تقع مدينة الحسكة عند ملتقى نهرَي الخابور والجغجغ في أقصى الشمال الشرقي من سوريا، وتُمثّل عاصمة محافظة الحسكة التي تُعدّ أكبر المحافظات السورية مساحةً إذ تمتد على نحو 23,000 كيلومتر مربع. تتميّز المدينة بفسيفساء سكانية فريدة تجمع العرب والأكراد والآشوريين السريان والأرمن، وتحتضن أراضيها ثروات استراتيجية هائلة تشمل نحو 50% من نفط سوريا و55% من إنتاج القمح، فضلاً عن مواقع أثرية تُعدّ من أقدم مهود الحضارة الإنسانية كتل حلف وتل براك وتل موزان وتل ليلان.
تقع مدينة الحسكة على الإحداثيات الجغرافية 36°30′42″ شمالاً و40°44′32″ شرقاً، وترتفع نحو 300 متر عن سطح البحر. وتقع المدينة في قلب منطقة الجزيرة الفُراتيّة (الجزيرة السورية)، وهي المنطقة الواقعة بين نهر الفرات غرباً ونهر دجلة شرقاً، والتي عُرفت تاريخياً باسم «الجزيرة» أي الأرض المحصورة بين النهرين العظيمين. تبعد المدينة نحو 80 كيلومتراً جنوب مدينة القامشلي، وتقع على مقربة من الحدود التركية شمالاً والحدود العراقية شرقاً.
يتحدّد الموقع الاستراتيجي للمدينة بملتقى نهرين: نهر الخابور الذي يمتد نحو 320 كيلومتراً وينبع من جنوب تركيا ويدخل الأراضي السورية عند رأس العين، ونهر الجغجغ (بالكردية: جقجق) الذي يلتقي بالخابور في قلب المدينة. وهذا الملتقى النهري هو الذي أعطى المدينة أهميتها منذ أقدم العصور، إذ جعل منها عقدة مواصلات طبيعية وملتقى طرق تجارية حيوية.
يسود المدينة مناخ شبه جاف (تصنيف كوبن: BSh) يتميّز بصيف حار وجاف تتجاوز فيه درجات الحرارة 40 درجة مئوية في كثير من الأحيان، وشتاء بارد رطب نسبياً مع صقيع متقطع. يبلغ معدّل هطل الأمطار السنوي نحو 44.1 ملم، ومتوسط درجة الحرارة السنوي نحو 23.65 درجة مئوية. وتحدّ المحافظة تركيا من الشمال والعراق من الشرق، ومحافظة دير الزور من الجنوب والجنوب الغربي، ومحافظة الرقة من الغرب.
تُعدّ محافظة الحسكة واحدة من أغنى المناطق الأثرية في العالم، إذ تضمّ تلالاً أثرية تعود إلى الألف السابع قبل الميلاد وتُمثّل بعضاً من أقدم شواهد الاستقرار البشري والتمدّن في تاريخ الإنسانية. وقد كشفت الحفريات الأثرية المتعاقبة على مدار أكثر من قرن عن حضارات متعددة تعاقبت على هذه الأرض.
يقع تل حلف في محافظة الحسكة على بُعد كيلومترات قليلة من مدينة رأس العين على الحدود السورية التركية. يعود تاريخ الموقع إلى الألف السادس قبل الميلاد، وقد أعطى اسمه لواحدة من أهم الثقافات الأثرية في الشرق القديم: «ثقافة الحلف» التي امتدت من نحو 6100 إلى 5400 قبل الميلاد. تميّزت هذه الثقافة بأوانٍ فخارية مزجّجة ذات زخارف هندسية وحيوانية بالغة الدقة والجمال، وتُعدّ من أرقى ما أنتجته الحضارات النيوليتية في بلاد ما بين النهرين.
اكتشف الموقعَ المستكشف والدبلوماسي الألماني ماكس فون أوبنهايم في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 1899 خلال رحلة استطلاعية في المنطقة، ثم أطلق حملة تنقيب منهجية بدأت في 5 آب (أغسطس) 1911. كشفت الحفريات عن «القصر الغربي» الذي يعود إلى الملك الآرامي كابارا (القرن العاشر قبل الميلاد)، إضافة إلى تماثيل ومنحوتات وغرف طقوسية ومقابر. ومن أبرز القطع المكتشفة تمثال «الإلهة الجالسة» الذي يُعدّ تحفة من تحف الفن القديم.
يُرجّح أن تل حلف هو موقع مدينة غوزانا (غوزان في النص التوراتي) التي كانت عاصمة دولة مدينة آرامية في القرن العاشر قبل الميلاد، قبل أن تُدمج في الإمبراطورية الآشورية في أواخر القرن التاسع قبل الميلاد.
يقع تل براك على بُعد نحو 50 كيلومتراً شمال شرق مدينة الحسكة، ويُعدّ من أقدم المدن المعروفة في تاريخ البشرية. بدأ الاستيطان في الموقع منذ الألف السابع قبل الميلاد، وشهد تمدّناً مبكراً في أواخر الألف الخامس قبل الميلاد، ليصبح في الألف الرابع قبل الميلاد واحداً من أكبر مدن بلاد ما بين النهرين العليا. عُرفت المدينة في النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد باسم «ناغار» ثم «ناوار».
أجرى عالم الآثار البريطاني السير ماكس مالوان — زوج الروائية الشهيرة أغاثا كريستي — أولى الحفريات المنهجية في الموقع عام 1934، ثم في موسمَي 1937 و1938. وقد رافقت كريستي زوجها في عدة مواسم تنقيب وكتبت عن تجربتها في كتابها الشهير. وتابع فريق جامعة لندن بقيادة ديفيد وجوان أوتس الحفريات بين عامَي 1976 و1993 في 14 موسماً متعاقباً.
من أبرز مكتشفات تل براك «معبد العيون» (Eye Temple) الذي يحتوي على آلاف التماثيل الصغيرة ذات العيون الواسعة المميّزة، إضافة إلى ألواح عدّ تعود إلى العصر الأوروكي وألواح مسمارية. توقفت أعمال التنقيب عام 2011 بسبب الثورة السورية، وتعرّض معسكر البعثة الأثرية للنهب.
يقع تل موزان عند سفوح جبال طوروس في محافظة الحسكة، وهو موقع مدينة أوركيش القديمة التي نشأت في الألف الرابع قبل الميلاد. تحظى أوركيش بأهمية استثنائية كونها المركز الحوري الوحيد المعروف من الألف الثالث قبل الميلاد، مما يجعلها المصدر الرئيسي لفهم الحضارة الحورية التي سبقت الميتانيين والحثيين.
في الأساطير الحورية، احتُفي بأوركيش بوصفها موطن الإله كوماربي، أبو الآلهة في المجمع الديني الحوري. كشفت الحفريات عن معبد كوماربي الذي يعود تاريخه إلى نحو 2400 قبل الميلاد، وعن قصر ملكي يُؤرّخ إلى نحو 2300 قبل الميلاد. ويُعرف الملك تيشاتال من خلال أسدين برونزيين يحملان نقشاً حورياً عُثر عليهما في ثلاثينيات القرن العشرين في أسواق التحف.
قاد أعمال التنقيب في أوركيش الأستاذان جورجيو بوتشيلاتي ومارلين كيلي-بوتشيلاتي من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA)، اللذان كرّسا عقوداً لدراسة هذا الموقع الفريد.
يقع تل ليلان على وادي الجرّاح في حوض نهر الخابور بمحافظة الحسكة. بدأ الاستيطان في الموقع منذ الألف الخامس قبل الميلاد، وعُرفت المدينة في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد باسم «شخنا» ثم «شبات إنليل»، وكانت مركزاً إدارياً مهماً في الإمبراطورية الأكادية.
بدأت الحفريات في الموقع عام 1979 بقيادة عالم الآثار هارفي وايس من جامعة ييل الأمريكية، وكشفت عن معابد ضخمة وألواح مسمارية وقصر يعود إلى العصر الأكادي. غير أن الاكتشاف الأهم كان العثور على طبقة رسوبية بسمك نحو 90 سنتيمتراً (ثلاث أقدام) خالية تماماً من آثار الاستيطان البشري، تعود إلى نحو 2200 قبل الميلاد. أثبت هذا الاكتشاف وقوع جفاف كارثي استمرّ نحو 300 عام أدّى إلى انهيار الإمبراطورية الأكادية ونزوح سكان المدينة البالغ عددهم نحو 28,000 نسمة. وقد أصبح تل ليلان بذلك موقعاً محورياً في أبحاث الكوارث المناخية وأثرها على الحضارات القديمة.
أُعيد استيطان المدينة بعد انقطاع 300 عام في نحو 1900 قبل الميلاد، مما يُقدّم دليلاً أثرياً نادراً على قدرة المجتمعات البشرية على التعافي بعد الكوارث البيئية.
خلال قرون الحكم العثماني الطويلة، شهدت منطقة الجزيرة السورية تراجعاً حضارياً ملحوظاً. فقد تحوّلت الحسكة ومحيطها إلى أرض رعوية تسيطر عليها القبائل البدوية، وأهملت السلطات العثمانية البنية التحتية والتنمية في هذه المنطقة النائية من أطراف الإمبراطورية. وتشير الموسوعة البريطانية (بريتانيكا) إلى أن المدينة «تدهورت تحت الحكم العثماني» ولم تشهد انتعاشاً إلا بعد عام 1932 حين بدأ اللاجئون الآشوريون بالوفود إليها من العراق.
كذلك أثّرت مذابح سيفو (1914–1918) تأثيراً مدمّراً على المكوّن المسيحي في المنطقة، إذ قُتل ما يُقدّر بنحو 250,000 إلى 275,000 آشوري وسرياني على أيدي القوات العثمانية وبعض القبائل الكردية المتحالفة معها، فيما فرّ الناجون إلى مناطق أكثر أمناً.
تأسّست مدينة الحسكة الحديثة في نيسان (أبريل) 1922 حين أنشأت سلطات الانتداب الفرنسي نقطة عسكرية عند ملتقى النهرين لضبط الأمن في منطقة الجزيرة. كانت المنطقة آنذاك قليلة السكان، تقطنها في الغالب عشائر بدوية عربية وأكراد في القرى الشمالية.
شكّلت مذبحة سيميلي في 7 آب (أغسطس) 1933 نقطة تحوّل ديموغرافية حاسمة في تاريخ المدينة. فقد قامت القوات العراقية بارتكاب مجزرة بحق السكان الآشوريين في منطقة دهوك بشمال العراق، طالت 54 قرية على مدار عدة أيام. أدّى ذلك إلى فرار نحو 6,200 آشوري فوراً إلى سوريا (التي كانت تحت الانتداب الفرنسي)، وتوالت موجات النزوح في السنوات التالية حتى بلغ عدد اللاجئين نحو 20,000 آشوري استقرّوا على ضفاف نهر الخابور في شمال شرق سوريا. أسّسوا قرى لا تزال تُعرف محلياً حتى اليوم باسم «كامبِه» (أي المخيمات). وأسهم هؤلاء اللاجئون في نهضة المدينة ونموّها العمراني والاقتصادي.
بحلول عام 1942، بلغ عدد سكان المدينة 7,835 نسمة، وكانت قد أصبحت تضمّ مدارس وكنائس ومؤسسات حكومية. وفي مطلع خمسينيات القرن العشرين، أصبحت الحسكة عاصمة إدارية للمحافظة رسمياً، وبدأت مسيرة النمو المتسارع التي أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم.
تتميّز الحسكة بتنوّع سكاني استثنائي يجعلها مرآة مصغّرة لتعددية المجتمع السوري. ويُشكّل هذا التنوّع أحد أبرز سمات المدينة وأعقد تحدياتها في آنٍ واحد.
تضمّ المدينة أربعة مكوّنات رئيسية: العرب الذين يُشكّلون أكبر مجموعة سكانية، والأكراد الذين يتركّزون في الأحياء الشمالية والشرقية، والآشوريون/السريان الذين يُمثّلون مكوّناً مسيحياً عريقاً يُقدّر بنحو 20–30% من سكان المدينة (وفقاً لمنظمة «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة»)، إضافة إلى الأرمن الذين وفدوا إلى المنطقة بعد الإبادة الأرمنية.
كشف إحصاء عام 1939 عن التوزيع السكاني التالي للمدينة: 7,133 عربياً، و5,700 آشوري، و500 أرمني، و360 كردياً. غير أن هذا التوزيع تغيّر جذرياً خلال العقود اللاحقة بفعل الهجرة الداخلية وسياسات التعريب والنمو الطبيعي المتفاوت بين المكوّنات.
تتعدّد الطوائف المسيحية في المدينة وتشمل: السريان الأرثوذكس، والسريان الكاثوليك، والأرمن الأرثوذكس، والآشوريين (كنيسة المشرق الآشورية)، والإنجيليين. ويُعدّ البطريرك إغناطيوس يوسف الثالث يونان (المولود عام 1944) رأس الكنيسة السريانية الكاثوليكية من أبرز الشخصيات الدينية المنحدرة من الحسكة.
يُعدّ الإحصاء الاستثنائي الذي أجرته السلطات السورية في 5 تشرين الأول (أكتوبر) 1962 في محافظة الحسكة حصراً من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ المسألة الكردية في سوريا. أسفر هذا الإحصاء عن تجريد عشرات الآلاف من الأكراد من الجنسية السورية بذريعة أنهم هاجروا إلى سوريا بعد عام 1945. وتُقدّر المصادر عدد المتضررين الأوائل بنحو 120,000 شخص، وارتفع هذا العدد بحلول عام 2011 إلى أكثر من 517,000 كردي سوري بلا جنسية، منهم 171,000 صُنّفوا «مكتومي القيد» أي مسجّلين خارج سجلات الأحوال المدنية كلياً.
صُنّف المتضررون في فئتين: «الأجانب» (حاملو بطاقات حمراء) الذين سُجّلوا كأجانب مقيمين، و«المكتومون» الذين جُرّدوا من أي وثيقة رسمية. وحُرم هؤلاء من حقوق أساسية شملت: الالتحاق بالوظائف الحكومية، وحق التصويت، وتملّك العقارات، والحصول على شهادات جامعية، وفتح حسابات مصرفية، واقتناء السيارات، وحتى الحصول على خدمات الكهرباء والاتصالات.
في عام 2011، أصدر بشار الأسد المرسوم رقم 49 الذي منح الجنسية لفئة «الأجانب» فحسب دون «المكتومين». وفي عام 2026، أصدرت الحكومة الانتقالية الجديدة المرسوم رقم 13 الذي ألغى جميع القوانين الاستثنائية المتعلقة بإحصاء 1962 ومنح الجنسية لجميع الأكراد من أصل سوري.
شهدت المدينة نمواً سكانياً متسارعاً خلال العقود الماضية:
| السنة | عدد السكان | المصدر |
|---|---|---|
| 1942 | 7,835 | سجلات الانتداب الفرنسي |
| 1981 | 73,426 | الإحصاء الرسمي |
| 1994 | 119,798 | الإحصاء الرسمي |
| 2004 | 188,160 | المكتب المركزي للإحصاء |
| 2023 | 422,445 | تقديرات (تشمل النازحين) |
يعود الارتفاع الكبير بعد عام 2011 إلى تدفّق مئات الآلاف من النازحين داخلياً من مناطق النزاع في الرقة ودير الزور وريف حلب الشرقي.
تنقسم المدينة إدارياً إلى خمسة أحياء تضمّ 29 حيّاً فرعياً:
تُعدّ محافظة الحسكة عصب الاقتصاد السوري بفضل ثرواتها النفطية والزراعية الهائلة. وقد وصفت مجلة «المجلة» المحافظة بأنها «غنية بالموارد لكنها متخلّفة في التنمية»، وهو وصف يختصر المفارقة التي عاشتها المنطقة طوال عقود.
تحتضن محافظة الحسكة أكبر حقول النفط السورية وأقدمها. بدأت أعمال التنقيب عن النفط في حقل رميلان عام 1934، وتحوّلت إلى إنتاج تجاري في ستينيات القرن العشرين عبر شركتَي كونكورديا ومنهل. ويُعدّ حقل رميلان أكبر حقل نفطي في سوريا بإجمالي 1,322 بئراً، ويقع إلى جانبه حقل السويدية وحقل كراتشوك.
بلغت محافظة الحسكة ذروة إنتاجها النفطي بين عامَي 1989 و1995 حين تجاوز الإنتاج 700,000 برميل يومياً. وقبل اندلاع الحرب عام 2011، كان إنتاج المحافظة نحو 200,000 برميل يومياً من إجمالي الإنتاج السوري البالغ نحو 380,000 برميل يومياً، أي ما يزيد عن 50% من النفط السوري. وكان حقل رميلان وحده ينتج نحو 120,000 برميل يومياً. تُقدّر الاحتياطيات المؤكدة بنحو 2.5 مليار برميل.
انخفض الإنتاج بشكل حاد خلال سنوات الحرب بسبب نقص الصيانة وغياب الاستثمار وتدمير البنية التحتية. وفي عام 2026، تنتج حقول رميلان نحو 70,000 إلى 80,000 برميل يومياً وفقاً لتصريحات قوات سوريا الديمقراطية. وفي آذار (مارس) 2026، وصل نفط رميلان إلى مصفاة حمص لأول مرة منذ سنوات في إطار عملية انتقالية تهدف إلى تخفيف أزمة الوقود في سوريا.
كان النفط يُنقل تاريخياً عبر أنابيب إلى مصفاة حمص للتكرير وإلى ميناء طرطوس للتصدير، وشكّل مورداً رئيسياً لخزينة الدولة السورية لعقود طويلة.
إلى جانب النفط، تُعدّ محافظة الحسكة سلّة غذاء سوريا. فهي تنتج نحو 55% من القمح السوري و78% من القطن، فضلاً عن كميات كبيرة من الشعير والأرز. وتعود النهضة الزراعية في المنطقة إلى ستينيات القرن العشرين حين أُطلقت مشاريع ري واسعة حوّلت أراضي شبه جافة إلى حقول خصبة، ونُمّي إنتاج القطن بشكل مكثّف.
أسهمت كذلك أعمال سد الطبقة الذي اكتمل عام 1973 في تحسين الطاقة الكهربائية والقدرة الصناعية في المنطقة. غير أن التغيّر المناخي وندرة المياه والحرب تضافرت في العقد الأخير لتُلحق أضراراً بالغة بالقطاع الزراعي الذي يُعيل ملايين السوريين.
شكّلت الثورة السورية التي اندلعت عام 2011 منعطفاً مأساوياً في تاريخ المدينة. وقد سبق ذلك إشارة رمزية حين أقدم المواطن حسن علي عقلة من الحسكة على إضرام النار في نفسه في 26 كانون الثاني (يناير) 2011 في أول حادثة إحراق ذاتي في سوريا مرتبطة بموجة الربيع العربي، قبل أسابيع من اندلاع الثورة السورية.
في 30 أيار (مايو) 2015، شنّ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) هجوماً واسعاً على مدينة الحسكة مستغلاً انشغال القوات الحكومية في جبهات أخرى. تقدّم مقاتلو التنظيم من عدة محاور واستولوا على أحياء في جنوب المدينة وغربها. بقيت وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) على الحياد في البداية، لكنها تدخّلت في 5 حزيران (يونيو) 2015 حين وصل مقاتلو التنظيم إلى الحدود الجنوبية للمناطق الكردية.
تعاون الجيش السوري ووحدات حماية الشعب لأول مرة في قتال مشترك ضد التنظيم، ونجحا بحلول 28 تموز (يوليو) في طرد مقاتليه من معظم أحياء المدينة. وفي 1 آب (أغسطس) 2015، أُعلن تحرير المدينة بالكامل من التنظيم. أسفرت المعركة عن سيطرة وحدات حماية الشعب على نحو 75% من المدينة مقابل 25% للجيش السوري.
في 16 آب (أغسطس) 2016، اندلعت اشتباكات غير مسبوقة بين وحدات حماية الشعب/الأسايش وقوات الدفاع الوطني الموالية للحكومة. شهدت هذه المعركة واقعة هي الأولى من نوعها في الحرب السورية: قصف سلاح الجو السوري مواقع كردية. وفي 23 آب (أغسطس) 2016، أُبرم وقف لإطلاق النار بوساطة روسية.
أسفرت المعركة عن سيطرة قوات الأسايش ووحدات حماية الشعب على أكثر من 95% من المناطق التي كانت تحت سيطرة الحكومة. ولم تحتفظ الحكومة السورية سوى بـ«مربّع أمني» صغير يضمّ: السجن المركزي، ومبنى الهجرة والجوازات، وقصر المحافظ، ومقر قيادة الشرطة، ومقر القيادة العسكرية. واستمرّ هذا التقسيم حتى كانون الأول (ديسمبر) 2024.
في 20 كانون الثاني (يناير) 2022 عند الساعة السابعة مساءً، نفّذ تنظيم داعش أكبر عملية هجومية له منذ هزيمته في الباغوز في آذار (مارس) 2019. بدأ الهجوم بتفجير سيارتين مفخختين عند بوابة سجن الصناعة/غويران في الحسكة الذي كان يحتجز أكثر من 4,000 إلى 5,000 من مقاتلي التنظيم تحت حراسة قوات سوريا الديمقراطية. شارك في الهجوم نحو 200 مقاتل قدموا من رأس العين وتل أبيض في سوريا ومن الرمادي في العراق، وكان قد خُطّط للعملية على مدار ستة أشهر.
استمرت المعركة نحو عشرة أيام حتى 30 كانون الثاني (يناير) 2022، واستعانت قوات سوريا الديمقراطية بمركبات برادلي القتالية المدرعة من قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. أسفرت المعركة عن مقتل ما لا يقلّ عن 346 مقاتلاً من التنظيم و154 مقاتلاً من قوات سوريا الديمقراطية، بإجمالي يتجاوز 500 قتيل. وأثار الهجوم تساؤلات دولية جدية حول مصير عشرات الآلاف من معتقلي التنظيم في سجون شمال شرق سوريا. وقد وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش محنة مئات الصبيان الذين كانوا محتجزين في السجن خلال الحصار.
تُمثّل أزمة محطة مياه علوك واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية التي ضربت مدينة الحسكة. فقد وقعت المحطة تحت السيطرة التركية إثر عملية «نبع السلام» العسكرية في تشرين الأول (أكتوبر) 2019. تضمّ المحطة 34 بئراً و12 مضخة يجب أن تعمل 6 منها على الأقل في آنٍ واحد لتلبية الحاجة، ويعتمد عليها ما بين مليون و1.5 مليون شخص في الحسكة ومحيطها.
وثّقت منظمة «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» أكثر من 40 انقطاعاً في ضخ المياه من المحطة منذ سيطرة تركيا عليها، بلغت إحداها ثمانية أشهر متواصلة. وفي الفترات التي عملت فيها المحطة، لم تُشغّل الجهة التركية سوى مضختين إلى أربع مضخات في آنٍ واحد، وهو ما لا يكفي لتلبية الحاجة.
أبرمت روسيا وتركيا اتفاقاً يقضي بتبادل 12 ميغاواط من كهرباء سد تشرين مقابل تشغيل محطة علوك، لكن هذه الآلية انهارت مراراً بسبب اتهامات متبادلة بين الطرفين. واضطر السكان إلى شراء مياه من صهاريج خاصة باهظة الثمن وغير آمنة صحياً، مما رفع مخاطر انتشار الكوليرا والأمراض المنقولة بالمياه.
أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش واليونيسف أن الطرفين — الجهة التركية والإدارة الذاتية — يتحمّلان مسؤولية في تفاقم الأزمة، وإن كان «الثقل الهيكلي» يقع على الجانب التركي المسيطر فعلياً على المحطة. وخلصت المنظمات الإنسانية إلى أن الوضع يُشكّل انتهاكاً صريحاً للقانون الإنساني الدولي بصرف النظر عن تحديد المسؤولية.
تفاقمت الأزمة في تشرين الأول (أكتوبر) 2023 حين ألحقت الغارات الجوية التركية أضراراً بالبنية التحتية للمياه والكهرباء في شمال شرق سوريا، مما أثّر مباشرة على الحسكة والقامشلي.
تتميّز الحسكة بحياة ثقافية تعكس تنوّعها السكاني الفريد، وتحتضن مؤسسات تعليمية وثقافية ودينية متعددة.
تحتضن المدينة فرع جامعة الفرات الذي أُسّس بموجب القانون رقم 33 بتاريخ 1 تموز (يوليو) 2006. يضمّ الفرع ثماني كليات هي: الهندسة المدنية، والعلوم الزراعية، والحقوق، والعلوم، والآداب والعلوم الإنسانية، والتربية، والاقتصاد، وطب الأسنان. وفي آب (أغسطس) 2016، سيطرت قوات الأسايش على الحرم الجامعي، لكنه استمرّ بالعمل تحت إشراف وزارة التعليم العالي في دمشق بموجب اتفاق بين الطرفين.
كذلك أُسّست جامعة روجآفا في مدينة القامشلي في تموز (يوليو) 2016 كمؤسسة تعليمية تابعة للإدارة الذاتية، وتضمّ كليات الطب والهندسة والعلوم والآداب والمعلوماتية والزراعة والتاريخ وعلم النفس والجغرافيا والرياضيات والدراسات الكردية، وتخدم طلاب المنطقة بأسرها بما فيها الحسكة.
بعد انسحاب معظم الكوادر الطبية الحكومية، تولّت منظمة أطباء بلا حدود إدارة المستشفى الوطني في الحسكة اعتباراً من أيلول (سبتمبر) 2017، ووفّرت خدمات صحية حيوية لسكان المدينة والنازحين.
تزخر المدينة بأكثر من 40 مسجداً وما لا يقلّ عن 9 كنائس تتوزّع بين الطوائف المسيحية المتعددة: سريان أرثوذكس، وسريان كاثوليك، وأرمن أرثوذكس، وآشوريون، وإنجيليون. ويُجسّد هذا التعايش بين المساجد والكنائس تاريخاً طويلاً من التنوّع الديني الذي يُميّز المدينة.
تحتوي المدينة على متحف يعرض قطعاً أثرية من المواقع المحيطة، لكنه تضرّر خلال سنوات الحرب. ومن أبرز الشخصيات الثقافية المنحدرة من المنطقة الموسيقار الكردي سعيد كاباري الذي يُعدّ أحد أبرز وجوه الموسيقا الكردية.
شهد شهر كانون الأول (ديسمبر) 2024 تحوّلاً تاريخياً حين سقط نظام الأسد وفرّ بشار الأسد من سوريا. في الحسكة، بادرت القوات الكردية إلى فرض سيطرة كاملة على كامل المدينة بما فيها «المربّع الأمني» الذي كانت الحكومة تحتفظ به منذ عام 2016، لتنتهي بذلك حالة تقاسم السيطرة التي استمرّت ثماني سنوات.
في 29 كانون الثاني (يناير) 2025، سُمّي أحمد الشرع (المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني) رئيساً انتقالياً لسوريا. وفي الشهر ذاته، أُبرم اتفاق بين الإدارة الذاتية والحكومة الانتقالية يقضي بانسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس ودخول قوات حكومية تابعة لوزارة الداخلية إلى الحسكة والقامشلي. غير أن اتفاق آذار (مارس) 2025 بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية فشل وأدّى إلى اشتباكات متجدّدة ونزوح مئات الآلاف من المدنيين.
في شباط (فبراير) 2026، دخلت قوات سورية انتقالية إلى مدينة الحسكة بموجب اتفاق وقف إطلاق نار جديد. وفي آذار (مارس) 2026، وصل نفط حقول رميلان إلى مصفاة حمص للمرة الأولى منذ سنوات في إطار مساعي الحكومة الانتقالية لمعالجة أزمة الوقود الخانقة.
يبقى مستقبل الحسكة معلّقاً بين سيناريوهات عدة، كما وصفت صحيفة «سوريا دايركت»: هل ستشهد المدينة «اندماجاً حقيقياً» في الدولة السورية الجديدة، أم ستُعاد صياغة «مربّعات أمنية» جديدة بأسماء مختلفة؟ ولا تزال العمليات العسكرية التركية في المنطقة تُلقي بظلالها على هذا المسار.
وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، بلغ عدد المحتاجين إلى المساعدة الإنسانية في سوريا 16.7 مليون شخص في عام 2024، وهو أعلى رقم منذ اندلاع الأزمة عام 2011. وتحتضن محافظة الحسكة 12 مخيماً للنازحين، خمسة منها — بما فيها مخيما واشوكاني وسريكانيه — لا تحصل على إمدادات أممية منتظمة. وبلغ عدد سكان مخيم واشوكاني في آب (أغسطس) 2023 نحو 16,657 شخصاً، ومخيم سريكانيه نحو 15,570 شخصاً.
وتعاني المنطقة من تشابك الأزمات: شحّ المياه، وتدمير البنية التحتية، والانهيار الاقتصادي، والصدمات المناخية المتكررة، مما يجعل من أزمة اللاجئين والنازحين في الحسكة واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم.