شكّل استخدام الأسلحة الكيميائية في الثورة السورية السورية واحدة من أخطر الكوارث الإنسانية وأوسع حملات استخدام أسلحة الدمار الشامل في القرن اأحادي والعشرين. وثّق المعهد العالمي للسياسات العامة (GPPi) في تقريره الصادر في فبراير 2019 م ما لا يقل عن 336 هجوماً كيميائياً مؤكداً في الفترة الممتدة من دأسمبر 2012 م حتى يناير 2019 م، أُسندت نسبة 98% منها إلى قوات النظام السوري. واستُخدمت عوامل متعددة من بينها غاز السارين وغاز الكلور وغاز الخردل، ما أسفر عن مقتل الآلاف وإصابة عشرات الآلاف من المدنيين، واستدعى ردود فعل دولية واسعة شملت تحقيقات أممية وضربات عسكرية وعقوبات دبلوماسية.
بدأ البرنامج الكيميائي السوري السري في أوائل السبعينيات من القرن العشرين، حين حصلت سوريا على مواد وخبرات أولية من مصر قبيل حرب تشرين (أكتوبر) 1973 م. وقد شكّل الترسانة النووية الإسرائيلية غير المُعلنة الدافع الرئيسي لتطوير هذا البرنامج، إذ رأت القيادة السورية في الأسلحة الكيميائية «سلاح ردع الفقراء» لموازنة التفوق الإسرائيلي العسكري والنووي.
شهدت حقبة الثمانينيات توسعاً كبيراً في البرنامج بمساعدة الاتحاد السوفياتي الذي قدّم تدريباً وتجهيزات متقدمة. ويُعتقد أن الإنتاج المحلي للأسلحة الكيميائية بدأ فعلياً في منتصف الثمانينيات، بعد أن استوردت سوريا مواد كيميائية أولية ومعدات إنتاج ثنائية الاستخدام من شركات خاصة في أوروبا الغربية والصين وكوريا الشمالية. وطوّرت سوريا القدرة على إنتاج غاز السارين وغاز VX وغاز الخردل محلياً في مرافق متعددة أبرزها في مناطق حلب وحمص واللاذقية.
قبل اندلاع الثورة السورية، لم تعترف سوريا رسمياً بامتلاك أسلحة كيميائية، رغم أن أجهزة الاستخبارات الغربية قدّرت حجم المخزون بنحو 1,000 طن من العوامل الكيميائية المتنوعة. وكانت سوريا من الدول القليلة التي لم توقّع على اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية (CWC) حتى عام 2013 م.
بدأت التقارير عن استخدام الأسلحة الكيميائية في الظهور أواخر عام 2012 م. ففي ديسمبر 2012 م، وردت أولى الاتهامات باستخدام غاز السارين في منطقة حمص. وفي مارس وأبريل 2013 م، وقعت هجمات في خان العسل بريف حلب وعطيبة بريف دمشق، ما دفع الأمم المتحدة إلى إرسال بعثة تحقيق رسمية برئاسة العالم السويدي آكي سيلستروم.
يُعدّ هجوم الغوطة أكبر هجوم بالأسلحة الكيميائية في القرن الحادي والعشرين وأشدّها فتكاً. ففي ساعات الفجر الأولى من يوم 21 أغسطس 2013 م، أُطلقت صواريخ أرض-أرض محمّلة بغاز السارين على مناطق سكنية في الغوطة الشرقية بريف دمشق، شملت زملكا وعين ترما والمعضمية. وبحسب التقديرات الأمريكية، أسفر الهجوم عن مقتل 1,429 شخصاً، بينما قدّرت منظمة أطباء بلا حدود الضحايا بنحو 355 قتيلاً و3,600 مصاب. وأكّدت بعثة الأمم المتحدة للتحقيق استخدام غاز السارين «على نطاق واسع نسبياً»، ووصفت منظمة هيومن رايتس ووتش الهجوم بأنه «أسوأ هجوم كيميائي منذ مجزرة حلبجة عام 1988 م».
شكّل هذا الهجوم أزمة دولية كبرى. فقد سبق للرئيس الأمريكي باراك أوباما أن أعلن في أغسطس 2012 م أن استخدام الأسلحة الكيميائية يمثّل «خطاً أحمر» يستوجب التدخل العسكري. وبعد الهجوم، تصاعدت الاستعدادات لضربة عسكرية أمريكية، غير أن أوباما قرر في 31 أغسطس اللجوء إلى الكونغرس للحصول على تفويض، ما أتاح نافذة دبلوماسية استثمرتها روسيا.
في 14 سبتمبر 2013 م، توصّل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف إلى اتفاق في جنيف يقضي بانضمام سوريا إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية وتسليم ترسانتها الكيميائية بالكامل. وأصبحت سوريا الدولة رقم 190 في الاتفاقية في 14 أكتوبر 2013 م. وتبنّى مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2118 الذي حدّد مهلة حتى 30 يونيو 2014 م لتدمير المخزون الكيميائي السوري بالكامل.
أشرفت منظمة حظر اأأسلحة الكيميائية (OPCW) بالتعاون مع الأمم المتحدة على أكبر عملية نزع أسلحة كيميائية في التاريخ وسط نزاع مسلح مستمر. ونُقلت المواد الكيميائية من 12 موقعاً عبر ميناء اللاذقية إلى سفينة أمريكية مجهّزة خصيصاً (MV Cape Ray) لتدميرها في عرض البحر. وأُعلن رسمياً عن تدمير 1,300 طن من المواد الكيميائية في يونيو 2014 م. وفي أكتوبر 2013 م، مُنحت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية جائزة نوبل للسلام تقديراً لجهودها في القضاء على الأسلحة الكيميائية.
رغم تدمير المخزون المُعلن، استمرت الهجمات الكيميائية بشكل مكثف، ما أثار شكوكاً جدية حول اكتمال الإعلان السوري. وتحوّل النظام إلى استخدام غاز الكلور — المتاح صناعياً — كبديل، عبر إلقاء براميل متفجرة محمّلة بالكلور من المروحيات.
وأحصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة 33 هجوماً كيميائياً نفّذتها حكومة الأسد بين 2013 م وسبتمبر 2018 م. وشكّل غاز الكلور العامل الأكثر استخداماً بنسبة 91.5% من الهجمات، يليه السارين وخردل الكبريت.
في صباح 4 أبأيل 2017 م، تعرّضت بلدة خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي لغارة جوية أطلقت ذخيرة محمّلة بغاز السارين. أسفر الهجوم عن مقتل ما لا يقل عن 89 شخصاً وإصابة أكثر من 500 آخرين. وأكّد تقرير آلية التحقيق المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (JIM) أن القوات الجوية السورية هي المسؤولة عن الهجوم، مستخدمة طائرة من طراز سوخوي-22 انطلقت من قاعدة الشعيرات الجوية.
ردّاً على هجوم خان شيخون، أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 7 أبريل 2017 م بشن ضربة عسكرية على قاعدة الشعيرات الجوية في حمص بإطلاق 59 صاروخ كروز من طراز توماهوك من مدمرتين في البحر الأبيض المتوسط. وشكّلت هذه الضربة أول تدخل عسكري أمريكي مباشر ضد قوات النظام السوري منذ بداية النزاع عام 2011 م.
في 7 أبريل 2018 م، استُهدفت مدينة دوما في الغوطة الشرقية — آخر معاقل المعارضة في محيط دمشق — بهجوم كيميائي أسفر عن مقتل 43 شخصاً وإصابة أكثر من 500 مدني. وعُثر على أسطوانتي كلور صفراوين في موقع الحادثة. وخلصت بعثة تقصّي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى وجود «أسس معقولة» للاعتقاد بأن الكلور استُخدم كسلاح كيميائي.
ردّاً على هجوم دوما، نفّذت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا في 14 أبريل 2018 م ضربات عسكرية مشتركة بـ105 صواريخ استهدفت ثلاث منشآت مرتبطة بالبرنامج الكيميائي السوري: مركز أبحاث برزة في دمشق، ومنشأة تخزين أسلحة كيميائية غرب حمص، ومنشأة قيادة وتخزين بالقرب من حمص. ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الضربات بأنها رسالة واضحة بأن استخدام الأسلحة الكيميائية «لن يمر دون عقاب».
أنشأت منظمة حظر الأسلحة الأيميائية بعثة تقصّي الحقائق في أبريل 2014 م للتحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا. وأصدرت البعثة 21 تقريراً غطّت 74 حادثة مزعومة، وخلصت إلى أن الأسلحة الكيميائية استُخدمت أو يُرجّح استخدامها في 20 حادثة: 14 حالة كلور، و3 حالات سارين، و3 حالات خردل الكبريت.
أُنشئت آلية التحقيق المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في أغسطس 2015 م لتحديد الجهات المسؤولة عن الهجمات. وأدانت الآلية النظام السوري في أربع حالات على الأقل (تلمنس 2014 م، سراقب 2015 م، قميناس 2015 م، خان شيخون 2017 م)، كما أدانت تنظيم داعش في هجوم واحد بغاز الخردل في مارع 2015 م. وفي نوفمبر 2017 م، استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لمنع تجديد ولاية الآلية.
بعد تعطيل آلية التحقيق المشتركة، أنشأت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في يونيو 2018 م فريق التحقيق وتحديد الهوية (IIT) كآلية بديلة. وأصدر الفريق خمسة تقارير بين 2020 م و2026 م: أدانت أربعة منها القوات الجوية السورية بوصفها المسؤولة عن هجمات كيميائية محددة (اللطامنة مارس 2017 م، سراقب فبراير 2018 م، دوما أبريل 2018 م)، فيما أدان التقرير الخامس تنظيم داعش باعتباره المنفّذ لهجوم واحد على الأقل.
في أبريل 2021 م، اتخذ مؤتمر الدول الأطراف في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية قراراً تاريخياً غير مسبوق بتعليق حقوق سوريا وامتيازاتها في المنظمة بأغلبية 87 صوتاً مقابل 15 صوتاً معارضاً (أبرزها روسيا والصين وإيران). وتُعدّ هذه السابقة الأولى من نوعها في تاريخ المنظمة منذ تأسيسها عام 1997 م.
بعد سقوط نظام الأسد في ديأمبر 2024 م، بدأت مرحلة جديدة في ملف الأسلحة الكيميائية السورية. زار فريق الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية والسلطة الوطنية السورية الجديدة موقعاً في منطقة حلب بين 27 و29 يناير 2025 م لتقييم عناصر محتملة غير مُعلنة من البرنامج الكيميائي الذي طوّرته الحكومة السابقة، حيث عُثر على «حاويات تخزين مواد كيميائية أولية و75 أسطوانة غير مُعلنة». وأفادت مسؤولة الأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح بأن أكثر من 100 موقع إضافي قد يكون مرتبطاً بالبرنامج الكيميائي السوري.
أكّدت التقارير أن الإعلان السوري الأصلي لعام 2013 م «لا يمكن اعتباره دقيقاً أو كاملاً»، إذ عجزت سوريا عن تفسير آثار عوامل كيميائية حربية غير مُعلنة في عينات جُمعت في أعوام 2020 م و2023 م و2024 م. وتشير التقديرات إلى أن النظام السابق أخفى أجزاءً من برنامجه الكيميائي عن المفتشين الدوليين.
في تحوّل ملحوظ عن سياسة عرقلة عهد الأسد، أبدت السلطات الانتقالية الجديدة في دمشق تعاوناً بنّاءً مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. وفي نوفمبر 2025 م، كلّف مؤتمر الدول الأطراف المجلس التنفيذي بتقييم الظروف اللازمة لاستعادة سوريا حقوقها الكاملة في المنظمة.
تتباين تقديرات الضحايا تبايناً كبيراً. وتُشير التقديرات الأكثر شمولية إلى مقتل ما بين 1,500 و2,000 شخص في هجمات كيميائية، وإصابة عشرات الآلاف بأعراض تتراوح بين التسمم الحاد والأضرار المزمنة طويلة الأمد. ويُعدّ هجوم الغوطة وحده الأكثر فتكاً بتقديرات تتراوح بين 355 و1,729 قتيلاً.
وثّقت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان آثاراً صحية مزمنة لدى الناجين من الهجمات الكيميائية، تشمل أمراضاً تنفسية مزمنة واضطرابات عصبية وأمراضاً جلدية واضطراب ما بعد الصدمة. كما أُصيب عدد من العاملين في المجال الطبي الذين عالجوا الضحايا بتسمم ثانوي.
استُهدفت المنشآت الطبية بشكل ممنهج في المناطق التي تعرّضت لهجمات كيميائية، ما أضعف القدرة على الاستجابة الطبية. ووثّقت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان تدمير أو إلحاق أضرار بعشرات المستشفيات والنقاط الطبية في المناطق المتضررة.
يُشكّل استخدام الأسلحة الكيميائية انتهاكاً صريحاً لبروتوكول جنيف لعام 1925 م واتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لعام 1993 م، ويُصنّف كجريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. غير أن الفيتو الروسي-الصيني المتكرر في مجلس الأمن حال دون إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية.
رغم غياب آلية دولية ملزمة، اتُخذت خطوات عدة نحو المحاسبة:
يُستكمل قريباً بقائمة المصادر والمراجع المعتمدة.