تُعدّ حرب حزيران (5–10 يونيو 1967)، المعروفة في الأدبيات العربية بـالنكسة وفي الغرب بحرب الأيام الستة، من أخطر المنعطفات في تاريخ سوريا الحديث والصراع العربي الإسرائيلي برمّته. انتهت الحرب باحتلال إسرائيل لمرتفعات الجولان السورية — وهي هضبة استراتيجية تبلغ مساحتها نحو 1,150 كيلومتراً مربعاً — وتهجير ما يزيد عن 130,000 مواطن سوري من قراهم ومدنهم. ظلّ الجولان المحتل منذ ذلك الحين قضية محورية في السياسة السورية والعلاقات الإقليمية، ولا يزال حتى اليوم موضع نزاع دولي لم يُحسم.
شكّل الصراع على مصادر المياه أحد أبرز عوامل التوتر بين سوريا وإسرائيل في السنوات التي سبقت الحرب. في عام 1964، أقرّ مؤتمر القمة العربية في القاهرة خطة لتحويل روافد نهر الأردن — نهرَي بانياس والحاصباني — بهدف حرمان إسرائيل من نحو 35 بالمئة من طاقة ناقل المياه القطري الإسرائيلي الذي كان قد اكتمل بناؤه حديثاً. بدأت سوريا ولبنان بتنفيذ مشروع التحويل، الذي كان يهدف إلى توجيه مياه نبع بانياس النابع من الجولان إلى سد المخيبة على نهر اليرموك لاستخدامه من قبل سوريا والأردن.
ردّت إسرائيل بشنّ غارات جوية ومدفعية على مواقع العمل السورية في نوفمبر 1964، مما أشعل سلسلة من المناوشات الحدودية المتصاعدة استمرت حتى عام 1967. تبادل الطرفان القصف المدفعي عبر خط الهدنة، واستهدفت القوات السورية من مواقعها المحصّنة على هضبة الجولان المستوطنات الإسرائيلية في وادي الحولة أدناه. أسفرت هذه المواجهات عن تدمير معدات البناء السورية وإجبار دمشق على التخلي عن مشروع التحويل عملياً بحلول عام 1966.
في 4 نوفمبر 1966، وقّعت مصر وسوريا اتفاقية دفاع مشترك أنشأت قيادة عسكرية موحدة بين البلدين لمدة خمس سنوات. جاء هذا الحلف في سياق تصاعد التوترات مع إسرائيل بعد سلسلة من عمليات الفدائيين الفلسطينيين المنطلقة من الأراضي السورية، والتي ردّت عليها إسرائيل بعملية السموع في الضفة الغربية (13 نوفمبر 1966) التي هاجمت فيها قرية أردنية.
في أبريل 1967، وقعت معركة جوية فوق دمشق أسقط فيها سلاح الجو الإسرائيلي ست طائرات ميغ-21 سورية، مع تحليق الطائرات الإسرائيلية فوق العاصمة السورية في استعراض مذلّ للقوة. أدى هذا الحادث إلى تصعيد حاد في التوترات.
في مايو 1967، أبلغ الاتحاد السوفيتي كلاً من مصر وسوريا بمعلومات استخبارية — ثبت لاحقاً أنها كاذبة أو مبالغ فيها — عن حشود عسكرية إسرائيلية على الحدود السورية. تشير تحليلات المؤرخين إلى أن الهدف السوفيتي ربما كان استفزاز مصر للتصعيد ردعاً لإسرائيل، لكن الأحداث خرجت عن السيطرة.
استجابةً لهذه المعلومات، اتخذ الرئيس المصري جمال عبد الناصر سلسلة خطوات تصعيدية دراماتيكية:
أُنشئت قيادة عسكرية عربية مشتركة ضمّت مصر وسوريا والأردن والعراق، في أجواء تعبوية وخطابية اتسمت بتصريحات حماسية عن «تحرير فلسطين» و«إلقاء إسرائيل في البحر».
حصّنت سوريا مرتفعات الجولان على مدى ثمانية عشر عاماً منذ اتفاقية الهدنة عام 1949، محوّلةً إياها إلى منظومة دفاعية متعددة الخطوط:
كلّفت القيادة الإسرائيلية المنطقة العسكرية الشمالية بقيادة اللواء دافيد إلعازار بالجبهة السورية. غير أن الأولوية الاستراتيجية الإسرائيلية في بداية الحرب كانت موجهة نحو الجبهة المصرية (سيناء) ثم الأردنية (الضفة الغربية)، مما أخّر الهجوم على الجولان حتى اليوم الخامس من الحرب.
في صباح 5 يونيو 1967، شنّت إسرائيل هجومها الجوي المباغت على مصر الذي دمّر القوة الجوية المصرية على الأرض خلال ساعات. في الوقت ذاته، بدأت القوات السورية قصفاً مدفعياً مكثفاً من مواقعها على هضبة الجولان استهدف المستوطنات والكيبوتسات الإسرائيلية في وادي الحولة وسهل الحولة شمال فلسطين المحتلة.
شنّ سلاح الجو السوري غارات على مواقع إسرائيلية، لكن إسرائيل ردّت بهجوم جوي مضاد في فترة ما بعد الظهر دمّر ثلثَي سلاح الجو السوري على الأرض، مكرراً السيناريو المصري.
خلال الأيام الأربعة الأولى من الحرب، اقتصرت العمليات على الجبهة السورية على:
ركّزت إسرائيل خلال هذه الفترة جهودها على هزيمة مصر في سيناء (5–8 يونيو) ثم الأردن في الضفة الغربية (5–7 يونيو) والقدس.
في صباح 9 يونيو، وبعد تأمين جبهتَي سيناء والضفة الغربية، اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرار اقتحام مرتفعات الجولان رغم التردد الأولي لوزير الدفاع موشيه ديان بسبب مخاوف من تدخل سوفيتي.
بدأ الهجوم في الساعة 11:30 صباحاً بقصف جوي مكثف استمر ثلاث ساعات استهدف التحصينات السورية. ثم تقدمت القوات البرية الإسرائيلية بقيادة اللواء دافيد إلعازار عبر عدة محاور:
شهد القتال مقاومة سورية متفاوتة الشدة. في بعض المواقع، قاتل الجنود السوريون بشراسة من داخل التحصينات الخرسانية في معارك قريبة. غير أن تقارير عسكرية لاحقة أشارت إلى انهيار في القيادة والسيطرة في مواقع عديدة، حيث انسحب بعض الضباط تاركين جنودهم دون أوامر واضحة، مما أدى إلى ارتباك في صفوف المدافعين.
في حادثة لا تزال محلّ جدل تاريخي حاد، بثّت إذاعة دمشق في صباح 10 يونيو بياناً عسكرياً أعلنت فيه سقوط مدينة القنيطرة — عاصمة محافظة القنيطرة ومركز القيادة العسكرية السورية في الجولان — في وقت لم تكن القوات الإسرائيلية قد وصلت إليها بعد فعلياً. أثار هذا البيان المبكر ذعراً واسعاً وانسحاباً فوضوياً للقوات السورية والمدنيين على حد سواء.
كان وزير الدفاع السوري آنذاك حافظ الأسد — الذي سيتولى الرئاسة لاحقاً عبر انقلاب عام 1970 — في قلب هذا الجدل. تتعدد التفسيرات لهذا البيان: يرى بعض المؤرخين أنه كان خطأً عسكرياً كارثياً، بينما يرى آخرون أنه كان محسوباً لأسباب سياسية داخلية تتعلق بالصراع بين أجنحة حزب البعث.
دخلت القوات الإسرائيلية مدينة القنيطرة بعد ظهر يوم 10 يونيو فوجدتها شبه خالية من المقاومة بعد الانسحاب السوري. بحلول المساء، كانت إسرائيل قد سيطرت على كامل هضبة الجولان وتوقفت عند خط من التلال البركانية عُرف باسم «الخط البنفسجي».
في الساعة السادسة والنصف مساءً من يوم 10 يونيو، دخل وقف إطلاق النار الذي فرضه مجلس الأمن الدولي حيّز التنفيذ، منهياً القتال على كافة الجبهات.
شكّلت النتائج الإنسانية للحرب كارثة بالنسبة لسكان الجولان السوريين:
في 22 نوفمبر 1967، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 242 الذي أصبح الإطار المرجعي الأساسي لأي تسوية عربية إسرائيلية. أكّد القرار:
رفضت سوريا القرار 242 رفضاً قاطعاً في البداية، معتبرةً أنه يتضمن اعترافاً ضمنياً بإسرائيل، وهو ما كان مرفوضاً من قبل نظام البعث. لم تقبل سوريا القرار رسمياً إلا في مرحلة لاحقة كأساس للمفاوضات.
أحدثت هزيمة حزيران زلزالاً سياسياً داخل سوريا:
أحدثت النكسة صدمة وجودية في الوعي السوري والعربي عموماً. عبّر الشاعر السوري نزار قباني عن هذه الصدمة في قصيدته الشهيرة «هوامش على دفتر النكسة» التي انتقد فيها الأنظمة العربية بجرأة غير مسبوقة:
«يا وطني الحزين… حوّلتني بلحظة من شاعر يكتب شعر الحب والحنين لشاعر يكتب بالسكين»
أُحرقت القصيدة ومُنعت في عدة دول عربية، لكنها أصبحت رمزاً أدبياً للنقد الذاتي العربي بعد الهزيمة.
بعد الحرب مباشرة، بدأت إسرائيل بإنشاء مستوطنات على هضبة الجولان. وفي 14 ديسمبر 1981، أقرّ الكنيست الإسرائيلي قانون الجولان الذي فرض القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية على المنطقة — في خطوة اعتبرها المجتمع الدولي ضمّاً فعلياً غير شرعي.
بعد حرب تشرين 1973 واتفاقية فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل (31 مايو 1974)، أُنشئت قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF) بموجب قرار مجلس الأمن رقم 350. تتمركز هذه القوة في منطقة عازلة منزوعة السلاح بين خطَّي الفصل الإسرائيلي والسوري، ولا تزال تعمل حتى اليوم رغم التحديات الأمنية التي فرضها النزاع السوري منذ عام 2011.
يُجمع المجتمع الدولي — باستثناء الولايات المتحدة — على اعتبار الجولان أرضاً سورية محتلة بموجب القانون الدولي:
في 25 مارس 2019، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرسوماً رئاسياً اعترف فيه بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، في خطوة غير مسبوقة جعلت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة في العالم التي تعترف بهذا الضم.
أثار القرار انتقادات دولية واسعة:
شكّل استرداد الجولان الهدف المركزي لسياسة سوريا الخارجية والعسكرية. في 6 أكتوبر 1973، شنّت سوريا ومصر هجوماً متزامناً مباغتاً على القوات الإسرائيلية فيما عُرف بـحرب تشرين التحريرية. نجحت القوات السورية في اختراق خط بارليف على الجولان والتقدم نحو بحيرة طبريا في الأيام الأولى، قبل أن تشنّ إسرائيل هجوماً مضاداً كاسحاً أوقف التقدم السوري وتجاوز خط وقف إطلاق النار السابق.
انتهت الحرب باتفاقية فض الاشتباك (1974) التي أعادت مدينة القنيطرة المدمرة إلى سوريا ضمن منطقة عازلة، لكنها أبقت على معظم الجولان تحت السيطرة الإسرائيلية.
تُعدّ مدينة القنيطرة الشاهد الأكثر مأساوية على حرب 1967 وتبعاتها. بعد احتلالها في 10 يونيو 1967، هُجّر سكانها بالكامل. وقبيل الانسحاب الإسرائيلي بموجب اتفاقية فض الاشتباك عام 1974، دمّر الجيش الإسرائيلي المدينة تدميراً منهجياً بالجرافات والديناميت، وفق ما وثّقته لجنة أممية خاصة.
حين عاد المدنيون السوريون إلى مدينتهم، وجدوا أن كل منزل ومبنى ومسجد وكنيسة قد دُمّر عمداً. اتخذت الحكومة السورية قراراً بعدم إعادة إعمار المدينة، مُفضّلةً إبقاءها على حالها كـشاهد حيّ على الاحتلال والتدمير. أصبحت أطلال القنيطرة مزاراً وطنياً ومعلماً يُعرض على الزوار والوفود الدبلوماسية، مع لافتات تصف ما جرى.
لا تزال حرب 1967 وفقدان الجولان يشكّلان جرحاً عميقاً في الوعي الوطني السوري: