أجهزة المخابرات والأمن السورية (المُخابَرات) كانت المنظومة الأمنية والاستخباراتية التي دعمت حكم حزب البعث في الجمهورية العربية السورية من عام 1963 حتى سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024. تألّفت هذه المنظومة في مرحلتها الأخيرة من أربعة أجهزة رئيسية مستقلة عن بعضها: إدارة المخابرات العامة (أمن الدولة)، وشعبة الاستخبارات العسكرية، وإدارة الأمن السياسي، وإدارة المخابرات الجوية. اشتُهرت هذه الأجهزة مجتمعةً بممارسة الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري على نطاق واسع، وهو ما وثّقته منظمات حقوق الإنسان الدولية والمحاكم الأوروبية وآليات الأمم المتحدة على مدى عقود.
تضرب جذور الأجهزة الأمنية السورية في عهد الانتداب الفرنسي (1920–1946)، حيث أرسى المحتل الفرنسي بنية استخباراتية متشعبة لمراقبة السكان وقمع حركات المقاومة. وبعد الاستقلال عام 1946، ورثت الحكومات السورية المتعاقبة هذا الإرث مضافاً إليه التأثيرات البريطانية والسوفيتية اللاحقة. وقد شهدت المرحلة الممتدة بين الاستقلال وانقلاب عام 1963 تذبذباً مستمراً في البنية الاستخباراتية بسبب تعاقب الانقلابات العسكرية.
أحدث انقلاب الثامن من مارس 1963 الذي أوصل حزب البعث إلى السلطة تحولاً جوهرياً في طبيعة الدولة السورية. سارع الضباط البعثيون الجدد إلى إنشاء شبكة استخباراتية متكاملة تخدم أهدافاً محددة: تثبيت السلطة، وقمع المعارضة، وتوطيد الهيمنة الأيديولوجية. وخلال السنوات الأولى من الحكم البعثي، تضخّمت المؤسسة الأمنية والعسكرية تضخماً هائلاً، إذ ارتفع عدد أفراد المنظومتين العسكرية والاستخباراتية من نحو 65,000 شخص عام 1965 إلى ما يزيد على 530,000 عام 1991، وتجاوز 700,000 عام 2004، وفق ما وثّقته الأبحاث الأكاديمية.
يمثّل انقلاب حافظ الأسد في نوفمبر 1970، الذي أطلق عليه «حركة التصحيح»، نقطة التحول الكبرى في تاريخ الأجهزة الاستخباراتية السورية. فقد قلب الأسد المنظومة الأمنية رأساً على عقب وأعاد بناءها وفق معادلة سياسية محكمة. والمحور الأساسي في هذا البناء كان تعزيز الوجود العلوي في القيادات الأمنية العليا، مع الحرص على إبقاء الأجهزة متنافسة ومتشككة في بعضها، بحيث لا تُفضي إمكانية التنسيق بينها إلى تهديد سلطة الرئيس. صمّم الأسد المنظومة كي تراقب الأجهزة بعضها، فضلاً عن مراقبتها للشعب، بما يضمن بقاء ميزان القوى في يد الرئيس وحده.
تولّى الأسد بنفسه القيادة المباشرة على رأس كل الأجهزة الأمنية دون الحاجة إلى وسيط حكومي أو مؤسسي، إذ كان رؤساء الأجهزة يرفعون تقاريرهم إليه شخصياً. وفي عام 1972، استُلهم الجهاز الاستخباراتي في هيكله ومناهجه من نموذج «شتازي» ألمانيا الديمقراطية، في إطار التعاون السوفيتي-السوري. وقد أمضى كبار ضباط المخابرات السوريين فترات تدريب في ألمانيا الشرقية حيث اكتسبوا أساليب المراقبة الشاملة وتكنيك كسر إرادة المعتقلين.
تُعدّ إدارة المخابرات العامة أبرز الأجهزة الاستخباراتية المدنية في سوريا. أُسِّست بصورتها الحديثة عام 1971 في أعقاب استيلاء حافظ الأسد على السلطة، وكانت تتبع رئاسة الجمهورية مباشرة دون المرور بأي وزارة أو جهة حكومية. تضمنت مهامها الرئيسية: الاستخبارات الخارجية، ومراقبة النشاط السياسي المدني، والإشراف على العمليات في لبنان لصالح حزب الله، وتنسيق شبكات الدعم العسكري الفلسطيني.
تتميز الإدارة بفروعها الإقليمية المنتشرة في عموم المحافظات، ولكلٍّ منها مرافق احتجاز تحت الأرض. والفرع 251 (المعروف بالفرع الداخلي أو فرع فلسطين) كان من أكثر فروعها سُمعةً وخشيةً؛ وقد تحوّل إلى رمز دولي للتعذيب الممنهج بعد محاكمة الكولونيل أنور رسلان في ألمانيا عام 2022.
قائمة مديري إدارة المخابرات العامة:
| الاسم | مدة الخدمة | ملاحظات |
|---|---|---|
| علي مملوك | 2005–2012 | صدر بحقه أمر اعتقال فرنسي عام 2018، عُيِّن لاحقاً مستشاراً أمنياً للرئيس |
| رفيق شحادة | 2012–2019 | |
| جميل الحسن | (في المخابرات الجوية) | |
| حافظ مخلوف | رئيس فرع دمشق | ابن خال الرئيس بشار الأسد |
| بهجت سليمان | رئيس الفرع الداخلي (251) | سفير في الأردن 2009–2014 |
تأسست شعبة الاستخبارات العسكرية رسمياً عام 1969 وإن كانت جذورها تمتد إلى الحقبة الفرنسية. يقع مقرها الرئيسي في مبنى وزارة الدفاع في دمشق، وكانت تتبع مباشرة لوزير الدفاع، غير أن وزير الدفاع يتلقى بدوره أوامره من الرئيس شخصياً. تُعدّ الشعبة الجهاز الاستخباراتي العسكري الأكبر والأكثر تأثيراً، وتضطلع بالمهام الآتية:
تمتلك الشعبة سلسلة واسعة من مراكز الاحتجاز المعروفة بـ«الأفرع»، في مقدمتها:
قائمة مديري شعبة الاستخبارات العسكرية:
| الاسم | مدة الخدمة | ملاحظات |
|---|---|---|
| علي دوبا | 1974–2000 | أطول مدة خدمة في تاريخ الشعبة، حليف مقرّب لحافظ الأسد |
| حسن خليل | 2000–2005 | |
| آصف شوكت | 2005–2011 | صهر الأسد، اغتيل في تفجير يوليو 2012 |
| عبد الفتاح قدسية | 2011–2012 | |
| رفيق شحادة | 2012–2019 | |
| كفاح ملحم | 2019–2024 |
ترتبط إدارة الأمن السياسي شكلياً بوزارة الداخلية، وإن كانت من الناحية الفعلية تتلقى توجيهاتها من القيادة العليا للنظام. اختصاصاتها تشمل: رصد النشاط الحزبي المعارض، ومراقبة الصحفيين والمثقفين والناشطين، وضبط المشهد السياسي الداخلي. تعتمد هذه الإدارة على شبكة واسعة من المخبرين في المدارس والجامعات والمصانع والمناطق السكنية.
تمتلك الإدارة فرعاً متخصصاً يُعرف بـ«فرع فلسطين» يُعنى بمراقبة المجتمع الفلسطيني في سوريا. ولها سجن داخلي خاص بمبنى مقرها في دمشق، وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش ممارسات تعذيب منهجية فيه ضمن تقرير «أرخبيل التعذيب» عام 2012.
تتميز إدارة المخابرات الجوية بأنها الأكثر قدرةً وهيبةً في المنظومة الأمنية السورية رغم ارتباطها الاسمي بالقوات الجوية. يعود تأسيسها الفعلي إلى عام 1970 حين كان حافظ الأسد وزيراً للدفاع وقائداً للقوات الجوية، فحوّلها إلى ذراعه الشخصية ووكالته التنفيذية. ووصفها خبراء عسكريون بأنها «أقوى وأكثر أجهزة الاستخبارات والأمن السورية مخافةً«.
لعبت الإدارة دوراً محورياً في الشؤون الخارجية، إذ أشرفت ضباطها على عمليات واسعة في لبنان وفلسطين والعراق وأوروبا. وكانت لها محكمتها العسكرية الميدانية الخاصة في منطقة المزة بدمشق، وهي المحكمة التي أصدرت أحكاماً بالإعدام أو بالسجن في سجن صيدنايا. يقع مقر الإدارة في حرستا بالغوطة الشرقية قرب دمشق.
قائمة مديري إدارة المخابرات الجوية:
| الاسم | مدة الخدمة | ملاحظات |
|---|---|---|
| محمد الخولي | 1970–1987 | مهندس بناء الجهاز، أُقيل إثر قضية هيندوي |
| إبراهيم حويجة | 1987–1994 | |
| عبد الكريم إيوش | 1994–2000 | |
| عصام زهر الدين | 2000–2009 | |
| جميل حسن | 2009–2019 | صدر بحقه أمر اعتقال دولي بتهمة جرائم ضد الإنسانية |
| غياث دالاتي | 2019–2024 |
ضابط استخباراتي سوري بارز، شغل منصب مدير إدارة المخابرات العامة من 2005 إلى 2012، ثم انتقل إلى موقع المستشار الأمني الأعلى للرئيس بشار الأسد. يُعدّ علي مملوك الشخصية المحورية في منظومة أجهزة الأمن، إذ ظل على مدى سنوات طويلاً في قلب منظومة صنع القرار الأمني.
فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه في أبريل 2011 بسبب انتهاكات حقوق الإنسان وإسهامه في قمع المتظاهرين، فيما فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات مماثلة بعد ذلك بشهر واحد. وفي نوفمبر 2018، أصدرت المدعية العامة الفرنسية أوامر اعتقال دولية بحق مملوك وجميل حسن وعبد السلام محمود بتهم المشاركة في التعذيب والإخفاء القسري والجرائم ضد الإنسانية. وفي مايو 2024، مَثَل القضية أمام محكمة الجنايات الباريسية، وصدر بحقه حكم غيابي بالسجن.
وُلد في طرطوس لعائلة علوية من الطبقة المتوسطة. التحق بالجيش في أواخر السبعينيات وتدرّج في سلم الرتب. عُيِّن نائباً لرئيس الاستخبارات العسكرية عام 1994، ثم رئيساً لها عام 2005. تزوّج من بشرى الأسد شقيقة الرئيس بشار، مما جعله جزءاً من الدائرة الضيقة للنظام. صار نائباً لوزير الدفاع في سبتمبر 2011. قُتل في 18 يوليو 2012 في تفجير مبنى الأمن القومي بدمشق، الذي أودى بحياته إلى جانب وزير الدفاع داود راجحة.
يُعدّ أحد أبرز رجال المخابرات في تاريخ سوريا. وُلد في قرية قرفيص في منطقة جبلة بريف اللاذقية. التحق بالجيش عام 1955 وبحزب البعث في مطلع الخمسينيات. دعم انقلاب الأسد عام 1970 وعُيِّن عقب ذلك في مناصب قيادية. تولّى رئاسة الاستخبارات العسكرية بين عامَي 1974 و2000، لتكون مدة خدمته الأطول في هذا المنصب. اعتُبرت الاستخبارات العسكرية في عهده الجهاز الأمني الأكثر تأثيراً في سوريا. أُقصي في عام 1999 حين رأى بشار الأسد فيه منافساً محتملاً.
وُلد في قرفا بمحافظة درعا في عائلة سنية، وتلقّى تدريبه على المدفعية والاستخبارات العسكرية في الاتحاد السوفيتي عام 1976. عُيِّن في ديسمبر 2002 رئيساً لعمليات الاستخبارات العسكرية السورية في لبنان خلفاً لغازي كنعان. تولّى هذا المنصب إبان الوجود العسكري السوري المكثّف في لبنان، وربطه ارتباط وثيق بالملف اللبناني. استدعت لجنة الأمم المتحدة للتحقيق في اغتيال الحريري (UNIIIC) أسئلةً حوله. تُشير التقارير إلى أنه تعرّض لضرب مبرح في مكتب رئيس الاستخبارات العسكرية رفيق شحادة في مارس 2015، ثم انتقل إلى المستشفى الشامي بدمشق حيث لفظ أنفاسه في أبريل من العام ذاته في ظروف لا تزال موضع جدل. يرى بعض المحللين أن اغتياله جاء لتجنّب تورطه في التحقيقات الدولية.
وُلد في قرية الحصنان قرب بيت ياشوط في ريف اللاذقية. أُعجبت به عائلته من الطائفة العلوية (بطن الحدادين). عُيِّن عند وصول الأسد للسلطة عام 1970 مديراً للمخابرات الجوية، واستمر في منصبه سبعة عشر عاماً. كانت مكتبه يقع بجانب مكتب الرئيس مباشرة في القصر الجمهوري. تلقّى تدريبه في ألمانيا الشرقية بين 1971 و1973، وحوّل إدارة المخابرات الجوية إلى أقوى أجهزة الاستخبارات السورية. أُقيل عام 1987 إثر فضيحة هيندوي (محاولة تفجير طائرة »إل عال« الإسرائيلية في لندن). لجأ إلى بيروت بعد سقوط النظام عام 2024، حيث توفي لاحقاً.
ترأس إدارة المخابرات الجوية بين عامَي 2009 و2019. شكّلت إدارته مرحلة بالغة الدموية، إذ اتّسم عهده بتصاعد حاد في حجم الانتهاكات المرتكبة خلال موجة الاحتجاجات الشعبية ثم الثورة السورية. أصدرت ألمانيا عام 2018 أمر اعتقال دولياً بحقه، وطالبت فرنسا وسوريا لاحقاً لبنانَ باعتقاله. ووصفته وزارة العدل الأمريكية بالمُدبِّر لحملة تعذيب شملت الجلد بالخراطيم، وخلع الأظافر، والضرب المبرح، وسحق الأسنان، والحرق بالسجائر والأحماض.
تولّى رئاسة الفرع الداخلي (الفرع 251) في إدارة المخابرات العامة. اعتُبر من المقرّبين جداً من بشار الأسد وأحد المرجعيات الثقة التي رعت صعوده. وردَ اسمه في الصياغة الأولى (غير الرسمية) لتقرير ميليس الأممي بشأن اغتيال الحريري، إلا أن النسخة الرسمية لم تتضمّن أي إشارة صريحة إلى مسؤوليته. عمل سفيراً لسوريا في الأردن من 2009 إلى 2014، إلى أن طردته عمّان عام 2014 بسبب »إساءاته المتكررة« للمملكة.
يقع سجن صيدنايا على بُعد نحو 30 كيلومتراً شمال دمشق، وكان يُدار بإشراف وزارة الدفاع ويضم في الأساس محكومين عسكريين ومعتقلين سياسيين. وفقاً لتقرير منظمة العفو الدولية الصادر عام 2017، المعنون »المسلخ البشري: الشنق الجماعي والإبادة في سجن صيدنايا«، جرى تنفيذ ما يصل إلى 13,000 عملية إعدام بحق المعتقلين على مدى خمس سنوات امتدت من 2011 إلى 2016. كانت الإعدامات تُنفَّذ في ساعات الفجر الأولى، حيث كانت مجموعات تضم ما بين 20 و50 شخصاً تُقتاد بصمت إلى الطابق السفلي لتُشنق. بني هذا التقرير على شهادات نحو 84 شخصاً من بينهم معتقلون سابقون وحراس ومسؤولون.
تضمّنت ممارسات التعذيب الموثَّقة في السجن: الشنق والضرب المبرح والاعتداء الجنسي وقطع الرأس والحرق وما يُعرف بـ»السجادة الطائرة« (تثبيت المعتقل بين لوحَين خشبيَّين قابلَين للثني). وخلصت منظمة العفو الدولية إلى أن عمليات القتل والتعذيب والإخفاء القسري والإبادة المنهجية في صيدنايا ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.
يقع الفرع 215 التابع لشعبة الاستخبارات العسكرية في منطقة كفر سوسة بدمشق. وثّقت صور قيصر وفاة 3,532 شخصاً في هذا الفرع وحده، معظمهم جرّاء التعذيب أو الأمراض والجوع. يُوصف بأنه »مسلخ بشري« يُخضع جميع معتقليه لتعذيب شديد ومنهجي، أفضى إلى وفاة المئات منهم.
يقع سجن تدمر في مدينة تدمر (بالميرا) على بُعد نحو 200 كيلومتر شمال شرق دمشق. خضع للإشراف المشترك للاستخبارات العسكرية والجيش. اكتسب سمعة مأساوية باعتباره واحداً من أكثر سجون العالم قسوةً، وبلغت حوادثه المروّعة ذروتها بمجزرة 27 يونيو 1980: بعد محاولة اغتيال فاشلة لحافظ الأسد بيوم واحد، أصدر رفعت الأسد، شقيق الرئيس وقائد سرايا الدفاع، أوامره بالانتقام، فوصلت طوافات محمّلة بالمقاتلين إلى السجن وأبادت ما يتراوح بين 500 و1,000 سجين بالرشاشات والقنابل اليدوية خلال ساعة واحدة. وكان غالبيتهم من المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين. دمّر تنظيم داعش السجن عام 2015.
عقب اندلاع الانتفاضة السورية في مارس 2011، تحوّلت أجهزة المخابرات إلى آلة قمع ضخمة تعمل على مدار الساعة. سارعت إلى تشكيل »لجان التحقيق المشتركة« التي تضم ممثلين عن الأجهزة الأربعة، وباشرت باعتقال الآلاف من المحتجين والناشطين والأطباء والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان. أفادت التقارير بأن قوائم التحقيق الصادرة عن لجنة تحقيق مشتركة في محافظة حماة وحدها تضمنت بيانات أكثر من 10,000 شخص جرى استجوابهم بين أغسطس 2011 وأغسطس 2012.
في يوليو 2012، أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرها الموسوم بـ»أرخبيل التعذيب: الاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري في سجون سوريا السرية منذ مارس 2011»، بناءً على أكثر من 200 مقابلة. حدّد التقرير مواقع 27 مركز احتجاز تديرها الأجهزة الاستخباراتية السورية. وكشف أن أساليب التعذيب تشمل الضرب المبرح بالعصي والأسلاك، ووضع المعتقلين في أوضاع مؤلمة لساعات طويلة بمعدات مصنوعة لهذا الغرض، والصعق الكهربائي، والحرق بأحماض بطاريات السيارات، والاعتداء الجنسي، وقطع الأظافر، والإعدام الوهمي. خلص التقرير إلى أن الأنماط المنهجية الموثّقة تُثبت بجلاء أن التعذيب يمثّل سياسة دولة، وأنه يرقى إلى مستوى الجريمة ضد الإنسانية.
في أغسطس 2013، تمكّن ضابط شرطة عسكرية يُعرف بـ«قيصر» — كُشف لاحقاً أن اسمه الحقيقي فريد المدهن، وكان رئيساً لقسم الأدلة الجنائية في الشرطة العسكرية بدمشق — من تهريب 53,275 صورة فوتوغرافية من سوريا. كانت مهمته الرسمية توثيق جثث المعتقلين الذين لقوا حتفهم في مراكز الاحتجاز من أجل إصدار شهادات الوفاة، دون أن تُكشف صور ذويهم. ركّز التقرير القانوني الدولي على 28,707 صورة تُظهر ما لا يقل عن 6,786 معتقلاً لقوا حتفهم في مرافق احتجاز الاستخبارات العسكرية والشرطة العسكرية. أطلقت هذه الصور موجة من الملاحقات القضائية الدولية، وألهمت صياغة «قانون قيصر» الأمريكي الذي فرض عقوبات على الأسد ونظامه وأجاز للخارجية الأمريكية جمع الأدلة على جرائم الحرب. كما أُدرجت هذه الصور ضمن أدلة أول محاكمة لتعذيب دولة أمام قضاء مستقل، وهي محاكمة أنور رسلان في ألمانيا عام 2020.
رصد تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا المعنون «لا نهاية في الأفق: التعذيب وسوء المعاملة في الجمهورية العربية السورية 2020–2023» استمرار التعذيب الممنهج والإخفاء القسري في مراكز الاحتجاز التابعة للدولة بين يناير 2020 وأبريل 2023. استند التقرير إلى 254 مقابلة أُجريت خلال هذه الفترة، شملت أكثر من 200 شخص أفادوا بشهاداتهم المباشرة عن التعذيب وسوء المعاملة في مرافق احتجاز الأجهزة الحكومية الأربعة، فضلاً عن مديرية الأمن الجنائي التابعة للشرطة والسجون العسكرية.
انتشرت أجهزة المخابرات السورية في لبنان طوال فترة الوجود العسكري السوري (1976–2005)، وتحولت إلى سلطة موازية تتحكم في القرارات السياسية والأمنية. أشرف ضباط الاستخبارات العسكرية وإدارة المخابرات الجوية على التوظيف في الجيش اللبناني والمراسيم الحكومية. وفي محاولة اغتيال الحريري بالقنبلة في 14 فبراير 2005، رصدت لجنة التحقيق الدولية بقيادة القاضي الألماني ديتليف ميليس شبكةً من المتهمين السوريين واللبنانيين، وأشارت إلى تورط ضباط استخباراتيين سوريين في عملية التخطيط والتنفيذ، وإن خلصت المحكمة الخاصة للبنان في حكمها الصادر عام 2020 إلى إدانة سليم عياش من حزب الله دون إثبات توجيه سوري مباشر. وذكر التقرير الأممي أن مسؤولين سوريين أمروا بإتلاف جميع وثائق الاستخبارات المتعلقة بلبنان وإحراقها.
أدارت أجهزة الاستخبارات السورية، وتحديداً إدارة المخابرات الجوية والمخابرات العامة، شبكات الدعم للفصائل الفلسطينية المسلحة الموالية لدمشق. واحتضنت دمشق مكاتب حركات كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة (أحمد جبريل) وحركة حماس وغيرها، وفق رقابة وتوجيه مباشرَين من الأجهزة الأمنية.
خلال مرحلة الاحتلال الأمريكي للعراق (2003–2011)، اتُّهمت الاستخبارات السورية بتسهيل عبور المقاتلين الأجانب عبر الأراضي السورية نحو العراق، وهو ما نفاه المسؤولون السوريون رسمياً.
في يناير 2022، أدانت محكمة كوبلنز الألمانية أنور رسلان، الضابط السابق في فرع 251 التابع لإدارة المخابرات العامة، بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد. وُجِّهت إليه التهم الآتية: التواطؤ في 27 جريمة قتل، و4,000 حالة تعذيب وحرمان من الحرية، و3 حالات عنف جنسي بوصفها جرائم ضد الإنسانية. بدأ المحاكمة التي تُعدّ الأولى من نوعها تاريخياً ضد عضو في جهاز دولة أمام قضاء أجنبي مستقل في أبريل 2020 بمدينة كوبلنز. كان رسلان قد فرّ من سوريا في وقت لاحق من عام 2013، وأفاد في البداية بمعارضته للنظام قبل تعرُّضه للاتهامات.
في مايو 2024، مَثَل علي مملوك وجميل حسن وعبد السلام محمود أمام محكمة الجنايات الباريسية بتهمة التواطؤ في التعذيب والإخفاء القسري والجرائم ضد الإنسانية. وقد صدرت أوامر الاعتقال الفرنسية في نوفمبر 2018 إثر مثول ناشطين وناجين سوريين أمام المحكمة الجنائية الخاصة الفرنسية.
أصدرت محكمة ألمانيا الاتحادية في يونيو 2018 أمر اعتقال بحق جميل حسن رئيس إدارة المخابرات الجوية السابق، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وانتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي. وبلغ عدد الناجين والناشطين السوريين الذين أدلوا بشهاداتهم أمام المحاكم الألمانية لصدور أمر الاعتقال 24 شخصاً.
بدأت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على مسؤولي الاستخبارات السوريين منذ أبريل 2011. وكانت الدفعة الأولى تشمل علي مملوك وحافظ مخلوف وغيرهما ممن أُدرجوا ضمن قوائم تجميد الأصول وحظر السفر. وفي عام 2012، بلغ عدد المسؤولين والمؤسسات السورية التي جمّد الاتحاد الأوروبي أصولها 120 كياناً. وبموجب الأمر التنفيذي الأمريكي 13572، جرى تصنيف الأفرع العسكرية الاستخباراتية 215 و216 و227 و235 و248 و290 باعتبارها منظمات خاضعة للعقوبات.
فرض قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين الصادر عام 2019 عقوبات واسعة على الأسد وحكومته، وأجاز للخارجية الأمريكية توثيق جرائم الحرب ومقاضاة مرتكبيها. أُطلق على القانون اسم «قيصر» تخليداً لذكرى المصور العسكري الشجاع الذي هرّب صور الرعب من سوريا.
مع سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، انهار الهيكل التنظيمي للأجهزة الاستخباراتية الأربعة. وفي 29 يناير 2025، أصدرت إدارة العمليات العسكرية مرسوماً بحل الجيش والأجهزة الأمنية للنظام السابق وبرلمانه. عُيِّن أنس خطاب، الذي كان يرأس الجهاز الاستخباراتي في إطار المعارضة، وزيراً للداخلية.
في 26 ديسمبر 2024، أُسِّس جهاز استخبارات عامة سوري جديد تحت مسمى «الاستخبارات العامة السورية»، ليحلّ محل إدارة المخابرات العامة للنظام البائد ويتعاون مع الحكومة الانتقالية.
شرعت الحكومة الانتقالية ومنظمات المجتمع المدني في فتح مقار الأجهزة الاستخباراتية السابقة واستعادة وثائقها. وقد حفظ مركز سوريا للعدالة والمساءلة (SJAC) سابقاً 5,003 وثيقة حكومية عثر عليها في مقار الاستخبارات السورية السابقة في الرقة وحمص، تشمل أوامر استخدام القوة ضد المتظاهرين السلميين. وكشفت مشاهد صيدنايا عقب تحريره عن أعداد كبيرة من الأحياء في حالة صحية حرجة.
أوصى خبراء القطاع الأمني الدوليون بتجنّب الحلّ الكلي الآني للأجهزة الأمنية لتفادي نشوء فراغ أمني. وشدّدوا على ضرورة التمييز الوظيفي بين التحقيقات الجنائية ومكافحة الإرهاب والاستخبارات الخارجية وأمن الحدود، مع إنشاء أجهزة مستقلة لكل وظيفة بصلاحيات غير متداخلة. وتشمل أولويات الإصلاح المُوصى بها: إخضاع الأجهزة لمساءلة قانونية وبرلمانية حقيقية، وفرض حظر شامل على التعذيب، وضمان نزاهة الإجراءات القضائية.
يُقرّ كثير من الباحثين بأن التعيينات القيادية في المخابرات السورية كانت تميل بصورة ملحوظة نحو أبناء الطائفة العلوية، غير أنهم يتباينون حول ما إذا كان ذلك سياسةً ممنهجة أو نتاجاً للديناميكيات الاجتماعية القائمة على الولاء. واللافت أن بعض مسؤولي الأجهزة، كرستم غزالة، كانوا من المسلمين السنة.
بينما خلصت المحكمة الخاصة للبنان عام 2020 إلى إدانة سليم عياش من حزب الله بجريمة الاغتيال، يرى عدد من الباحثين والمحققين أن الصورة الكاملة للتنسيق السوري-اللبناني لم تُكشف حتى الآن. كما أن إتلاف الوثائق السورية أضاف غموضاً إضافياً إلى الملف.
لا تزال التقديرات الدقيقة لأعداد ضحايا أجهزة المخابرات موضع جدل بسبب محدودية الوصول إلى المعلومات. تُقدّر الشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR) أن نحو 112,000 مواطن سوري لا يزالون في عداد المغيّبين قسراً منذ عام 2011. في المقابل، وثّقت صور قيصر وفاة 6,786 شخصاً على الأقل في مرافق الاحتجاز، غير أن المحققين يُؤكدون أن الرقم الفعلي أعلى بكثير، لأن الصور لا تغطي سوى جزء من المرافق ومن الفترة الزمنية المعنية.
لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا (مجلس حقوق الإنسان الأممي)، تقرير «لا نهاية في الأفق: التعذيب وسوء المعاملة في الجمهورية العربية السورية 2020–2023»، يوليو 2023. (A/HRC/53/CRP.5)
الآلية الدولية المحايدة المستقلة (IIIM)، تقرير الاحتجاز، يونيو 2024 (النسخة العلنية المنقّحة، ديسمبر 2024). (iiim.un.org)
مجلس الأمن الدولي، القرار 1595 (2005) بشأن التحقيق في اغتيال رفيق الحريري. (press.un.org)
منظمة العفو الدولية، «المسلخ البشري: الشنق الجماعي والإبادة في سجن صيدنايا، سوريا»، فبراير 2017. (amnesty.org)
منظمة هيومن رايتس ووتش، «أرخبيل التعذيب: الاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري في سجون سوريا السرية منذ مارس 2011»، يوليو 2012. (hrw.org)
منظمة هيومن رايتس ووتش، «سوريا: قصص وراء صور المعتقلين القتلى»، ديسمبر 2015. (hrw.org)
الشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR)، «الأجهزة الأمنية السورية وأفرعها والقائمون عليها«. (snhr.org)
راتميل، أندرو، »أجهزة الاستخبارات السورية: الأصول والتطور«، مجلة دراسات النزاعات (Journal of Conflict Studies)، المجلد 16، العدد 2، 1996. (journals.lib.unb.ca)
مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، »الأجهزة الأمنية السورية والحاجة إلى التغيير الهيكلي والوظيفي«. (omranstudies.org)
مركز سوريا للعدالة والمساءلة (SJAC)، »محاكمة علي مملوك وجميل حسن وعبد السلام محمود«. (syriaaccountability.org)
مركز كارنيغي للشرق الأوسط، »وفاة رستم غزالة«، أبريل 2015. (carnegieendowment.org)
المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان (ECCHR)، »صور قيصر توثّق التعذيب الممنهج«. (ecchr.eu)
المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان (ECCHR)، »المخابرات الجوية السورية: الذراع اليمنى لعائلة الأسد«، أغسطس 2019. (ecchr.eu)
هيومن رايتس ووتش، »السعي إلى العدالة في سوريا: كيف مَثَل ضابط استخباراتي مزعوم أمام محكمة في ألمانيا«، يناير 2022. (hrw.org)
مركز سوريا للعدالة والمساءلة، »داخل محاكمة رسلان #58: تفاصيل حكم رسلان«. (syriaaccountability.org)
مركز ميسداد، »جهاز الاستخبارات السوري الجديد: التحديات والفرص والهيكليات»، 2025. (misdad.org)