يُمثّل قطاع النفط والطاقة أحد الأعمدة الجوهرية للاقتصاد السوري منذ منتصف القرن العشرين، إذ شكّلت عائدات النفط الخام ما يقارب ثلث إيرادات الحكومة السورية قبل عام 2011. ارتبط تاريخ هذا القطاع بتحولات سياسية عميقة، من التأميم في عهد الجمهورية العربية المتحدة، مرورًا بذروة الإنتاج في تسعينيات القرن الماضي حين بلغ نحو 610,000 برميل يوميًا، وصولًا إلى الانهيار الكارثي الذي خلّفته الثورة السورية بعد عام 2011، حين تراجع الإنتاج بأكثر من 90 بالمئة. يتناول هذا المقال المسار الكامل لقطاع الطاقة السوري، من بدايات التنقيب في ثلاثينيات القرن العشرين إلى واقعه الراهن ومحاولات التعافي في عام 2026.
بدأت أولى محاولات التنقيب عن النفط في الأراضي السورية عام 1933، حين حصلت شركة نفط العراق (Iraq Petroleum Company) على امتياز للتنقيب في المناطق الشمالية الشرقية من سوريا، وذلك في ظل الانتداب الفرنسي. أجرت الشركة إحدى عشرة عملية حفر استكشافية في مناطق متفرقة من الجزيرة السورية، غير أن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل ولم تُسفر عن اكتشافات تجارية ذات قيمة. وقد أرجع الجيولوجيون هذا الإخفاق إلى محدودية التقنيات المتوفرة آنذاك وإلى التقييمات الجيولوجية غير الدقيقة التي اعتمدتها الشركة في تحديد مواقع الحفر.
شهد القطاع النفطي السوري نقطة تحوّل جذرية حين تعاقد الرئيس السوري شكري القوتلي عام 1949 مع المنتج النفطي الأمريكي جيمس و. مينهول (James W. Menhall) لمنحه امتيازًا للتنقيب عن النفط في شمال شرق البلاد. وبعد سنوات من العمل المتواصل، تُوِّجت هذه الجهود في سبتمبر 1956 باكتشاف حقل قراتشوك النفطي في محافظة الحسكة، والذي قُدِّرت احتياطياته بأكثر من مليار برميل من النفط الخام. حُفرت ست آبار متتالية، أنتجت كلٌّ منها ما يزيد عن 4,000 برميل يوميًا، مما أكّد الإمكانات الهائلة للحوض النفطي في شمال شرق سوريا.
تأسست بلدة الرميلان في العام ذاته بالتزامن مع اكتشاف أول بئر نفطية في المنطقة، وسرعان ما تحوّلت إلى مركز رئيسي لصناعة النفط السورية. تبع ذلك اكتشاف حقل السويدية النفطي عام 1959، ثم حقل الرميلان الذي قُدِّرت احتياطياته بأكثر من 500 مليون برميل.
في الخامس من أكتوبر عام 1958، وفي إطار سياسات التأميم التي انتهجها الرئيس جمال عبد الناصر خلال حقبة الجمهورية العربية المتحدة، صدر قرار تأميم قطاع النفط السوري، مما وضع حدًا لسيطرة الشركات الأجنبية على الموارد النفطية الوطنية. أُنشئت الشركة السورية للنفط لتتولى إدارة عمليات الاستكشاف والإنتاج، وقد اكتمل تأميم جميع العمليات النفطية بحلول عام 1962.
بدأ الإنتاج التجاري فعليًا عام 1968 بعد الانتهاء من مدّ خط أنابيب يربط حقل قراتشوك بمصفاة حمص الواقعة على بُعد مئات الكيلومترات غربًا. وبحلول منتصف الثمانينيات، بلغ الإنتاج مستويات مكّنت سوريا من تصدير النفط الخام إلى الأسواق الدولية لأول مرة.
تتركّز الاحتياطيات النفطية السورية المُثبتة في المنطقة الشرقية من البلاد، ولا سيما في محافظة دير الزور بالقرب من الحدود العراقية وعلى امتداد نهر الفرات. وبحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، بلغت الاحتياطيات المُثبتة في الأول من يناير 2010 نحو 2.5 مليار برميل.
يُعدّ حقل قراتشوك أول حقل نفطي اكتُشف في سوريا، ويقع في محافظة الحسكة شمال شرق البلاد. تُقدَّر احتياطياته بأكثر من مليار برميل، وقد ظلّ لعقود من أهم مصادر الإنتاج النفطي السوري. ربطه خط أنابيب بمصفاة حمص منذ عام 1968، مما مكّن من نقل النفط الخام إلى مرافق التكرير والتصدير على الساحل السوري.
يُعتبر حقل العمر أكبر حقل نفطي في سوريا، ويقع في محافظة دير الزور شرق نهر الفرات. كان هذا الحقل يُنتج كميات كبيرة من النفط الخام قبل الحرب، وشكّل هدفًا استراتيجيًا تنافست عليه الأطراف المتصارعة خلال الثورة السورية. سيطر عليه تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، ثم استعادته قوات سوريا الديمقراطية بدعم من التحالف الدولي عام 2017.
| الحقل | الموقع | ملاحظات |
|---|---|---|
| السويدية | محافظة الحسكة | اكتُشف عام 1959 |
| الرميلان | محافظة الحسكة | احتياطيات تزيد عن 500 مليون برميل |
| التنك | محافظة دير الزور | من حقول شركة الفرات للنفط |
| الطبقة | محافظة الرقة | قرب سد الطبقة |
| الخراتة | محافظة دير الزور | شرق الفرات |
| الشعلة | محافظة دير الزور | من الحقول الكبرى |
| كونوكو | محافظة دير الزور | يضم أكبر محطة غاز في البلاد |
| جبل الشاعر | ريف حمص | حقل غاز استراتيجي |
تُعدّ الشركة السورية للنفط المؤسسة الحكومية الرئيسية المسؤولة عن إدارة قطاع النفط والغاز في البلاد، وتعمل تحت إشراف وزارة النفط والثروة المعدنية. تسيطر الشركة بشكل مباشر على ما يقارب 50 بالمئة من الإنتاج النفطي الوطني، كما تحتفظ بحصة 50 بالمئة في المشاريع المشتركة مع الشركات الأجنبية العاملة في سوريا.
تأسست شركة الفرات للنفط عام 1985 كمشروع مشترك يجمع بين الشركة السورية للنفط بحصة 50 بالمئة، وشركة شل الهولندية بحصة 32 بالمئة، وشركة هيمالايا إنرجي سوريا — وهي تحالف بين المؤسسة الوطنية الصينية للنفط (CNPC) وشركة النفط والغاز الطبيعي الهندية (ONGC) — بحصة 18 بالمئة. بلغ إنتاج الشركة نحو 100,000 برميل يوميًا قبل اندلاع الأزمة، مما جعلها أكبر منتج منفرد في البلاد. غير أن شركة شل علّقت عملياتها في سوريا في ديسمبر 2011 استجابةً للعقوبات الأوروبية.
تأسست كمشروع مشترك بين الشركة السورية للنفط وشركة توتال الفرنسية، وركّزت عملياتها في حقول محافظة دير الزور. بلغ إنتاجها نحو 27,000 برميل يوميًا قبل الحرب. علّقت شركة توتال عملياتها هي الأخرى في ديسمبر 2011.
شركة بريطانية كانت تُنتج نحو 20,700 برميل يوميًا في مطلع عام 2011. علّقت عملياتها في فبراير 2012 بموجب العقوبات الأوروبية. أثارت الشركة جدلًا واسعًا بسبب امتلاك رامي مخلوف — ابن خال الرئيس بشار الأسد ومن أبرز رجال الأعمال المقرّبين من النظام — حصة بنسبة 5.7 بالمئة فيها، مما أدى إلى تشديد العقوبات عليها.
عملت في سوريا شركات دولية متعددة قبل الحرب، من بينها: سنكور الكندية (Suncor)، وكولتشيك البولندية (Kulczyk)، وإينا الكرواتية (INA)، فضلًا عن الشركتين الروسيتين ستروي ترانسغاز (Stroytransgas) وسويوزنفتيغاز (Soyuzneftegaz). وقد انسحبت معظم هذه الشركات أو علّقت أنشطتها بحلول عام 2012 بسبب العقوبات الدولية والأوضاع الأمنية المتدهورة.
شهد إنتاج النفط السوري مسارًا تاريخيًا مضطربًا، تراوح بين النمو المتسارع في السبعينيات والثمانينيات، وبلوغ الذروة في منتصف التسعينيات، ثم الانحدار التدريجي قبل الحرب والانهيار الحاد بعدها.
| الفترة/السنة | الإنتاج (برميل/يوم) | ملاحظات |
|---|---|---|
| 1968 | بداية الإنتاج التجاري | ربط قراتشوك بمصفاة حمص |
| منتصف الثمانينيات | بدء التصدير | دخول شركات أجنبية عبر مشاريع مشتركة |
| 1995-1996 | ~610,000 | ذروة الإنتاج التاريخية |
| 2008 | 406,000 | بداية التراجع الطبيعي |
| 2010 | ~385,000 | 0.5% من الإنتاج العالمي، عائدات تُقدَّر بـ 3.2 مليار دولار |
| 2011 | 353,000 | بداية الثورة السورية |
| 2016 | أقل من 0.05% من الإنتاج العالمي | سيطرة داعش على الحقول الشرقية |
| 2017 | ~18,000 | أدنى مستوى تاريخي |
| 2018 | ~24,000 | انخفاض بأكثر من 90% مقارنة بعام 2008 |
| 2023 | ~91,000 | بداية التعافي التدريجي |
| 2025-2026 | ~120,000 | وفق تقارير وزارة الطاقة السورية |
يُوضّح هذا الجدول المسار الدراماتيكي الذي سلكه الإنتاج النفطي السوري: من ذروة تجاوزت 600,000 برميل يوميًا في أواسط التسعينيات، بدأ التراجع الطبيعي بسبب نضوب الحقول القديمة وتراجع الاستثمارات الجديدة. ثم جاءت الثورة السورية لتُسرِّع هذا الانحدار بصورة كارثية، حتى وصل الإنتاج إلى قرابة 18,000 برميل يوميًا فقط عام 2017. وقد مثّلت عائدات النفط المفقودة خسارة اقتصادية هائلة لسوريا، إذ كانت تُدرّ قبل الحرب ما يُقدَّر بنحو 3.2 مليار دولار سنويًا.
يُشكّل الغاز الطبيعي مكوّنًا حيويًا من مكوّنات قطاع الطاقة السوري، وإن ظلّ أقل شهرة من قطاع النفط. تُقدَّر الاحتياطيات المُثبتة من الغاز الطبيعي بنحو 8.5 تريليون قدم مكعب (حوالي 2.6 تريليون متر مكعب)، وتتوزع على عدة مناطق رئيسية في وسط البلاد وشرقها.
تتركّز أهم حقول الغاز الطبيعي في المنطقة المحيطة بمدينة تدمر في البادية السورية، وتشمل حقول: عرك، ودبيات، وحيل، وحيان، وجيهار، والمحر، ونجيب، وسخنة، وأبي ربّاح. تحتوي هذه الحقول مجتمعة على احتياطيات تُقدَّر بنحو 3.6 تريليون قدم مكعب. كان حقل جبل الشاعر، وهو جزء من هذه المنظومة، يُنتج نحو 3 ملايين متر مكعب من الغاز الطبيعي الخام يوميًا قبل الحرب.
بالإضافة إلى حقول تدمر، تتوزع احتياطيات الغاز على مناطق أخرى: حقول شركة الفرات (1.6 تريليون قدم مكعب)، وحقل السويدية (1.2 تريليون قدم مكعب)، وحقل جبسة (0.8 تريليون قدم مكعب).
تُعدّ محطة كونوكو أكبر محطة لمعالجة الغاز الطبيعي في سوريا، بطاقة استيعابية تبلغ 13 مليون متر مكعب يوميًا. تقع شرق نهر الفرات في محافظة دير الزور، وقد بنتها شركة كونوكو فيليبس الأمريكية بالتعاون مع شركة توتال الفرنسية، ووصلت إلى طاقتها الكاملة عام 2002. استمرت الشركة في تشغيل المحطة حتى عام 2005، ليتولى بعدها تشغيلها كيانات محلية. أصبحت المحطة هدفًا عسكريًا استراتيجيًا خلال الحرب، حيث تنافست عليها قوات النظام وتنظيم داعش وقوات سوريا الديمقراطية.
بلغ إنتاج الغاز الطبيعي في سوريا نحو 5.3 مليار متر مكعب عام 2008، ثم ارتفع إلى 7.8 مليار متر مكعب عام 2010، قبل أن تؤدي الحرب إلى تراجع حاد في الإنتاج. يُستخدم الغاز الطبيعي السوري أساسًا في توليد الكهرباء وكمادة أولية في الصناعات البتروكيميائية، وكان يلبّي جزءًا مهمًا من احتياجات الطاقة المحلية قبل الصراع.
تعتمد سوريا في توليد الطاقة الكهربائية على مزيج من المحطات الحرارية العاملة بالغاز الطبيعي والمحطات الكهرمائية المُقامة على نهر الفرات. تُوفّر السدود الثلاثة الكبرى على نهر الفرات ما يقارب 70 بالمئة من احتياجات سوريا الكهربائية.
يُعدّ سد الطبقة أكبر سد في سوريا وأحد أهم المنشآت الهندسية في المنطقة. بدأ بناؤه عام 1968 بمساعدة سوفيتية واكتمل عام 1973، بينما اكتملت محطة الطاقة المصاحبة عام 1977. يبلغ ارتفاع السد 60 مترًا وطوله 4.5 كيلومتر، ويتسع قاعدته لـ 512 مترًا قبل أن تضيق إلى 19 مترًا عند القمة. يضم ثماني توربينات بقدرة إجمالية تبلغ 880 ميغاواط، وينتج نحو 2 مليار كيلوواط ساعة سنويًا.
أدى بناء السد إلى تشكّل بحيرة الأسد — أكبر مسطح مائي اصطناعي في سوريا — التي يبلغ طولها نحو 80 كيلومترًا ومساحتها 640 كيلومترًا مربعًا وسعتها القصوى 11.7 مليار متر مكعب من المياه. صُمِّم السد أيضًا لري أكثر من 600,000 هكتار من الأراضي الزراعية.
يقع سد تشرين على بُعد 90 كيلومترًا شرق حلب على نهر الفرات. بُني بين عامي 1991 و1999، ويبلغ ارتفاعه 40 مترًا. يحتوي على ست توربينات مائية بقدرة إجمالية تبلغ 630 ميغاواط. جاء إنشاؤه استجابةً لانخفاض إنتاج الطاقة الفعلي في سد الطبقة عن المتوقع، بسبب تراجع تدفق مياه الفرات إلى الأراضي السورية من تركيا.
يقع سد البعث بين مدينتي الثورة والرقة، شرق سد الفرات. اكتمل بناؤه عام 1986 واكتملت محطته الكهرمائية في ديسمبر 1988. سيطر عليه تنظيم داعش خلال الحرب، قبل أن تحرره قوات سوريا الديمقراطية في الرابع من يونيو 2017، حيث أُعيدت تسميته «سد الحرية».
تمتلك سوريا مصفاتين رئيسيتين للنفط وشبكة واسعة من خطوط الأنابيب التي تربط حقول الإنتاج الشرقية بمرافق التكرير والتصدير على الساحل الغربي.
تُعدّ مصفاة حمص ثاني أكبر مصفاة في سوريا، وتقع في مدينة حمص وسط البلاد. تبلغ طاقتها التكريرية نحو 107,000 برميل يوميًا. ترتبط المصفاة بخطوط أنابيب تمتد إلى حقول النفط في محافظتي دير الزور والحسكة. تضررت المصفاة بشكل كبير خلال الحرب، ولا سيما خلال المعارك التي دارت في مدينة حمص.
تُعدّ مصفاة بانياس أكبر مصفاة نفط في سوريا، وتقع على الساحل السوري المطل على البحر المتوسط. تبلغ طاقتها التكريرية نحو 133,000 برميل يوميًا، وإن كانت تعمل بطاقة فعلية لا تتجاوز 95,000 برميل يوميًا بسبب تدهور المنشآت. تتكون من أربع وحدات تكرير: اثنتان مُصمّمتان لمعالجة النفط الخفيف من حقول وادي الفرات، واثنتان لمعالجة النفط الثقيل من حقل السويدية. تعرّضت المصفاة لأضرار جسيمة في السابع والعشرين من يناير 2020 جراء هجوم بمتفجرات بحرية استهدف خزاناتها.
تمتد شبكة خطوط الأنابيب المحلية عبر مئات الكيلومترات لربط حقول الإنتاج المتناثرة في شرق ووسط البلاد بمصفاتي حمص وبانياس ومحطات التصدير البحرية في بانياس وطرطوس. يُعدّ خط أنابيب كركوك-بانياس من أهم خطوط العبور في المنطقة؛ اكتمل بناؤه عام 1952 ويمتد على طول 800 كيلومتر بطاقة نقل تبلغ 300,000 برميل يوميًا، رابطًا حقول كركوك العراقية بميناء بانياس السوري. تعرّض هذا الخط لإغلاقات متكررة بسبب التوترات السياسية والعسكرية في المنطقة.
تُشير التقديرات إلى أن أكثر من 1,000 كيلومتر من خطوط أنابيب النفط والغاز في شمال شرق سوريا وحده باتت بحاجة إلى استبدال كامل وليس مجرد ترميم، وذلك بسبب الأضرار الناجمة عن سنوات الصراع والإهمال.
أدت الثورة السورية التي اندلعت في مارس 2011 إلى تدمير شبه كامل للبنية التحتية لقطاع الطاقة، وخسائر اقتصادية فادحة يصعب حصرها.
مع تصاعد العنف في عام 2011، بدأت الشركات الأجنبية بتعليق عملياتها تباعًا. علّقت شركتا شل وتوتال عملياتهما في ديسمبر 2011، تلتهما شركة غلفساندز بتروليوم في فبراير 2012. بحلول نهاية عام 2012، كانت جميع الشركات الأجنبية الكبرى قد غادرت البلاد أو جمّدت أنشطتها.
استُهدفت حقول النفط ومنشآت الغاز وخطوط الأنابيب ومحطات المعالجة بصورة متكررة خلال المعارك. تعرّض سد الطبقة لأضرار خلال معارك تحريره من تنظيم داعش عام 2017، وتضررت مصفاتا حمص وبانياس جراء العمليات العسكرية. كما أدى النهب والتفكيك المنهجي للمعدات إلى خسائر إضافية في البنية التحتية.
تراجع الإنتاج النفطي من 353,000 برميل يوميًا عام 2011 إلى ما يقارب 18,000 برميل يوميًا عام 2017، أي بانخفاض يفوق 94 بالمئة. فقدت الحكومة السورية سيطرتها على معظم الحقول النفطية الكبرى في المنطقة الشرقية لصالح فصائل المعارضة وتنظيم داعش ولاحقًا قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيًا.
مثّل فقدان عائدات النفط ضربة قاصمة للاقتصاد السوري، إذ كانت هذه العائدات تُشكّل نحو ثلث إيرادات الحكومة (حوالي 4.1 مليار دولار عام 2010). أدى ذلك إلى أزمة وقود حادة في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة، وتراجع كبير في إنتاج الكهرباء، وارتفاع أسعار المحروقات إلى مستويات غير مسبوقة.
شكّل استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على الحقول النفطية في شرق سوريا أحد أخطر فصول الصراع على الموارد النفطية السورية.
مع توسّع سيطرة التنظيم في عام 2014، استولى على مجموعة من أهم الحقول النفطية السورية، بما فيها حقل العمر — أكبر حقل في البلاد — وحقول التنك وجفرا ووارد في محافظة دير الزور، إضافةً إلى حقلي الشاعر والجزل بالقرب من حمص.
قدّر محللو الطاقة في دبي إجمالي عائدات النفط من الإنتاج العراقي-السوري المشترك للتنظيم بنحو 3 ملايين دولار يوميًا عام 2014. وبحلول أكتوبر 2015، قُدِّر إنتاج التنظيم بنحو 34,000 إلى 40,000 برميل يوميًا، يُباع بأسعار تتراوح بين 20 و45 دولارًا للبرميل عند رأس البئر، مما كان يُدرّ دخلًا يومياً يبلغ نحو 1.5 مليون دولار.
أنشأ التنظيم شبكة واسعة لتهريب النفط وتوزيعه، معتمدًا على تجار مستقلين من سوريا والعراق. كان يبيع النفط عند محطات الضخ لوسطاء وتجار يتولون نقل المنتجات النفطية وبيعها في الأسواق المحلية والإقليمية. هُرِّب جزء من هذا النفط إلى تركيا وإيران ومنها إلى الأسواق العالمية. كما فرض التنظيم ضرائب على النفط في مراحل التوزيع المختلفة.
مع نهاية عام 2015، بدأت حملة الغارات الجوية المكثّفة التي شنّها التحالف الدولي وروسيا على منشآت النفط التابعة للتنظيم تؤتي ثمارها. بحلول مارس 2016، تراجعت عائدات التنظيم النفطية الشهرية إلى نحو 20 مليون دولار. وبحلول عام 2017، كان التنظيم قد فقد السيطرة على معظم الحقول النفطية الكبرى.
في الثاني من سبتمبر 2011، فرض الاتحاد الأوروبي حظرًا شاملًا على شراء النفط السوري واستيراده ونقله إلى دول الاتحاد. كان هذا القرار بالغ الأثر نظرًا لأن أوروبا كانت تستورد أكثر من 90 بالمئة من صادرات النفط الخام السوري. ففي عام 2009، بلغت صادرات سوريا النفطية إلى أوروبا نحو 137,400 برميل يوميًا، وكانت ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وهولندا تستحوذ على أكثر من 80 بالمئة من هذه الصادرات. أنفق الاتحاد الأوروبي نحو 4.1 مليار دولار على واردات النفط السوري عام 2010، وهو ما كان يمثّل نحو 30 بالمئة من إيرادات الحكومة السورية.
فرضت الولايات المتحدة هي الأخرى عقوبات شاملة على قطاع النفط السوري، شملت حظر التعامل مع المؤسسات النفطية السورية وتجميد أصول مسؤولين وكيانات مرتبطة بالنظام. في أبريل 2020، مُنحت شركة دلتا كرسنت إنرجي (Delta Crescent Energy) الأمريكية — التي أسّسها جيمس كاين (سفير أمريكي سابق لدى الدنمارك)، وجيمس ريس (ضابط متقاعد من قوات دلتا)، وجون دورييه (مدير تنفيذي سابق في غلفساندز بتروليوم) — إعفاءً من العقوبات للعمل في مناطق شمال شرق سوريا الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية. غير أن إدارة الرئيس بايدن لم تُجدّد هذا الإعفاء في مايو 2021، وأُعطيت الشركة مهلة 30 يومًا لوقف عملياتها.
مع سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، بدأ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمملكة المتحدة برفع معظم العقوبات المفروضة على سوريا تدريجيًا، مما فتح الباب أمام عودة الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع الطاقة.
سعت روسيا إلى تعزيز نفوذها في قطاع النفط والغاز السوري على مدى العقد الأخير، مستغلةً تحالفها مع نظام الأسد.
في ديسمبر 2013، حصلت شركة سويوزنفتيغاز الروسية على حقوق استكشاف البلوك 2 البحري (بمساحة 2,977 كيلومترًا مربعًا قبالة الساحل السوري)، غير أن العمل توقف عام 2015 بسبب التعقيدات الأمنية والمالية. في عام 2019، حصلت شركتا ميركوري (Mercury LLC) وفيلادا (Velada LLC) الروسيتان على عقود لاستكشاف البلوكات 7 و19 و23 البرية. وفي مارس 2021، حصلت شركة كابيتال ليمتد (Capital Limited) على حقوق استكشاف البلوك 1 البحري بمساحة 2,250 كيلومترًا مربعًا.
أثار سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 تساؤلات جدية حول مصير هذه الاتفاقيات الروسية، إذ لم تعترف الحكومة السورية الجديدة بعد بشرعية العقود المبرمة مع النظام السابق. ويبقى مستقبل النفوذ الروسي في قطاع الطاقة السوري رهينًا بالتطورات السياسية والدبلوماسية القادمة.
مع التحولات السياسية الكبرى التي أعقبت سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، تحرّكت الحكومة السورية الجديدة لاستعادة السيطرة على حقول النفط والغاز الرئيسية في شمال شرق البلاد، بما فيها حقل العمر ومجمّع كونوكو للغاز في محافظتي دير الزور والرقة.
بلغ الإنتاج النفطي نحو 120,000 برميل يوميًا بحلول نوفمبر 2025 وفق تقارير وزارة الطاقة السورية. وتتوقع شركة وود ماكنزي (Wood Mackenzie) أن يبدأ الإنتاج بالتعافي الفعلي في عام 2026، مدفوعًا في مرحلته الأولى بعمليات صيانة منخفضة التكلفة وتحسين أنظمة الرفع الاصطناعي وإصلاح المرافق السطحية. وتُقدِّر الشركة أن سوريا لا تزال تمتلك موارد نفطية وغازية مكتشفة تبلغ 1.3 مليار برميل نفط مكافئ على الأقل، مع بقاء مساحات واسعة من البلاد غير مستكشفة.
بدأت شركات دولية عدة بتوقيع اتفاقيات للعودة إلى سوريا، من بينها: شركة دانا غاز التي وقّعت مذكرة تفاهم لإعادة تطوير حقول غاز رئيسية، تلتها مذكرات تفاهم مع كونوكو فيليبس ونوفاتيرا. كما وقّعت أربع شركات سعودية — طاقة (TAQA)، وأديس (ADES)، والحفر العربية (Arabian Drilling)، والمسح الجيوفيزيائي العربي — اتفاقيات لتقديم الدعم التقني.
في سبتمبر 2025، استأنفت سوريا تصدير النفط الخام لأول مرة منذ 14 عامًا بشحنة بلغت 600,000 برميل، في خطوة اعتُبرت رمزية لبداية مرحلة جديدة في تاريخ القطاع النفطي السوري.
رغم المؤشرات الإيجابية، يواجه القطاع تحديات هائلة تشمل: البنية التحتية المتهالكة التي تحتاج استثمارات ضخمة لإعادة تأهيلها، ومحدودية الطاقة التكريرية مع بقاء مصفاتي حمص وبانياس خارج الخدمة الكاملة، والحاجة إلى رؤوس أموال أجنبية ونقل تكنولوجي لزيادة الإنتاج بصورة ذات مغزى، فضلًا عن التعقيدات القانونية المتعلقة بالعقود المبرمة مع النظام السابق.