حرب تشرين التحريرية (المعروفة أيضاً بحرب أكتوبر أو حرب يوم الغفران أو حرب رمضان) هي الحرب العربية-الإسرائيلية الرابعة التي اندلعت يوم 6 أكتوبر 1973 (10 رمضان 1393 هـ) بهجوم عسكري منسّق شنّته مصر وسوريا ضد القوات الإسرائيلية المحتلة لشبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان. تُعدّ هذه الحرب نقطة تحوُّل كبرى في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي وفي التاريخ السوري الحديث، إذ استهدفت استعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب يونيو 1967. وعلى الجبهة السورية، نجحت القوات السورية في اختراق خطوط الدفاع الإسرائيلية في الجولان وتقدمت حتى مشارف بحيرة طبرية، قبل أن يشنّ الجيش الإسرائيلي هجوماً مضاداً. انتهت الحرب رسمياً بقرار مجلس الأمن رقم 338 في 22 أكتوبر 1973، تبعه اتفاق فصل القوات بين سوريا وإسرائيل في 31 مايو 1974.
في 5-10 يونيو 1967، شنّت إسرائيل حرباً خاطفة ضد مصر وسوريا والأردن أسفرت عن احتلال شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية وهضبة الجولان السورية. سيطرت إسرائيل على 1,150 كيلومتراً مربعاً من هضبة الجولان الاستراتيجية التي ترتفع نحو 1,000 متر فوق سهل الحولة وبحيرة طبرية، وهُجِّر نحو 130,000 سوري من المنطقة المحتلة.
أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 242 في 22 نوفمبر 1967 مطالباً بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، لكن إسرائيل رفضت تطبيقه وبدأت ببناء مستوطنات في الجولان ابتداءً من عام 1968.
لم تقبل سوريا بنتائج حرب 1967 وخاضت حرب استنزاف على خط وقف إطلاق النار في الجولان، شملت قصفاً متبادلاً وعمليات قنص واشتباكات حدودية متكررة. هدفت هذه العمليات إلى إبقاء الضغط العسكري على إسرائيل واستنزاف مواردها البشرية والمادية.
في نوفمبر 1970، تولّى حافظ الأسد — وزير الدفاع السابق وقائد القوات الجوية — السلطة في سوريا عبر ما عُرف بالحركة التصحيحية. أدرك الأسد أن استعادة الجولان بالوسائل الدبلوماسية وحدها أمر مستحيل في ظل الرفض الإسرائيلي، فبدأ بإعداد الجيش السوري لحرب شاملة بالتنسيق مع الرئيس المصري أنور السادات.
اتفق الرئيسان على شنّ هجوم متزامن على جبهتي سيناء والجولان في يوم يصادف عيد الغفران اليهودي (يوم كيبور) ومرحلة الصيام في شهر رمضان، بهدف تحقيق المفاجأة الاستراتيجية. وقد بُنيت غرفة عمليات حربية برية وجوية محصّنة على عمق 12 متراً تحت الأرض تضمنت 6 أمتار من الخرسانة المسلحة بالفولاذ، عجزت الطائرات الإسرائيلية عن تدميرها طوال الحرب.
حشدت سوريا قوة عسكرية ضخمة على جبهة الجولان:
رُتِّبت القوات في ثلاثة أنساق: فرق المشاة الثلاث في الخط الأمامي، تليها ثلاثة ألوية مدرعة مستقلة في النسق الثاني، ثم الفرقتان المدرعتان في العمق كاحتياطي استراتيجي.
في المقابل، كانت القوات الإسرائيلية على جبهة الجولان ضعيفة نسبياً:
بلغت نسبة التفوق السوري في الدبابات وحدها نحو 8:1 لصالح الجانب السوري.
عند الساعة 2:00 ظهراً بتوقيت دمشق، فُتحت آلاف المدافع والراجمات السورية النار على المواقع الإسرائيلية في وابل نيران تمهيدي كثيف. في الوقت نفسه، انطلقت طائرات سلاح الجو السوري في غارات جوية ضد المطارات والمواقع العسكرية الإسرائيلية.
نفذت وحدات القوات الخاصة السورية (المغاوير) عملية جريئة لاحتلال مرصد جبل الشيخ (ارتفاع 2,814 متراً) الذي يُعدّ أهم نقطة مراقبة استراتيجية في المنطقة. نجح الكوماندوز السوري في السيطرة على المرصد وقتل أو أسر جميع أفراد الحامية الإسرائيلية، في عملية وصفها المحللون العسكريون بأنها من أنجح عمليات الكوماندوز في تاريخ الحروب العربية-الإسرائيلية.
على الأرض، تقدّمت فرق المشاة الثلاث عبر خط وقف إطلاق النار على ثلاثة محاور:
واصلت القوات السورية تقدمها العنيف. على المحور الشمالي، جرت المعارك في ما عُرف لاحقاً بـوادي الدموع (Valley of Tears)، حيث اصطدمت الدبابات السورية بالتحصينات الإسرائيلية في واحدة من أعنف المعارك المدرعة في التاريخ الحديث (6-9 أكتوبر). على المحورين الأوسط والجنوبي، تمكنت القوات السورية من اختراق خط الدفاع الإسرائيلي إلى عمق نحو 20 كيلومتراً داخل هضبة الجولان، واقتربت وحدات متقدمة من مشارف بحيرة طبرية وسهل الحولة.
بعد وصول قوات الاحتياط الإسرائيلية بشكل متسارع إلى الجبهة، شنّ الجيش الإسرائيلي هجوماً مضاداً واسعاً بدءاً من 10 أكتوبر. بحلول نهاية اليوم، تمكّن الإسرائيليون من دفع القوات السورية إلى خط وقف إطلاق النار الأصلي. لم يتوقف الهجوم عند هذا الحد، بل توغّل الجيش الإسرائيلي في العمق السوري مُشكِّلاً بروزاً (جيباً) وصل إلى مسافة 40 كيلومتراً من دمشق بحلول 14 أكتوبر، في وضع خطير هدّد العاصمة السورية مباشرة.
ابتداءً من اليوم الثالث للقتال، شنّ سلاح الجو الإسرائيلي غارات في العمق السوري شملت:
اعتُبرت هذه الغارات انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني لاستهدافها منشآت مدنية.
هبّت عدة دول عربية لدعم سوريا:
في 22 أكتوبر 1973، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 338 بناءً على مبادرة أمريكية-سوفيتية مشتركة، ونصّ على:
دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 26 أكتوبر 1973، مُنهياً 21 يوماً من القتال المتواصل.
| البيان | سوريا | إسرائيل |
|---|---|---|
| القتلى | نحو 3,500 | نحو 800 |
| الدبابات المدمرة | نحو 1,150 | نحو 250 |
| الطائرات المُسقطة | 118 | عشرات |
بوساطة أمريكية قادها وزير الخارجية هنري كيسنجر في جولات دبلوماسية مكوكية مكثفة، وُقِّع اتفاق فصل القوات بين سوريا وإسرائيل في 31 مايو 1974. نصّ الاتفاق على:
عادت مدينة القنيطرة إلى السيادة السورية، لكن إسرائيل كانت قد دمّرتها تدميراً ممنهجاً قبل الانسحاب. أبقت سوريا على أنقاضها كما هي كشاهد على الاحتلال والتدمير. واستمرت قوات UNDOF في مهمتها حتى يومنا هذا، ويُجدَّد تفويضها دورياً.
في 17 أكتوبر 1973 — أي بعد 11 يوماً من اندلاع الحرب — أعلنت المملكة العربية السعودية والدول الأعضاء في منظمة الدول العربية المصدرة للبترول (أوابك) حظراً نفطياً على الدول الداعمة لإسرائيل، لا سيما الولايات المتحدة وهولندا. بدأ الحظر بخفض الإنتاج بنسبة 5% شهرياً.
أدى الحظر إلى تضاعف أسعار النفط أربع مرات خلال أشهر قليلة:
شكّل حظر النفط أول استخدام فعّال لـ«سلاح النفط» في الصراع العربي-الإسرائيلي، وأثبت قدرة الدول العربية النفطية على التأثير في السياسة الدولية.
تُعدّ معركة وادي الدموع (Valley of Tears) من أعنف المعارك المدرعة في تاريخ الحروب الحديثة. جرت في الفترة من 6 إلى 9 أكتوبر 1973 في المنطقة الشمالية من هضبة الجولان، في وادٍ يمتد بين مستوطنتي ناتال وبوق الراعي الإسرائيليتين.
هاجمت الفرقة السابعة السورية المدعومة بالفرقة الثالثة المدرعة المنطقة بقوة تزيد عن 500 دبابة، فيما دافع عنها اللواء السابع المدرع الإسرائيلي بنحو 100 دبابة فقط. كانت نسبة القوى 5:1 لصالح الجانب المهاجم.
اندفعت القوات السورية عبر الوادي في موجات متتالية من الدبابات، مستفيدةً من التفوق العددي الساحق. صمد المدافعون الإسرائيليون في مواقعهم المحصّنة على المرتفعات المطلة على الوادي، مستغلين ميزة الأرض المرتفعة. استمرت المعركة ثلاثة أيام متواصلة من القصف والاشتباكات المدرعة، وتبدّلت السيطرة على مناطق عدة خلالها مرات عدة.
بحلول 9 أكتوبر، وبعد وصول تعزيزات إسرائيلية، اضطرت القوات السورية إلى التراجع تاركةً في أرض المعركة مئات الدبابات المدمرة والمحترقة. خسر الجانب السوري نحو 260 دبابة في هذه المعركة وحدها، فيما فقد الإسرائيليون نحو 60 دبابة. أُطلق على الوادي اسم «وادي الدموع» بسبب حجم الخسائر والدمار من الجانبين.
رغم عدم نجاح الاختراق الشمالي في نهاية المطاف، فإن المعركة أظهرت الشجاعة القتالية الفائقة للجنود السوريين الذين قاتلوا في ظروف صعبة ضد مواقع محصّنة على أرض مرتفعة، وسطّرت صفحة بارزة في تاريخ الحروب المدرعة في القرن العشرين.
شارك سلاح الجو العربي السوري بفعالية في الساعات الأولى للحرب، إذ نفّذ طائراته من طراز ميغ-21 وسوخوي-7 غارات على المواقع الإسرائيلية في الجولان المحتل وعلى القواعد الجوية خلف الخطوط. وقد فاجأ الأداء السوري في الساعات الأولى القيادة الإسرائيلية، لا سيما مع استخدام منظومات الدفاع الجوي السوفيتية المتطورة من طراز سام-6 التي أسقطت عدداً كبيراً من الطائرات الإسرائيلية في الأيام الأولى.
غير أن سلاح الجو الإسرائيلي — المتفوق تقنياً وعددياً — استعاد تدريجياً السيطرة على الأجواء بعد تكيّفه مع منظومات الصواريخ السورية، وباشر بقصف مواقع الدفاع الجوي ثم الأهداف في العمق السوري. تكبّد الطيران السوري خسائر بلغت 118 طائرة خلال الحرب.
شهدت المياه السورية في البحر المتوسط معارك بحرية محدودة، أبرزها معركة اللاذقية البحرية في ليلة 6-7 أكتوبر التي تُعدّ أول معركة بحرية في التاريخ تُستخدم فيها صواريخ بحر-بحر من كلا الطرفين. استخدم الإسرائيليون زوارق صاروخية من طراز ساعر مزودة بصواريخ غابرييل، فيما استخدم السوريون زوارق أوسا وكومار السوفيتية المسلحة بصواريخ ستيكس. انتهت المعركة بخسارة البحرية السورية عدة زوارق صاروخية.
شكّلت حرب أكتوبر 1973 اختباراً حاداً لسياسة الانفراج (Détente) بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. فبينما أقامت واشنطن جسراً جوياً ضخماً لتزويد إسرائيل بالأسلحة والذخائر (عملية نيكل غراس)، أقام الاتحاد السوفيتي جسراً جوياً مماثلاً لتزويد سوريا ومصر. وبلغ التوتر ذروته في 25 أكتوبر 1973 حين رفعت الولايات المتحدة حالة التأهب النووي إلى مستوى DEFCON 3 ردّاً على إشارات بأن السوفيت قد ينشرون قوات في المنطقة، في واحدة من أخطر لحظات الحرب الباردة.
بعد وقف إطلاق النار، قاد وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر ما عُرف بالدبلوماسية المكوكية (Shuttle Diplomacy)، متنقلاً بين دمشق والقاهرة وتل أبيب في جولات مفاوضات ماراثونية. كانت المفاوضات مع سوريا أصعب بكثير من تلك مع مصر، إذ رفض حافظ الأسد أي تنازل لا يتضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً. استغرقت المفاوضات أشهراً قبل التوصل إلى اتفاق فصل القوات في 31 مايو 1974.
بعد وقف إطلاق النار الرسمي، استمرت اشتباكات متقطعة على جبهة الجولان في ما عُرف بحرب الاستنزاف السورية الثانية خلال الأشهر الأولى من عام 1974. استخدمت سوريا هذه الاشتباكات كورقة ضغط في المفاوضات، مما سرّع التوصل إلى اتفاق فصل القوات.
اعتبرت القيادة السورية حرب تشرين انتصاراً استراتيجياً حتى وإن لم يتحقق هدف تحرير الجولان كاملاً، إذ كسرت الحرب جمود الوضع الراهن وأعادت القضية إلى الساحة الدولية وأثبتت قدرة الجيش السوري على مفاجأة إسرائيل وتهديد أمنها. واعتبر حافظ الأسد أن الحرب حققت هدفها السياسي بإجبار العالم على التعامل مع مطالب سوريا.
شكّلت الحرب صدمة عميقة في المجتمع الإسرائيلي الذي اعتاد على انتصارات سريعة. أدّت الخسائر الفادحة إلى استقالة رئيسة الوزراء غولدا مائير ووزير الدفاع موشيه دايان بعد نتائج لجنة أغرانات التي حققت في إخفاقات المخابرات والقيادة العسكرية.
تسببت الحرب في معاناة إنسانية واسعة على الجانبين. فقد نزح آلاف المدنيين السوريين من قرى الجولان ومحيط القنيطرة، وتعرّضت البنية التحتية المدنية في دمشق وحمص وطرطوس واللاذقية لأضرار جسيمة جراء القصف الجوي الإسرائيلي. كما عانى أسرى الحرب من الجانبين من ظروف احتجاز قاسية، ولم يُتبادل الأسرى إلا بعد أشهر من المفاوضات.