شكّلت المرأة السورية عنصراً محورياً في تاريخ سوريا الحديث والمعاصر، إذ أسهمت في الحراك الوطني والاجتماعي منذ مطلع القرن العشرين. حصلت المرأة السورية على حق التصويت عام 1953 م، وهو ما جعل سوريا من أوائل الدول العربية التي أقرّت هذا الحق. غير أن مسار تقدّم المرأة شهد تحولات جذرية بعد اندلاع النزاع المسلح عام 2011 م، حيث تحمّلت النساء عبئاً إنسانياً واجتماعياً بالغ الثقل. يتناول هذا المقال مسيرة المرأة السورية تاريخياً وقانونياً واجتماعياً وسياسياً، مع التركيز على التحديات التي تواجهها في المرحلة الراهنة.
يعود نشاط المرأة السورية في الحياة العامة إلى أواخر الحقبة العثمانية ومطلع عهد الانتداب الفرنسي، حين بدأت نساء سوريات بتأسيس جمعيات خيرية وثقافية في دمشق وحلب وغيرهما من المدن الكبرى. وقد شاركت نساء سوريات في مظاهرات الاستقلال والمقاومة ضد الانتداب الفرنسي في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته، مما أسّس لحضور نسائي مبكر في الفضاء السياسي السوري.
في عام 1953 م، أقرّت سوريا حق المرأة في التصويت والترشّح للانتخابات، وهو إنجاز تشريعي جاء في سياق موجة التحديث التي شهدتها البلاد بعد الاستقلال عام 1946 م. وقد سبقت سوريا بذلك عدداً من الدول العربية في منح المرأة حقوقها السياسية الكاملة. تلا ذلك دخول المرأة السورية تدريجياً إلى سوق العمل والتعليم الجامعي والمهن الحرة، وإن ظلّت نسبة مشاركتها في الحياة السياسية محدودة مقارنة بالرجل طوال العقود اللاحقة.
شهدت فترة الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين تأسيس الاتحاد العام النسائي السوري عام 1967 م، الذي ارتبط بحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم، وعمل على تنظيم النشاط النسائي ضمن إطار رسمي. وعلى الرغم من أن هذا الاتحاد أسهم في توسيع بعض حقوق المرأة في مجالات التعليم والعمل، فإن منتقديه أشاروا إلى أنه كان أداة للسيطرة الحزبية على الحراك النسوي أكثر من كونه مؤسسة مستقلة تدافع عن حقوق المرأة.
برزت في تاريخ سوريا الحديث شخصيات نسائية رائدة تركت بصمة واضحة في الحياة العامة:
نازك العابد (1887-1959 م): تُعدّ من أبرز رائدات الحركة النسائية والوطنية في سوريا. شاركت في مقاومة الانتداب الفرنسي، وقادت مظاهرات نسائية في دمشق. أسّست جمعية النور والهداية، وعملت على نشر التعليم بين النساء. كما شاركت في معركة ميسلون عام 1920 م ضد القوات الفرنسية، مما أكسبها لقب «جان دارك الشرق» في بعض المصادر التاريخية. وتُعتبر نازك العابد أول امرأة سورية تحمل رتبة عسكرية فخرية بعد مشاركتها في الدفاع عن دمشق.
عديلة بيهم الجزائري (1900-1975 م): ناشطة اجتماعية وسياسية لبنانية-سورية من أصول دمشقية، اضطلعت بدور بارز في الحركة النسائية في بلاد الشام. أسّست عدداً من الجمعيات النسائية والخيرية، وعُرفت بنشاطها في مجال التعليم والعمل الاجتماعي. دعت إلى تحرير المرأة العربية من القيود الاجتماعية التقليدية مع الحفاظ على الهوية الثقافية، وكان لها أثر واسع في تشكيل الخطاب النسوي العربي في منتصف القرن العشرين.
ثريا الحافظ (1911-2000 م): كاتبة وناشطة نسوية سورية، أسّست مجلة «العروس» وأسهمت في الكتابة عن قضايا المرأة في الصحافة السورية. نشطت في المطالبة بحقوق المرأة في التعليم والعمل، وكانت من أوائل النساء السوريات اللواتي طالبن برفع الحجاب والمشاركة الكاملة في الحياة العامة.
يُعدّ قانون الأحوال الشخصية السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 59 لعام 1953 م، والمعدّل في مراحل لاحقة، الإطار القانوني الأساسي الذي ينظّم شؤون الزواج والطلاق والحضانة والميراث في سوريا. يستند هذا القانون في أحكامه إلى الفقه الإسلامي مع بعض التعديلات التي أُدخلت عليه بمرور الزمن.
من أبرز ملامح هذا القانون وتأثيره على المرأة:
وقد انتقدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women) ومنظمة هيومن رايتس ووتش (HRW) عدداً من بنود هذا القانون، مشيرتين إلى أنه يكرّس أوجه تمييز هيكلية ضد المرأة، لا سيما في ما يتعلق بحقوق الطلاق والحضانة والميراث. في المقابل، يرى مؤيدو القانون أنه يراعي الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع السوري، وأن التعديلات التي أُدخلت عليه حسّنت وضع المرأة مقارنة بقوانين أحوال شخصية في دول أخرى بالمنطقة.
قبل اندلاع النزاع عام 2011 م، شهدت سوريا تحسناً ملحوظاً في مؤشرات تعليم المرأة. ارتفعت نسبة الالتحاق بالتعليم الابتدائي لتقترب من التكافؤ بين الجنسين، كما ازدادت نسبة النساء في التعليم الجامعي بشكل ملموس. وتخرّجت نساء سوريات في تخصصات متنوعة تشمل الطب والهندسة والقانون والعلوم، وشغلن مناصب أكاديمية ومهنية متقدمة.
أما في المجال الاقتصادي، فقد ظلّت نسبة مشاركة المرأة السورية في سوق العمل منخفضة نسبياً مقارنة بالمعدلات العالمية. وبحسب بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women)، لم تتجاوز نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة الرسمية حدود 12-15% قبل عام 2011 م، وهي من أدنى النسب في العالم. ويُعزى ذلك إلى عوامل متعددة تشمل الأعراف الاجتماعية المحافظة، وضعف البنية التحتية لرعاية الأطفال، وعدم تكافؤ الأجور بين الجنسين في بعض القطاعات.
مع ذلك، أدّت المرأة السورية أدواراً اقتصادية غير رسمية واسعة، خاصة في الزراعة والصناعات الحرفية والتجارة الصغيرة في المناطق الريفية. كما شهدت السنوات التي سبقت النزاع نمواً في عدد سيدات الأعمال السوريات، لا سيما في قطاعات الخدمات والتكنولوجيا والسياحة.
بعد عام 2011 م، تغيّر المشهد الاقتصادي بالنسبة للمرأة السورية تغيراً جذرياً. فقد اضطرت نساء كثيرات إلى تولّي دور المعيل الرئيسي لأسرهن بسبب مقتل الأزواج أو اعتقالهم أو تجنيدهم، مما أدى إلى ارتفاع نسبة الأسر التي تعيلها نساء بشكل ملحوظ. وتشير تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women) إلى أن النساء في مناطق اللجوء واجهن تحديات مضاعفة في الوصول إلى سوق العمل بسبب القيود القانونية واللغوية والاجتماعية.
مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا عام 2011 م، برزت المرأة السورية بوصفها فاعلة رئيسية في الحراك السلمي والعمل المدني والتوثيق الحقوقي. وقد تعددت أدوار النساء بين المشاركة في التظاهرات، وتقديم الإغاثة الطبية والإنسانية، وتوثيق الانتهاكات، والعمل الإعلامي.
من أبرز الناشطات السوريات اللواتي اكتسبن شهرة واسعة خلال هذه المرحلة:
رزان زيتونة (مواليد 1977 م): محامية وناشطة حقوقية سورية بارزة، أسّست مركز توثيق الانتهاكات في سوريا وشاركت في تأسيس لجان التنسيق المحلية. حازت عدداً من الجوائز الدولية لحقوق الإنسان تقديراً لعملها التوثيقي. اختُطفت رزان زيتونة مع زوجها وائل حمادة وزميلتيها سميرة الخليل وناظم حمادي في التاسع من كانون الأول/ديسمبر 2013 م من مقرّها في مدينة دوما بريف دمشق. وتشير تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR) ومنظمة هيومن رايتس ووتش (HRW) إلى أن جيش الإسلام، الفصيل المسلح الذي كان يسيطر على دوما آنذاك، هو المسؤول المرجّح عن عملية الاختطاف، وهو ما نفاه الفصيل. ولا يزال مصير رزان زيتونة ورفاقها مجهولاً حتى عام 2025 م.
فدوى سليمان (1970-2017 م): ممثلة وناشطة سورية من مدينة حمص، اشتُهرت بقيادتها مظاهرات سلمية في حي بابا عمرو بحمص خلال عام 2012 م. أصبحت رمزاً للاحتجاج السلمي العابر للطوائف، إذ كانت من خلفية علوية وقادت مظاهرات في أحياء ذات أغلبية سنّية. غادرت سوريا لاحقاً إلى فرنسا، حيث توفيت عام 2017 م بعد صراع مع مرض السرطان.
سمر يزبك (مواليد 1970 م): كاتبة وروائية وناشطة سورية من خلفية علوية، وثّقت تجربتها في الثورة السورية في عدد من الكتب أبرزها «تقاطع نيران: من يوميات الانتفاضة السورية«. غادرت سوريا عام 2012 م بسبب التهديدات الأمنية، واستمرت في نشاطها الحقوقي والأدبي من المنفى. أسّست منظمة »نساء الآن» التي تُعنى بتمكين النساء السوريات في مناطق النزاع، وحازت جوائز أدبية دولية عديدة.
لم يقتصر دور النساء على الجانب المعارض فحسب، إذ شاركت نساء أيضاً في دعم المؤسسات الحكومية والعمل ضمن منظمات موالية للحكومة السورية، فيما اتخذت نساء أخريات مواقف محايدة وعملن في مجال الإغاثة الإنسانية بمعزل عن الأطراف السياسية المتصارعة.
خلّف النزاع المسلح في سوريا عواقب إنسانية كارثية على النساء والفتيات. وتكشف الإحصاءات المتاحة عن حجم المعاناة التي تعرّضت لها المرأة السورية:
على الرغم من الدور المحوري الذي أدّته المرأة السورية في الحراك المدني والإنساني منذ عام 2011 م، فإن تمثيلها في العملية السياسية الرسمية ظلّ هامشياً. وقد تجلّى ذلك في مراحل متعددة:
تتباين وجهات النظر حول أسباب ضعف التمثيل السياسي للمرأة؛ إذ يرى بعض المحللين أن البنى الاجتماعية المحافظة والأعراف القبلية والعشائرية تشكّل العائق الأساسي، فيما يشير آخرون إلى أن غياب الإرادة السياسية لدى الأطراف الفاعلة وعدم وجود آليات قانونية ملزمة لتمثيل المرأة هما السبب الجوهري.
تواجه المرأة السورية في المرحلة الراهنة جملة من التحديات المتشابكة التي تتطلب معالجة شاملة ومتعددة الأبعاد:
في المقابل، تبرز مؤشرات إيجابية تتمثل في نموّ حركة نسوية سورية مستقلة ونشطة، سواء داخل سوريا أو في المهجر، تعمل على المناصرة والتوثيق وتقديم الخدمات. كما أن الاهتمام الدولي المتزايد بقضايا المرأة في النزاعات يوفر إطاراً داعماً للمطالب النسوية السورية. ويبقى مستقبل المرأة السورية مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمآلات العملية السياسية ومدى جدّية الأطراف الفاعلة في إدماج المرأة في مسار إعادة بناء الدولة والمجتمع.