تُعدّ الجزيرة السورية أكبر أقاليم سوريا الجغرافية وأغناها بالموارد الطبيعية، إذ تمتدّ على مساحة تقارب 76,000 كيلومتر مربّع في الركن الشمالي الشرقي من البلاد، مشكِّلةً نحو 41% من إجمالي مساحة سوريا البالغة 185,180 كيلومتراً مربّعاً. تضمّ هذه المنطقة المثلّثية الشكل — المحصورة بين نهر الفرات غرباً والحدود التركية شمالاً والحدود العراقية شرقاً وجنوباً شرقياً — خزّاناتِ سوريا الرئيسية من النفط والقمح والقطن والمياه، فضلاً عن فسيفساء بشرية فريدة تجمع العرب والكرد والآشوريّين/السريان والأرمن والتركمان. وقد شهدت الجزيرة عبر آلاف السنين تعاقُب حضاراتٍ عظمى من حلف وبراك ونَغَر وميتاني وآشور، قبل أن تتحوّل في العصر الحديث إلى ساحة صراعٍ على الموارد والهويّة لا تزال فصوله تتوالى حتى اليوم.
تقع الجزيرة السورية في أقصى الشمال الشرقي من الجمهورية العربية السورية، وتتّخذ شكل مثلّث رأسه الجنوبي عند ملتقى الخابور بالفرات وقاعدته الشمالية على طول الحدود السورية-التركية. يشكّل محافظة الحسكة النواةَ الإدارية للإقليم بمساحة 23,334 كيلومتراً مربّعاً، غير أنّ الجزيرة بمفهومها الجغرافي التاريخي تتجاوز حدود هذه المحافظة لتشمل أجزاءً من محافظتَي الرقّة ودير الزور، بل إنّها تمتدّ جغرافياً عبر الحدود السياسية الحديثة لتتّصل بالجزيرة الفراتية العليا في تركيا (منطقة ماردين وديار بكر) والجزيرة العراقية (سنجار والموصل).
تتميّز الجزيرة بسهولها الواسعة المنبسطة التي ترتفع تدريجياً من نحو 200 متر فوق سطح البحر في الجنوب إلى ما يزيد عن 500 متر في المناطق الشمالية المتاخمة للأراضي التركية. وتتخلّل هذه السهول تلالٌ أثرية (تلول) عديدة هي بقايا مستوطنات بشرية قديمة، أبرزها تلّ حلف وتلّ براك وتلّ موزان وتلّ لَيلان، وهي تنتشر بكثافة استثنائية تجعل من الجزيرة واحدةً من أغنى المناطق الأثرية في العالم القديم. كما يخترق المنطقةَ جبلُ عبد العزيز الذي يمتدّ من الغرب إلى الشرق بطول نحو 100 كيلومتر، فاصلاً بين السهول الشمالية الخصبة والبادية الجنوبية الأكثر جفافاً.
تُروى الجزيرة بشبكة مائية محورية تتكوّن من ثلاثة أنهار رئيسية:
نهر الخابور: أطول الأنهار الداخلية في الجزيرة بطول 320 كيلومتراً تقريباً، ينبع من منطقة رأس العين (سري كانييه) على الحدود التركية حيث تغذّيه ينابيع كارستية غزيرة، ويتّجه جنوباً مروراً بمدينة الحسكة حتى يصبّ في نهر الفرات قرب البصيرة. كان الخابور شريان الحياة الزراعية في المنطقة، غير أنّ بناء السدود التركية على منابعه أدّى إلى تراجع تدفّقه بصورة كارثية منذ تسعينيات القرن العشرين.
نهر جغجغ: يمتدّ بطول يتجاوز 100 كيلومتر، ينبع من الأراضي التركية ويعبر مدينة القامشلي قبل أن يصبّ في الخابور جنوب مدينة الحسكة. شكّل هذا النهر المحورَ الذي نشأت حوله مدينة القامشلي في عشرينيات القرن العشرين.
نهر البليخ: ينبع من عين العروس شمال الرقّة ويصبّ في الفرات عند مدينة الرقّة بعد مسار يبلغ نحو 100 كيلومتر، ويُعدّ الحدّ الغربي التقريبي لمنطقة الجزيرة.
كما يمثّل نهر دجلة الحدّ الشرقي الأقصى للجزيرة السورية، حيث يلامس الأراضيَ السوريةَ عند أقصى نقطة شرقية بالقرب من بلدة عين ديوار (الديريك/المالكية)، وتمتدّ هذه النقطة على طول لا يتجاوز بضعة كيلومترات قبل أن يعود النهر إلى الأراضي العراقية والتركية.
ينتمي مناخ الجزيرة إلى المناخ شبه الجافّ القارّي، ويتّسم بصيف حارّ وجاف تتخطّى فيه درجات الحرارة 45 درجة مئوية، وشتاء بارد قد تنخفض فيه الحرارة إلى ما دون الصفر. يتراوح معدّل هطول الأمطار بين 250 ملم في الجنوب و500 ملم في الشمال، وهو ما يجعل الزراعة البعلية ممكنة في النطاق الشمالي (خطّ الاستقرار) بينما تعتمد الزراعة في الجنوب على الريّ من الأنهار والآبار الجوفية. وقد تعرّضت المنطقة لموجات جفاف حادّة متكرّرة، أخطرها موجة الجفاف الممتدّة بين عامَي 2006 و2010 التي وُصفت بأنّها الأسوأ منذ تسعة قرون، والتي أسهمت في نزوح مئات الآلاف من سكّان الأرياف.
تُعدّ الجزيرة السورية من أقدم مناطق الاستيطان البشري المستمرّ في العالم، إذ تعود أقدم آثار السكنى فيها إلى الألف السابع قبل الميلاد. وقد أفرزت هذه المنطقة بعضاً من أبرز الحضارات في تاريخ الشرق الأدنى القديم.
نشأت في الجزيرة العليا واحدة من أهمّ الثقافات النيوليتية في بلاد ما بين النهرين، وهي ثقافة حَلَف التي سُمِّيت نسبةً إلى موقع تلّ حلف الأثري الواقع قرب رأس العين على الحدود السورية-التركية. اكتشف هذا الموقعَ البارونُ الألماني ماكس فون أوبنهايم عام 1899 م أثناء رحلة استكشافية، ثمّ أجرى فيه حفريات منهجية ابتداءً من عام 1911 م. تميّزت ثقافة حلف بفخّارها المتعدّد الألوان ذي الزخارف الهندسية والحيوانية البديعة، وبمبانيها الدائرية المعروفة بـ«التولوي» (tholoi)، وبتجارتها الواسعة في حجر السَّبَج (الأوبسيديان) المجلوب من الأناضول. وقد امتدّ تأثير هذه الثقافة من جنوب شرق تركيا إلى شمال العراق، مشكِّلةً أولى شبكات التبادل الثقافي الإقليمية في المنطقة.
يُعدّ تلّ براك من أكبر المواقع الأثرية في الجزيرة السورية وأقدمها، إذ تعود بداياتُ الاستيطان فيه إلى نحو 6500 قبل الميلاد. بلغ الموقع ذروتَه في الألف الثالث قبل الميلاد حين عُرف باسم نَغَر وتحوّل إلى مدينة كبرى تتجاوز مساحتها 100 هكتار، ما يجعلها واحدة من أكبر مدن العالم القديم في تلك الحقبة. اشتُهر تلّ براك بـ«معبد العيون» الذي يعود إلى الألف الرابع قبل الميلاد، والذي عُثر فيه على آلاف التماثيل الصغيرة ذات العيون الواسعة المعروفة بـ«أصنام العيون». وفي نحو عام 2300 قبل الميلاد، غزا الملك الأكّادي نَرَام سين مدينةَ نَغَر وأقام فيها قصراً وقلعةً ضخمة، ما يدلّ على الأهمية الاستراتيجية للموقع في الجغرافيا السياسية لبلاد ما بين النهرين.
في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، قامت في الجزيرة العليا مملكة ميتاني (أو مملكة خانيغَلبات كما عرفها الآشوريون)، وهي دولة أسّسها الحوريّون — وهم شعب غير سامي جاء من مناطق جنوب القوقاز — بقيادة نخبة حاكمة ذات أصول هندو-آرية. اتّخذت ميتاني من مدينة واشوكاني عاصمةً لها، ويُعتقد أنّها تقع في الجزيرة السورية قرب رأس العين أو تلّ الفخيرية، وإن لم يُحدَّد موقعها بيقين حتى الآن. بسطت ميتاني سيطرتها على مساحة واسعة من شمال بلاد ما بين النهرين، وأقامت علاقات دبلوماسية مع مصر الفرعونية توّجتها بزيجات ملكية، كما وردت في رسائل تلّ العمارنة الشهيرة. إلّا أنّ صعود الإمبراطورية الآشورية من الشرق والحثّيين من الشمال أدّى إلى تفكّك مملكة ميتاني تدريجياً في القرن الثالث عشر قبل الميلاد.
خضعت الجزيرة للسيطرة الآشورية المباشرة منذ القرن التاسع قبل الميلاد، وأصبحت جزءاً محورياً من الإمبراطورية الآشورية الحديثة التي جعلت من نينوى (قرب الموصل) عاصمةً لها. شكّلت الجزيرة خلال هذه الحقبة معبراً عسكرياً واقتصادياً حيوياً بين قلب الإمبراطورية ومقاطعاتها الغربية. وبعد سقوط الإمبراطورية الآشورية عام 612 ق.م. على أيدي تحالف البابليين والميديين، انتقلت الجزيرة إلى السيادة البابلية الحديثة ثمّ الفارسية الأخمينية بعد فتوحات كورش الكبير عام 539 ق.م.
في عام 64 قبل الميلاد، ضمّ القائد الروماني بومبيوس سوريا إلى الجمهورية الرومانية، وأصبحت الجزيرة جزءاً من مقاطعة بلاد ما بين النهرين (Mesopotamia) التي شكّلت حدّ الإمبراطورية الشرقي المتقدّم في مواجهة الفرثيين ثمّ الساسانيين. أُنشئت في المنطقة حصون ومعسكرات على طول خطّ الدفاع الحدودي (الليمس)، وازدهرت مدنٌ مثل نصيبين (نصيبين الحالية في تركيا على الحدود مع القامشلي) التي أصبحت مركزاً تجارياً وعلمياً ولاهوتياً بارزاً في العصر الروماني المتأخّر والبيزنطي.
فُتحت منطقة الجزيرة على يد القوّات الإسلامية في عهد الخليفة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه في ثلاثينيات القرن السابع الميلادي، وكان القائد عياض بن غَنم من أبرز فاتحيها. عُرفت المنطقة في المصادر العربية الإسلامية باسم «الجزيرة الفراتية» أو «ديار ربيعة» و**«ديار مُضَر»** و**«ديار بكر»**، نسبةً إلى القبائل العربية التي استوطنتها. وقد أطلق عليها الجغرافيون المسلمون اسم «الجزيرة» لأنّها محصورة بين نهرَي دجلة والفرات كأنّها «جزيرة» بين المياه، وهو الاسم الذي لا يزال يُستخدم حتى اليوم.
ازدهرت المنطقة في ظلّ الخلافة الأموية والعبّاسية، إذ كانت معبراً تجارياً رئيسياً على طريق الحرير الشمالي ومنطقة زراعية غنيّة. وشهدت الجزيرة حضوراً ثقافياً بارزاً، فنشأت فيها مدارس لاهوتية سريانية عريقة في نصيبين والرها (أورفا)، وظلّت الآرامية/السريانية لغة التخاطب اليومي لجزء كبير من السكّان لقرون طويلة بعد الفتح الإسلامي.
خضعت الجزيرة للسلطنة العثمانية بعد معركة مرج دابق عام 1516 م، وأُلحقت إدارياً بولاية ديار بكر ثمّ لاحقاً بولاية الموصل. خلال القرون العثمانية، تراجع الاستقرار في المنطقة وتحوّلت مساحات واسعة منها إلى مراعٍ للقبائل البدوية العربية والكردية. لم تحظَ الجزيرة باهتمام عمراني عثماني كبير مقارنةً بالمدن السورية الكبرى كدمشق وحلب، وظلّت منطقة هامشية قليلة السكّان نسبياً حتى أواخر العهد العثماني. وفي تلك الفترة المتأخّرة بدأت القبائل الكردية بالتوسّع جنوباً من المناطق الجبلية في جنوب شرق الأناضول نحو سهول الجزيرة العليا، مستفيدةً من ضعف السلطة المركزية العثمانية.
شكّلت فترة الانتداب الفرنسي على سوريا (1920-1946 م) المرحلةَ المفصلية في التكوّن الديموغرافي والعمراني الحديث للجزيرة السورية. فعقب ترسيم الحدود بين سوريا وتركيا بموجب معاهدة أنقرة عام 1921 واتفاقية الحدود النهائية عام 1926، أصبحت الجزيرة العليا — التي كانت حتى ذلك الحين امتداداً طبيعياً لسهول ماردين ونصيبين — جزءاً من سوريا الانتدابية.
في عام 1926، كلّف الانتداب الفرنسي الملازمَ الأوّل تيرييه بتخطيط مدينة جديدة على الضفة الجنوبية من نهر جغجغ مقابل مدينة نصيبين التركية. سُمِّيت المدينة الجديدة القامشلي (بالكردية: قامشلو، وتعني «مكان القصب»)، وسرعان ما نمت بفضل افتتاح محطّة السكك الحديدية عام 1928 على خطّ حلب-نصيبين الذي بناه الفرنسيون. جذبت المدينة موجات من المهاجرين واللاجئين، وتحوّلت خلال عقدَين فقط من قرية صغيرة إلى أكبر مدن الجزيرة.
شكّلت الجزيرة السورية ملاذاً حيوياً لآلاف الناجين من المذابح والتهجير القسري في الأناضول العثماني:
خلال الإبادة الجماعية للأرمن والآشوريين/السريان عام 1915 م وما تلاها، لجأ آلاف الناجين إلى الجزيرة السورية، واستقرّ كثيرون منهم في مدن الحسكة والقامشلي ورأس العين وعلى ضفاف نهر الخابور.
عام 1933، فرّ نحو 9,000 آشوري من العراق إلى سوريا عقب مذبحة سميل التي ارتكبها الجيش العراقي، واستقرّ معظمهم في قرى على ضفاف الخابور حيث منحتهم سلطات الانتداب الفرنسي أراضي لبناء أكثر من 30 قرية.
كذلك استقبلت المنطقة موجات من الكرد الفارّين من القمع التركي في أعقاب ثورات الشيخ سعيد (1925) وآرارات (1930) وديرسم (1937-1938).
هذا التدفّق السكاني المتنوّع أعطى الجزيرة طابعها الفسيفسائي الفريد، وجعل مدناً مثل القامشلي والحسكة تتميّز بتعدّدية إثنية ودينية ولغوية نادرة في المنطقة.
تتميّز الجزيرة السورية بتنوّع إثني وديني واسع يجعلها من أكثر مناطق المشرق العربي تعدّدية. وتُشير تقديرات ما قبل الحرب (2011) إلى أنّ إجمالي سكّان المنطقة بلغ نحو 1,512,000 نسمة، فيما بلغ عدد سكّان محافظة الحسكة وحدها نحو 1,227,000 نسمة وفقاً لتقديرات عام 2014.
تتوزّع التركيبة السكانية على المكوّنات التالية:
الكرد: يشكّلون أكبر مكوّنات الجزيرة عدداً، ويتركّزون في المناطق الشمالية المتاخمة للحدود التركية وفي مدينتَي القامشلي وعامودا والمالكية (ديريك). وكانت تقارير الانتداب الفرنسي عام 1937 تُقدّر عدد الكرد الريفيين بنحو 82,000 نسمة، بينما بلغوا في إحصاء عام 1953 نحو 60,000 (41% من إجمالي سكّان المنطقة آنذاك البالغ 146,000). وقد ارتفعت نسبتهم بصورة ملحوظة خلال العقود التالية بفعل الهجرة المستمرّة والنموّ السكاني الطبيعي.
العرب: ثاني أكبر المكوّنات، ويتركّزون في المناطق الجنوبية وحول مدينة الحسكة وفي الأرياف الغربية. قُدّر عددهم عام 1937 بنحو 42,000 من البدو والقبائل شبه المستقرّة، وبلغوا نحو 50,000 (34%) عام 1953. وقد تعزّز الوجود العربي بصورة كبيرة في سبعينيات القرن العشرين بفعل سياسة «الحزام العربي» التي نقلت آلاف العائلات العربية إلى المناطق الحدودية الشمالية.
الآشوريون/السريان: يمثّلون أقدم المكوّنات المسيحية في المنطقة، وينقسمون إلى عدّة طوائف كنسية (كنيسة المشرق الآشورية، الكنيسة الكلدانية، الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، الكنيسة السريانية الكاثوليكية). قُدّر عددهم عام 1937 بنحو 32,000 (تشمل المسيحيين عموماً بمن فيهم الأرمن)، وبلغوا نحو 36,000 (25%) عام 1953. يتركّزون في القامشلي والحسكة وقرى وادي الخابور.
الأرمن: وفدوا إلى الجزيرة بشكل أساسي بعد الإبادة الجماعية عام 1915 وتركّزوا في مدينتَي القامشلي والحسكة، حيث أسّسوا أحياءهم الخاصّة ومدارسهم وكنائسهم وأسهموا في الحياة التجارية والحرفية للمنطقة.
التركمان: أقلّية صغيرة تنتشر في بعض القرى الشمالية.
تُظهر بيانات التوزّع القروي صورة أكثر تفصيلاً عن الجغرافيا الإثنية: من أصل 1,717 قرية في محافظة الحسكة، هناك 1,161 قرية عربية و453 قرية كردية و50 قرية آشورية/سريانية و53 قرية مختلطة. وتعكس هذه الأرقام التحوّلات التي طرأت على التركيبة السكانية عبر عقود من سياسات التعريب والتوطين، إذ إنّ كثيراً من القرى المصنّفة «عربية» أُنشئت في إطار مشروع الحزام العربي بعد عام 1974.
| المدينة | السكّان (تقديرات 2011) |
|---|---|
| الحسكة | 188,160 |
| القامشلي | 184,231 |
| رأس العين | ~80,000 |
| عامودا | 26,821 |
| المالكية | 26,311 |
| القحطانية | 16,946 |
| الشدّادي | 15,806 |
تُعدّ الجزيرة السورية العمودَ الفقري لقطاع النفط السوري، إذ تحتضن الغالبية العظمى من حقول النفط المُكتشَفة في البلاد وتُسهم بنصيب الأسد من الإنتاج الوطني.
بدأت قصّة النفط السوري في الجزيرة عام 1956 م حين اكتشفت شركة منهال الأمريكية حقل كاراتشوك النفطي في محافظة الحسكة، وقُدّرت احتياطياته بأكثر من مليار برميل. تلا ذلك اكتشاف حقل السويدية الضخم بين عامَي 1959 و1960 م بواسطة شركة كونكورديا الألمانية، وبلغت احتياطياته المُقدَّرة نحو 410 ملايين طنّ. شكّل هذان الاكتشافان نقطة تحوّل في الاقتصاد السوري، وأعطيا الجزيرة أهمّيةً استراتيجيةً بالغة.
في مايو 1968 م، بدأ تصدير النفط السوري عبر خطّ أنابيب يمتدّ بطول 663 كيلومتراً من حقول الجزيرة إلى مصفاة ومرفأ طرطوس على الساحل المتوسّطي. وأُنشئت في المنطقة منشآت لاحقة تشمل محطّات ضخّ ومصافٍ محلّية وشبكة طرق لخدمة القطاع النفطي. كما استُخرج الغاز الطبيعي المصاحب للنفط، وأُنشئ مصنع للأسمدة في مدينة الحسكة يعتمد على الغاز كمادّة أوّلية.
بلغ إنتاج حقول الرميلان وما حولها في الجزيرة نحو 170,000 برميل يومياً قبل اندلاع الحرب عام 2011، وهو ما يمثّل النسبة الأكبر من إجمالي الإنتاج السوري. غير أنّ الحرب والعقوبات الدولية أدّت إلى تراجع حادّ في الإنتاج، حيث انخفض إلى نحو 40,000 برميل يومياً بحلول عام 2016 م بسبب تدمير المنشآت ونقص الصيانة وهجرة الكوادر الفنّية.
سيطرت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على حقول الجزيرة النفطية بعد عام 2012، وأصبحت عائدات النفط تشكّل 77.3% من إجمالي إيراداتها المُقدَّرة بنحو 605 ملايين دولار أمريكي، ما يُبرز الاعتماد شبه الكلّي للمنطقة على الريع النفطي. وفي عام 2025 م، جرت عمليات تسليم حقول الرميلان والسويدية إلى شركة النفط السورية الحكومية في إطار ترتيبات المرحلة الانتقالية الجديدة.
أكسب الإنتاج الزراعي الغزير للجزيرة السورية لقبَها الشائع بوصفها «سلّة غذاء سوريا» أو «خزّان القمح»، إذ تُنتج المنطقة — مع محافظتَي دير الزور والرقّة — ما يصل إلى 80% من إنتاج سوريا من القمح. وتُسهم محافظة الحسكة وحدها بنحو 36% من الإنتاج الوطني للقمح، بينما يبلغ نصيب الجزيرة عموماً من الإنتاج الزراعي الوطني نحو 17%.
القمح: المحصول الاستراتيجي الأوّل، حيث كان إنتاج سوريا الإجمالي يبلغ نحو 4.5 ملايين طنّ سنوياً قبل الحرب، تأتي الحصّة الأكبر منه من حقول الجزيرة. يُزرع القمح بَعلياً في الشمال (حيث الأمطار كافية) ومرويّاً في الجنوب بالاعتماد على مياه الخابور والآبار الجوفية.
القطن: كانت الجزيرة تُنتج ما يصل إلى 80% من إنتاج سوريا من القطن الذي تجاوز مليون طنّ سنوياً قبل الحرب، ما جعل سوريا من الدول المصدّرة للقطن عالمياً. إلّا أنّ إنتاج القطن تراجع بصورة كبيرة بسبب شحّ المياه وارتفاع تكاليف الإنتاج والنزاع المسلّح.
الشعير: يُزرع في المناطق الأقلّ مطراً ويُستخدم أساساً كعلف للماشية.
البقوليات والخضروات: تُنتج المنطقة كمّيات معتبرة من العدس والحمّص والبطاطا، إضافةً إلى محاصيل صيفية كالسمسم وعبّاد الشمس.
أصبح القمح في الجزيرة محلّ صراع بين أطراف متعدّدة خلال سنوات الحرب. فقد تنافست الحكومة السورية المركزية في دمشق والإدارة الذاتية الكردية على شراء المحصول من المزارعين، بينما سعت كلّ جهة إلى تأمين احتياجاتها من الخبز. وقد أضرّ هذا التنافس أحياناً بالمزارعين الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين ولاءاتٍ متضاربة وأسعار متباينة.
تواجه الجزيرة السورية أزمة مائية خانقة تتشابك فيها عوامل التغيّر المناخي مع الصراعات الجيوسياسية على المياه العابرة للحدود.
كان نهر الخابور شريان الحياة في الجزيرة، تغذّيه عشراتُ الينابيع الغزيرة في رأس العين. غير أنّ بناء تركيا لسلسلة من السدود ومشاريع الريّ على المنابع ضمن مشروع غاب (GAP — مشروع جنوب شرق الأناضول) أدّى منذ تسعينيات القرن العشرين إلى تراجع كارثي في تدفّق النهر. وتوقّفت معظم ينابيع رأس العين عن التدفّق، وجفّ النهر في أجزاء واسعة من مجراه الأوسط والجنوبي، ما دمّر الزراعة المرويّة على ضفافه وهجّر آلاف المزارعين من قراهم. وقد وصف تقرير منظّمة PAX الهولندية هذا الوضع بأنّه «قتل الخابور»، مؤكّداً أنّ النهر فقد أكثر من 80% من تدفّقه التاريخي. وفي عام 2025، أفادت تقارير بعودة محدودة للمياه إلى بعض أجزاء النهر بعد أمطار استثنائية، لكنّ الوضع العامّ يظلّ هشّاً.
ضربت سوريا — والجزيرةَ خاصّةً — موجة جفاف حادّة بين عامَي 2006 و2010 م وُصفت بأنّها الأسوأ منذ قرون، أدّت إلى:
وتواصلت أزمة الجفاف في السنوات اللاحقة، حيث سجّلت المنطقة في عام 2021 مستويات متدنّية قياسية في منسوب المياه، فيما وصفته الأمم المتّحدة بأنّ سوريا تواجه «التحدّي المزدوج للتغيّر المناخي والنزاع المسلّح». وبحلول عام 2025، بلغت الأزمة ذروةً جديدة مع موسم جفاف حادّ هدّد ما تبقّى من الإنتاج الزراعي.
يُعدّ مشروع «الحزام العربي» (بالكردية: Kembera Erebî) من أكثر السياسات إثارةً للجدل في تاريخ الجزيرة الحديث، ويمثّل نموذجاً صارخاً للهندسة الديموغرافية ذات الدوافع القومية.
بدأ التخطيط لهذا المشروع عام 1965 م في عهد حكومة حزب البعث، بهدف إنشاء شريط سكّاني عربي على طول الحدود السورية-التركية في الجزيرة لقطع التواصل الجغرافي بين الكرد السوريين وأكراد تركيا. وتبلور المشروع قانونياً بصدور القرار رقم 521 عن القيادة القُطرية لحزب البعث بتاريخ 24 يونيو 1974 م.
استهدف المشروع إنشاء شريط يتراوح عمقه بين 10 و15 كيلومتراً على طول 280 كيلومتراً من الحدود التركية، من بلدة المالكية شرقاً إلى رأس العين غرباً. وشمل التنفيذ:
أدّى المشروع إلى تشريد ما يُقدَّر بنحو 140,000 كردي من أراضيهم، وخلق حالة من الاستياء والتوتّر الإثني لا تزال آثارها محسوسة حتى اليوم. وقد سبق هذا المشروعَ إحصاء 1962 الاستثنائي الذي جرّد أكثر من 120,000 كردي من الجنسية السورية بذريعة أنّهم «تسلّلوا» من تركيا، ما حرمهم من حقوق المواطنة الأساسية لعقود. ووصفت منظّمات حقوق الإنسان — ومنها منظّمة هيفديستي — هذه السياسات بأنّها «تمييز هيكلي ممنهج» استمرّ 51 عاماً. لم يُلغَ مشروع الحزام العربي رسمياً حتى بعد الانتفاضة السورية عام 2011، وإن كان تطبيقه الفعلي قد توقّف منذ سنوات.
شكّلت الثورة السورية منعطفاً حادّاً في تاريخ الجزيرة، إذ أعادت رسم خريطة السيطرة السياسية والعسكرية في المنطقة بصورة جذرية.
في يوليو 2012 م، انسحبت قوّات الحكومة السورية من معظم المناطق ذات الغالبية الكردية في الجزيرة، وسيطرت عليها وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) التابعة لحزب الاتّحاد الديمقراطي (PYD). أعلنت القيادة الكردية عن إقامة حكم ذاتي في المنطقة، ثمّ أُعلن رسمياً في يناير 2014 م عن تأسيس كانتون الجزيرة كأحد الكانتونات الثلاثة لما عُرف لاحقاً بـ«روج آفا» (كردستان الغربية/شمال سوريا).
اجتاح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مساحات واسعة من الجزيرة الجنوبية في عام 2014، وسيطر على بلدة الشدّادي ومناطق في ريف الحسكة الجنوبي، وأقام «ولاية البركة» كجزء من خلافته المزعومة. واستخدم التنظيم حقول النفط في المنطقة لتمويل عملياته. أدّت هذه التطوّرات إلى تشكيل تحالف دولي بقيادة الولايات المتّحدة دعم قوّات سوريا الديمقراطية (قسد) — التي يشكّل المقاتلون الكرد عمودها الفقري — في حربها ضدّ التنظيم. وتمكّنت قسد بحلول عام 2019 من طرد داعش من كامل الجزيرة تقريباً.
في أكتوبر 2019 م، شنّت تركيا عملية «نبع السلام» العسكرية واحتلّت شريطاً حدودياً يشمل مدينة رأس العين (سري كانييه) وتلّ أبيض، ما أدّى إلى نزوح عشرات الآلاف من السكّان — لا سيّما الكرد والآشوريين — وتغييرات ديموغرافية أثارت إدانات دولية واسعة.
تتقاسم السيطرةَ على الجزيرة اليومَ عدّة قوى: الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (التي تُديرها قوّات قسد) على معظم المنطقة، والقوّات التركية وفصائل المعارضة السورية الموالية لها في شريط رأس العين-تلّ أبيض، فضلاً عن وجود محدود للقوّات الحكومية السورية في أحياء من مدينتَي الحسكة والقامشلي. ومع تحوّلات المشهد السوري بعد عام 2024، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من المفاوضات حول مستقبلها الإداري وتوزيع مواردها — ولا سيّما النفط — في إطار الدولة السورية.
تزخر الجزيرة السورية بكثافة أثرية استثنائية وُصفت بأنّها «مشهد أثري فوق العادة»، إذ تنتشر فيها مئات التلول الأثرية التي تمثّل بقايا مستوطنات بشرية متعاقبة منذ العصر الحجري الحديث.
يقع قرب مدينة رأس العين على الحدود التركية، اكتشفه البارون الألماني ماكس فون أوبنهايم عام 1899 م وأجرى فيه حفريات بين 1911 و1929. يُعدّ الموقع الاسمي (Type Site) لثقافة حلف النيوليتية (5900-5300 ق.م.)، كما يضمّ قصر كابارا الآرامي من الألف الأوّل قبل الميلاد بتماثيله الضخمة وبوّابته الشهيرة. نُقلت اللُّقى إلى متحف برلين حيث تعرّضت لأضرار جسيمة في قصف الحرب العالمية الثانية، ثمّ أُعيد ترميم كثير منها لاحقاً.
من أكبر المواقع الأثرية في شمال شرق سوريا، يقع على مسافة 50 كيلومتراً شمال شرق الحسكة. تبلغ مساحته نحو 130 هكتاراً، ويتضمّن سلسلة استيطانية متّصلة من نحو 6500 ق.م. حتى العصور الإسلامية. أبرز معالمه «معبد العيون» (Eye Temple) من الألف الرابع ق.م. والقصر الأكّادي من عهد نَرَام سين (حوالي 2250 ق.م.).
يقع قرب بلدة عامودا، وهو موقع مدينة أوركيش القديمة التي كانت عاصمة دينية وسياسية لمملكة حورية في الألف الثالث قبل الميلاد. اكتشفت فيه بعثة أمريكية-إيطالية بقيادة جورجيو بوتشيلاتي ومارلين كيلي-بوتشيلاتي آلافَ الألواح المسمارية وأختام أسطوانية ومجموعة فريدة من التماثيل البرونزية. يتميّز الموقع بقصره الملكي ومعبده المكرَّس لإله العالم السفلي «كوماربي» في الميثولوجيا الحورية.
يقع جنوب القحطانية، وهو موقع مدينة شُبَط إنليل التي أصبحت عاصمة لمملكة شمشي-أدد الأوّل الآشورية في القرن الثامن عشر قبل الميلاد. اشتهر الموقع أكاديمياً بأبحاث عالم الآثار هارفي وايس حول العلاقة بين التغيّر المناخي وانهيار الحضارات، إذ يُظهر دليلاً على هجرة مفاجئة حوالي 2200 ق.م. يُعتقد أنّها مرتبطة بحدث مناخي جفافي (حدث 4.2 كيلو سنة).
تشمل المواقع الأثرية الأخرى في الجزيرة تلّ الفخيرية (المرشّح لمدينة واشوكاني عاصمة ميتاني)، وتلّ بيدار، وتلّ محمّد دياب، وتلّ عجاجة (شدكاني القديمة)، وتلّ شاغر بازار الذي أجرى فيه عالم الآثار البريطاني ماكس مالوان (زوج أغاثا كريستي) حفرياته الشهيرة في ثلاثينيات القرن العشرين.
تعرّضت كثير من هذه المواقع لأضرار خلال سنوات الحرب بسبب الحفر غير المشروع (التنقيب السرّي) والأعمال العسكرية، وقد وثّق مشروع أرشيف التراث السوري (Syrian Heritage Archive Project) حجم هذه الأضرار ودعا إلى جهود دولية لحماية هذا «المشهد الأثري الاستثنائي».