شهد النظام السياسي في سوريا تحولات جذرية عميقة منذ حصول البلاد على الاستقلال من الانتداب الفرنسي عام 1946 م وحتى يومنا هذا. فقد انتقلت سوريا من تجربة ديمقراطية برلمانية قصيرة في أواخر الأربعينيات والخمسينيات، إلى حقبة الانقلابات العسكرية المتتالية، ثم إلى نظام الحزب الواحد تحت هيمنة حزب البعث العربي الاشتراكي الذي حكم البلاد لأكثر من ستة عقود (1963-2024 م). شكّلت هذه الحقبة نموذجاً للدولة الأمنية السلطوية التي تركّزت فيها السلطة في يد رئيس الجمهورية والمؤسسة العسكرية والأجهزة الاستخباراتية. وقد انتهت هذه الحقبة بسقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 م، لتبدأ مرحلة انتقالية جديدة تسعى إلى إعادة بناء الدولة على أسس مختلفة.
تأسس حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1947 م في دمشق على يد المفكرَين ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، وقام على ثلاثة أركان أيديولوجية رئيسية: القومية العربية، والاشتراكية، والوحدة العربية، وهو ما تلخّصه شعاره الشهير «وحدة، حرية، اشتراكية» (Perthes, 1995, pp. 133-137). سعى الحزب إلى توحيد الأمة العربية في دولة واحدة وتحقيق العدالة الاجتماعية عبر تأميم الموارد الرئيسية وإصلاح ملكية الأراضي. انتشر الحزب في عدة دول عربية، لكنه وصل إلى السلطة فعلياً في سوريا والعراق فقط.
في 8 آذار 1963 م، نفّذت مجموعة من الضباط البعثيين والناصريين انقلاباً عسكرياً أطاح بحكومة ناظم القدسي، وأُعلنت حالة الطوارئ التي استمرت دون انقطاع حتى عام 2011 م — أي ما يقارب 48 عاماً (van Dam, 2011, p. 35). تلا ذلك صراعات داخلية حادة بين الأجنحة المدنية والعسكرية للحزب، وبين البعثيين والناصريين، حُسمت لصالح الجناح العسكري بقيادة اللجنة العسكرية في انقلاب 23 شباط 1966 م.
كرّس دستور عام 1973 م هيمنة حزب البعث دستورياً من خلال المادة الثامنة التي نصّت على أن «حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة، ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب» (دستور الجمهورية العربية السورية، 1973 م، المادة 8). جعلت هذه المادة من الحزب مرجعية دستورية عليا فوق مؤسسات الدولة، وحوّلت الأحزاب الأخرى إلى مجرد واجهات تابعة.
في 16 تشرين الثاني 1970 م، قاد وزير الدفاع حافظ الأسد ما سمّاه «الحركة التصحيحية»، وهو انقلاب عسكري أبيض أطاح بالقيادة المدنية لحزب البعث برئاسة صلاح جديد ونور الدين الأتاسي. تولى الأسد رئاسة الجمهورية رسمياً في 12 آذار 1971 م بعد استفتاء شعبي (Hinnebusch, 2001, pp. 59-63). أسّس نظاماً رئاسياً محكماً يقوم على التحالف بين المؤسسة العسكرية، والأجهزة الأمنية، وقيادة حزب البعث، مع شبكة واسعة من العلاقات الزبائنية التي ربطت مختلف الطوائف والمناطق بالسلطة المركزية.
أصدر حافظ الأسد دستور 1973 م الذي منح رئيس الجمهورية صلاحيات شبه مطلقة تشمل: قيادة القوات المسلحة، وتعيين الوزراء وإقالتهم، وحلّ مجلس الشعب، والتشريع بمراسيم خلال عطلة المجلس (Perthes, 1995, pp. 145-150). واستمر العمل بقانون الطوارئ المُعلن منذ 1963 م، الذي أتاح للسلطات اعتقال المواطنين دون أمر قضائي، وحظر التجمعات، ومراقبة الاتصالات، وإحالة المدنيين إلى محاكم عسكرية واستثنائية (منظمة هيومن رايتس ووتش، تقرير سوريا 2010 م).
في شباط 1982 م، شنّ النظام عملية عسكرية واسعة على مدينة حماة لسحق تمرّد مسلّح قاده تنظيم الإخوان المسلمين. استمر الحصار والقصف قرابة 27 يوماً، وأسفر عن مقتل ما يُقدَّر بين 10,000 و40,000 شخص وفقاً لتقديرات مختلفة، وتدمير أجزاء واسعة من المدينة القديمة (منظمة العفو الدولية، تقرير 1983 م؛ van Dam, 2011, pp. 111-115). شكّلت هذه الأحداث نقطة تحوّل في تاريخ سوريا المعاصر، حيث أرسى النظام من خلالها حكم الرعب وأخمد أي معارضة سياسية لعقود لاحقة.
أُنشئت الجبهة الوطنية التقدمية عام 1972 م كائتلاف شكلي يضمّ حزب البعث إلى جانب عدد من الأحزاب الصغيرة المرخّصة، منها: الحزب الشيوعي السوري (جناح بكداش)، وحزب الاتحاد الاشتراكي العربي، والحزب السوري القومي الاجتماعي، وحركة الاشتراكيين العرب، وغيرها. بلغ عدد أحزاب الجبهة نحو عشرة أحزاب في أوسع تشكيلاتها (Hinnebusch, 2001, p. 87). غير أن ميثاق الجبهة كفل لحزب البعث الأغلبية الدائمة في قيادتها وفي مجلس الشعب، وحظر على الأحزاب الأخرى ممارسة أي نشاط داخل الجيش والجامعات.
أجرى النظام انتخابات دورية لمجلس الشعب المؤلف من 250 مقعداً، كان حزب البعث وحلفاؤه في الجبهة يحصلون فيها على أغلبية محسومة سلفاً. ووُصفت هذه الانتخابات من قبل مراقبين دوليين بأنها «انتخابات بلا خيار» (Freedom House, 2010). كما أُجريت استفتاءات رئاسية بمرشح واحد هو الرئيس الأسد نفسه، كان يحصل فيها على نسب تأييد تفوق 99% في كل مرة — وهي أرقام نمطية في الأنظمة السلطوية. لم يكن هناك فصل حقيقي بين السلطات، إذ كان الرئيس يسيطر فعلياً على السلطات الثلاث.
شكّلت الأجهزة الأمنية الأربعة العمود الفقري لنظام الحكم في سوريا، وعملت كأدوات رئيسية للسيطرة على المجتمع وقمع المعارضة. تميّز النظام الأمني السوري بتعدد الأجهزة وتداخل صلاحياتها، وهو تصميم مقصود لضمان عدم تمركز القوة في جهاز واحد ولخلق منافسة بينها تصبّ في صالح رئيس الجمهورية الذي يشرف عليها جميعاً (Perthes, 1995, pp. 152-158).
تُعرف أيضاً باسم «أمن الدولة»، ومقرّها الرئيسي في حي كفرسوسة بدمشق. تأسست رسمياً عام 1969 م وتُعدّ من أقدم الأجهزة الاستخباراتية. اشتهرت بشكل خاص الفرع 261 (فرع المعلومات) المعروف بمراقبة الأنشطة السياسية والمعارضين. اختصاصاتها الأمن الداخلي والخارجي ومكافحة التجسس ومراقبة المنظمات السياسية (منظمة هيومن رايتس ووتش، تقرير «بعيداً عن العدالة»، 2011 م).
من أقدم الأجهزة الأمنية في سوريا، تعود جذورها إلى حقبة الانتداب الفرنسي. تختصّ بمراقبة الأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات المدنية والنشاط السياسي العام. كانت مسؤولة عن الرقابة على وسائل الإعلام والمطبوعات ومنح تراخيص العمل السياسي. ارتبطت اسمياً بوزارة الداخلية لكنها عملياً كانت تتبع رئاسة الجمهورية مباشرةً.
أكبر الأجهزة الأمنية من حيث عدد الأفراد والموارد، وتتبع رسمياً وزارة الدفاع. رغم اسمها العسكري، امتدّ نشاطها ليشمل مراقبة المدنيين والأنشطة السياسية إلى جانب مهامها العسكرية. ضمّت فروعاً متعددة أبرزها الفرع 235 (فرع فلسطين) الذي اكتسب سمعة سيئة بسبب ممارسات التعذيب الموثّقة (منظمة العفو الدولية، تقرير «حقوق الإنسان في سوريا»، 2012 م). لعبت دوراً محورياً في قمع الانتفاضة الشعبية منذ 2011 م.
تُعدّ أشدّ الأجهزة الأمنية السورية سريّةً وبطشاً رغم ارتباطها الاسمي بالقوات الجوية. تأسست في الستينيات وتحوّلت تدريجياً إلى جهاز أمني شامل يتجاوز اختصاصه العسكري بكثير. ارتبط اسمها بأشهر مراكز الاحتجاز في سوريا، وأبرزها سجن صيدنايا العسكري الذي وصفته منظمة العفو الدولية بأنه «مسلخ بشري» في تقريرها الصادر عام 2017 م. وثّقت المنظمات الدولية ممارسات تعذيب منهجية وإعدامات خارج نطاق القضاء داخل مرافق هذا الجهاز (Amnesty International, “Human Slaughterhouse”, 2017).
قُدّر العدد الإجمالي للعاملين في هذه الأجهزة الأربعة بعشرات الآلاف، فضلاً عن شبكة واسعة من المخبرين المدنيين. وقد وُصف هذا النظام الأمني بأنه يخلق «جمهورية الخوف» حيث تتغلغل الرقابة في كل مناحي الحياة اليومية (Hinnebusch, 2001, p. 104).
بعد وفاة حافظ الأسد في 10 حزيران 2000 م، خلفه ابنه بشار الأسد بعد تعديل دستوري خفّض سنّ الترشح للرئاسة من 40 إلى 34 عاماً خصيصاً لتمكينه من الترشح. شهدت الأشهر الأولى من حكمه ما عُرف بـ«ربيع دمشق» (أيلول 2000 — شباط 2001 م)، وهي فترة انفتاح سياسي نسبي ظهرت خلالها منتديات للحوار السياسي وصدرت عريضة «بيان الـ 99» التي طالبت بإصلاحات ديمقراطية (Reuters, 2001). لكن النظام سرعان ما أغلق المنتديات واعتقل عدداً من الناشطين البارزين في مطلع 2001 م، وعاد إلى أساليب القمع التقليدية.
بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية في آذار 2011 م ومواجهة النظام لها بالقوة العسكرية، طُرح دستور جديد للاستفتاء في 26 شباط 2012 م. أُلغيت بموجبه المادة الثامنة التي كانت تكرّس حزب البعث حزباً قائداً، وأُقرّت نظرياً التعددية الحزبية. غير أن الدستور الجديد أبقى على صلاحيات رئاسية واسعة تشمل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية عبر 21 مادة على الأقل (المواد 83-150). أُجريت انتخابات رئاسية شكلية في حزيران 2014 م — لأول مرة بتعدد مرشحين — فاز فيها بشار الأسد بنسبة 88.7% وفقاً للنتائج الرسمية، في ظلّ النزاع المسلح وعدم مشاركة مناطق واسعة من البلاد. وتكررت الانتخابات في أيار 2021 م بنسبة 95.1% وسط رفض دولي واسع لشرعيتها (الاتحاد الأوروبي، بيان 26 أيار 2021 م).
في أواخر تشرين الثاني 2024 م، شنّت فصائل المعارضة المسلحة بقيادة هيئة تحرير الشام هجوماً واسعاً من الشمال السوري سقطت على إثره مدينة حلب بسرعة غير متوقعة، ثم توالى سقوط المدن السورية الكبرى. في 8 كانون الأول 2024 م، سقطت العاصمة دمشق وفرّ بشار الأسد من البلاد، منهياً حكم عائلة الأسد الذي استمر 54 عاماً وحكم حزب البعث الذي استمر أكثر من 61 عاماً (Reuters, 8 December 2024). أعلنت القوى الجديدة تعليق العمل بالدستور وحلّ مجلس الشعب البعثي.
في 29 كانون الثاني 2025 م، أُعلن تنصيب أحمد الشرع (المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني) رئيساً للمرحلة الانتقالية في سوريا. وتعهّد بقيادة عملية انتقال سياسي شاملة تؤسس لنظام حكم جديد قائم على التعددية وسيادة القانون (Reuters, 29 January 2025).
كُلِّف محمد البشير بمنصب رئيس الوزراء لقيادة حكومة انتقالية مهمتها إدارة شؤون الدولة خلال الفترة الانتقالية وإعداد البنية المؤسسية اللازمة للمرحلة المقبلة. تشمل مهام الحكومة الانتقالية إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية، واستعادة عمل مؤسسات الدولة المدنية، والتحضير لعملية دستورية شاملة.
في 13 آذار 2025 م، صدر إعلان دستوري مؤقت يحدد إطار الحكم خلال المرحلة الانتقالية. يتضمن الإعلان مبادئ أساسية تشمل الالتزام بحقوق الإنسان، والتعددية السياسية، واستقلال القضاء، وحماية حقوق جميع المكونات السورية. يُنتظر أن تُعدّ لجنة دستورية مشكّلة على أساس تمثيلي دستوراً دائماً جديداً يُطرح للاستفتاء الشعبي في مرحلة لاحقة (Reuters, 13 March 2025).
تواجه المرحلة الانتقالية تحديات جسيمة تشمل: إعادة بناء مؤسسات الدولة المنهارة، ونزع سلاح الفصائل المتعددة ودمجها، وتحقيق العدالة الانتقالية لضحايا عقود من القمع، وإعادة ملايين اللاجئين والنازحين، وإعادة إعمار البنية التحتية المدمّرة، فضلاً عن التعامل مع التدخلات الإقليمية والدولية المتعددة.
يحتاج هذا القسم إلى توثيق بالمصادر والمراجع الأكاديمية.