شهدت الجمهورية السورية في الفترة الممتدة بين عامَي 1949 و1970 سلسلةً غير مسبوقة من الانقلابات العسكرية تجاوزت العشرة انقلابات ناجحة، فضلاً عن محاولات انقلابية فاشلة عديدة، ممّا جعل سوريا واحدةً من أكثر دول العالم العربي اضطراباً سياسياً في تلك الحقبة. أدّت هذه الانقلابات إلى تقويض التجربة الديمقراطية البرلمانية التي نشأت بعد الاستقلال، وأسّست لتدخّل الجيش المزمن في الحياة السياسية، وانتهت بصعود حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970 مُفتتحاً حكماً عائلياً استمرّ أربعةً وخمسين عاماً حتى سقوط النظام في ديسمبر 2024. ويُعدّ فهم هذه الانقلابات مفتاحاً جوهرياً لاستيعاب البنية السياسية والاجتماعية لسوريا المعاصرة.
حصلت سوريا على استقلالها الكامل في السابع عشر من أبريل عام 1946، حين جلت آخر القوات الفرنسية عن أراضيها بعد ستّة وعشرين عاماً من الانتداب الفرنسي الذي بدأ عام 1920. تولّى الرئيس شكري القوتلي، أحد أبرز رموز الحركة الوطنية السورية، قيادة البلاد في مرحلة بالغة الحساسية. ورثت الدولة الفتيّة مؤسسات مدنية هشّة وجيشاً صغيراً بُني على أنقاض «القوات الخاصة للشرق الأدنى» التي شكّلها الفرنسيون، وكان معظم ضبّاطه قد تلقّوا تدريبهم في الأكاديمية العسكرية بحمص التي أسّسها الانتداب.
شكّلت الهزيمة في حرب فلسطين عام 1948 صدمةً عميقة للمجتمع السوري والمؤسسة العسكرية على حدٍّ سواء. دخلت سوريا الحرب بجيشٍ قوامه نحو اثني عشر ألف جندي سيّئ التسليح والتدريب، فمُنيت بخسائر فادحة، ولا سيّما في معارك منطقة الجليل. اتّهم الضبّاط العائدون من الجبهة القيادة السياسية بالفساد وسوء الإدارة وشراء أسلحة فاسدة، وبات واضحاً أن الجيش لم يعد مستعدّاً لقبول التبعية للسلطة المدنية التي أوصلته إلى هذه الهزيمة.
عانت سوريا بعد الاستقلال من تشرذم سياسي حادّ، إذ تنافست أحزاب عديدة على السلطة دون أن يتمكّن أيّ منها من بناء أغلبية مستقرة. كان «الحزب الوطني» و«حزب الشعب» يمثّلان المؤسسة التقليدية المحافظة في دمشق وحلب على التوالي، بينما مثّل «حزب البعث العربي الاشتراكي» — بقيادة ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وأكرم الحوراني — الجيل الجديد من المثقفين القوميين. وإلى جانب هؤلاء، نشط «الحزب السوري القومي الاجتماعي» بقيادة أنطون سعادة، و«الحزب الشيوعي السوري» بزعامة خالد بكداش، وجماعة «الإخوان المسلمين». وقد وصف المؤرّخ باتريك سيل سوريا تلك الحقبة بأنها «ساحة صراع» بين قوى إقليمية ودولية متنافسة، حيث حاولت مصر والعراق وتركيا والقوى الغربية التأثير في مسار السياسة السورية.
أصبح الجيش السوري بعد الاستقلال قناة للحراك الاجتماعي لأبناء الأرياف والأقليات الذين وجدوا فيه سبيلاً للارتقاء الاجتماعي، في حين أحجمت النخب الحضرية السنّية عن إلحاق أبنائها بالمؤسسة العسكرية. وكما أوضح نيكولاوس فان دام في كتابه «الصراع على السلطة في سوريا»، فإنّ هذا التوزيع الاجتماعي-الطائفي داخل صفوف الجيش سيكون له عواقب بعيدة المدى في العقود اللاحقة.
وُلد حسني بن رضا الزعيم عام 1897 في حلب لعائلة كردية الأصل. خدم في الجيش العثماني خلال الحرب العالمية الأولى، ثمّ التحق بالجيش الفرنسي في بلاد الشام خلال فترة الانتداب، وترقّى في صفوفه حتى وصل إلى رتبة عقيد. بعد الاستقلال، عُيّن رئيساً لأركان الجيش السوري، وهو المنصب الذي استغلّه لتنفيذ أوّل انقلاب عسكري في تاريخ سوريا الحديث وفي العالم العربي بعد الاستقلال.
تضافرت عدّة عوامل في دفع الزعيم نحو الانقلاب: أوّلها الغضب العارم في صفوف الجيش بسبب الأداء الكارثي في حرب 1948 وتحميل القيادة المدنية مسؤولية الهزيمة؛ وثانيها اتّهامات الفساد الموجّهة إلى حكومة القوتلي وقضية «الأسلحة الفاسدة» التي زُعم أنّ وسطاء فاسدين باعوها للجيش؛ وثالثها طموح الزعيم الشخصي وإعجابه بنموذج كمال أتاتورك في تركيا.
يُعدّ دور وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في انقلاب الزعيم من أكثر جوانب هذا الحدث إثارةً للجدل. تكشف الوثائق الأمريكية المُفرَج عنها أنّ العميل ستيفن ميد — الذي عمل تحت غطاء ملحق عسكري مساعد في السفارة الأمريكية بدمشق — التقى بالزعيم سرّاً ما لا يقلّ عن ستّ مرّات منذ نوفمبر 1948 لمناقشة «إمكانية إقامة دكتاتورية يدعمها الجيش». كما لعب مايلز كوبلاند الابن، رئيس محطّة الـCIA في دمشق، دوراً محورياً في تقديم المشورة للزعيم.
في كتابه «لاعب اللعبة» (The Game Player) الصادر عام 1989، قدّم كوبلاند تفاصيل جديدة حول المساعدة الأمريكية لخطّة الزعيم، موضّحاً أنّ ميد حدّد المنشآت الحيوية التي يجب السيطرة عليها لضمان نجاح الانقلاب. غير أنّ كوبلاند أقرّ أيضاً بأنّ الزعيم هو من بادر بالتخطيط، قائلاً: «لقد كان عرض حسني بالكامل». ويرى بعض المؤرّخين أنّ الانقلاب كان أوّل عمل سرّي تقوم به الـCIA بعد تأسيسها عام 1947، وأنّه سبق حتى الانقلاب الذي دبّرته الوكالة في إيران عام 1953.
في الساعة الثانية والنصف فجر يوم الثلاثين من مارس 1949، تحرّكت وحدات الجيش بقيادة الزعيم وسيطرت على دمشق في عملية وُصفت بأنها «تحفة في التخطيط العسكري». جرى اعتقال الرئيس شكري القوتلي ورئيس الوزراء خالد العظم وعدد من الوزراء، ولم تُسفر العملية عن سقوط ضحايا سوى ثلاثة من حرّاس أحد الوزراء. وهكذا أُسدل الستار على أوّل حكومة منتخبة ديمقراطياً في سوريا المستقلة.
رغم قصر مدّة حكمه، أصدر الزعيم عدداً من القرارات البارزة: فقد منح المرأة السورية حقّ التصويت، وأجرى إصلاحات في قانون الأحوال الشخصية متأثّراً بالنموذج الأتاتوركي، ووافق على مشروع خطّ أنابيب «التابلاين» (TAPLINE) الذي كان ينقل النفط السعودي عبر الأراضي السورية إلى البحر المتوسط — وهو المشروع الذي كانت الحكومة المدنية السابقة قد أعاقته، وكان من أهمّ الأسباب التي دفعت واشنطن إلى التقرّب من الزعيم. كما وقّع هدنة مع إسرائيل في يوليو 1949. لكنّ حكمه سرعان ما تحوّل إلى استبداد مطلق، فحلّ البرلمان وحظر الأحزاب وأعلن نفسه رئيساً للجمهورية عبر استفتاء صوري.
لم يدم حكم الزعيم سوى مئة وسبعة وثلاثين يوماً، إذ تكاثر أعداؤه بسرعة: فقد أغضب الحزب القومي السوري الاجتماعي بتسليمه زعيمهم أنطون سعادة إلى لبنان حيث أُعدم، وأغضب الهاشميين بمحاولته التقرّب من مصر والسعودية، ونفّر كثيراً من الضبّاط بأسلوبه الاستبدادي المتعجرف.
كان العقيد سامي الحناوي قائد اللواء الأول في الجيش السوري، وأحد الضبّاط المتعاطفين مع «الحزب السوري القومي الاجتماعي». دفعته عدّة عوامل إلى التحرّك: أوّلها الغضب من تسليم الزعيم لأنطون سعادة إلى السلطات اللبنانية التي أعدمته سريعاً؛ وثانيها عدم رضاه عن حكم الزعيم الاستبدادي وإخلاله بوعود الإصلاح العسكري؛ وثالثها خطط الزعيم لتعبئة وحدات عسكرية نحو جبل الدروز وتقويض الحكم الذاتي المحلي لزعماء القبائل الدرزية، وهو ما اعتبره الحناوي مغامرة متهوّرة.
في الرابع عشر من أغسطس 1949، نفّذ الحناوي انقلابه بسرعة وحسم. جرى اعتقال الزعيم ورئيس وزرائه محسن البرازي وتقديمهما إلى محكمة عسكرية سريعة، ثمّ إعدامهما رمياً بالرصاص في ساعات الفجر الأولى من اليوم نفسه. وكانت هذه أوّل عملية إعدام لرئيس دولة عربي عبر انقلاب عسكري في العصر الحديث.
على خلاف سلفه، تعهّد الحناوي بالعودة إلى الحكم الدستوري. عيّن هاشم الأتاسي — أحد كبار رجالات الدولة السورية — رئيساً مؤقتاً، وشُكّلت حكومة مدنية جديدة. غير أنّ طموح الحناوي الأبرز تمثّل في مشروع الاتحاد مع المملكة العراقية الهاشمية ضمن ما سُمّي بخطّة «الهلال الخصيب». وقد أثار هذا المشروع قلق فريق واسع من السياسيين والعسكريين السوريين الذين رأوا فيه تبعيةً للنفوذ الهاشمي البريطاني، ولا سيّما ضبّاط حزب البعث والقوى المؤيّدة لمصر. ولم يدم حكم الحناوي سوى أربعة أشهر قبل أن يُطاح به هو الآخر.
وُلد أديب الشيشكلي عام 1909 في حماة لعائلة عربية سنّية ذات جذور كردية. انخرط في الحركة القومية منذ شبابه، وقاتل في فلسطين عام 1948 حيث أبلى بلاءً حسناً في معارك المنطقة المركزية. لعب دوراً محورياً في جميع انقلابات عام 1949 الثلاثة: فقد قاد فرقةً عسكرية دعمت انقلاب الزعيم في مارس، ثمّ وجّه وحدات عسكرية لدعم انقلاب الحناوي في أغسطس، قبل أن يقود بنفسه الانقلاب الثالث في ديسمبر.
في التاسع عشر من ديسمبر 1949، نفّذ الشيشكلي انقلابه بحجّة منع مشروع الاتحاد مع العراق الذي كان يسعى إليه الحناوي. اعتُقل الحناوي وعدد من مؤيّديه، لكنّ الشيشكلي اختار في البداية ألّا يحكم مباشرة، فأبقى على الرئيس هاشم الأتاسي في منصبه وسمح بقيام حكومات مدنية متعاقبة. غير أنّه كان يتحكّم فعلياً بالقرارات الحاسمة من وراء الكواليس عبر سيطرته على الجيش.
لم تدم مرحلة الحكم غير المباشر طويلاً. ففي الثامن والعشرين من نوفمبر 1951، حين رفض رئيس الوزراء معروف الدواليبي — وهو سياسي من حلب مقرّب من المحور الهاشمي — تعيين مرشّح الشيشكلي وزيراً للدفاع، ردّ الشيشكلي باعتقال الدواليبي وحكومته بأكملها. وبذلك تحوّل من الحكم غير المباشر إلى الدكتاتورية المكشوفة، مؤسّساً أوّل حكم عسكري صريح في تاريخ سوريا الحديث.
حلّ الشيشكلي جميع الأحزاب السياسية وأسّس حزباً واحداً سمّاه «حركة التحرير العربي»، وأصدر أكثر من مئتي مرسوم تشريعي خلال فترة حكمه. وفي يونيو 1953، أجرى استفتاءً «انتخب» فيه نفسه رئيساً للجمهورية في عملية صورية لم تحظَ بأيّ مصداقية. وعلى الرغم من استبداده، حاول الشيشكلي إجراء بعض الإصلاحات الاقتصادية والإدارية، وسعى إلى تحديث الجيش، لكنّ حكمه افتقر إلى الشرعية الشعبية والدعم المؤسسي.
بلغ قمع الشيشكلي ذروته في التعامل مع منطقة جبل الدروز (جبل العرب) عام 1954. فقد اعتبر الشيشكلي الحكم الذاتي التقليدي الذي تمتّعت به المنطقة تهديداً لسلطته المركزية، فشنّ حملةً عسكرية شملت قصف القرى الدرزية بالمدفعية. وتشير المصادر إلى أنّ القصف أسفر عن سقوط عشرات الضحايا المدنيين وتدمير ممتلكات واسعة، وهو ما خلّف جراحاً عميقة لدى الطائفة الدرزية وأسّس لعداء دائم تجاه الشيشكلي.
في أواخر يناير وأوائل فبراير 1954، اندلعت انتفاضة واسعة ضدّ حكم الشيشكلي. بدأت الشرارة من جبل الدروز بقيادة الزعيم التاريخي سلطان باشا الأطرش — بطل الثورة السورية الكبرى عام 1925 ضدّ الفرنسيين — الذي أعلن العصيان المسلّح ضدّ الحكومة. تبعه تمرّد عسكري في حلب قادته وحدات من الجيش، وانضمّ إلى المعارضة تحالف واسع ضمّ حزب البعث والحزب الشيوعي وحزب الشعب وعدداً من الضبّاط المستقلين.
أمام هذا التحالف الواسع، أدرك الشيشكلي استحالة الصمود. ففي الخامس والعشرين من فبراير 1954، غادر دمشق إلى لبنان متجنّباً إراقة الدماء. ومن لبنان، توجّه إلى المملكة العربية السعودية، ثمّ استقرّ أخيراً في البرازيل بعد أن هدّد الزعيم الدرزي اللبناني كمال جنبلاط بملاحقته. وفي السابع والعشرين من سبتمبر 1964 — أي بعد عقد كامل من سقوطه — اغتيل الشيشكلي في مدينة سيريس البرازيلية على يد نوّاف غزالة، وهو سوري درزي أراد الثأر لأهله الذين سقطوا ضحايا قصف جبل الدروز. وقد اقترب غزالة من الشيشكلي وهو يعبر جسراً بين مدينتَي سيريس وريالما، وتبادل معه بضع كلمات قبل أن يطلق عليه خمس رصاصات من مسدّسه.
بعد سقوط الشيشكلي، عاد هاشم الأتاسي إلى منصب الرئاسة مؤقتاً، وأُجريت انتخابات برلمانية في سبتمبر 1954 اعتُبرت من أنزه الانتخابات في تاريخ سوريا. وقد حقّق حزب البعث نتائج لافتة، إذ فاز بسبعة عشر مقعداً من أصل مئة واثنين وأربعين، ليصبح ثاني أكبر كتلة برلمانية.
يصف كثير من المؤرّخين الفترة بين 1954 و1958 بأنها «العصر الذهبي» للديمقراطية السورية. فقد ازدهرت الحياة البرلمانية والصحافة الحرّة، وتداول رؤساء الحكومات السلطة بطريقة سلمية نسبياً. عاد شكري القوتلي إلى رئاسة الجمهورية عام 1955 عبر انتخابات برلمانية، وشهدت البلاد نقاشات سياسية حيّة حول مستقبلها وتوجّهاتها الإقليمية.
واصل حزب البعث صعوده السياسي خلال هذه الفترة، مستفيداً من شعبية خطابه القومي العربي والاشتراكي. وفي أبريل 1955، أسهم اغتيال العقيد البعثي عدنان المالكي على يد عنصر من الحزب القومي السوري الاجتماعي في تمكين البعثيين وحلفائهم من شنّ حملة قمع واسعة ضدّ الحزب القومي السوري، ممّا أزاح أحد أبرز منافسيهم من الساحة. وفي الوقت نفسه، تعاظم النفوذ السوفياتي في سوريا، حيث حصلت دمشق على صفقات أسلحة من المعسكر الشرقي وتوطّدت العلاقات مع موسكو، ممّا أثار قلق الولايات المتحدة وبريطانيا.
أحدثت أزمة السويس عام 1956 تحوّلاً جذرياً في المنطقة العربية. فبعد العدوان الثلاثي البريطاني-الفرنسي-الإسرائيلي على مصر، تصاعدت شعبية الرئيس جمال عبد الناصر إلى مستويات غير مسبوقة في سوريا وسائر الدول العربية. وأصبح الناصريون قوة مؤثّرة في الشارع السوري والمؤسسة العسكرية على حدٍّ سواء، ممّا عزّز التوجّه نحو الوحدة مع مصر.
كشفت الوثائق المُفرَج عنها لاحقاً أنّ الولايات المتحدة وبريطانيا خطّطتا لعمليات سرّية متعدّدة لإسقاط الحكومة السورية خلال هذه الفترة. ففي يوليو 1956، التقى مسؤولون أمريكيون في دمشق لمناقشة خطّة انقلاب «مناهض للشيوعية» عُرفت بـ«عملية ستراغل» (Operation Straggle)، حيث رصدت الـCIA خمسمئة ألف ليرة سورية (نحو مئة وسبعة وستين ألف دولار) لتمويلها. كانت الخطّة تقضي بسيطرة الجيش على دمشق وحلب وحمص وحماة، مع استفزازات على الحدود تنفّذها تركيا وأجهزة المخابرات البريطانية والأمريكية. لكنّ العملية أُجّلت بسبب أزمة السويس.
في العام التالي، خطّطت الـCIA لعملية أخرى عُرفت بـ«عملية وابِن» (Operation Wappen) نظّمها كيرميت روزفلت، حيث جرى دفع رشاوى لضبّاط سوريين بلغت — وفقاً لبعض التقارير — ثلاثة ملايين دولار. غير أنّ المخابرات السورية اخترقت المؤامرة، ففي الثاني عشر من أغسطس 1957 طُوّقت السفارة الأمريكية في دمشق واعتُقل عدد من المتآمرين وطُرد دبلوماسيون أمريكيون. كما كشفت وثائق بريطانية عن مخطّط مشترك للـCIA وجهاز MI6 لاغتيال ثلاثة مسؤولين سوريين هم: عبد الحميد السرّاج رئيس المخابرات العسكرية، وعفيف البزري رئيس الأركان، وخالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي.
أدّى الكشف عن المؤامرات الغربية إلى تسارع التوجّه نحو الوحدة مع مصر كحصن ضدّ التدخّلات الأجنبية. وقد دفع البعثيون بقوة في هذا الاتجاه، رغم أنّ كثيراً منهم كان يخشى من هيمنة ناصر على الحزب. وسيثبت أنّ هذا التخوّف كان في محلّه.
في الأول من فبراير 1958، أُعلن قيام الجمهورية العربية المتحدة بين سوريا ومصر، وأصبح جمال عبد الناصر رئيساً للدولة الجديدة. اشترط ناصر لقبول الوحدة حلّ جميع الأحزاب السياسية السورية، بما فيها حزب البعث الذي كان أبرز دعاة الوحدة، كما اشترط دمج الجيش السوري في هيكل قيادة موحّد. وقد قبل البعثيون هذه الشروط على مضض، مراهنين على أنّ حلّ الأحزاب سيضرّ خصومهم — ولا سيّما الحزب الشيوعي — أكثر ممّا سيضرّهم.
سرعان ما تحوّلت الوحدة إلى هيمنة مصرية صريحة على الإقليم الشمالي (سوريا). فقد عُيّن ضبّاط مصريون في مناصب قيادية في الجيش السوري، وهُمِّش الضبّاط السوريون ونُقل كثيرون منهم إلى القاهرة بعيداً عن وحداتهم. أمّا على الصعيد الاقتصادي، فقد أثارت قوانين التأميم الاشتراكية التي صدرت في يوليو 1961 سخط الطبقة التجارية والصناعية السورية. وبدلاً من اتحاد فيدرالي بين شعبين عربيين كما تصوّر كثير من السوريين، تحوّل الأمر إلى دولة مركزية يهيمن عليها المصريون.
في الساعات الأولى من صباح الثامن والعشرين من سبتمبر 1961، قاد العقيد عبد الكريم النحلاوي — وهو ضابط شاب من الطبقة الدمشقية الوسطى — مجموعة من الضبّاط السوريين في انقلاب أطاح بحكم الجمهورية العربية المتحدة في سوريا. تفاوض النحلاوي مع المشير عبد الحكيم عامر — الحاكم العسكري المصري للإقليم الشمالي — الذي وافق على المغادرة مع جميع الضبّاط المصريين.
والمفارقة أنّ قادة الانقلاب أعلنوا في البداية أنّهم يريدون حكماً ذاتياً لسوريا ضمن إطار الجمهورية العربية المتحدة، لا انفصالاً كاملاً. غير أنّ ناصر رفض التفاوض واعتبر ما جرى خيانةً وانفصالاً. ونالت سوريا المستقلّة اعترافاً دولياً سريعاً، وانتهت بذلك أقصر تجربة وحدوية في تاريخ العالم العربي الحديث بعد ثلاث سنوات وسبعة أشهر فقط.
بعد الانفصال، حاول السوريون إعادة بناء حكمهم المدني، لكنّ الفترة شهدت اضطراباً شديداً. فقد تعاقبت أربع حكومات في أقلّ من عامين، وعجز أيّ تحالف سياسي عن تشكيل حكومة مستقرة. انتُخب ناظم القدسي رئيساً للجمهورية وتولّى معروف الدواليبي — ثمّ بشير العظمة وخالد العظم وغيرهم — رئاسة الحكومة في تتابع سريع يعكس عمق الأزمة السياسية.
في مارس 1962، حاول النحلاوي — الذي كان قد قاد انقلاب الانفصال — تنفيذ انقلاب جديد واعتقل الرئيس القدسي وعدداً من السياسيين. لكنّ محاولته فشلت بسبب مقاومة وحدات عسكرية في حمص وحلب، فأُرغم على الاستسلام وأُبعد عن الجيش. وقد كشفت هذه الفوضى مدى هشاشة النظام السياسي السوري وعجزه عن ترسيخ الاستقرار.
في هذا المناخ من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، بدأت خلايا سرّية داخل الجيش بالتحرّك. وكان أبرز هذه الخلايا «اللجنة العسكرية» التابعة لحزب البعث، التي تشكّلت في القاهرة خلال فترة الوحدة عام 1958 وتحوّلت إلى تنظيم محكم يخطّط للاستيلاء على السلطة.
تأسّست اللجنة العسكرية لحزب البعث في القاهرة عام 1958 على أيدي مجموعة من الضبّاط السوريين الذين نُقلوا إلى مصر خلال فترة الوحدة. ضمّت اللجنة في نواتها الأولى خمسة ضبّاط هم: محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد (وثلاثتهم من الطائفة العلوية)، وحمد عبيد (من الطائفة الدرزية)، وأحمد المير (من الطائفة الإسماعيلية). وقد توسّعت اللجنة لاحقاً لتضمّ نحو اثني عشر ضابطاً، من بينهم أمين الحافظ (سنّي من حلب) الذي سيلعب دوراً مهمّاً بعد الانقلاب.
لفت نيكولاوس فان دام الانتباه إلى الدلالة العميقة للتركيبة الطائفية لهذه اللجنة، إذ إنّ هيمنة أبناء الأقليات — ولا سيّما العلويين — على نواتها كانت تعكس الخلل البنيوي في تركيبة الجيش السوري الذي تحوّل منذ عهد الانتداب إلى معبر للحراك الاجتماعي لأبناء الأرياف والأقليات.
شكّل نجاح حزب البعث في الاستيلاء على السلطة في العراق في الثامن من فبراير 1963 حافزاً مباشراً للبعثيين السوريين للتحرّك. استعانت اللجنة العسكرية بتحالفات مع ضبّاط ناصريين ومستقلين لتوسيع قاعدة الانقلاب. وكان من بين الحلفاء المهمّين الناصريان رشيد القطيني ومحمد الصوفي، والمستقلّ زياد الحريري الذي كان يقود الجبهة العسكرية المواجهة لإسرائيل.
حصل الانقلابيون على موافقة ميشيل عفلق، المؤسّس المدني لحزب البعث، رغم أنّ عفلق لم يكن مطّلعاً على كامل التفاصيل. وكان الانقلاب مقرّراً في السابع من مارس، لكنّه أُجّل يوماً واحداً بعد أن اكتشفت الحكومة مكان تجمّع المتآمرين.
في فجر الثامن من مارس 1963، تحرّكت وحدات الجيش الموالية للجنة العسكرية وسيطرت على المواقع الحيوية في دمشق: مقرّ القيادة العامة ومحطة الإذاعة والمطار وقصر الرئاسة. أُطيح بالرئيس ناظم القدسي ورئيس الوزراء خالد العظم، وأُعلن عن تشكيل «المجلس الوطني لقيادة الثورة» من عشرين عضواً: اثنا عشر بعثياً وثمانية من الناصريين والمستقلين. وقد وُصف هذا اليوم في الأدبيات البعثية بـ«ثورة الثامن من آذار»، بينما اعتبره معارضو البعث بداية نهاية الديمقراطية في سوريا.
مثّل انقلاب 8 مارس 1963 نقطة اللاعودة في التاريخ السياسي السوري، إذ لم تشهد البلاد بعده أيّ انتخابات حرّة حقيقية. أُعلنت حالة الطوارئ فوراً ولم تُرفع إلّا في أبريل 2011 — أي بعد ثمانية وأربعين عاماً — وذلك تحت ضغط الانتفاضة الشعبية التي عُرفت بالثورة السورية.
سرعان ما بدأ الصراع بين البعثيين والناصريين على السلطة. في الثامن عشر من يوليو 1963، قاد العقيد جاسم علوان — ضابط ناصري حاول التفاهم مع البعثيين ثمّ يئس من ذلك — محاولة انقلابية دامية. حشد علوان قواته وشنّ هجمات نهارية على مقرّ القيادة العامة للجيش ومحطة البثّ الإذاعي في دمشق. تصدّى لهم وزير الداخلية أمين الحافظ شخصياً عند مقرّ القيادة، وأسفرت المعارك عن مئات الضحايا بمن فيهم مدنيون. فشلت المحاولة واعتُقل سبعة وعشرون ضابطاً أُعدموا ميدانياً، بينما حُكم على علوان بالإعدام غيابياً قبل أن يُطلَق سراحه عام 1964 بتدخّل من ناصر. وكان فشل هذه المحاولة بمثابة نهاية النفوذ الناصري الفعّال في المؤسستين العسكرية والمدنية السوريتين.
بعد تصفية الناصريين، انفجر الصراع الداخلي في حزب البعث بين جناحَين: الجناح المدني بقيادة مؤسّسي الحزب — ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار — الذي أراد الحفاظ على الطابع الأيديولوجي والقومي للحزب؛ والجناح العسكري المتمثّل في اللجنة العسكرية التي اعتبرت نفسها صاحبة الفضل الحقيقي في الوصول إلى السلطة وتمسّكت بالقرار الفعلي.
تمحور الصراع أيضاً حول بنية الحزب التنظيمية: هل تكون الأولوية لـ«القيادة القومية» التي يمثّلها عفلق والبيطار والتي تشمل جميع الفروع العربية لحزب البعث، أم لـ«القيادة القطرية» السورية التي يسيطر عليها العسكريون؟ كان العسكريون يرون أنّ القيادة القومية بعيدة عن الواقع السوري، بينما اعتبر المدنيون أنّ القيادة القطرية تخلّ بالمبادئ القومية العربية للحزب.
كشف الصراع أيضاً عن بُعد طائفي متزايد. فقد لاحظ كثيرون أنّ الضبّاط العلويين — وعلى رأسهم صلاح جديد وحافظ الأسد ومحمد عمران — يهيمنون تدريجياً على مفاصل القرار العسكري، فيما كان الضبّاط السنّة يُبعَدون واحداً تلو الآخر. وقد عالج حنّا بطاطو هذه الظاهرة بعمق في كتابه «فلّاحو سوريا»، موضّحاً كيف أنّ ريف العلويين والدروز والإسماعيليين المحرومين وجدوا في الجيش وحزب البعث مسار تحرّر اجتماعي وسياسي.
في عام 1964، أُقصي محمد عمران — أحد الأعضاء المؤسّسين للجنة العسكرية — من مواقع النفوذ بعد صراعه مع جديد والأسد. وحاول أمين الحافظ، بوصفه رئيساً للدولة والوجه السنّي للنظام، أن يوازن بين القوى المتصارعة ويحدّ من هيمنة الضبّاط العلويين، لكنّ جهوده باءت بالفشل أمام التماسك العصبوي للطرف الآخر.
في أوائل عام 1966، بلغ الصراع داخل البعث ذروته. حاولت القيادة القومية بزعامة عفلق ومنيف الرزّاز إجراء تعديلات في الجيش لإبعاد صلاح جديد وحلفائه عن مواقع النفوذ. أمر أنصار القيادة القومية في الحادي والعشرين من فبراير بنقل عدد من الضبّاط المعارضين من مواقعهم. لكنّ جديد وحلفاءه ردّوا بتحريك وحداتهم وبدء الانقلاب.
على خلاف معظم الانقلابات السابقة، كان انقلاب 23 فبراير 1966 مصحوباً بمواجهات مسلّحة حقيقية في دمشق وحلب ودير الزور واللاذقية. دارت معارك عنيفة بين أنصار جديد وأنصار القيادة القومية، وسقط عشرات القتلى والجرحى من الجانبين. واستمرّ القتال يومين كاملين قبل أن يحسم جديد الأمور لصالحه.
اعتُقل أمين الحافظ ووُضع في السجن، ونُفي ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار خارج البلاد. وقد تعرّض البيطار لمحاولات اغتيال متكرّرة إلى أن اغتيل في باريس عام 1980 في عملية نُسبت إلى أجهزة المخابرات السورية. وبذلك انتهت حقبة «الحرس القديم» لحزب البعث وبدأت حقبة «البعث الجديد» (Neo-Ba’ath) التي وصفها المؤرّخ إيتامار رابينوفيتش بأنّها مثّلت تحوّلاً أيديولوجياً وتنظيمياً جذرياً.
عُيّن نور الدين الأتاسي رئيساً للجمهورية ويوسف زعيّن رئيساً للوزراء، لكنّ الحاكم الفعلي كان صلاح جديد الذي تحكّم بالبلاد من خلال موقعه كأمين مساعد للقيادة القطرية. تبنّى جديد سياسات يسارية راديكالية شملت تأميمات واسعة وإصلاحات زراعية جذرية وتقارباً مع الاتحاد السوفياتي والصين. كما دعم الفدائيين الفلسطينيين بشكل نشط، ولا سيّما حركة فتح ومنظّمات أخرى كانت تشنّ عمليات ضدّ إسرائيل من الأراضي السورية — وهو ما أسهم في التصعيد الذي أدّى إلى حرب يونيو 1967.
بعد انقلاب 1966، عُيّن حافظ الأسد وزيراً للدفاع بينما سيطر جديد على الحزب والحكومة. بدأ الخلاف بين الرجلين خفيّاً ثمّ تصاعد تدريجياً حول أولويات الحكم. فقد رأى جديد أنّ الأولوية يجب أن تكون لـ«الثورة الاجتماعية» الداخلية والتحوّل الاشتراكي الجذري ودعم حركات التحرّر الفلسطينية والعربية، بينما اعتقد الأسد أنّ الأولوية يجب أن تُعطى لبناء القوة العسكرية وتحقيق التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل والتعامل البراغماتي مع الواقع الإقليمي والدولي.
عمّقت الهزيمة الكارثية في حرب يونيو 1967 وخسارة هضبة الجولان الشقاقَ بين الرجلين إلى حدّ كبير. حمّل جديد الأسدَ مسؤولية الأداء العسكري الكارثي، فيما اتّهم الأسد جديد بأنّ سياساته المتهوّرة ودعمه غير المحسوب للفدائيين هي التي جرّت سوريا إلى حرب لم تكن مستعدّة لها. وكان إعلان الأسد المبكّر عن سقوط القنيطرة — قبل سقوطها الفعلي — مصدر جدل كبير، إذ اعتبره أنصار جديد مؤامرة لتسريع الانسحاب وإحراج القيادة السياسية.
بلغ الصراع بين جديد والأسد ذروته خلال أحداث «أيلول الأسود» في الأردن في سبتمبر 1970. فحين شنّ الملك حسين حملته العسكرية ضدّ منظمة التحرير الفلسطينية، أمر جديد بإرسال قوات سورية برّية لنجدة الفلسطينيين. دخلت نحو ستّ عشرة ألف جندي سوري مع أكثر من مئة وسبعين دبّابة من طراز T-55 إلى الأراضي الأردنية متّجهة نحو إربد، لكنّ حافظ الأسد — بوصفه وزيراً للدفاع وقائد سلاح الجو — رفض رفضاً قاطعاً تقديم الغطاء الجوي للقوات البرّية.
وجدت القوات السورية المتقدّمة نفسها مكشوفة أمام سلاح الجو الملكي الأردني الذي شنّ غارات مدمّرة عليها، ممّا أجبرها على الانسحاب في الثاني والعشرين من سبتمبر بعد تكبّدها خسائر فادحة. ورأى كثير من المحلّلين أنّ الأسد تعمّد إفشال العملية لإحراج جديد سياسياً وتمهيد الطريق للانقلاب عليه. وقد وصف باتريك سيل هذه الحادثة في كتابه «الأسد: الصراع على الشرق الأوسط» بأنها كانت لحظة الحسم التي قرّر فيها الأسد أنّه لا بديل عن الاستيلاء على السلطة.
في أواخر أكتوبر ومطلع نوفمبر 1970، عقد حزب البعث مؤتمره القطري العاشر في محاولة أخيرة لحلّ الخلاف بين جديد والأسد. أسفر المؤتمر عن قرارات لصالح جديد، بما فيها إقالة الأسد من منصب وزير الدفاع. لكنّ هذه القرارات بقيت حبراً على ورق، إذ كان الأسد يسيطر فعلياً على الجيش والأجهزة الأمنية الحاسمة، ولم يكن ثمّة قوة قادرة على تنفيذ هذه القرارات ضدّ إرادته.
في الثالث عشر من نوفمبر 1970 — أي بعد يوم واحد من انتهاء المؤتمر القطري — أمر حافظ الأسد أنصاره في الجيش والأجهزة الأمنية بالتحرّك. اعتُقل صلاح جديد ونور الدين الأتاسي وعدد من كبار المسؤولين المؤيّدين لجديد. جرى الانقلاب بهدوء تامّ ودون أيّ عنف يُذكر؛ وكانت العلامة الوحيدة على التغيير بالنسبة للعالم الخارجي هي اختفاء الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون ليوم واحد قبل أن تعود بخطاب جديد.
في السادس عشر من نوفمبر، أصدر الأسد بياناً انتقد فيه سلفه ووصف حكم جديد بالسلطوية والانفصال عن الجماهير. وتعمّد الأسد تسمية انقلابه بـ«الحركة التصحيحية» (الحركة التصحيحية) لا «الانقلاب»، مصوّراً إيّاه على أنّه إصلاح داخلي ضمن إطار حزب البعث وليس تغييراً جذرياً في النظام.
بقي صلاح جديد في السجن منذ لحظة اعتقاله عام 1970 حتى وفاته عام 1993 — أي ثلاثة وعشرين عاماً متواصلة — دون أن يُحاكَم. وقد رفض جديد باستمرار أيّ عرض للإفراج عنه مقابل مغادرة البلاد، مفضّلاً البقاء في سجنه على مغادرة سوريا أو الاعتراف بشرعية حكم الأسد. وبقي الأتاسي هو الآخر في السجن حتى عام 1992.
كان انقلاب نوفمبر 1970 آخر انقلاب ناجح في تاريخ سوريا. فقد أسّس حافظ الأسد نظاماً سياسياً وأمنياً بالغ الإحكام حال دون أيّ تغيير عبر الآليات التقليدية للانقلاب العسكري. حكم الأسد سوريا ثلاثين عاماً حتى وفاته عام 2000، ثمّ ورثه ابنه بشّار الذي حكم أربعاً وعشرين سنة أخرى حتى سقوط النظام في ديسمبر 2024. وبذلك امتدّ حكم عائلة الأسد أربعةً وخمسين عاماً، وهي أطول فترة حكم عائلي متواصل في تاريخ الجمهوريات العربية الحديثة.
أدّت الانقلابات العسكرية المتتالية إلى ترسيخ نموذج «الدولة الأمنية» في سوريا، حيث باتت المؤسسة العسكرية والأجهزة الاستخبارية هي صاحبة القرار الفعلي، بينما تحوّلت المؤسسات المدنية — البرلمان والقضاء والإعلام — إلى واجهات شكلية. وقد وصف حنّا بطاطو هذا التحوّل بأنه انتقال للسلطة من النخب الحضرية التقليدية إلى أبناء الأرياف والأقليات الذين دخلوا من بوابة الجيش.
لم تكن سوريا حالة فريدة في العالم العربي، لكنّها كانت الأكثر تطرّفاً. فبينما شهد العراق أربعة انقلابات ومصر انقلاباً واحداً حاسماً (1952)، تجاوزت سوريا العشرة انقلابات في عقدين فقط. وقد قدّمت التجربة السورية نموذجاً مبكّراً لظاهرة تدخّل الجيش في السياسة التي اجتاحت العالم العربي والعالم الثالث عموماً خلال حقبة الحرب الباردة.
أنهت الانقلابات — ولا سيّما انقلاب 8 مارس 1963 — التجربة الديمقراطية البرلمانية في سوريا بشكل نهائي. فمنذ ذلك التاريخ وحتى سقوط نظام الأسد في 2024، لم تشهد سوريا انتخابات حرّة ونزيهة واحدة. وقد تحوّلت حالة الطوارئ التي أُعلنت عام 1963 إلى أداة قمع دائمة استمرّت ثمانية وأربعين عاماً، منحت الأجهزة الأمنية صلاحيات مطلقة في اعتقال المواطنين ومحاكمتهم أمام محاكم استثنائية.
كشفت الانقلابات عن ديناميكيات طائفية عميقة في المجتمع السوري. فقد أدّى صعود الضبّاط من الأقليات — ولا سيّما العلويين — عبر المؤسسة العسكرية إلى تحوّل تدريجي في بنية السلطة. وبحلول عام 1970، أصبح العلويون — الذين لا يتجاوزون اثني عشر بالمئة من السكّان — يسيطرون على أغلب المواقع القيادية في الجيش والأجهزة الأمنية، وهو ما وصفه نيكولاوس فان دام بأنه «احتكار للسلطة» تلاعب فيه حافظ الأسد ببراعة بالعصبيات الطائفية والمناطقية والقبلية.
أكّدت الانقلابات السورية أنّ البلاد كانت ساحة صراع بين القوى الإقليمية والدولية. فمن تدخّل الـCIA في انقلاب الزعيم 1949، إلى عمليتَي ستراغل ووابِن، إلى الصراع المصري-العراقي على النفوذ في دمشق، إلى التنافس السوفياتي-الأمريكي خلال الحرب الباردة — كانت سوريا دائماً «الجائزة» التي يتصارع عليها الجميع، كما وصفها باتريك سيل.
تُقدّم المقارنة مع العراق ومصر دروساً مهمّة. ففي مصر، نجح انقلاب 1952 في تأسيس نظام مستقرّ نسبياً لأنّ الجيش المصري كان مؤسسة أكثر تماسكاً وأحادية. أمّا في العراق، فقد تشابهت الديناميكيات مع سوريا من حيث التشرذم الطائفي والإثني داخل الجيش، وانتهت هي الأخرى بسيطرة حزب البعث العراقي عام 1968 ثمّ صعود صدّام حسين. لكنّ سوريا تميّزت بكثافة الانقلابات وتواترها السريع الذي يعكس عمق الانقسامات المجتمعية وهشاشة البنية المؤسسية.
تُظهر تجربة الانقلابات السورية عدّة دروس جوهرية: أوّلها أنّ ضعف المؤسسات المدنية يفتح الباب أمام تدخّل الجيش؛ وثانيها أنّ الانقلابات لا تُنتج استقراراً بل تُولّد مزيداً من الانقلابات في حلقة مفرغة؛ وثالثها أنّ القمع المطلق قد يُنتج استقراراً ظاهرياً طويلاً — كما في حالة نظام الأسد — لكنّه يُراكم التوتّرات حتى تنفجر بعنف أشدّ، كما حدث في الثورة السورية عام 2011 والثورة السورية التي تلتها.
| التاريخ | الحدث | القائد | النتيجة |
|---|---|---|---|
| 30 مارس 1949 | الانقلاب الأول | حسني الزعيم | الإطاحة بالقوتلي، أوّل انقلاب عسكري عربي |
| 14 أغسطس 1949 | الانقلاب الثاني | سامي الحناوي | إعدام الزعيم والبرازي |
| 19 ديسمبر 1949 | الانقلاب الثالث | أديب الشيشكلي | منع الاتحاد مع العراق |
| 28 نوفمبر 1951 | انقلاب الشيشكلي الثاني | أديب الشيشكلي | سيطرة مباشرة، اعتقال الحكومة |
| 25 فبراير 1954 | سقوط الشيشكلي | تحالف عسكري-مدني | عودة الحكم الديمقراطي |
| 28 سبتمبر 1961 | انقلاب الانفصال | عبد الكريم النحلاوي | تفكيك الجمهورية العربية المتحدة |
| مارس 1962 | محاولة انقلاب فاشلة | عبد الكريم النحلاوي | فشل وإبعاد النحلاوي |
| 8 مارس 1963 | انقلاب البعث | اللجنة العسكرية | نهاية الديمقراطية نهائياً |
| 18 يوليو 1963 | محاولة انقلاب فاشلة | جاسم علوان (ناصري) | فشل دموي، تصفية الناصريين |
| 23 فبراير 1966 | انقلاب البعث الجديد | صلاح جديد | إسقاط القيادة القومية |
| 16 نوفمبر 1970 | الحركة التصحيحية | حافظ الأسد | آخر انقلاب، بداية حكم الأسد |