حلب هي ثاني أكبر مدينة في سوريا وواحدة من أقدم المدن المأهولة بشكل متواصل في التاريخ. تُعدّ مدينتها القديمة وقلعتها وأسواقها المسقوفة من أبرز معالم التراث العالمي.
حلب (بالإنجليزية: Aleppo) هي أكبر مدينة سورية من حيث عدد السكان قبل 2011 في الجمهورية العربية السورية، وواحدة من أقدم المدن المأهولة بالسكان في التاريخ البشري. تقع في شمال غرب سوريا على خط عرض 36°12’ شمالاً وخط طول 37°10’ شرقاً، على ارتفاع يبلغ نحو 379 متراً فوق سطح البحر. بلغ عدد سكانها قبل عام 2011 نحو 2.3 مليون نسمة في المنطقة الحضرية الكبرى، مما جعلها أكبر مدينة سورية من حيث عدد السكان آنذاك.
تتميز حلب بموقعها الاستراتيجي عند ملتقى طرق التجارة التاريخية بين بلاد الرافدين والبحر الأبيض المتوسط، وبين الأناضول ومصر. شكّل هذا الموقع عاملاً حاسماً في ازدهارها عبر الآلاف من السنين كمركز تجاري وثقافي وصناعي بارز. أُدرجت المدينة القديمة في حلب ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو عام 1986 تقديراً لقيمتها التاريخية والمعمارية الاستثنائية (المعياران الثالث والرابع).
يعود أقدم ذكر مكتوب لاسم حلب إلى الألف الثالث قبل الميلاد، حيث وُجد في ألواح مملكة إيبلا (نحو 2500 ق.م) وأرشيف مملكة ماري. ويُرجّح أن الاسم السامي القديم «حلبا» أو »حلب« يرتبط بمعنى »الأبيض« أو »الحليب«، وإن كانت أصول التسمية لا تزال محل نقاش بين الباحثين.

المصدر: Wikimedia Commons, Memorino, CC BY-SA 3.0
يُعدّ عصر مملكة يمحاض الأمورية (نحو 1800-1600 ق.م) من أبرز فترات حلب القديمة، إذ كانت المدينة عاصمةً لهذه المملكة القوية التي بسطت نفوذها على معظم شمال سوريا وأجزاء من جنوب الأناضول وشمال بلاد الرافدين. من أشهر ملوك يمحاض ياريم ليم الأول (نحو 1780-1765 ق.م) الذي عقد تحالفات مع بابل في عهد حمورابي، وابنه حمورابي ملك يمحاض (لا يُخلط بينه وبين حمورابي البابلي). كانت المملكة تسيطر على طرق التجارة الممتدة بين بلاد الرافدين والبحر المتوسط، وخاصة تجارة القصدير القادمة من إيران عبر ماري.
سقطت مملكة يمحاض على يد الملك الحثي مورشيلي الأول نحو عام 1600 ق.م ضمن حملته الشهيرة التي انتهت بتدمير بابل. غير أن الحثيين لم يستقروا في حلب، فخضعت المدينة لاحقاً لنفوذ مملكة ميتاني الحورية (نحو 1500-1350 ق.م). ثم أعاد الحثيون السيطرة عليها في عهد الملك شوبيلوليوما الأول (نحو 1350 ق.م) الذي نصّب ابنه تيليبينو حاكماً على حلب وكاهناً أعلى لإله العاصفة تيشوب.
بعد انهيار الإمبراطورية الحثية نحو عام 1200 ق.م فيما يُعرف بكارثة نهاية العصر البرونزي، أصبحت حلب جزءاً من الممالك الآرامية في شمال سوريا. عُرفت المنطقة حينها باسم »بيت أجوشي« أو »أرباد«. خضعت حلب لاحقاً للإمبراطورية الآشورية الجديدة في القرن الثامن ق.م، حيث ضمّها تغلث فلاسر الثالث (745-727 ق.م) إلى إمبراطوريته بشكل نهائي عام 738 ق.م بعد هزيمة تحالف الممالك الآرامية.
بعد فتوحات الإسكندر المقدوني (333 ق.م)، أصبحت حلب جزءاً من الإمبراطورية السلوقية. أسّس سلوقس الأول نيكاتور (312-281 ق.م) مدينة جديدة بالقرب من حلب القديمة أطلق عليها اسم »بيرويا» (Beroea) نحو عام 301 ق.م. ازدهرت المدينة في العصر الهلنستي كمركز تجاري مهم على الطريق بين أنطاكية العاصمة السلوقية والفرات. تأثرت حلب بالثقافة اليونانية مع احتفاظها بطابعها السامي الأصيل، وشهدت بناء معابد ومرافق عامة على الطراز اليوناني. خضعت لاحقاً للحكم الروماني عام 64 ق.م عندما ضمّ بومبيوس سوريا إلى الجمهورية الرومانية.
فُتحت حلب على يد القائد المسلم أبي عبيدة بن الجراح عام 637 م (16 هـ) في عهد الخليفة عمر بن الخطاب. لم تتعرض المدينة لدمار كبير أثناء الفتح وأُعطي سكانها الأمان على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم. في العصر الأموي (661-750 م)، كانت حلب جزءاً من جند قنسرين، وشهدت استقراراً نسبياً وازدهاراً تجارياً. بُنيت فيها المساجد الأولى وبدأت عملية التعريب التدريجي للمدينة.
بلغت حلب ذروة ازدهارها الثقافي والأدبي في عهد الأمير سيف الدولة الحمداني (حكم: 944-967 م) الذي أسّس إمارة حمدانية قوية اتخذت من حلب عاصمة لها. حوّل سيف الدولة بلاطه إلى أعظم مركز ثقافي وأدبي في العالم الإسلامي آنذاك، إذ احتضن أعلام الفكر والأدب والعلم، ومنهم:
كما اشتهر سيف الدولة بجهاده ضد البيزنطيين في معارك الثغور الشمالية، مما جعل حلب حصناً أمامياً للعالم الإسلامي.
في القرن الثاني عشر الميلادي، حكم حلب الأمير عماد الدين زنكي (حكم: 1128-1146 م) الذي أسس الدولة الزنكية وجعل من حلب قاعدة لمواجهة الصليبيين. وبلغت المدينة مكانة أعلى في عهد ابنه نور الدين محمود زنكي (حكم حلب: 1146-1174 م) الذي:
بعد وفاة نور الدين عام 1174 م، سيطر صلاح الدين الأيوبي على حلب عام 1183 م بعد حصار قصير. في العهد الأيوبي (1183-1260 م)، شهدت حلب ازدهاراً معمارياً كبيراً، لا سيما في عهد الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين (حكم: 1186-1216 م) الذي:
حكم المماليك حلب من عام 1260 م بعد انتصارهم على المغول في معركة عين جالوت. في عهدهم، شهدت المدينة بناء العديد من المدارس والمساجد والأسواق والخانات. عُيّن على حلب نوّاب السلطنة المملوكية، وكانت المدينة مركزاً تجارياً مهماً في شبكة التجارة المملوكية. من أبرز الآثار المملوكية في حلب المدرسة الحلوية والبيمارستان الأرغوني (بناه الأمير أرغون الكاملي عام 1354 م).

المصدر: Wikimedia Commons, Bernard Gagnon, CC BY-SA 3.0
دخلت حلب تحت الحكم العثماني عام 1516 م بعد معركة مرج دابق شمال حلب التي هزم فيها السلطان سليم الأول سلطان المماليك قانصوه الغوري. أصبحت حلب عاصمة لإحدى أكبر الولايات العثمانية وثالثة مدن الإمبراطورية بعد إسطنبول والقاهرة.
بلغت حلب ذروة ازدهارها التجاري في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، حيث كانت عقدة محورية في شبكة التجارة العالمية:
شُيّدت في حلب العثمانية عشرات الخانات (الفنادق التجارية) التي كانت تستقبل التجار من جميع أنحاء العالم:
امتدت الأسواق المسقوفة في حلب لتصبح أطول أسواق مسقوفة في العالم بطول يبلغ نحو 13 كيلومتراً، وتشمل سوق العطارين وسوق الصابون وسوق الحرير وسوق الصاغة وغيرها.
أسّست الدول الأوروبية الكبرى قنصليات لها في حلب منذ القرن السادس عشر، مما يعكس أهميتها التجارية الدولية:
أسّست شركة المشرق البريطانية (Levant Company) مقراً دائماً لها في حلب، وكانت المدينة أهم محطة تجارية بريطانية في الشرق الأوسط حتى القرن الثامن عشر.
تُعدّ قلعة حلب من أضخم القلاع وأقدمها في العالم. ترتفع نحو 50 متراً فوق مستوى المدينة المحيطة بها على تل طبيعي يعود استخدامه البشري إلى الألف الثالث ق.م على الأقل. تبلغ مساحة القلعة نحو 70,000 متر مربع (حوالي 7 هكتارات). يعود شكلها الحالي بشكل رئيسي إلى إعادة البناء التي قام بها الملك الأيوبي الظاهر غازي بن صلاح الدين بين عامي 1209 و1215 م.
تضم القلعة بقايا معبد إله العاصفة (حدد/تيشوب) الذي يعود إلى الألف الثاني ق.م، وقصر الظاهر غازي، ومسجداً أيوبياً، وحمّاماً، وصهاريج مياه، وممرات دفاعية. أُدرجت القلعة مع المدينة القديمة في قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1986 وفق المعيارين الثالث والرابع.
يُعرف أيضاً بجامع زكريا، وهو من أكبر مساجد حلب وأقدمها. يقع في المدينة القديمة قرب الأسواق المسقوفة. بُني في عهد الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك (715-717 م) ويُنسب تصميمه إلى المهندس الذي بنى الجامع الأموي في دمشق. تميّز الجامع بمئذنته السلجوقية المربعة التي يبلغ ارتفاعها 45 متراً والتي بُنيت عام 1090 م وكانت من أجمل المآذن في العالم الإسلامي قبل تدميرها في نيسان/أبريل 2013 أثناء المعارك.
يُعدّ سوق المدينة في حلب (المعروف أيضاً بالأسواق المسقوفة أو السوق القديم) أكبر سوق مسقوف في العالم بطول يبلغ نحو 13 كيلومتراً من الممرات والأزقة المسقوفة بالحجر. يعود معظم بنائه الحالي إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، وإن كانت التجارة في هذا الموقع تعود إلى آلاف السنين. يضم السوق عشرات الأسواق المتخصصة: سوق العطارين، سوق الصابون، سوق الحرير، سوق الحبال، سوق الصاغة وغيرها.
أحد أبواب سور حلب التاريخية، يقع في الجهة الجنوبية من المدينة القديمة. يعود إلى العصر الأيوبي (القرن الثاني عشر/الثالث عشر الميلادي) وأُعيد ترميمه في العصر المملوكي. يتميز ببوابته المنحنية المحصنة ذات الطراز الدفاعي الأيوبي المميز، وتحيط به أبراج دفاعية ضخمة.
مستشفى تاريخي بناه الأمير المملوكي أرغون الكاملي عام 1354 م (755 هـ)، ويُعدّ من أجمل المباني المملوكية في حلب. يتميز ببوابته الحجرية المزخرفة بالمقرنصات والزخارف الهندسية الدقيقة. كان يضم أقساماً للطب العام والطب النفسي وصيدلية ومطبخاً. يُعتبر شاهداً على تقدم الطب والرعاية الصحية في العالم الإسلامي في العصور الوسطى.
مدرسة تاريخية تقع مقابل الجامع الأموي الكبير. بُنيت في العهد الزنكي (القرن الثاني عشر الميلادي) على أنقاض كاتدرائية بيزنطية قديمة، وسُمّيت بالحلوية لأنها كانت تُوزّع الحلوى على طلابها. تتميز بمحرابها الذي يضم أعمدة بيزنطية أصلية، وتُعدّ من أقدم المدارس الإسلامية في حلب. أنشأها نور الدين زنكي كجزء من مشروعه لنشر التعليم الديني.

المصدر: Wikimedia Commons, Vyacheslav Argenberg, CC BY 4.0
تشتهر حلب بصناعة صابون الغار (صابون حلب) الذي يُعتبر أقدم صابون صلب في العالم، ويعود تاريخ صناعته إلى أكثر من ألف عام. يُصنع من زيت الزيتون وزيت الغار (اللوروس)، ويتميز بخصائصه العلاجية للبشرة. تتراوح نسبة زيت الغار في الصابون بين 2% و40%، وكلما ارتفعت النسبة زادت جودته وسعره. كانت حلب تُصدّر صابونها إلى أوروبا منذ القرون الوسطى، ويُعتقد أن الصليبيين نقلوا فكرة الصابون الصلب إلى أوروبا من حلب.
يُعدّ الفستق الحلبي من أجود أنواع الفستق في العالم، وتُعتبر حلب ومنطقتها من أهم مناطق إنتاجه تاريخياً. كانت سوريا من أكبر خمس دول منتجة للفستق في العالم قبل عام 2011، حيث بلغ الإنتاج السنوي نحو 80,000 طن. تتركز زراعته في المناطق شبه الجافة حول حلب وإدلب وحماة.
كانت حلب مركزاً رئيسياً لصناعة النسيج منذ العصور الوسطى، واشتهرت بإنتاج الحرير والقطن والأقمشة المطرزة. في القرن العشرين، تطورت الصناعة النسيجية لتشمل المصانع الحديثة، وكانت حلب تُنتج نحو 50-60% من الإنتاج الصناعي السوري قبل عام 2011. ضمت المدينة ومحيطها آلاف المصانع والورش الصناعية في قطاعات النسيج والغذاء والكيماويات والهندسة.
كانت حلب أكبر مدينة صناعية وتجارية في سوريا، وتُسهم بنحو ثلث الإنتاج الصناعي الوطني ونصف العمالة الصناعية. ضمّت منطقة الشيخ نجار الصناعية أكثر من 10,000 منشأة صناعية. كما كانت المدينة مركزاً للتجارة مع تركيا والعراق ودول الخليج العربي.
يُعدّ المطبخ الحلبي من أغنى المطابخ في العالم العربي وأكثرها تنوعاً، ويشتهر بتعقيد وصفاته ودقة تحضيره:
تتمتع حلب بتراث موسيقي غني يمتد لقرون. اشتهرت المدينة بالقدود الحلبية، وهي أغانٍ تقليدية ذات ألحان مستوحاة من الموشحات الأندلسية والتراتيل الدينية، أُعيدت صياغتها بكلمات شعبية. من أبرز الموسيقيين الحلبيين:
إضافة إلى المتنبي وأبي فراس الحمداني في العصر العباسي، أنجبت حلب عبر تاريخها عدداً كبيراً من الشعراء والأدباء، منهم:
بدأ النزاع المسلح في حلب في تموز/يوليو 2012 عندما دخلت فصائل المعارضة المسلحة الأحياء الشرقية من المدينة. انقسمت حلب إلى قسمين: أحياء شرقية تسيطر عليها المعارضة وأحياء غربية تسيطر عليها القوات الحكومية. استمرت معركة حلب أكثر من أربع سنوات (2012-2016)، وتُعدّ من أطول المعارك الحضرية وأكثرها دماراً في القرن الحادي والعشرين.
تعرضت المدينة القديمة في حلب، المُدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، لدمار هائل خلال المعارك:
أضافت اليونسكو مواقع التراث السورية الستة جميعها إلى قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر عام 2013.
بعد استعادة القوات الحكومية السيطرة على كامل مدينة حلب في كانون الأول/ديسمبر 2016، بدأت جهود إعادة الإعمار بشكل تدريجي:
تُقدّر تكاليف إعادة إعمار حلب بمليارات الدولارات، وتواجه العملية تحديات كبيرة تتعلق بالتمويل والعقوبات الدولية وتعقيدات الوضع السياسي.