يُعدّ تاريخ الدستور السوري مرآةً لتحولات البلاد السياسية العميقة على مدى أكثر من قرن، من الملكية الدستورية القصيرة العمر عام 1920 م إلى الإعلان الدستوري المؤقت عام 2025 م. شهدت سوريا ما لا يقل عن عشر وثائق دستورية كبرى، تراوحت بين دساتير برلمانية ليبرالية ودساتير رئاسية استبدادية، عاكسةً صراعاً مستمراً بين مبادئ الحكم الديمقراطي والتوجهات السلطوية التي هيمنت على الحياة السياسية السورية لعقود.
عرفت المنطقة التي تُشكّل سوريا الحديثة أشكالاً متعددة من الحكم عبر التاريخ، من الإمبراطوريات القديمة إلى الحكم العثماني الذي استمر أربعة قرون (1516-1918 م). لكن مفهوم الدستور بمعناه الحديث — أي وثيقة مكتوبة تُحدّد شكل الحكم وتكفل حقوق المواطنين — لم يظهر إلا في مطلع القرن العشرين، متأثراً بالفكر الدستوري العثماني (دستور 1876 م المعروف بالقانون الأساسي) والأفكار الليبرالية الأوروبية التي حملها المثقفون العرب العائدون من الغرب [1].
شكّلت سوريا على مدار تاريخها الحديث حالةً فريدة في العالم العربي من حيث غزارة التجارب الدستورية، إذ لم يشهد بلد عربي آخر هذا العدد من الدساتير والتعديلات في فترة زمنية مماثلة. وقد ارتبطت كل وثيقة دستورية بتحوّل سياسي كبير: انقلاب عسكري، أو استقلال، أو ثورة، أو حرب [2].
بعد انسحاب القوات العثمانية من بلاد الشام عام 1918 م ودخول قوات الثورة العربية الكبرى إلى دمشق، أُعلنت المملكة السورية العربية في 8 مارس 1920 م بقيادة الملك فيصل بن الحسين. سارع المؤتمر السوري العام — الذي كان يضم ممثلين عن سوريا الطبيعية بما فيها لبنان وفلسطين والأردن — إلى صياغة دستور للمملكة الوليدة [3].
تألّف مشروع الدستور من 148 مادة أقرّها المؤتمر السوري من حيث المبدأ في 5 يوليو 1920 م. أرسى الدستور نظاماً ملكياً دستورياً علمانياً مع نظام برلماني مدني، وتضمّن أحكاماً متقدمة لعصره [3]:
اللافت أن الشيخ رشيد رضا، أحد أبرز الشخصيات الإسلامية في المؤتمر، دعم الطابع العلماني للدستور، محتجّاً بأن إعلان الإسلام دين الدولة سيفتح الباب أمام التدخل الأجنبي بذريعة «حماية الأقليات» [3].
لم تُستكمل المصادقة على الدستور؛ ففي جلسته الأخيرة بتاريخ 19 يوليو 1920 م، كان المؤتمر قد صادق رسمياً على ست مواد فقط. في اليوم التالي، أعلن الملك فيصل حالة الطوارئ وحلّ المؤتمر، وبعد أيام قليلة سقطت المملكة السورية في معركة ميسلون أمام القوات الفرنسية في 24 يوليو 1920 م [3].
بعد فرض الانتداب الفرنسي على سوريا عام 1920 م، انتخبت الجمعية التأسيسية عام 1928 م لجنة لصياغة دستور للبلاد. رفضت فرنسا المسودة الأولى لتضمّنها مواد تتعارض مع صلاحيات سلطة الانتداب، فأعادت صياغتها وأصدر المفوض السامي الفرنسي الدستور بمرسوم في 14 مايو 1930 م مع إضافة المادة 116 التي أكدت أولوية صلاحيات الانتداب على أحكام الدستور [4].
بعد الاستقلال عام 1946 م، وبعد انقلاب حسني الزعيم (مارس 1949 م) وانقلاب سامي الحناوي (أغسطس 1949 م)، دعا الأخير إلى انتخاب جمعية تأسيسية لصياغة دستور جديد. بعد انقلاب أديب الشيشكلي الأول في ديسمبر 1949 م، سُمح للجمعية بمواصلة عملها، فأقرّت الدستور في 5 سبتمبر 1950 م [2][5].
يُجمع معظم الباحثين والمؤرخين على أن دستور 1950 م هو أكثر الدساتير السورية ديمقراطيةً وتقدمية، بل من أفضل الدساتير في العالم العربي في تلك الحقبة. تميّز بالآتي [2][5][6]:
الحريات والحقوق (28 مادة مخصصة):
النظام السياسي:
حقوق المرأة:
الهوية:
لم يصمد دستور 1950 م طويلاً؛ فبعد انقلاب أديب الشيشكلي الثاني في نوفمبر 1951 م، عُلّق الدستور واستُبدل بدستور جديد عام 1953 م يمنح الرئيس صلاحيات أوسع. بعد سقوط الشيشكلي عام 1954 م، أُعيد العمل بدستور 1950 م واستمر حتى قيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1958 م [2].
وضع أديب الشيشكلي دستوراً جديداً أُقرّ باستفتاء شعبي في 10 يوليو 1953 م، حوّل النظام من برلماني إلى رئاسي مع صلاحيات واسعة للرئيس. أُلغي هذا الدستور بعد الإطاحة بالشيشكلي في فبراير 1954 م وعودة العمل بدستور 1950 م [2].
مع قيام الجمهورية العربية المتحدة بين سوريا ومصر في فبراير 1958 م، أُلغيت جميع الأحزاب السياسية والدساتير السابقة. صدر دستور مؤقت للجمهورية المتحدة يمنح الرئيس جمال عبد الناصر صلاحيات واسعة مع مجلس أمة واحد. انتهى هذا الدستور مع الانفصال في سبتمبر 1961 م [2].
بعد الانفصال، أُعيد العمل بدستور 1950 م مع تعديلات طفيفة، واستمر حتى انقلاب حزب البعث في 8 مارس 1963 م الذي أنهى الحقبة الدستورية الليبرالية في سوريا نهائياً [2].
بعد استيلاء حزب البعث العربي الاشتراكي على السلطة عام 1963 م، أصدر مجلس قيادة الثورة سلسلة من الدساتير المؤقتة [2][4]:
اشتركت هذه الدساتير في تركيز السلطة في يد القيادة القطرية لحزب البعث ومجلس قيادة الثورة، وتقليص الحريات العامة باسم «المرحلة الثورية» [4].
شكّل الرئيس حافظ الأسد لجنة لصياغة دستور دائم للبلاد، وأُقرّ بالاستفتاء الشعبي يوم 12 مارس وصدر بمرسوم جمهوري في 13 مارس 1973 م. ظلّ هذا الدستور سارياً بتعديلات طفيفة حتى 27 فبراير 2012 م — أي 39 عاماً — ممّا جعله أطول الدساتير السورية عمراً [2][4][7].
شكّلت المادة الثامنة حجر الزاوية في البنية السياسية السورية طوال أربعة عقود، إذ نصّت على أن:
«حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة، ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية» [7]
منحت هذه المادة حزب البعث احتكاراً قانونياً للحياة السياسية، وجعلت كل الأحزاب الأخرى المشاركة في «الجبهة الوطنية التقدمية» مجرد واجهات تابعة. كانت المطالبة بإلغاء المادة الثامنة من أبرز مطالب الثورة السورية عام 2011 م [7].
منح الدستور رئيس الجمهورية صلاحيات شبه مطلقة [4][7]:
| الصلاحية | التفاصيل |
|---|---|
| رئاسة الدولة | رئيس الجمهورية ورئيس السلطة التنفيذية |
| القيادة العسكرية | القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة |
| التشريع | حق إصدار المراسيم التشريعية خارج دورات المجلس |
| التعيين | تعيين وعزل الوزراء ونوابهم والمحافظين والقضاة |
| حل البرلمان | حق حل مجلس الشعب |
| الاستفتاء | حق طرح أي قضية للاستفتاء الشعبي |
| قانون الطوارئ | حق إعلان حالة الطوارئ (استمرت من 1963 م حتى 2011 م!) |
| الولاية | سبع سنوات قابلة للتجديد بلا حدود |
لم يكن الرئيس يُنتخب تنافسياً، بل تُرشّحه القيادة القطرية لحزب البعث، ويُقرّه مجلس الشعب، ثم يُعرض على الاستفتاء الشعبي بصيغة «نعم أو لا». لم يحصل أي مرشح غير بعثي على فرصة الترشح طوال 39 عاماً [4].
عند وفاة حافظ الأسد في 10 يونيو 2000 م، كان ابنه بشار يبلغ 34 عاماً، بينما كان الدستور يشترط ألّا يقل عمر الرئيس عن 40 عاماً. في جلسة طارئة استمرت 15 دقيقة فقط، عدّل مجلس الشعب المادة 83 لخفض سن الترشح من 40 إلى 34 عاماً — وهو عمر بشار بالتحديد. جرى الاستفتاء على بشار بعد أسابيع بنسبة تأييد معلنة بلغت 97.29% [2][4].
اعتُبر هذا التعديل على نطاق واسع «تفصيلاً دستورياً على مقاس الوريث»، وأثار انتقادات دولية واسعة بوصفه تحويلاً للجمهورية إلى ملكية وراثية مقنّعة [8].
مع اندلاع الثورة السورية في مارس 2011 م، وتصاعد المطالب الشعبية بالإصلاح السياسي، أعلن الرئيس بشار الأسد تشكيل لجنة لصياغة دستور جديد. طُرح المشروع للاستفتاء في 26 فبراير 2012 م — في خضم العمليات العسكرية في حمص ومدن أخرى — دون رقابة دولية. أُعلن عن نسبة موافقة بلغت 89.4% [2][9].
| البند | دستور 1973 | دستور 2012 |
|---|---|---|
| المادة الثامنة | حزب البعث قائد الدولة | إلغاء — تعددية حزبية شكلية |
| انتخاب الرئيس | استفتاء بمرشح واحد | انتخاب تنافسي مباشر |
| مدة الولاية | 7 سنوات بلا حدود | 7 سنوات لفترتين كحد أقصى |
| رئيس الوزراء | يُعيّنه الرئيس | يُعيّنه الرئيس (لا تغيير جوهري) |
رغم الإصلاحات الظاهرية، أبقى دستور 2012 م على تركّز السلطة في يد الرئيس من خلال 21 مادة على الأقل منحته سيطرة فعلية على السلطات الثلاث [9]:
رفضت المعارضة السورية الدستور ووصفته بأنه «تجميل للاستبداد»، بينما أجريت «انتخابات رئاسية» شكلية عام 2014 م فاز فيها الأسد بنسبة 88.7% في ظل حرب أهلية طاحنة [2].
في 23 سبتمبر 2019 م، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تشكيل اللجنة الدستورية السورية بعد عامين من المحاولات. تألفت اللجنة من 150 عضواً يمثلون ثلاثة أطراف بالتساوي [10]:
كما شُكّلت لجنة مصغّرة من 45 عضواً (15 عن كل طرف) لصياغة المسودة، بإشراف المبعوث الأممي الخاص لسوريا غير بيدرسن [10].
عقدت اللجنة ست جلسات على مدى ثلاث سنوات دون تحقيق تقدم يُذكر [10][11]:
وصف المبعوث الأممي بيدرسن الوضع بأنه «مأزق مطوّل»، وأقرّ بأن نجاحه اقتصر على جلب الوفدين إلى جنيف دون تجسير الهوة الواسعة بين مواقفهما [11].
في 8 ديسمبر 2024 م، سقط نظام الأسد أمام هجوم المعارضة المسلحة بقيادة هيئة تحرير الشام. فرّ بشار الأسد إلى موسكو، تاركاً فراغاً دستورياً وسياسياً هائلاً. أُعلن أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقاً) رئيساً انتقالياً في يناير 2025 م [12].
في 2 مارس 2025 م، أعلن الرئيس أحمد الشرع تشكيل لجنة صياغة مؤلفة من سبعة أعضاء من القانونيين، بينهم [12][13]:
أنجزت اللجنة المسودة في أسبوعين تقريباً، ووقّع الرئيس الشرع على الإعلان الدستوري المؤقت للجمهورية العربية السورية في 13 مارس 2025 م [12][13].
مدة السريان: خمس سنوات (2025-2030 م) تنتهي بإقرار دستور دائم وإجراء انتخابات
نظام الحكم: رئاسي — الرئيس يرأس السلطة التنفيذية ويُعيّن الوزراء مباشرة دون منصب رئيس وزراء [12]
السلطة التشريعية: مجلس الشعب يتألف من 210 عضواً، يُعيّن ثلثاهم من هيئات انتخابية محلية ويختار الرئيس الثلث المتبقي (70 عضواً) [14]
السلطة القضائية: المحكمة الدستورية العليا تتألف من سبعة قضاة يُعيّنهم الرئيس [13]
الهوية الدينية: المادة 3 تنص على أن «الإسلام هو الدين الرسمي للدولة والمصدر الرئيسي للتشريع»، مع حماية شؤون الأحوال الشخصية للأقليات الدينية [13]
أثار الإعلان الدستوري انتقادات من جهات متعددة [13][15]:
منظمة هيومن رايتس ووتش (25 مارس 2025 م): حذّرت من أن الإعلان يمنح الرئيس صلاحيات واسعة على التعيينات القضائية والتشريعية دون ضوابط أو رقابة، ممّا يُهدّد سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان [15].
الاحتجاجات الكردية: تظاهر المئات في القامشلي يوم 14 مارس 2025 م رفضاً للإعلان الدستوري، واتهموه بتجاهل تطلعات الأقليات في سوريا وعدم الاعتراف بخصوصية المنطقة الكردية [12].
المحللون الدستوريون: أشار زيد العلي (الخبير الدستوري في مؤسسة الإصلاح العربي) إلى أن اللجنة صاغت الدستور بسرعة مفرطة دون تشاور مجتمعي حقيقي [16].
| المعيار | 1950 | 1973 | 2012 | 2025 (مؤقت) |
|---|---|---|---|---|
| نظام الحكم | برلماني | رئاسي مطلق | رئاسي مهيمن | رئاسي انتقالي |
| انتخاب الرئيس | من البرلمان | استفتاء (مرشح واحد) | انتخاب مباشر | تعيين انتقالي |
| مدة الولاية | 5 سنوات، فترة واحدة | 7 سنوات، بلا حدود | 7 سنوات، فترتان | 5 سنوات انتقالية |
| حل البرلمان | لا | نعم | نعم | — |
| تعيين القضاء | مستقل | الرئيس | الرئيس | الرئيس |
| قائد الجيش | رئيس الوزراء | الرئيس | الرئيس | الرئيس |
| التشريع بمراسيم | لا | نعم | نعم | نعم |
| الحزب الحاكم | تعددية | البعث (المادة 8) | تعددية شكلية | لا أحزاب بعد |
يكشف التاريخ الدستوري السوري عن اتجاه واضح نحو تركيز السلطة: من النظام البرلماني في دستور 1950 م الذي كان فيه رئيس الوزراء هو الحاكم الفعلي، إلى النظام الرئاسي المطلق في دستور 1973 م الذي جعل الرئيس فوق كل المؤسسات. حتى الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025 م اختار النظام الرئاسي، مما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت سوريا ستعود يوماً إلى التجربة البرلمانية [2].
ظل سؤال الهوية محورياً في كل دستور سوري: هل سوريا «دولة عربية» حصراً أم دولة متعددة الهويات؟ وما علاقة الإسلام بالتشريع؟ تراوحت الإجابات من العلمانية الملكية (1920 م) إلى القومية البعثية (1973 م) إلى الإسلامية الصريحة (2025 م)، لكن لم تنجح أي صيغة في تحقيق إجماع وطني حقيقي حتى الآن [2][16].
تُظهر التجربة السورية فجوة دائمة بين النص الدستوري والممارسة الفعلية. حتى أفضل الدساتير (1950 م) لم يمنع الانقلابات العسكرية، وأسوأها (1973 م) زعم كفالة «حقوق المواطنين». الدستور وحده لا يكفي لبناء دولة القانون دون مؤسسات مستقلة ومجتمع مدني قوي وقضاء نزيه وإرادة سياسية حقيقية [2].