| الاسم بالعربية | سلسلة جبال لبنان الشرقية |
| الاسم الدولي | Anti-Lebanon Mountains / Antilibanus |
| الطول | ~150 كم (من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي) |
| العرض | 35–50 كم |
| أعلى قمة | جبل الشيخ (حرمون) — 2,814 م |
| ثاني أعلى قمة | تلعة موسى — 2,669 م |
| متوسط الارتفاع | ~2,000 م |
| الدول | سوريا، لبنان |
| التكوين الجيولوجي | طية محدبة من الحجر الكلسي الجوراسي والطباشيري |
| الأنهار الرئيسية | بردى، الأعوج، الحاصباني |
| المدن المجاورة | دمشق، الزبداني، بلودان، مضايا |
تُعدّ سلسلة جبال لبنان الشرقية واحدةً من أبرز التشكيلات الجبلية في بلاد الشام، إذ تمتد نحو مئة وخمسين كيلومتراً من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي لتُشكّل العمود الفقري الطبيعي لمعظم الحدود بين الجمهورية العربية السورية والجمهورية اللبنانية [13]. تحتضن هذه السلسلة أعلى قمة في سوريا — جبل الشيخ (حرمون) البالغ ارتفاعه 2,814 متراً — وتُغذّي بمياهها الجوفية ملايين السكان في دمشق والمناطق المحيطة بها، ممّا يمنحها أهميةً استراتيجيةً وحيويةً استثنائية عبر التاريخ [3]. شهدت هذه الجبال عبر العصور حضاراتٍ متعاقبةً من الكنعانيين والرومان إلى العثمانيين، وباتت في العصر الحديث ساحةً لصراعاتٍ مسلّحة أثّرت تأثيراً بالغاً في حياة سكان المنطقة وبيئتها.
تقع سلسلة جبال لبنان الشرقية في الشطر الغربي من بلاد الشام، ممتدّةً بمحاذاة سلسلة جبال لبنان الغربية التي يفصل بينهما سهل البقاع الخصيب. يبدأ الحدّ الشمالي للسلسلة قرب خط عرض مدينة حمص، وينتهي حدّها الجنوبي عند كتلة جبل الشيخ المُطلّة على مرتفعات الجولان وحوض نهر الأردن الأعلى [13]. يتراوح عرض السلسلة بين خمسة وثلاثين وخمسين كيلومتراً في أعرض نقاطها، وتضمّ عدّة قمم تتجاوز ارتفاعاتها 2,400 متر فوق مستوى سطح البحر.
يتّسم الجانب الشرقي من السلسلة — المواجه لسوريا — بانحدارٍ تدريجيّ نحو سهل دمشق والأراضي الزراعية المحيطة بالغوطة، في حين ينحدر الجانب الغربي انحداراً حادّاً وشديداً نحو سهل البقاع اللبناني. يفصل وادي نهر الحاصباني في الجنوب بين السلسلتين الجبليتين، بينما يُشكّل سهل البقاع (الذي يبلغ ارتفاعه نحو 900 متر) الفاصل الرئيسي في الشمال والوسط [13].
تتألّف جبال لبنان الشرقية من طيةٍ محدّبة كلاسيكية (Anticline)، وهي بنيةٌ جيولوجية تنثني فيها طبقات الصخور إلى الأعلى على شكل قوسٍ عريض. تتكوّن الصخور السائدة من الحجر الكلسي والدولوميت والطباشور والمارل، وجميعها ترسّبت كرواسب بحرية في بحرٍ ضحلٍ خلال العصرين الجوراسي والطباشيري من حقبة الدهر الوسيط (Mesozoic) [15]. خضعت هذه الرواسب لاحقاً لعمليات الطيّ والرفع خلال الحركة البانية للجبال الألبية في أواخر العصر الطباشيري وحقبة الحياة الحديثة (Cenozoic)، وهي الحقبة التكتونية ذاتها التي أنشأت جبال الألب وزاغروس وطوروس [13].
تُشير نماذج الجاذبية الأرضية إلى أنّ سمك الرواسب الجوراسية والطباشيرية في باطن السلسلة يتراوح بين 4.5 و7 كيلومترات، ممّا يدلّ على عمق الحوض الترسيبي القديم الذي تشكّلت فيه هذه الصخور [15]. تبرز على سطح القمم — لا سيّما قمة جبل الشيخ — صخور من الحجر الكلسي الجوراسي الأوسط التي تمثّل أقدم الطبقات المكشوفة في السلسلة.
يتميّز الحجر الكلسي في جبال لبنان الشرقية بتطوّرٍ كارستيٍّ واسع النطاق، نتج عن إذابة مياه الأمطار الحمضية قليلاً للصخور الكربوناتية على مدى ملايين السنين. أفرزت هذه العمليات شبكةً معقّدة من الحفر الغائرة (الدولينات) والكهوف وقنوات التصريف الجوفية [3]. يُفسّر هذا النظام الكارستي ظاهرة الينابيع الكبرى — كعين الفيجة — التي تنبثق عند قاعدة الجبل: فالمياه التي تتسرّب عبر الشقوق والفوالق في المرتفعات تعود للظهور على بُعد كيلومترات في مستوى الوديان، بعد رحلةٍ طويلة عبر خزّاناتٍ جوفية من الصخور الكربوناتية شديدة التصدّع والتكارست من العصر السينوماني-التوروني [3][15].
يُشكّل جبل الشيخ — المعروف دولياً باسم جبل حرمون (Mount Hermon) — الكتلة الجبلية الأضخم والأعلى في سلسلة لبنان الشرقية بأسرها. يبلغ ارتفاع قمّته 2,814 متراً فوق مستوى سطح البحر، ممّا يجعله أعلى نقطة في الجمهورية العربية السورية [4][13]. يتربّع الجبل على الحدود السورية اللبنانية عند الطرف الجنوبي من السلسلة، ويضمّ ثلاث قمم متميّزة يمتدّ مجموعها على مسافة نحو سبعين كيلومتراً على طول المنطقة الحدودية. لا تبعد القمة عن قلب مدينة دمشق أكثر من خمسة وثلاثين كيلومتراً، ممّا يجعل حضور الجبل الشامخ مرئياً من العاصمة السورية في الأيام الصافية.
يتمتّع جبل الشيخ بمناخٍ قاريّ رطب يختلف جذرياً عن المناخ شبه الجاف السائد في المناطق المحيطة به. تبلغ كمية الهطول السنوية على قمته نحو 1,353 ملم — وهو رقم استثنائي في منطقةٍ تتلقّى معظم أراضيها أقلّ من 300 ملم سنوياً [4]. يُعزى هذا الهطول الغزير إلى ارتفاع الجبل وموقعه المعزول الذي يسمح له باعتراض الرطوبة من اتجاهاتٍ متعددة. تكسو الثلوج المرتفعات العليا طوال معظم أشهر السنة، ويمتدّ موسم التساقط الثلجي عادةً من تشرين الأول (أكتوبر) حتى أيار (مايو)، وتتّسم الصيوف باعتدالها وجفافها بينما تكون الشتاءات باردةً شديدة الرطوبة [4].
حمل جبل الشيخ عبر التاريخ أسماءً متعددة تعكس تنوّع الحضارات التي تعاقبت عليه. عُرف في النصوص الفينيقية باسم «سِريون» (Sirion)، وفي الكتابات الآمورية والآشورية باسم «سنير» (Senir)، بينما ورد في التوراة بأسماء متعددة منها «حرمون» و«بعل حرمون» (سفر القضاة 3:3؛ أخبار الأيام الأول 5:23) [16]. أمّا اسم «جبل الشيخ» العربي فيُعزى إلى غطائه الثلجي الأبيض الدائم الذي يُشبه شيب الشيوخ، أو إلى قدسيّته عند سكان المنطقة الذين رأوا فيه «شيخ الجبال».
يوفّر ارتفاع جبل الشيخ الاستثنائي خطّ رؤيةٍ مباشراً غير معوّقٍ نحو دمشق ولبنان والأردن وأجزاء من شمال فلسطين المحتلة، ممّا جعله موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية عبر التاريخ الحديث. يُطلق عليه العسكريون الإسرائيليون لقب «عين الأمة»، إذ يُعدّ موقعاً رئيسياً للإنذار المبكر وجمع المعلومات الاستخباراتية [10].
خلال حرب حزيران 1967، احتلّت القوات الإسرائيلية السفوح الجنوبية لجبل الشيخ ضمن استيلائها على مرتفعات الجولان. وفي حرب تشرين 1973، تمكّنت القوات السورية من استعادة قمة الجبل لفترةٍ وجيزة قبل أن تستردّها إسرائيل في غضون أيام. أُنشئت في عام 1974 قوة الأمم المتحدة لمراقبة فضّ الاشتباك (UNDOF) على خطّ الفصل المعروف بـ«الخط الأرجواني»، واحتفظت بنقطة مراقبةٍ على القمة منذ ذلك الحين [9][10].
في عام 1981، أعلنت إسرائيل من جانبٍ واحد ضمّ مرتفعات الجولان — بما فيها قطاع جبل الشيخ الجنوبي — فأصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 497 الذي اعتبر هذا الضمّ «باطلاً ولاغياً» [9]. وتُدير إسرائيل منتجعاً للتزلّج على السفوح الجنوبية الشرقية للجبل على ارتفاع نحو 2,040 متراً منذ عام 1971، وهو المنتجع الوحيد للتزلّج في إسرائيل [9].
تُشكّل جبال لبنان الشرقية خزّاناً مائياً جوفياً هائلاً عابراً للحدود بين سوريا ولبنان، تتكوّن صخوره الحاملة للمياه من كربونات العصرين الجوراسي والطباشيري (السينوماني-التوروني) [3][15]. يتغذّى هذا الخزّان بمياه الأمطار والثلوج التي تتسرّب عبر الصخور الكلسية المتشقّقة والمتكارستة في المرتفعات، ثم تتدفّق جوفياً لتغذّي عشرات الينابيع المنتشرة على طول السلسلة، أبرزها: عين الفيجة، وينابيع بردى، وعنجر-شمسين، ورأس العين في لبنان [3]. تُسهم مياه هذا الخزّان أيضاً في تغذية نظام نهر الأردن الأعلى عبر الجريان من سفوح جبل الشيخ الجنوبية.
يُعدّ نهر بردى أشهر الأنهار النابعة من جبال لبنان الشرقية وأكثرها أهميةً لحياة سكان دمشق. ينبع النهر من بحيرة بردى الكارستية الواقعة على بُعد نحو ثمانية كيلومترات من مدينة الزبداني، ويتغذّى بصورةٍ رئيسية من نبع عين الفيجة الضخم الواقع على بُعد نحو 27 كيلومتراً شمال غرب دمشق [14]. يخترق النهر وادي بردى الضيّق والخلّاب — أحد أجمل الأودية في بلاد الشام — قبل أن يصل إلى دمشق عبر مضيق الربوة.
حمل نهر بردى عبر التاريخ أسماءً تدلّ على مكانته. عرفه الإغريق باسم «كريسورهواس» (Chrysorrhoas) أي «المتدفّق بالذهب»، إشارةً إلى ثروته المائية التي حوّلت المنطقة المحيطة بدمشق إلى واحةٍ خضراء وارفة [14]. وورد في التوراة باسم «أبانا» أو «أمانا» في قول نعمان الآرامي الشهير: «أَلَيْسَ أَبَانَةُ وَفَرْفَرُ نَهْرَا دِمَشْقَ أَحْسَنَ مِنْ جَمِيعِ مِيَاهِ إِسْرَائِيلَ؟» (سفر الملوك الثاني 5:12) [14]. غذّى النهر تاريخياً واحة الغوطة الشهيرة التي بلغت مساحتها في أوج ازدهارها نحو 370 كيلومتراً مربّعاً، غير أنّ التوسّع العمراني لدمشق والاستنزاف المفرط للمياه الجوفية قلّصاها بصورةٍ مأساوية إلى أقلّ من عُشر مساحتها التاريخية قبل اندلاع الثورة السورية [11][12].
يحتلّ نبع عين الفيجة مكانةً فريدة بين الموارد المائية في سوريا بأسرها، إذ يُزوّد وحده نحو سبعين في المئة من مياه الشرب العذبة لمدينة دمشق، ويعتمد عليه ما يقارب 5.5 مليون نسمة [1][6]. ينبثق النبع من صخورٍ كلسية كارستية شديدة التصدّع عند قاعدة السلسلة الجبلية، حيث تتجمّع المياه المتسرّبة من المرتفعات لتخرج بغزارةٍ تتفاوت تبعاً لموسم الهطول.
يعود تاريخ استثمار عين الفيجة منظّمةً إلى العهد العثماني، حين أُنشئ أول خط أنابيب لنقل المياه النظيفة من النبع إلى دمشق في عام 1907 [14]. وفي عام 1924، أسّس رجلا الأعمال الدمشقيان لطفي الحفّار وعبد الوهاب القنواتي «شركة عين الفيجة» لتنظيم استجرار المياه وتوزيعها، وكانت من أوائل المشاريع الوطنية الحديثة في مجال البنية التحتية المائية في سوريا [14].
إلى جانب نهر بردى، تُغذّي مياه السلسلة نهر الأعوج الذي يجري جنوب دمشق، ويُسهم الذوبان الثلجي من جبل الشيخ في تغذية نهر الحاصباني الذي يُعدّ أحد روافد نهر الأردن العلوي — وهو ما يُضفي على المنطقة بُعداً مائياً عابراً للحدود يشمل ثلاث دول (سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة) [3]. كما تُسهم ينابيع الجانب اللبناني من السلسلة في تغذية نهر العاصي ونهر الليطاني جزئياً.
يُهيمن على مناخ جبال لبنان الشرقية ما يُعرف بـ«تأثير الظلّ المطري» (Rain Shadow Effect). فالكتل الهوائية الرطبة القادمة من البحر الأبيض المتوسّط ترتفع فوق سلسلة جبال لبنان الغربية، فتبرد وتُسقط معظم حمولتها من الأمطار على السفوح الغربية اللبنانية (التي تتلقّى 1,500–2,000 ملم سنوياً). وعندما تصل هذه الكتل الهوائية إلى جبال لبنان الشرقية تكون قد فقدت الجزء الأعظم من رطوبتها — ممّا يخلق تبايناً مناخياً حادّاً يجعل السلسلة الشرقية أكثر جفافاً بكثيرٍ من نظيرتها الغربية [13][18]. يتراوح معدّل الهطول على معظم ارتفاعات السلسلة بين 400 و600 ملم، وينخفض إلى أقلّ من 300 ملم على الجانب السوري الشرقي.
يُستثنى من هذا النمط قمة جبل الشيخ التي تتلقّى نحو 1,353 ملم سنوياً بفضل ارتفاعها الاستثنائي وعزلتها الطبوغرافية التي تُمكّنها من اعتراض الرطوبة من اتجاهاتٍ متعددة [4]. يُفسّر هذا التباين المناخي سبب بقاء غابات الأرز كثيفةً على سلسلة لبنان الغربية، بينما يغلب على لبنان الشرقية غطاءٌ نباتي سهبي أكثر جفافاً.
يتوزّع الغطاء النباتي على جبال لبنان الشرقية في نطاقاتٍ مرتبطة بالارتفاع، تعكس التدرّج في درجات الحرارة والهطول [17][18]:
النطاق الأوّل — دون 800 متر (السفوح السفلى، الجانب السوري): تسود فيه نباتات سهبية شائكة متكيّفة مع الجفاف (محبّة للجفاف — Xerophytes) تنتمي إلى الإقليم الإيراني-الطوراني. تشمل الأنواع السائدة اللوز الشرقي (Amygdalus orientalis) وأنواعاً من البرقوق البرّي (Prunus korshinskyi)، وتُمثّل هذه المنطقة حزام الانتقال شبه الجاف بين السهب والجبل.
النطاق الثاني — 800 إلى 1,400 متر (السفوح الوسطى): تنتشر فيه أشجار اللوز البرّي والفستق الحلبي (Pistacia) على شكل أحراجٍ متفرّقة، إلى جانب بساتين الفاكهة المرويّة — لا سيّما المشمش والكرز والتفاح — في الوديان المرويّة كوادي الزبداني الخصيب.
النطاق الثالث — 1,400 إلى 2,000 متر (السفوح العليا): تظهر غابات صغيرة من البلوط النفضي، مع رُقعٍ متفرّقة من الغابات الصنوبرية الجافة تضمّ الشوح الكيليكي (Abies cilicica)، وبقايا من أرز لبنان (Cedrus libani)، والعرعر اليوناني (Juniperus excelsa). تُمثّل هذه البقايا الحرجية شواهد على غطاءٍ حرجيّ كان أوسع نطاقاً في العصور القديمة قبل أن يتراجع بفعل القطع والرعي [17].
النطاق الرابع — فوق 2,000 متر (النطاق الألبي): يتميّز بنباتات صخرية قزمة وأعشاب ألبية ونباتات وسائدية متكيّفة مع البرد الشديد والرياح القوية. يبرز في هذا النطاق نوع السوسن المستوطن «سوسن لبنان الشرقية» (Iris antilibanotica) — وهو نوع نباتي فريد لا يوجد في أيّ مكانٍ آخر في العالم سوى هذه السلسلة الجبلية — إلى جانب أنواع متعدّدة من القتاد (Astragalus) المتوطّنة على قمة جبل الشيخ [17][18].
تُصنّف جبال لبنان الشرقية منطقة انتقالية بيوجغرافية بالغة الأهمية بين الإقليمين المتوسّطي والإيراني-الطوراني، ممّا يمنحها تنوّعاً نباتياً مرتفعاً بشكلٍ غير متوقّع رغم جفافها النسبي. حدّدت منظمة «بلانتلايف الدولية» (Plantlife International) عدّة مناطق نباتية مهمّة (Important Plant Areas — IPAs) ضمن السلسلة نظراً لهذا التنوّع الفلوري المميّز [18].
تأوي جبال لبنان الشرقية — أو كانت تأوي تاريخياً — طيفاً من الثدييات البرّية يشمل: الذئب (Canis lupus)، والضبع المخطّط (Hyaena hyaena)، وابن آوى الذهبي، والخنزير البرّي، والثعلب الأحمر، والأرنب البرّي، والغزال الجبلي (Gazella gazella) الذي بات نادراً إلى حدّ الانقراض المحلّي [17]. ومن الطيور الجارحة اللافتة: النسر الذهبي وعقاب بونيلّي، فضلاً عن أنواعٍ مهاجرة عديدة تستخدم ممرّ السلسلة الجبلية كطريقٍ للهجرة الموسمية.
غير أنّ أعداد الثدييات الكبيرة تراجعت تراجعاً حادّاً بفعل الصيد الجائر وتدمير الموائل الطبيعية، وتفاقم هذا التراجع بصورةٍ دراماتيكية منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011 نتيجة انعدام الرقابة البيئية وانتشار السلاح واضطراب النظم الإيكولوجية [2][17].
تعود أقدم آثار الاستيطان البشري في جبال لبنان الشرقية إلى ما قبل الألف الثاني قبل الميلاد، حين أقام الكنعانيون والآموريون مجتمعاتٍ رعوية وزراعية على سفوح السلسلة ووديانها. شكّل جبل الشيخ في التقاليد الجغرافية الآمورية والإسرائيلية علامةً حدودية شمالية بارزة، وارتبط منذ وقتٍ مبكّر بعبادة «بعل حرمون» كما تشير النصوص التوراتية (سفر القضاة 3:3) [16]. ورد ذكر الجبل أيضاً في نصوص اللعنة المصرية (Execration Texts) التي تعود إلى نحو 1350 قبل الميلاد وفي المعاهدات الحثّية من الفترة ذاتها [16].
في الفترة بين القرنين الثاني والأول قبل الميلاد (نحو 200–100 ق.م)، نشطت في منطقة جبال لبنان الشرقية وجبل الشيخ مملكة الإيطوريين (Itureans) — وهي قبيلة عربية سامية أقامت كياناً سياسياً في الجبال وسيطرت على طرق التجارة بين الساحل والداخل [16]. خلّف الإيطوريون آثاراً معمارية ودينية متعددة على سفوح جبل الشيخ قبل أن تُضمّ منطقتهم إلى الإمبراطورية الرومانية مع الفتح الروماني لسوريا عام 63 قبل الميلاد.
شهدت الفترة الممتدّة بين القرنين الثاني والثالث الميلاديين (نحو 150–300 م) ذروة البناء الديني الروماني على سفوح جبل الشيخ، حيث شُيّد ما يقارب ثلاثين معبداً ومزاراً مكرّسةً لعباداتٍ متنوّعة [4][16]. يُعدّ أبرز هذه المعابد «قصر عنتر» المُقام على القمة ذاتها (2,814 م)، والذي يحمل لقب أعلى معبدٍ في العالم القديم — وهو إنجاز معماري استثنائي يعكس القدسيّة الفائقة التي أُسبغت على هذه القمة [4].
في عام 1869، قام الضابط والأثري البريطاني السير تشارلز وارن (Sir Charles Warren) بأول توثيقٍ أثري منهجي لمعبد قصر عنتر، ووثّق نقشاً يونانياً يُشير إلى طقوس أداء القسم المقدّس التي كانت تُمارس على القمة [16]. وعلى سفوح الجبل، وُثّقت عبادة الإلهة «ليوكوثيا» في معبد رأكله (Rakleh) الذي يعود إلى نحو 60 ميلادية [16]. قدّمت لبنان ملفّ ترشيح جبل حرمون ومعالمه الثقافية المرتبطة به إلى القائمة المؤقتة لمواقع التراث العالمي في اليونسكو عام 2019 [4].
تقع مدينة الزبداني في وادٍ خصيب على ارتفاع نحو 1,100 متر فوق مستوى سطح البحر، وبلغ عدد سكانها 26,285 نسمة وفقاً لإحصاء عام 2004 [13]. عُرفت الزبداني تاريخياً بوصفها منتجعاً صيفياً مفضّلاً لسكان دمشق ولبنان على السواء، بفضل مناخها المعتدل وبساتينها الغنّاء ومناظرها الجبلية الخلّابة. يُشكّل موقعها الاستراتيجي — المتحكّم بأحد أهمّ المعابر الجبلية بين سوريا ولبنان على طريق دمشق-بيروت الدولي — عاملاً جعلها محوراً للصراعات العسكرية عبر التاريخ الحديث.
تتربّع بلدة بلودان على ارتفاع نحو 1,500 متر فوق مستوى سطح البحر، وتُطلّ إطلالةً بانورامية على وادي بردى وسهل الزبداني. اكتسبت بلودان شهرةً واسعة كمنتجع صيفي راقٍ منذ عهد الانتداب الفرنسي، وشهد فندق بلودان الكبير (Grand Bloudan Hotel) حدثاً تاريخياً بارزاً حين استضاف القمة العربية الأولى عام 1937، التي ناقشت القضية الفلسطينية وتداعيات الثورة الفلسطينية الكبرى (1936–1939) [13].
تقع بلدة مضايا في الوادي المجاور للزبداني، وقد تحوّلت خلال الثورة السورية إلى واحدٍ من أكثر رموز المعاناة الإنسانية في النزاع السوري. فُرض حصار خانق على البلدة ابتداءً من تموز (يوليو) 2015، وتضاعف عدد سكانها إلى نحو 40,000 نسمة بعد نزوح أهالي الزبداني إليها هرباً من المعارك [8].
تتمحور قرية عين الفيجة حول مجمّع الينابيع الذي يحمل اسمها، وتقع على بُعد نحو 25 كيلومتراً شمال غرب دمشق في قلب وادي بردى. تُشكّل القرية ومنشآتها المائية شريان الحياة لملايين الدمشقيين، وقد باتت ساحةً لأعنف المعارك المرتبطة بالمياه خلال الثورة السورية.
تتجاوز أهمية سلسلة جبال لبنان الشرقية الأبعاد الجغرافية والبيئية لتشمل ثلاثة محاور استراتيجية حاسمة:
أولاً — التحكّم بالموارد المائية: تُغذّي السلسلة عبر خزّانها الجوفي مياه الشرب لملايين السكان في دمشق والمناطق المحيطة بها. أثبتت أحداث الثورة السورية أنّ من يسيطر على ينابيع السلسلة يملك القدرة على تعطيش العاصمة السورية بأكملها [1][6].
ثانياً — السيطرة على طرق المواصلات: تتحكّم معابر السلسلة الجبلية بطريق دمشق-بيروت الدولي، وبممرّات التهريب والإمداد بين سوريا ولبنان. شكّلت السيطرة على هذه المعابر هدفاً رئيسياً لجميع الأطراف المتصارعة في منطقة القلمون خلال الحرب [8].
ثالثاً — الهيمنة العسكرية: يوفّر ارتفاع جبل الشيخ تفوّقاً استخباراتياً وناريّاً لا مثيل له في المنطقة. فالسيطرة على القمة تعني القدرة على مراقبة دمشق ولبنان والجولان وأجزاء من شمال الأردن وفلسطين المحتلة في آنٍ واحد [9][10].
تُشكّل منطقة القلمون الجناح السوري لسلسلة جبال لبنان الشرقية، وتمتدّ من بلدة القارة شمالاً حتى الزبداني جنوباً. أصبحت هذه المنطقة واحدةً من أكثر المناطق تنازعاً خلال الثورة السورية بسبب ثلاثة عوامل: أولاً، تحكّمها بطرق الإمداد بين لبنان والضواحي المعارضة لدمشق؛ ثانياً، حاجة حزب الله إلى ممرٍّ برّي متّصل بين لبنان وسوريا؛ وثالثاً، السيطرة على طريق دمشق-بيروت الدولي [8].
في الخامس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، شنّ الجيش السوري بالتعاون مع حزب الله هجوماً واسعاً على منطقة القلمون بدأ بغاراتٍ جوية على بلدة القارة في سفوح جبال لبنان الشرقية [8]. تمكّنت القوات الحكومية والحزبية من السيطرة تباعاً على القارة ونبك ويبرود ورأس العين، ممّا أدّى إلى قطع خطوط إمداد الفصائل المعارضة عبر الحدود اللبنانية.
تواصلت العمليات العسكرية في المنطقة خلال عامي 2014 و2015. شهد الهجوم الثاني (حزيران–آب 2014) عمليات تطهير واسعة لمواقع المعارضة في الجزء الغربي من السلسلة، بينما وُصف الهجوم الثالث (أيار–حزيران 2015) — الذي قاده حزب الله — بـ«المعركة الحاسمة للقلمون»، وأسفر عن تأمين المنطقة الحدودية بأكملها لصالح الحكومة السورية وحلفائها [8].
بفضل موقعها الاستراتيجي المتحكّم بالمعبر الجبلي، تحوّلت الزبداني إلى معقلٍ للمعارضة المسلّحة منذ عام 2012. في تموز (يوليو) 2015، شنّ الجيش السوري وحزب الله هجوماً مشتركاً على المدينة. في الثالث عشر من تموز، سيطرت القوات الحكومية على حيّ السلطاني وقطعت المدخل الجنوبي للمدينة [8]. نزح نحو 20,000 مدني إلى بلدة مضايا المجاورة هرباً من المعارك، ولحقت بالبنية التحتية للمدينة — بما فيها الفنادق التاريخية والمساكن — أضرار جسيمة. استعادت الحكومة السيطرة الكاملة على الزبداني في نيسان (أبريل) 2017، لكنّ عدد السكان ظلّ أدنى بكثيرٍ من مستواه قبل الحرب.
فُرض حصار محكم على بلدة مضايا ابتداءً من تموز (يوليو) 2015، حيث طوّقها حزب الله من الجانب اللبناني والجيش السوري من الجانب السوري. تضخّم عدد سكان البلدة إلى نحو 40,000 نسمة بعد استقبالها آلاف النازحين من الزبداني. بحلول كانون الأول (ديسمبر) 2015، لقي 23 شخصاً حتفهم جوعاً في ظلّ الحصار الخانق، وانتشرت صور المدنيين الذين يُعانون من سوء التغذية الحادّ في وسائل الإعلام الدولية، ممّا أثار موجة إدانةٍ عالمية واسعة وضغطاً دولياً لإدخال المساعدات الإنسانية [8].
تُمثّل أزمة وادي بردى الحدث الإنساني والبيئي الأخطر في تاريخ جبال لبنان الشرقية خلال الثورة السورية. في الثاني والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) 2016، شنّت القوات الحكومية السورية — بدعمٍ من حزب الله وسلاح الجو الروسي — هجوماً على وادي بردى أسفر عن تدمير منشأة عين الفيجة لمعالجة المياه [1][5][6].
زعمت الحكومة السورية أنّ مقاتلي جبهة فتح الشام (النصرة سابقاً) تعمّدوا تلويث نبع عين الفيجة بوقود الديزل، ممّا استوجب التدخّل العسكري. غير أنّ لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة لم تجد أيّ دليلٍ يدعم رواية التلويث المتعمّد من قِبل المعارضة، وخلصت إلى أنّ سلاح الجو السوري قصف البنية التحتية المائية عمداً [1]. وأكّد تحقيق منظمة «بيلينغكات» المعتمد على المصادر المفتوحة أنّ القصف الجوّي — لا التلويث الأرضي — هو المسؤول عن تدمير المنشأة [7].
أدّى تدمير منشأة عين الفيجة إلى انقطاع مياه الشرب النظيفة عن 5.5 مليون نسمة في دمشق لمدة ثمانية أسابيع تقريباً (كانون الثاني–شباط 2017) — في واحدةٍ من أسوأ أزمات المياه في تاريخ المنطقة [1][6]. اضطرّ سكان العاصمة إلى الاعتماد على صهاريج المياه غير المعالجة وآبارٍ ملوّثة، ممّا أثار مخاوف صحية جدّية.
في التاسع والعشرين من كانون الثاني (يناير) 2017، استسلم مقاتلو المعارضة في وادي بردى بموجب اتفاق وقف إطلاق النار وأُجلوا إلى إدلب. وفي الرابع عشر من آذار (مارس) 2017، أعلنت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة أنّ قصف سلاح الجو السوري لعين الفيجة يُشكّل جريمة حرب — في سابقة توثّق تسليح المياه كأداةٍ حربية محظورة بموجب القانون الدولي الإنساني [1][5].
في الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 2024، سقط نظام بشار الأسد أمام هجوم فصائل المعارضة، ففرّ الأسد من سوريا. في غضون ساعاتٍ قليلة من سقوط النظام، سارعت القوات الإسرائيلية إلى الاستيلاء على الجانب السوري الكامل من قمة جبل الشيخ — مستغلّةً الفراغ الأمني الناجم عن انهيار الدولة السورية [9][10].
تزامنت هذه العملية مع تدمير إسرائيل لنحو 480 هدفاً عسكرياً سورياً شملت منظومات صواريخ أرض-جو وسفن البحرية السورية ومنشآت عسكرية متعددة [9]. وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو العملية بأنّها «لحظة تاريخية»، وأصدر أوامره ببقاء القوات الإسرائيلية على قمة جبل الشيخ «حتى نهاية عام 2025 على الأقلّ» [10].
أثار التوسّع الإسرائيلي إلى ما وراء خطّ الهدنة لعام 1974 إدانةً واسعة من جامعة الدول العربية والأمم المتحدة ومعظم المجتمع الدولي. وبينما وصفت وسائل الإعلام الغربية (كشبكة CNN) العملية بأنّها «توسيع للمنطقة العازلة»، وصفتها المصادر العربية (كالجزيرة) بأنّها «احتلال غير شرعي ومحاولة ضمّ» [9][10]. تبقى مسألة مصير قمة جبل الشيخ وتفويض قوة الأمم المتحدة لمراقبة فضّ الاشتباك (UNDOF) من أبرز التحدّيات الجيوسياسية في مرحلة ما بعد الأسد.
عانت المنطقة من تدهورٍ بيئي متسارع حتى قبل اندلاع الثورة السورية عام 2011. تقلّصت واحة الغوطة — التي غذّاها نهر بردى ومياه السلسلة الجبلية — من 370 كيلومتراً مربّعاً إلى أقلّ من عُشر مساحتها بسبب الزحف العمراني لدمشق والاستنزاف المفرط للمياه الجوفية والنمو السكاني [11][12]. تحوّل نهر بردى في قلب دمشق إلى مجرى ملوّث شبه جاف بحلول مطلع الألفية الثالثة. وعلى سفوح السلسلة، أدّى الرعي الجائر — لا سيّما رعي الأغنام والماعز البدوي — إلى تآكل التربة وتدهور الغطاء النباتي، فيما أسهم استخراج الحجر الكلسي في المقالع المنتشرة قرب دمشق في تشويه المشهد الطبيعي [2][11].
أضافت الثورة السورية أبعاداً كارثية إلى التدهور البيئي في السلسلة الجبلية. شملت الأضرار: تلوّث الينابيع بالوقود والمواد الكيميائية في منطقة عين الفيجة، وانتشار الذخائر غير المنفجرة في تلال القلمون والزبداني، ونزوح العاملين في مجال حماية البيئة وانهيار القدرات الإدارية البيئية، وأضرار الحرائق التي لحقت ببقايا الرقع الحرجية جرّاء العمليات العسكرية، وتصاعد قطع الأشجار بصورةٍ غير قانونية مع لجوء السكان النازحين إلى الحطب كمصدرٍ للوقود [2].
يقع شرق المتوسّط بأكمله ضمن «البقع الساخنة» لتغيّر المناخ العالمي. تُشير التوقّعات إلى ارتفاع درجات الحرارة بمقدار 1.5–2.5 درجة مئوية بحلول عام 2050، مصحوباً بانخفاضٍ في الهطول بنسبة 10–20% في المناطق الجبلية [2]. يُهدّد تراجع الغطاء الثلجي على جبل الشيخ ومرتفعات السلسلة بتقليص تغذية الخزّانات الجوفية الكارستية — وقد رُصد فعلاً انخفاض في تصريف نبع عين الفيجة خلال العقود الأخيرة يرتبط بتراجع التساقط الثلجي. يعني ذلك أنّ دمشق والمناطق المحيطة بها تواجه انعداماً متزايداً في الأمن المائي مع تراجع قدرة السلسلة الجبلية على تغذية ينابيعها [2][15].
يُشكّل الخزّان الجوفي لجبال لبنان الشرقية مورداً مائياً عابراً للحدود تتقاسمه سوريا ولبنان في غياب أطرٍ تعاونية رسمية كافية بين البلدين [3]. يُضيف استخدام إسرائيل لمياه ذوبان ثلوج جبل الشيخ — التي تُغذّي روافد نهر الأردن العلوي — بُعداً ثلاثياً عابراً للحدود يزيد من تعقيد إدارة الموارد المائية في المنطقة.