دير الزور هي مدينة سورية تقع على الضفة الجنوبية لنهر الفرات في الجزء الشرقي من البلاد، وتُعدّ عاصمة محافظة دير الزور التي تُشكّل أكبر محافظات سوريا مساحةً بنحو 33,060 كيلومتراً مربعاً (المكتب المركزي للإحصاء، دمشق). تحتل المدينة موقعاً استراتيجياً عند ملتقى طرق التجارة القديمة بين بلاد الرافدين وساحل البحر الأبيض المتوسط، مما جعلها عبر العصور مركزاً تجارياً وحضارياً بارزاً. تُلقَّب المدينة بـ«لؤلؤة الفرات» و«بوابة الشرق السوري»، وتربط غرب سوريا بشرقها وتُشكّل بوابة نحو العراق المجاور.

المصدر: Wikimedia Commons, Dosseman, CC BY-SA 4.0
قُدِّر عدد سكان مدينة دير الزور بنحو 211,857 نسمة وفق آخر تعداد رسمي أجراه المكتب المركزي للإحصاء عام 2004 م، فيما بلغ عدد سكان المحافظة ككل نحو 1.2 مليون نسمة وفق تقديرات عام 2011 م (المكتب المركزي للإحصاء السوري). أدّى النزاع المسلح إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان، حيث أشارت تقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA) إلى أنّ نحو 60 بالمئة من سكان المحافظة نزحوا عن مناطقهم بحلول عام 2017 م (OCHA، Syria Crisis Humanitarian Snapshot، أكتوبر 2017 م). يتكوّن النسيج السكاني في غالبيته من عرب سنّة ينتمون إلى قبائل وعشائر متعددة، مع وجود أقليات من الأكراد والأرمن والسريان.

المصدر: Wikimedia Commons, Tasnim News Agency, CC BY 4.0
يعود تاريخ الاستيطان البشري في منطقة دير الزور إلى آلاف السنين. من أبرز المواقع الأثرية مدينة ماري (تل الحريري) التي تقع على بعد نحو 11 كيلومتراً شمال غرب مدينة البوكمال، وكانت واحدة من أعظم ممالك الشرق الأدنى القديم في الألف الثالث والثاني قبل الميلاد. اكتُشف في قصرها الملكي أكثر من 25,000 لوح مسماري تُوثّق الحياة السياسية والاقتصادية في تلك الحقبة (أندريه بارو، بعثات التنقيب الفرنسية منذ 1933 م). كذلك تضم المنطقة موقع دورا أوروبوس (الصالحية) الذي أسّسه السلوقيون حوالي 303 قبل الميلاد، وعُثر فيه على أقدم كنيسة مسيحية معروفة وكنيس يهودي مزيّن بلوحات جدارية نادرة (جامعة ييل، مشروع التنقيب في دورا أوروبوس).
فُتحت المنطقة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب على يد القائد عياض بن غنم عام 18 هـ / 639 م. اكتسبت المدينة أهمية في العصر الأموي بوصفها محطة على الطريق التجاري بين دمشق وبغداد. في العصر العباسي ازدهرت المنطقة اقتصادياً واستفادت من قربها من العاصمة بغداد. تعاقبت عليها سيطرة الحمدانيين والسلاجقة والزنكيين والأيوبيين، قبل أن تتعرّض لدمار واسع إبّان الغزو المغولي في القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي.
خضعت دير الزور للسيطرة العثمانية منذ القرن السادس عشر الميلادي، وأُنشئ فيها مركز إداري (متصرفية) عام 1865 م ارتبط بولاية حلب ثم أصبح لواءً مستقلاً عام 1869 م. اتسمت الفترة العثمانية بمحاولات الدولة المركزية فرض سيطرتها على القبائل البدوية في المنطقة وتوطينها، وشهدت المنطقة عدة ثورات عشائرية ضد الضرائب والتجنيد الإجباري. خلال الحرب العالمية الأولى، كانت صحراء دير الزور المحطة الأخيرة في مسيرات ترحيل الأرمن عام 1915 م، حيث لقي مئات الآلاف حتفهم (ريمون كيفوركيان، «الإبادة الجماعية الأرمنية»، دار أي بي توريس، لندن).
وقعت المنطقة تحت الانتداب الفرنسي بعد معركة ميسلون عام 1920 م. اندلعت في دير الزور انتفاضات مسلحة ضد الفرنسيين، أبرزها ثورة عام 1921 م بقيادة شيوخ العشائر المحلية. بعد استقلال سوريا عام 1946 م، شهدت المدينة نمواً تدريجياً مع اكتشاف النفط في المنطقة منذ خمسينيات القرن العشرين.
يُعدّ الجسر المعلق في دير الزور من أبرز معالم المدينة ورمزاً من رموزها التاريخية. شُيّد عام 1927 م خلال فترة الانتداب الفرنسي على يد مهندسين فرنسيين، وكان يربط بين ضفتي نهر الفرات بطول يزيد عن 450 متراً، مما جعله من أطول الجسور المعلقة في منطقة الشرق الأوسط آنذاك. صُمّم على طراز الجسور المعلقة الأوروبية وأصبح عنصراً أساسياً في الهوية البصرية للمدينة. تعرّض الجسر لأضرار جسيمة خلال الحرب السورية، حيث دُمّرت أجزاء كبيرة منه جراء القصف والمعارك بين عامي 2013 م و 2014 م (وكالة رويترز، نوفمبر 2013 م). يُمثّل تدمير الجسر رمزاً للدمار الذي لحق بالمدينة وتراثها العمراني.
شهدت دير الزور واحدة من أطول حالات الحصار وأشدّها في الحرب السورية. في يونيو 2014 م، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على أجزاء واسعة من المحافظة والمدينة بعد هجوم واسع النطاق، بينما تمسّكت القوات الحكومية السورية بالسيطرة على أحياء في غرب المدينة ومطار دير الزور العسكري، لتتشكّل بذلك جيوب محاصرة (Reuters، «Islamic State tightens siege on Syrian city of Deir al-Zor»، يناير 2016 م).
خلال سنوات الحصار الثلاث، عانى ما بين 93,000 و 110,000 مدني ظروفاً إنسانية كارثية وفق تقديرات الأمم المتحدة (OCHA، Deir-ez-Zor Situation Report، 2016 م). انقطعت إمدادات الغذاء والدواء والوقود بشكل شبه كامل، واعتمد السكان المحاصرون على عمليات الإنزال الجوي التي نفّذها برنامج الأغذية العالمي (WFP) بالتعاون مع القوات الجوية السورية، والتي بلغت أكثر من 315 عملية إنزال بين أبريل 2016 م وسبتمبر 2017 م (WFP، Syria Situation Report، سبتمبر 2017 م). ارتفعت أسعار المواد الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة، حيث وصل سعر كيلوغرام السكر إلى نحو 4,000 ليرة سورية مقارنة بـ 250 ليرة في دمشق (المرصد السوري لحقوق الإنسان، SOHR، 2016 م).
في 5 سبتمبر 2017 م، تمكّنت القوات الحكومية السورية بدعم جوي وبري روسي من كسر الحصار والوصول إلى المدينة عبر محور السخنة - دير الزور بعد عملية عسكرية واسعة (Reuters، «Syrian army breaks Islamic State siege of Deir al-Zor»، 5 سبتمبر 2017 م). تواصلت العمليات العسكرية في المحافظة حتى نوفمبر 2017 م، حين أُعلن السيطرة على مدينة البوكمال آخر معاقل التنظيم الرئيسية (SOHR، نوفمبر 2017 م). وصف الأمين العام للأمم المتحدة الوضع الإنساني في دير الزور أثناء الحصار بأنّه «من أسوأ الأوضاع الإنسانية في العالم» (مكتب الأمين العام للأمم المتحدة، 2017 م).
تتميز دير الزور ببنية اجتماعية عشائرية متجذّرة تُشكّل الركيزة الأساسية للعلاقات الاجتماعية والسياسية في المنطقة. تنتمي غالبية سكان المحافظة إلى قبائل عربية كبيرة لها امتدادات في العراق والخليج العربي. من أبرز هذه القبائل:
تحافظ هذه القبائل على تقاليدها وأعرافها في حل النزاعات وتنظيم العلاقات الاجتماعية، ويلعب شيوخ العشائر دوراً بارزاً في الوساطة والتفاوض، وقد ازداد هذا الدور أهمية خلال سنوات الحرب.
تُشكّل محافظة دير الزور العمود الفقري لقطاع النفط السوري، إذ تحتضن أراضيها ما يُقدَّر بنحو 70 بالمئة من إجمالي احتياطيات النفط الخام في سوريا (وزارة النفط والثروة المعدنية السورية). من أبرز الحقول النفطية:
سيطر تنظيم داعش على هذه الحقول بين عامي 2014 م و 2017 م وحقّق إيرادات قُدّرت بنحو 1.5 مليون دولار يومياً من بيع النفط في السوق السوداء وفق تقديرات وزارة الخزانة الأمريكية (US Treasury، 2015 م). بعد طرد التنظيم عام 2017 م، انتقلت السيطرة على غالبية الحقول الواقعة شرق الفرات إلى قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، فيما سيطرت القوات الحكومية السورية على الحقول الواقعة غرب النهر (Reuters، «SDF takes Syria’s largest oil field from Islamic State»، أكتوبر 2017 م).
إلى جانب النفط، تُعدّ الزراعة ركيزة اقتصادية أساسية في محافظة دير الزور. تعتمد الزراعة اعتماداً رئيسياً على مياه نهر الفرات وشبكة الري المرتبطة به. من أبرز المحاصيل:
تضرّر القطاع الزراعي بشدة خلال سنوات الحرب بسبب تدمير البنية التحتية للري وتلوّث الأراضي ونزوح المزارعين.
أشار تقرير البنك الدولي بعنوان «The Toll of War» الصادر عام 2017 م إلى أنّ محافظة دير الزور من أكثر المناطق السورية تضرراً، حيث دُمّر أو تضرّر نحو 70 بالمئة من المباني السكنية في مدينة دير الزور (World Bank، «The Toll of War: The Economic and Social Consequences of the Conflict in Syria»، 2017 م). شمل الدمار البنية التحتية الحيوية بما في ذلك شبكات المياه والكهرباء والمستشفيات والمدارس والجسور والطرق. قدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) تكلفة إعادة إعمار البنية التحتية الأساسية في المحافظة بمئات الملايين من الدولارات (UNDP Syria، 2019 م). كما وثّق برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat) باستخدام صور الأقمار الاصطناعية مدى الدمار الذي لحق بالنسيج العمراني للمدينة (UNOSAT Damage Assessment، 2018 م).
تتميز دير الزور بمناخ صحراوي حار وجاف (تصنيف كوبن: BWh). ترتفع درجات الحرارة صيفاً لتتجاوز 45 درجة مئوية في يوليو وأغسطس، بينما تنخفض شتاءً إلى ما دون الصفر أحياناً. يبلغ معدل هطول الأمطار السنوي نحو 127 ملم فقط (المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، WMO)، مما يجعل الزراعة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بنهر الفرات ومشاريع الري.
أُسّست جامعة الفرات عام 2006 م كجامعة حكومية تهدف إلى خدمة المنطقة الشرقية من سوريا. تضم عدة كليات تشمل الآداب والعلوم والهندسة والزراعة والاقتصاد والتربية، ولها فروع في محافظتي الحسكة والرقة. تأثرت الجامعة بشكل كبير بسنوات الحرب، حيث تضررت مبانيها ومرافقها، لكنها استمرت في أداء رسالتها التعليمية في ظل الظروف الصعبة.
تضم دير الزور كنيسة الشهداء الأرمن (كنيسة البعث الأرمنية)، وهي نصب تذكاري شُيّد لإحياء ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية الأرمنية عام 1915 م. تحتوي الكنيسة على متحف يضم وثائق وصوراً تروي تلك المأساة، وكانت تستقبل آلاف الزوار الأرمن سنوياً من مختلف أنحاء العالم. دُمّرت الكنيسة على يد تنظيم داعش عام 2014 م ضمن حملة ممنهجة لتدمير المواقع الدينية والتراثية، مما أثار إدانات دولية واسعة (UNESCO، تقرير حالة التراث الثقافي في سوريا، 2014 م).