
المصدر: Wikimedia Commons, Vyacheslav Argenberg, CC BY 4.0
تحتلّ سوريا مكانة محورية في تاريخ الحضارة الإسلامية، فقد كانت دمشق عاصمة الدولة الأموية (661–750 م)، أول دولة إسلامية كبرى وأوسع إمبراطورية عرفها العالم حتى ذلك الحين. أسّسها معاوية بن أبي سفيان عام 661 م بعد أن اتّخذ دمشق مقرّاً له حين كان والياً على الشام في عهد عثمان بن عفّان. في عهد الأمويين امتدّت رقعة الدولة الإسلامية من حدود الصين شرقاً إلى إسبانيا والبرتغال (الأندلس) غرباً، ومن حدود فرنسا شمالاً إلى أفريقيا جنوباً. أنشأ الأمويون نظاماً إدارياً متطوّراً مستفيدين من التقاليد البيزنطية والساسانية، وعرّبوا الدواوين وسكّوا عملات إسلامية مستقلة.
أعظم آثارهم المعمارية هو الجامع الأموي الكبير في دمشق الذي بناه الخليفة الوليد بن عبد الملك بين عامَيْ 705 و715 م على موقع معبد جوبيتر الروماني وكنيسة يوحنا المعمدان البيزنطية. يُعدّ هذا المسجد من أقدم المساجد الكبرى في الإسلام وأجملها، ويضمّ ثلاث مآذن (مئذنة العروس، ومئذنة عيسى، ومئذنة قايتباي) وفسيفساء ذهبية رائعة تصوّر مشاهد طبيعية (يُعتقد أنها تمثّل الفردوس أو دمشق نفسها) تُعدّ من أجمل الفسيفساء في العالم الإسلامي. يضمّ المسجد أيضاً مقام رأس يوحنا المعمدان (النبي يحيى في الإسلام) ومقام صلاح الدين الأيوبي في حديقة المسجد. ومن آثار الأمويين أيضاً في سوريا قصور البادية مثل قصر الحير الشرقي وقصر الحير الغربي اللذين كانا محطات استراحة ومراكز زراعية وتجارية.
لعبت سوريا دوراً محورياً في عصر الحروب الصليبية (1096–1291). فقد أسّس الصليبيون عدة كيانات في سوريا، أبرزها إمارة أنطاكية (1098) وكونتية طرابلس (تأسست 1102، سقطت المدينة 1109)، وبنوا حصوناً ضخمة لا يزال بعضها قائماً مثل قلعة الحصن (Krak des Chevaliers) قرب حمص التي بناها فرسان الإسبتارية وتُعدّ من أعظم القلاع الصليبية في العالم (أُدرجت على لائحة التراث العالمي عام 2006)، وقلعة صلاح الدين (صهيون/سالون) قرب اللاذقية.
بدأ التصدّي الفعلي للصليبيين مع عماد الدين زنكي أتابك حلب والموصل الذي استعاد الرها عام 1144، ثم ابنه نور الدين زنكي (1118–1174) الذي وحّد سوريا ولعب دوراً حاسماً في تمهيد الطريق لتحرير القدس. بنى نور الدين عدة مدارس ومستشفيات (بيمارستانات) في دمشق وحلب، من أشهرها البيمارستان النوري في دمشق (1154) الذي يُعدّ من أشهر المستشفيات الإسلامية وأفضلها حفاظاً.
ثم جاء صلاح الدين الأيوبي (1137/1138–1193) الذي أسّس الدولة الأيوبية بعد إنهاء الخلافة الفاطمية في مصر عام 1171، ووحّد مصر وسوريا والحجاز واليمن. حقّق صلاح الدين انتصاره الحاسم على الصليبيين في معركة حطين (4 يوليو 1187) ثم حرّر القدس في 2 أكتوبر 1187 بعد نحو 88 عاماً من الاحتلال الصليبي. عُرف صلاح الدين بشهامته وتسامحه حتى لدى أعدائه الأوروبيين، وتُوفّي في دمشق عام 1193 ودُفن في ضريح ملاصق للجامع الأموي.
بعد الأيوبيين حكم المماليك سوريا (1260–1516)، وكان أعظم إنجازاتهم في سوريا صدّ الغزو المغولي في معركة عين جالوت (1260) على يد السلطان قطز والقائد بيبرس الذي أصبح لاحقاً سلطاناً. طرد المماليك آخر معاقل الصليبيين من الساحل الشامي (سقوط عكا عام 1291). خلّف المماليك تراثاً معمارياً غنياً في سوريا، خاصة في دمشق وحلب وطرابلس، يشمل مساجد ومدارس وخانات وحمّامات ومقامات. ومن أبرز العلماء الذين عاشوا في سوريا المملوكية ابن تيمية (1263–1328) الفقيه الحنبلي الشهير المولود في حرّان والذي عاش في دمشق، وابن القيّم الجوزية (1292–1350) تلميذه.
دخل العثمانيون سوريا عام 1516 بعد انتصار السلطان سليم الأول على المماليك في معركة مرج دابق شمال حلب (24 أغسطس 1516). حكم العثمانيون سوريا لنحو أربعة قرون (1516–1918). من آثارهم المعمارية في سوريا التكية السليمانية في دمشق التي بناها المعماري الشهير سنان بأمر من السلطان سليمان القانوني (اكتملت عام 1559)، وتُعدّ من روائع العمارة العثمانية في بلاد الشام. كما بنوا خانات وأسواقاً ومساجد عديدة في حلب ودمشق. وفي عهد العثمانيين ازدهرت حلب كثالث أكبر مدينة في الإمبراطورية (بعد إسطنبول والقاهرة) ومركز تجاري دولي كبير.
إلى جانب الجامع الأموي، تضمّ سوريا مئات المساجد والمدارس التاريخية. ففي دمشق وحدها يوجد أكثر من مئتي مسجد تاريخي، منها مسجد سنان باشا ومسجد درويش باشا والمدرسة النورية الكبرى (التي تحوي ضريح نور الدين زنكي) والمدرسة العادلية والمدرسة الظاهرية (التي تضمّ المكتبة الظاهرية). وفي حلب يوجد الجامع الأموي الكبير (بُني في القرن الثامن الميلادي وتعرّض لأضرار بالغة خلال الأزمة السورية بما فيها سقوط مئذنته الأثرية عام 2013)، والمدرسة الحلوية والمدرسة الشاذبختية. ومن أبرز العلماء المسلمين المرتبطين بسوريا: ابن عساكر (1105–1176) مؤلّف «تاريخ دمشق» الموسوعة التاريخية الضخمة في ثمانين مجلداً، و**النووي** (1233–1277) الفقيه الشافعي مؤلّف »رياض الصالحين« و»الأذكار« المولود في قرية نوى بحوران، و**ابن كثير** (1300–1373) المفسّر والمؤرخ صاحب »البداية والنهاية« و»تفسير القرآن العظيم».

المصدر: Wikimedia Commons, أبو العباس, CC BY-SA 4.0