اللاذقية (بالإنجليزية: Latakia) هي مدينة ساحلية سورية تقع على الضفة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، وتُعَدّ العاصمة الإدارية لمحافظة اللاذقية وأكبر مدنها. يبلغ عدد سكان المدينة نحو 400,000 نسمة بحسب تقديرات المكتب المركزي للإحصاء في سوريا لعام 2011 م، بينما يتجاوز عدد سكان المحافظة مليون نسمة. تضمّ المدينة الميناء التجاري الأول في البلاد الذي يستقبل نحو 70% من واردات سوريا البحرية، ما يجعلها شرياناً اقتصادياً حيوياً لا غنى عنه. تتميّز اللاذقية بتاريخ حضاري عريق يمتد لآلاف السنين، إذ ارتبطت بمملكة أوغاريت الشهيرة التي قدّمت للإنسانية أول أبجدية معروفة في التاريخ.
تقع اللاذقية عند خط عرض 35.52° شمالاً وخط طول 35.78° شرقاً على الساحل السوري، وتبعد نحو 348 كيلومتراً شمال غرب العاصمة دمشق. يحدّها من الغرب البحر الأبيض المتوسط، ومن الشرق سلسلة الجبال الساحلية (جبال العلويين) التي ترتفع حتى 1500 متر فوق سطح البحر. يتميّز مناخها بكونه مناخاً متوسطياً معتدلاً؛ صيفه حار ورطب وشتاؤه معتدل ماطر، حيث يتراوح معدل الأمطار السنوي بين 700 و800 ملم وفقاً لبيانات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) (مصدر رقم 1). تضمّ المحافظة سهولاً زراعية خصبة تُنتج الحمضيات والزيتون والتبغ، وتتخلّلها أنهار عدة أبرزها نهر الكبير الشمالي.
يرتبط تاريخ اللاذقية ارتباطاً وثيقاً بمملكة أوغاريت القديمة الواقعة في موقع رأس شمرا على بُعد نحو 16 كيلومتراً شمال المدينة. ازدهرت أوغاريت في الألفية الثانية قبل الميلاد وكانت مركزاً تجارياً دولياً يربط بين بلاد الرافدين ومصر والأناضول وبحر إيجة. في عام 1928 م اكتشف مزارع محلي أثناء حرث أرضه بالصدفة مدخل مقبرة أثرية قديمة في منطقة مينة البيضا المجاورة لرأس شمرا (مصدر رقم 2). أدّى هذا الاكتشاف إلى إرسال بعثة أثرية فرنسية بقيادة عالم الآثار كلود شيفر (Claude Schaeffer) في عام 1929 م، حيث بدأت أعمال التنقيب المنهجية في الموقع وكشفت عن رُقُم طينية تحمل كتابات بأبجدية مسمارية فريدة عُرفت لاحقاً بالأبجدية الأوغاريتية، وهي من أقدم الأبجديات المعروفة في تاريخ البشرية (مصدر رقم 3). أدرجت منظمة اليونسكو موقع رأس شمرا على القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي في عام 1999 م (مصدر رقم 4).
يُنسب تأسيس المدينة بشكلها الحالي إلى سلوقس الأول نيكاتور، أحد قادة الإسكندر الأكبر، الذي أسّسها في القرن الرابع قبل الميلاد وسمّاها «لاوديكيا» (Laodicea ad Mare) تيمّناً بوالدته لاوديكي. تحت الحكم الروماني أصبحت المدينة ميناءً تجارياً مهماً وحصلت على لقب «المدينة الحرة» (Civitas Libera)، وازدهرت فيها الحركة التجارية والعمرانية. في العصر البيزنطي استمرّت المدينة مركزاً كنسياً ذا شأن وشهدت بناء عدد من الكنائس والأديرة.
فتح المسلمون اللاذقية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب نحو عام 637 م على يد القائد عبادة بن الصامت ضمن حملات فتح الساحل الشامي. شهدت المدينة تعاقب الدول الإسلامية عليها من الأمويين إلى العباسيين ثم الحمدانيين والفاطميين. في فترة الحروب الصليبية سقطت اللاذقية بيد الصليبيين عام 1097 م وظلّت تحت سيطرتهم لفترات متقطعة حتى استعادها المسلمون نهائياً في عهد السلطان المملوكي بيبرس عام 1287 م. خلال الحكم المملوكي أُعيد بناء المدينة وتحصيناتها بعدما خرّبتها الحروب المتكررة.
خضعت اللاذقية للحكم العثماني منذ عام 1516 م بعد معركة مرج دابق، وبقيت تحت إدارته حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. خلال فترة الانتداب الفرنسي (1920-1946 م) أنشأت فرنسا «دولة العلويين» عام 1920 م واتّخذت اللاذقية عاصمة لها، في إطار سياسة تقسيم سوريا إلى كيانات صغيرة. أُلغيت هذه الدولة واندمجت في الجمهورية السورية عام 1936 م بموجب معاهدة الاستقلال، ثم حصلت سوريا على الاستقلال الكامل عام 1946 م (مصدر رقم 5).
يُشكّل ميناء اللاذقية العمود الفقري للاقتصاد السوري البحري، وهو الميناء التجاري الرئيسي في البلاد. أُنشئ الميناء الحديث في خمسينيات القرن العشرين وخضع لعمليات توسعة متعددة. تبلغ طاقته الاستيعابية نحو 3.7 مليون طن سنوياً من البضائع، ويضمّ أرصفة متخصصة للحاويات والبضائع السائبة والسائلة (مصدر رقم 6). قبل اندلاع النزاع عام 2011 م كان الميناء يستقبل نحو 70% من واردات سوريا البحرية ويُصدّر منتجات زراعية وصناعية متنوعة. كما يوجد في المحافظة ميناء طرطوس إلى الجنوب، إلا أن ميناء اللاذقية يظلّ الأكبر من حيث حجم التداول.
إلى جانب الميناء، يعتمد اقتصاد المحافظة على الزراعة ولا سيّما إنتاج الحمضيات والزيتون والتبغ. تُنتج محافظة اللاذقية نحو 50% من إنتاج سوريا من الحمضيات وفقاً لبيانات وزارة الزراعة السورية. كذلك تضمّ المدينة منشآت صناعية تشمل معامل التعليب والتغليف ومصانع الإسمنت وتجهيز التبغ. شهد القطاع السياحي نشاطاً ملحوظاً قبل عام 2011 م بفضل الشواطئ الرملية والمنتجعات والمواقع الأثرية (مصدر رقم 7).
بحسب تقديرات المكتب المركزي للإحصاء في سوريا، بلغ عدد سكان مدينة اللاذقية نحو 383,786 نسمة عام 2004 م، بينما قُدّر عدد سكان المحافظة بنحو 1,229,000 نسمة عام 2011 م (مصدر رقم 8). تتميّز المدينة بتنوّع ديموغرافي ملحوظ يضمّ مسلمين (سنّة وعلويين) ومسيحيين من طوائف متعددة، فضلاً عن جاليات صغيرة أخرى. شكّل هذا التنوع الديني والعرقي ملمحاً أساسياً من ملامح الهوية الاجتماعية للمدينة عبر تاريخها الطويل. شهدت المحافظة خلال سنوات النزاع (2011-2024 م) موجات نزوح داخلي واسعة من محافظات حلب وإدلب، ما أدّى إلى ارتفاع عدد سكانها الفعلي بشكل كبير. أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى أن محافظة اللاذقية استقبلت مئات الآلاف من النازحين داخلياً خلال فترة النزاع (مصدر رقم 9).
تُعدّ اللاذقية مركزاً ثقافياً وتعليمياً بارزاً في سوريا. تأسّست جامعة تشرين عام 1971 م وهي من أكبر الجامعات الحكومية السورية، وتضمّ أكثر من 18 كلية تغطّي تخصصات الطب والهندسة والعلوم والآداب والزراعة. يدرس فيها عشرات الآلاف من الطلاب من مختلف المحافظات السورية (مصدر رقم 10). إضافة إلى ذلك، تضمّ المدينة فروعاً لعدد من الجامعات الخاصة.
على الصعيد الثقافي، تحتضن اللاذقية متحف اللاذقية الوطني الذي يعرض مقتنيات أثرية من أوغاريت ومواقع أخرى، فضلاً عن دار الأوبرا (المسرح القومي) والمراكز الثقافية. عُرفت المدينة تاريخياً بأنها مسقط رأس الشاعر الكبير أدونيس (علي أحمد سعيد إسبر) أحد أبرز الشعراء العرب المعاصرين. كما تستضيف المدينة مهرجانات ثقافية وفنية دورية، وتتميّز بمشهد موسيقي نابض بالحياة.
تضمّ اللاذقية ومحيطها عدداً من المعالم التاريخية والسياحية البارزة:
على الرغم من أن اللاذقية لم تشهد دماراً عمرانياً واسعاً مقارنة بمدن سورية أخرى كحلب وحمص، إلا أنها تأثّرت بشكل عميق بالنزاع المسلح الذي اندلع في سوريا منذ عام 2011 م. شهد ريف اللاذقية الشمالي والشرقي عمليات عسكرية متكررة ونزوحاً سكانياً واسعاً. وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش انتهاكات حقوقية في ريف اللاذقية خلال سنوات النزاع، بما في ذلك عمليات تهجير قسري وتدمير ممتلكات (مصدر رقم 12).
استقبلت المدينة أعداداً كبيرة من النازحين من المحافظات المجاورة، مما فرض ضغوطاً هائلة على البنية التحتية والخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وصحة وتعليم. أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) بأن الوضع الإنساني في المحافظة تطلّب استجابة دولية مستمرة (مصدر رقم 13). كما تراجع النشاط الاقتصادي في الميناء بسبب العقوبات الدولية المفروضة على سوريا وتراجع حركة التجارة الخارجية، حيث أشار البنك الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لسوريا انخفض بأكثر من 60% خلال سنوات النزاع (مصدر رقم 14).
في كانون الأول (ديسمبر) 2024 م شهدت سوريا تحولاً سياسياً جذرياً تمثّل في سقوط نظام الحكم السابق. انتقلت السلطة في اللاذقية بشكل سلمي نسبياً مقارنة ببعض المناطق الأخرى وفقاً لتقارير وكالة رويترز (مصدر رقم 15). تواجه المدينة تحدّيات كبرى في مرحلة ما بعد التحول تشمل إعادة تشغيل الميناء بكامل طاقته، وإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، وإدارة ملف عودة النازحين واللاجئين، فضلاً عن تحقيق المصالحة المجتمعية وبناء مؤسسات حكم رشيد. تراقب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الوضع الإنساني في المدينة والمحافظة عن كثب ضمن جهود الاستجابة الشاملة في سوريا (مصدر رقم 16).
يحتاج هذا القسم إلى إضافة مصادر ومراجع موثوقة.