تتميّز السياسة الخارجية السورية بتعقيدها البالغ نظراً لموقع سوريا الاستراتيجي في قلب الشرق الأوسط عند ملتقى القارات والحضارات والمصالح الدولية المتشابكة. منذ الاستقلال عام 1946 م، مرّت العلاقات الدولية السورية بتحولات جذرية متعاقبة: من مرحلة القومية العربية والوحدة مع مصر (1958-1961 م) إلى التحالف الوثيق مع المعسكر الشرقي خلال الحرب الباردة، ثم العزلة الدولية المتصاعدة بعد اندلاع الأزمة عام 2011 م، وصولاً إلى مرحلة إعادة التموضع بعد التحول السياسي في كانون الأول 2024 م. شكّل الصراع العربي-الإسرائيلي واحتلال هضبة الجولان منذ حرب حزيران 1967 م محوراً رئيسياً للسياسة الخارجية السورية لعقود طويلة، إذ خاضت سوريا حروباً متعددة مع إسرائيل أعوام 1948 م و1967 م و1973 م.[^1]
يُعدّ التحالف السوري-الإيراني من أطول التحالفات الاستراتيجية وأعمقها في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. بدأت العلاقة الوثيقة بين البلدين عقب انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 م، حين وجد البلدان مصالح مشتركة في مواجهة نظام صدام حسين في العراق.[^2] كانت سوريا الدولة العربية الوحيدة التي وقفت إلى جانب إيران خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988 م)، مما أرسى أساساً متيناً للعلاقة الثنائية.[^3]
تعمّق التحالف عبر الملف اللبناني، حيث دعم البلدان حزب الله منذ تأسيسه عام 1982 م، واستخدمت سوريا أراضيها ممراً لنقل الأسلحة الإيرانية إلى الحزب.[^4] وعلى الصعيد الاقتصادي، وقّع البلدان اتفاقيات تعاون متعددة شملت خط ائتمان إيراني بقيمة مليار دولار أمريكي عام 2013 م، إضافة إلى اتفاقيات في مجالات الطاقة والبنية التحتية.[^5]
بعد اندلاع الأزمة السورية عام 2011 م، تحوّل الدعم الإيراني من دعم سياسي ودبلوماسي إلى تدخل عسكري مباشر. نشر الحرس الثوري الإيراني (IRGC) مستشارين عسكريين وضباطاً ميدانيين، كما جُنّدت ميليشيات طائفية من أفغانستان (لواء فاطميون) والعراق (حركة النجباء وغيرها) وباكستان (لواء زينبيون) للقتال في سوريا.[^6] قدّرت مجموعة الأزمات الدولية (ICG) الدعم الإيراني المالي لنظام الأسد بما يتراوح بين 6 و15 مليار دولار أمريكي سنوياً في ذروة الصراع.[^7] بعد سقوط النظام في كانون الأول 2024 م، سارعت الإدارة السورية الجديدة إلى إنهاء النفوذ الإيراني العسكري والسياسي بشكل كامل وإغلاق مقرات الميليشيات المرتبطة بإيران.[^8]
تعود جذور العلاقات السورية-الروسية إلى الحقبة السوفيتية، حين وقّع البلدان أول اتفاقية تعاون عسكري في خمسينيات القرن العشرين. زوّد الاتحاد السوفيتي سوريا بالأسلحة والمعدات العسكرية المتقدمة والخبراء التقنيين لعقود.[^9] وفي عام 1971 م، أُنشئت القاعدة البحرية السوفيتية (ثم الروسية) في ميناء طرطوس، التي تُعدّ المنفذ البحري الوحيد لروسيا على البحر الأبيض المتوسط.[^10]
شكّل التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا في 30 أيلول 2015 م نقطة تحوّل حاسمة في مسار الأزمة السورية. أعلنت موسكو أن هدف التدخل هو محاربة الإرهاب ودعم الحكومة الشرعية، ونشرت طائرات حربية متقدمة (سوخوي-34 وسوخوي-35) في قاعدة حميميم الجوية قرب اللاذقية.[^11] أسهم التدخل الروسي في تغيير موازين القوى الميدانية بشكل جذري لصالح نظام الأسد، لا سيما في معارك حلب عام 2016 م.[^12]
على الصعيد الدبلوماسي، استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي 16 مرة بين عامي 2011 م و2023 م لإسقاط مشاريع قرارات تتعلق بالأزمة السورية، وانضمت إليها الصين في معظم تلك المرات.[^13] شملت هذه الفيتوات إسقاط مشاريع قرارات تتعلق بفرض عقوبات أو إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية أو إقامة مناطق حظر جوي.[^14]
أطلقت روسيا مسار أستانا للمفاوضات عام 2017 م بالتعاون مع تركيا وإيران كمسار مواز لمحادثات جنيف برعاية الأمم المتحدة.[^15] بعد سقوط النظام في كانون الأول 2024 م، أُعيد التفاوض حول الوجود العسكري الروسي في سوريا، وبدأت عملية إخلاء القواعد العسكرية الروسية خلال عام 2025 م.[^16]
شهدت العلاقات السورية-التركية تحولات دراماتيكية عبر العقود. في التسعينيات، وصل التوتر ذروته بسبب قضية لواء الإسكندرون المتنازع عليه ودعم سوريا لحزب العمال الكردستاني (PKK). كادت الحرب تندلع عام 1998 م حين حشدت تركيا قواتها على الحدود السورية، مما أفضى إلى اتفاق أضنة الذي اضطرت بموجبه سوريا إلى طرد زعيم الحزب عبد الله أوجلان.[^17]
شهد العقد الأول من الألفية الثالثة تحسناً ملحوظاً في العلاقات بين البلدين، إذ أُلغيت تأشيرات الدخول المتبادلة وتنامى التبادل التجاري بشكل كبير، ووصفت وسائل الإعلام العلاقة بين الأسد وأردوغان بالصداقة الشخصية.[^18]
تدهورت العلاقات بشكل حاد بعد اندلاع الأزمة السورية عام 2011 م. دعمت تركيا فصائل المعارضة السورية المسلحة واستضافت الائتلاف الوطني السوري المعارض على أراضيها.[^19] ثم نفّذت تركيا ثلاث عمليات عسكرية كبرى في شمال سوريا:
أسفرت هذه العمليات عن سيطرة تركيا وفصائل سورية موالية لها على مساحات واسعة من شمال سوريا. وقد وصفت مجموعة الأزمات الدولية الوجود العسكري التركي بأنه يُعقّد أي حل سياسي شامل.[^23] بعد التحول السياسي في كانون الأول 2024 م، بدأت مرحلة جديدة من الحوار والتعاون بين أنقرة ودمشق.
تتسم العلاقات السورية-الأمريكية بالتوتر المزمن منذ عقود. صنّفت وزارة الخارجية الأمريكية سوريا ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ عام 1979 م.[^24] فُرضت عقوبات متعاقبة على سوريا بموجب عدة تشريعات:
على الصعيد العسكري، نشرت الولايات المتحدة قوات في شمال شرق سوريا منذ عام 2014 م في إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش. تعاونت القوات الأمريكية بشكل وثيق مع قوات سوريا الديمقراطية (SDF) ذات القيادة الكردية في تحرير مناطق واسعة من سيطرة داعش، بما في ذلك مدينة الرقة عام 2017 م.[^27] فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات اقتصادية مشددة على النظام السوري، شملت حظر تصدير النفط وتجميد أصول مسؤولين سوريين ومنع التعاملات المالية.[^28]
عُلّقت عضوية سوريا في جامعة الدول العربية في 12 تشرين الثاني 2011 م في سابقة تاريخية نادرة، بعد رفض النظام السوري تنفيذ خطة العمل العربية لوقف العنف. صوّتت 18 دولة عربية لصالح التعليق، فيما عارضته سوريا ولبنان واليمن، وامتنع العراق عن التصويت.[^29]
في إطار مساعي التطبيع العربي، بدأت اتصالات دبلوماسية مكثفة بين عدة دول عربية ونظام الأسد منذ عام 2022 م. قاد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان جهود إعادة سوريا إلى الحاضنة العربية. في 7 أيار 2023 م، اتخذ مجلس وزراء خارجية جامعة الدول العربية في اجتماع جدة قراراً بإعادة مقعد سوريا في الجامعة.[^30] وفي 19 أيار 2023 م، حضر الرئيس بشار الأسد القمة العربية في جدة لأول مرة منذ أكثر من عقد، في خطوة اعتبرتها وكالة رويترز «تحولاً جيوسياسياً كبيراً» في المنطقة.[^31]
صدرت عدة قرارات عن مجلس الأمن الدولي بشأن الأزمة السورية، أبرزها:
في المقابل، أُسقطت عشرات مشاريع القرارات بسبب الفيتو الروسي-الصيني المتكرر. فقد استخدمت روسيا الفيتو 16 مرة والصين 10 مرات بين عامي 2011 م و2023 م في ما يتعلق بالملف السوري، مما شلّ قدرة مجلس الأمن على اتخاذ إجراءات حاسمة.[^35]
أدى سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 م إلى إعادة رسم خريطة العلاقات الدولية السورية بالكامل. تقوم السياسة الخارجية للإدارة الانتقالية الجديدة على مبادئ الانفتاح الدبلوماسي والتعاون المتوازن مع جميع الأطراف الإقليمية والدولية بدلاً من سياسة المحاور والاستقطاب التي ميّزت الحقبة السابقة. تسعى سوريا الجديدة إلى بناء علاقات إيجابية مع دول الخليج العربي وتركيا والاتحاد الأوروبي، وتعمل على جذب الدعم الدولي لمشاريع إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي. كما بدأت مفاوضات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن رفع العقوبات تدريجياً في مقابل خطوات إصلاحية محددة.[^36]
يُستكمل قريباً بقائمة المصادر والمراجع المعتمدة.