقارب «درونتش»، وفي الآرامية باسم «عرنت» (Arnt) الذي يعني «اللبؤة» في تلك اللغة، في إشارة محتملة إلى قوّة تيّاره وجموح مجراه. وحين استوطن المقدونيون مدينة أفاميا على ضفافه، أطلقوا عليه اسم «أكسيوس» (Axius) تيمّناً بإله النهر المقدوني الذي يحمل الاسم ذاته. ويُرجّح بعض الباحثين أنّ الاسم العربي «العاصي» ربّما تطوّر صوتياً من هذا الاسم اليوناني القديم «أكسيوس»، وإن كانت الأسطورة الشعبية تفضّل ربطه بمعنى التمرّد والعصيان.
ينبع نهر العاصي من عين الزرقاء، وهي مجموعة ينابيع غزيرة تقع قرب بلدة لبوة في الطرف الشمالي من سهل البقاع اللبناني. يقع المنبع على ارتفاع يقارب 1000 متر فوق سطح البحر، في منطقة محصورة بين سلسلة جبال لبنان الغربية من جهة الغرب وسلسلة جبال لبنان الشرقية (جبال الأنتي لبنان) من جهة الشرق. ومنذ نقطة انطلاقه، يبدأ النهر رحلته الفريدة شمالاً، متّجهاً عكس ما تقتضيه الجغرافيا الإقليمية السائدة. يهبط النهر نحو 600 متر عبر وادٍ ضيّق ليغادر سهل البقاع متّجهاً نحو الحدود السورية.
يقطع النهر في الأراضي اللبنانية مسافة تقارب 40 كيلومتراً قبل أن يعبر الحدود السورية. ويمرّ خلال هذا القطاع بمنطقة الهرمل في محافظة بعلبك-الهرمل، حيث تغذّيه عدّة ينابيع وروافد صغيرة تزيد من غزارة مياهه قبل دخوله الأراضي السورية.
يمثّل القطاع السوري الجزء الأطول والأهمّ من مسار النهر، إذ يقطع فيه نحو 325 كيلومتراً تمتدّ عبر عدّة محافظات وتضاريس متنوّعة:
أولاً — بحيرة قطينة (بحيرة حمص): بعد دخوله الأراضي السورية، يتوسّع مجرى النهر ليشكّل بحيرة قطينة، وهي من أقدم البحيرات الاصطناعية المعروفة في العالم. أنشأ الرومان سدّها في عهد الإمبراطور ديوكلتيانوس نحو عام 284 م، ولا تزال هذه البحيرة تؤدّي دوراً حيوياً في تنظيم مياه الري لسهل حمص المحيط بها. تبلغ سعتها التخزينية نحو 90 مليون متر مكعب، وتُعدّ أكبر خزّان مائي روماني في الشرق الأدنى.
ثانياً — مدينة حمص: يعبر النهر مدينة حمص — ثالث أكبر مدن سوريا — حيث شكّل على مدى آلاف السنين العمود الفقري لاقتصادها الزراعي وإمدادها المائي. وقد شهدت ضفاف النهر في هذه المنطقة بعضاً من أعظم أحداث التاريخ القديم، بما فيها معركة قادش الشهيرة.
ثالثاً — سدّ الرستن: يمضي النهر شمالاً ليصل إلى سدّ الرستن الذي أُنجز بناؤه عام 1960 م على يد شركة «هيدروستروي» البلغارية. يبلغ حجم تخزين هذا السدّ نحو 200 مليون متر مكعب، ويخدم أغراض الري والتنظيم المائي لمنطقة واسعة من محافظة حمص الشمالية.
رابعاً — مدينة حماة: يصل النهر إلى حماة، «مدينة النواعير» الشهيرة، حيث تزيّن ضفافه عجلات مائية خشبية عملاقة ظلّت لقرون من أطول النواعير في العالم. وقد أكسبت هذه النواعير المدينة شهرتها العالمية وأصبحت رمزاً لها ولتراث سوريا المائي.
خامساً — سهل الغاب: ينحدر النهر بعد حماة ليعبر سهل الغاب، أخصب سهول سوريا وأكثرها إنتاجاً زراعياً. ويشكّل هذا السهل المنخفض الخصيب الذي كان مستنقعاً موبوءاً بالملاريا لقرون قبل مشروع الاستصلاح الكبير في خمسينيات القرن العشرين.
سادساً — جسر الشغور: يمرّ النهر بمدينة جسر الشغور في محافظة إدلب، حيث يتلقّى روافد إضافية قبل أن يتّجه نحو الغرب ثمّ يعبر الحدود إلى تركيا.
يدخل نهر العاصي الأراضي التركية في ولاية هاتاي (لواء الإسكندرون سابقاً)، وهي المنطقة التي تمثّل موضوع نزاع سيادي تاريخي بين سوريا وتركيا منذ عام 1939 م. يقطع النهر في تركيا نحو 88 كيلومتراً قبل أن يصبّ في البحر الأبيض المتوسط قرب بلدة سمنداغ (Samandağ). وعند مصبّه، يكون النهر قد أنهى رحلته الطويلة التي بدأها في سهل البقاع اللبناني على ارتفاع 1000 متر، ليصل إلى مستوى سطح البحر بعد أن قطع مسافة إجمالية تبلغ 571 كيلومتراً.
يتّسم حوض نهر العاصي بمجموعة من الخصائص الهيدرولوجية المهمّة التي تجعله أحد أبرز الأحواض المائية في المشرق العربي:
يُعدّ نهر العاصي النهر الدائم الجريان الوحيد في غرب آسيا الذي يتّجه شمالاً من لبنان إلى سوريا وتركيا ثمّ يصبّ غرباً في البحر المتوسط، وهي خاصّية جغرافية فريدة تميّزه عن سائر أنهار المنطقة.
شكّل وادي نهر العاصي عبر التاريخ واحداً من أخصب مواطن الحضارة الإنسانية في المشرق القديم. فقد قامت على ضفافه ممالك ومدن عظيمة تركت بصمات لا تُمحى في سجلّ التاريخ البشري:
إيبلا (تلّ مرديخ): تقع أطلال هذه المملكة العريقة على بعد نحو 55 كيلومتراً جنوب غرب حلب، وقد ازدهرت خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد لتصبح مركزاً حضارياً بارزاً ينافس مصر وبلاد ما بين النهرين. وفي عام 1974 م اكتُشف في أطلالها أرشيف ملكي يضمّ نحو 20,000 لوح طيني، كشف عن مدى تعقيد الحياة السياسية والاقتصادية في وادي العاصي منذ فجر التاريخ. وقد أثبت اكتشاف إيبلا أنّ بلاد الشام كانت مركزاً حضارياً متقدّماً مستقلّاً بذاته، وليست مجرّد منطقة هامشية بين مصر والعراق.
حماة القديمة (هامات): عُرفت مدينة حماة في النصوص الآرامية والآشورية باسم «هامات»، وكانت عاصمة لمملكة آرامية مهمّة خلال الألفية الأولى قبل الميلاد. وقد أدّت موقعها الاستراتيجي على النهر دوراً محورياً في ازدهارها كمركز تجاري يربط بين شمال سوريا وجنوبها.
أفاميا: أسّس السلوقيون هذه المدينة الضخمة المطلّة على سهل الغاب ووادي العاصي، وجعلوا منها قاعدة عسكرية رئيسية. امتازت بشارعها المعمّد الذي يمتدّ لمسافة كيلومترين، وظلّت مركزاً حضرياً مزدهراً حتى العصر البيزنطي. وقد تعرّض الموقع الأثري في السنوات الأخيرة لعمليات تنقيب غير شرعية واسعة أسفرت عن أكثر من 5,000 حفرة، ممّا يمثّل خسارة فادحة للتراث الأثري.
أنطاكية: أسّس سلوقس الأوّل نيكاتور هذه المدينة عام 300 قبل الميلاد عند المنحنى الغربي لنهر العاصي قرب مصبّه، لتصبح عاصمة الدولة السلوقية وإحدى أعظم مدن العالم القديم. وقد نمت لتصبح ثالث أكبر مدينة في الإمبراطورية الرومانية بعد روما والإسكندرية.
شيزر (سيزار/لاريسا): تقع هذه القلعة الحصينة على صخرة مرتفعة تطلّ على نهر العاصي شمال حماة. اشتهرت في العصور الوسطى باعتبارها معقلاً لبني منقذ، وذكرها أسامة بن منقذ في كتابه «الاعتبار» الذي يُعدّ من أهمّ وثائق عصر الحروب الصليبية.
تُعدّ معركة قادش من أعظم المعارك في التاريخ القديم وأكثرها توثيقاً، وهي أكبر معركة عربات حربية عرفها العالم القديم. وقعت هذه المعركة المصيرية عام 1274 قبل الميلاد على ضفاف نهر العاصي، بالقرب من بحيرة حمص ومدينة قادش الحصينة (تلّ النبي مند حالياً)، عند ما يُشكّل اليوم الحدود اللبنانية-السورية.
تواجه في هذه المعركة جيشان عظيمان: الجيش المصري بقيادة الفرعون رمسيس الثاني، والجيش الحثّي بقيادة الملك مواتالي الثاني. وقد بلغ مجموع العربات الحربية المشاركة في المعركة ما بين 5,000 و6,000 عربة، ممّا يجعلها أكبر مواجهة من نوعها في التاريخ المسجّل.
لعب نهر العاصي دوراً حاسماً في مجريات المعركة؛ فبعد ستّ هجمات حثّية فاشلة، وجد الحثّيون أنفسهم محاصرين بين القوات المصرية ومياه النهر. واضطرّ كثيرون منهم إلى التخلّي عن عرباتهم ومحاولة عبور النهر سباحةً، وقد غرق عدد كبير منهم وفقاً للروايات المصرية التي تصف فرارهم «بسرعة التماسيح» نحو المياه.
انتهت المعركة دون نصرٍ حاسم لأيّ من الطرفين. وقد أسفرت في نهاية المطاف عن توقيع معاهدة قادش للسلام عام 1258 قبل الميلاد بين رمسيس الثاني وحاتوسيلي الثالث (خليفة مواتالي)، وهي أقدم معاهدة سلام مكتوبة معروفة في التاريخ البشري. وتحتفظ منظّمة الأمم المتحدة بنسخة من هذه المعاهدة معروضة في مقرّها بنيويورك رمزاً للسعي الإنساني الأزلي نحو السلام.
تُمثّل نواعير حماة واحدة من أبرز المعالم الهندسية والتراثية في سوريا والعالم. وتعود أصول هذه العجلات المائية العملاقة إلى حقب تاريخية بعيدة، وإن كان التأريخ الدقيق لنشأتها موضع خلاف بين الباحثين. فثمّة فسيفساء تعود إلى عام 469 قبل الميلاد يُعتقد أنها تصوّر نواعير على النهر، غير أنّ هذا التأريخ يظلّ مشكوكاً فيه لدى كثير من المؤرّخين.
أمّا الذكر الموثّق والمؤكّد فيعود إلى العصر الإسلامي المبكر؛ إذ يذكر الجغرافي ياقوت الحموي (المتوفّى نحو عام 1229 م) وجود عدّة نواعير في حماة منذ نحو عام 884 ميلادي. وقد ازدهرت النواعير ازدهاراً كبيراً في عهد الدولة الأيوبية التي أسّسها صلاح الدين (نحو 1171 م)، ولا يمكن تأريخ أيّ من النواعير الباقية حالياً إلى ما قبل تلك الحقبة. واستمرّت العناية بالنواعير في العهدين المملوكي والعثماني، حيث جُدّدت وأُعيد بناؤها مراراً لأهمّيتها الحيوية في منظومة الري الزراعي.
النواعير هي عجلات مائية خشبية عملاقة تُنصب على مجرى نهر العاصي في نقاط يكون فيها التيّار قوياً بما يكفي لتدوير هذه الآلات الضخمة. وتعمل وفق مبدأ هندسي بسيط لكنه بالغ الفعالية:
يتكوّن هيكل الناعورة من إطار خشبي دائري ضخم مزوّد بصناديق (أو «دلاء») خشبية مثبّتة على محيطه الخارجي. وحين يدفع تيّار النهر الجزء السفلي من العجلة، تمتلئ الصناديق بالماء وهي مغمورة تحت السطح. ومع دوران العجلة، ترتفع الصناديق المملوءة بالماء نحو الأعلى، وعندما تصل إلى قمّة الناعورة تُفرِّغ حمولتها في قناة مائية مرتفعة (أقنية) تنقل الماء عبر شبكة من القنوات الحجرية إلى البساتين والحقول والمنازل المجاورة.
تتميّز هذه الآلية بأنها لا تحتاج إلى أيّ مصدر طاقة خارجي؛ فقوّة تيّار النهر وحدها هي التي تدير العجلة وترفع الماء، ممّا يجعل النواعير من أقدم أنظمة الطاقة المتجدّدة في تاريخ الهندسة البشرية.
من أبرز ما يميّز نواعير حماة صوتها الفريد الذي يُعرف بـ«أنين النواعير» أو «نواح النواعير». ينتج هذا الصوت الشجيّ من احتكاك المحور الخشبي بالهيكل أثناء الدوران، وقد أصبح هذا الأنين جزءاً لا يتجزّأ من هوية مدينة حماة الصوتية والثقافية. يسمعه كلّ زائر للمدينة، وقد وصفه الرحّالة والشعراء عبر القرون بأوصاف تمزج بين الحنين والجمال. وصار هذا الصوت مرتبطاً في الوجدان الشعبي بالمدينة ارتباطاً لا ينفصم، حتى إنّ حماة تُعرف في الأدبيات السورية بـ «أبي الفداء» و «مدينة النواعير» على حدّ سواء.
يُعدّ سدّ بحيرة قطينة (المعروف أيضاً بسدّ حمص) من أقدم السدود التي لا تزال قيد الاستخدام في العالم. أمر ببنائه الإمبراطور الروماني ديوكلتيانوس (حكم 284-305 م) نحو عام 284 ميلادي، بهدف تنظيم مياه نهر العاصي وتوفير الري لسهل حمص الخصيب. وقد كانت هناك فرضية أقدم تنسب أصول السدّ إلى الحاكم المصري سيتي الأوّل (1319-1304 ق.م)، لكنّ الأبحاث الحديثة رجّحت نسبته إلى عهد ديوكلتيانوس.
يمتدّ السدّ بطول كيلومترين وبارتفاع 7 أمتار، وهو من نوع السدود الثقالية المبنيّة من نواة خرسانية رومانية محميّة بكتل من البازلت. تبلغ سعته التخزينية نحو 90 مليون متر مكعب، ممّا يجعله أكبر خزّان مائي روماني في منطقة الشرق الأدنى، بل ربّما أكبر خزّان اصطناعي شُيّد في العالم حتى ذلك العصر.
ما يميّز هذا السدّ ليس فقط قِدمه بل استمراريته؛ إذ لا يزال قيد التشغيل والاستخدام حتى يومنا هذا بعد أكثر من 1700 عام على إنشائه. وتُشكّل بحيرة قطينة الناتجة عنه محطّة مهمّة للطيور المائية المهاجرة في فصل الشتاء، إضافة إلى دورها الأساسي في تنظيم الري الزراعي. كما تُعدّ البحيرة موقعاً بيئياً ذا أهمّية بسبب احتضانها لأنواع عديدة من الأسماك والطيور المائية، وإن كانت تواجه تحدّيات بيئية بسبب إدخال أسماك الشبّوط (الكارب) والصيد الجائر.
شُيّد سدّ الرستن على نهر العاصي في مدينة الرستن بمحافظة حمص، واكتمل بناؤه عام 1960 م في عهد الجمهورية العربية المتحدة. نفّذت المشروع شركة «هيدروستروي» (Hydrostroy) البلغارية، وهو سدّ ترابي من النوع الحشوي (Embankment Dam). تبلغ سعته التخزينية نحو 200 مليون متر مكعب (0.2 كيلومتر مكعب)، ويخدم بشكل رئيسي أغراض الري الزراعي في المنطقة الممتدّة بين حمص وحماة. وقد ساهم هذا السدّ في تنظيم تدفّق مياه النهر والحدّ من الفيضانات الموسمية التي كانت تهدّد المناطق الزراعية المحيطة، فضلاً عن توفير مخزون مائي استراتيجي يُستخدم في أوقات الجفاف والشحّ المائي.
يُعدّ سهل الغاب منخفضاً خصيباً واسعاً يقع شمال غرب مدينة حماة، في منطقة السقيلبية بغرب سوريا. يمتدّ هذا السهل بطول يقارب 62 كيلومتراً وبعرض نحو 12 كيلومتراً، محصوراً بين جبال العلويين (جبال اللاذقية) من الغرب وجبل الزاوية من الشرق. ويجري نهر العاصي عبر قلب هذا السهل، مانحاً إيّاه خصوبة استثنائية جعلته من أغنى المناطق الزراعية في سوريا.
قبل مشروع الاستصلاح في خمسينيات القرن العشرين، كان سهل الغاب عبارة عن مستنقعات واسعة غمرتها مياه نهر العاصي الفائضة على مدى قرون طويلة. وقد جعلت هذه المستنقعات المنطقة موبوءة بمرض الملاريا الذي حصد أرواحاً كثيرة وجعل الاستيطان البشري فيها شبه مستحيل. كما كانت المستنقعات تحول دون شقّ الطرق وبناء شبكات المواصلات والبنية التحتية.
ومع ذلك، كان السهل قبل تجفيفه مركزاً مهمّاً لصيد سمك السلّور (القرموط) الذي كان يزدهر في مياه نهر العاصي الراكدة والمستنقعات المحيطة به.
بدأ مشروع استصلاح سهل الغاب عام 1953 م، ويُعدّ من أضخم مشاريع الاستصلاح الزراعي في تاريخ سوريا الحديث. شمل المشروع عدّة مراحل متكاملة:
حقّق مشروع استصلاح الغاب نتائج تحويلية هائلة غيّرت وجه المنطقة بالكامل خلال عقدين من الزمن:
في الرابع من حزيران/يونيو 2002 م، شثهدت سوريا واحدة من أسوأ الكوارث المائية في تاريخها الحديث، حين انهار سدّ زيزون الترابي القريب من قرية زيزون في محافظة حماة. كان السدّ يحتجز مياهاً مضخوخة من نهر العاصي لأغراض ري الأراضي المحيطة.
بدأت المأساة في ساعات ما بعد الظهر، حين لوحظت شقوق في جسم السدّ الترابي. وبدأت المياه تتسرّب عبر هذه الشقوق بشكل متسارع، فجرى إخلاء السكان من المناطق المجاورة. غير أنّ الانهيار وقع بسرعة تفوق التوقّعات؛ إذ فتحت المياه ثغرة بعرض 80 متراً في جسم السدّ، محرّرةً موجة مائية بارتفاع 3.3 أمتار اجتاحت مساحة 80 كيلومتراً مربعاً (20,000 فدّان). وقد بلغ حجم المياه المنطلقة نحو 71 مليون متر مكعب.
قدّمت اليابان مساعدات مالية فورية للمتضرّرين، وتبرّع الأمير السعودي الوليد بن طلال بتمويل إعادة بناء قرية زيزون بالكامل، بما شمل المنازل والمدارس والمستشفى والمسجد والبنية التحتية. وقرّرت الحكومة السورية تكريماً لذلك تغيير اسم القرية إلى «قرية الأمير الوليد بن طلال».
يتميّز حوض نهر العاصي بمستوى عالٍ من التوطّن (Endemism) في أنواعه السمكية، ممّا يجعله ذا أهمّية بيئية خاصة. ومن أبرز الأنواع المتوطّنة في الحوض:
يُشكّل حوض نهر العاصي — لا سيّما بحيرة قطينة (بحيرة حمص) وسهل الغاب — محطّة حيوية للطيور المائية المهاجرة في فصل الشتاء وأثناء الهجرة الموسمية. وقد وُصفت المنطقة بأنها تحتضن تنوّعاً طيرياً «بالغ الثراء» مع احتمال وجود أنماط تصنيفية متوطّنة. غير أنّ تحويل المستنقعات الأصلية إلى أراضٍ زراعية وقنوات ري أدّى إلى إفقار التنوّع الحيوي في بعض المناطق.
يواجه النهر تحدّيات بيئية خطيرة تهدّد منظومته الإيكولوجية:
يتقاسم حوض نهر العاصي ثلاث دول: لبنان (المنبع) وسوريا (المجرى الأوسط والأطول) وتركيا (المصبّ). ولا توجد حتى الآن اتفاقية شاملة تجمع الدول الثلاث لتنظيم استغلال مياه الحوض المشترك.
أبرمت سوريا ولبنان عام 2002 م اتفاقية ثنائية لتقاسم مياه نهر العاصي استندت إلى مبادئ اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 م بشأن المجاري المائية الدولية. غير أنّ العلاقة بين سوريا وتركيا بشأن مياه النهر ظلّت معقّدة ومتأزّمة.
يُشكّل النزاع على لواء الإسكندرون (هاتاي) العقبة الرئيسية أمام التعاون المائي السوري-التركي. فمن المنظور السوري، لا يُعدّ نهر العاصي نهراً «عابراً للحدود» بالمعنى القانوني الدولي، لأنّ المنطقة التي يمرّ فيها النهر في تركيا (لواء الإسكندرون) تعتبرها سوريا جزءاً من أراضيها ضُمَّ إلى تركيا بقرار فرنسي عام 1939 م. وهذا ما يُعقّد أيّ مفاوضات ثنائية حول تقاسم المياه، إذ يُثار في كلّ مرّة السؤال الجوهري حول السيادة على الأرض التي يجري فيها النهر.
يواجه حوض النهر ضغوطاً مائية متعدّدة المصادر:
تقع معظم مناطق حوض نهر العاصي في قلب المناطق التي شهدت أعنف المواجهات خلال النزاع السوري منذ عام 2011 م. فقد امتدّت المعارك من حمص إلى حماة وإدلب على طول ضفاف النهر، ممّا ألحق أضراراً كارثية بالبنية التحتية المائية التي بُنيت على مدى عقود.
تشمل الأضرار تدمير السدود والينابيع والقنوات المائية، وتُقدَّر تكلفة إعادة تأهيل البنية التحتية المائية المدمّرة بنحو ملياري دولار أمريكي، وفقاً لتقديرات المنظّمات الدولية. وقد أدّى حصار حمص الذي امتدّ من أيار/مايو 2011 م حتى أيار/مايو 2014 م إلى تدمير واسع للشبكة المائية في المدينة وضواحيها.
أضاف النزاع المسلّح أبعاداً جديدة لمشكلة تلوّث النهر. فقد أدّى تدمير المنشآت الصناعية في حمص وحلب إلى تسرّب ملوّثات كيميائية إلى مجرى النهر ومياهه الجوفية. كما أنّ انهيار منظومة معالجة مياه الصرف الصحّي أدّى إلى تصريف كمّيات هائلة من المياه الملوّثة مباشرة في النهر دون أيّ معالجة.
تُعدّ منطقة حوض نهر العاصي من أكثر المناطق تأثّراً بالنزاع في سوريا، بسبب التنوّع السكاني والموقع الاستراتيجي على الطريق الواصل بين دمشق وحلب، والحدود مع لبنان وتركيا، والوصول إلى المناطق الساحلية. وقد أدّت عمليات النزوح الواسعة إلى اختلال التوازن بين العرض والطلب على المياه في مناطق عديدة من الحوض.
يُحذّر خبراء البيئة من تهديدات التصحّر المتزايدة في سهل الغاب والمناطق الزراعية على ضفاف النهر، نتيجة إهمال منظومات الري والصرف خلال سنوات الحرب، فضلاً عن الجفاف المتكرّر وآثار التغيّر المناخي.
أدّى انهيار سلطة الدولة في مناطق واسعة إلى انتشار ظاهرة حفر الآبار الارتوازية غير المرخّصة بشكل واسع، ممّا ساهم في استنزاف المياه الجوفية بمعدّلات تفوق قدرة التجدّد الطبيعي. وقد فاقمت أزمات النزوح السكاني من الضغط على الموارد المائية المتاحة.
احتلّت نواعير حماة مكانة خاصة في الشعر العربي عبر القرون. فقد تغنّى الشعراء بأنينها الشجيّ ودورانها الذي لا يتوقّف، واتّخذوا منها رمزاً للحياة المتجدّدة والعطاء المستمرّ. وقد وُصف صوت النواعير في قصائد كثيرة بأنه «نواح» أو «أنين»، فاكتسب بُعداً إنسانياً عميقاً حوّل هذه الآلات الخشبية إلى كائنات حيّة تحسّ وتتألّم في مخيّلة الشعراء.
وقد تناول شعراء حماة وسوريا النواعير في قصائدهم باعتبارها رمزاً للوفاء والاستمرار؛ فالناعورة تدور وتعطي الماء دون كلل، تماماً كالإنسان المعطاء الذي لا ينضب عطاؤه رغم ما يعتريه من ألم وإرهاق.
يحتلّ نهر العاصي مكانة بارزة في الموروث الغنائي الشعبي السوري، لا سيّما في أغاني أهل حمص وحماة وسهل الغاب. وتتناول هذه الأغاني النهر باعتباره شاهداً على الحبّ والفراق والحنين، وتمزج بين جمال الطبيعة على ضفافه وعواطف البشر الذين عاشوا في كنفه. وقد أصبحت النواعير والنهر معاً عنصرين أساسيّين في الفلكلور المحلّي، تتوارثه الأجيال عبر الأمثال والحكايات والأناشيد الشعبية.
اكتسب اسم النهر بُعداً رمزياً يتجاوز الجغرافيا إلى الفلسفة والأدب. فـ «العاصي» الذي يجري عكس المألوف أصبح في الأدب العربي المعاصر رمزاً للتمرّد الإيجابي والسير ضدّ التيّار. وقد استلهم كتّاب وشعراء سوريون كثيرون من هذه الرمزية في أعمالهم، مستخدمين صورة النهر الذي يرفض الخضوع للمسار المعتاد تعبيراً عن روح التحدّي والإبداع. فكما أنّ العاصي أثبت أنّ الجريان شمالاً ليس أقلّ جدوى من الجريان جنوباً، فإنّ السير عكس التيّار قد يكون الطريق الأصحّ والأكثر إثماراً.
لا يمكن فصل نهر العاصي عن الهوية الثقافية لمدن وادي العاصي. ففي حمص يمثّل النهر شريان الحياة الذي ارتبطت به المدينة منذ عصر إيميسا القديمة. وفي حماة يتجسّد النهر في النواعير التي أصبحت رمز المدينة على المستوى العالمي. وفي سهل الغاب يمثّل النهر المحوّل الذي حوّل مستنقعاً موبوءاً إلى سلّة غذاء. وهذه العلاقة العضوية بين النهر والإنسان تجعل من العاصي أكثر من مجرّد مجرى مائي؛ إنّه جزء من الهوية الجماعية لملايين السوريين الذين عاشوا على ضفافه عبر آلاف السنين.