حصار حمص هو حصار عسكري شامل فرضته القوات الحكومية السورية وحلفاؤها على أحياء واسعة من مدينة حمص خلال الفترة من مايو 2011 م إلى مايو 2014 م، ويُعدّ من أطول وأشدّ الحصارات وحشيةً في الثورة السورية. عُرفت حمص — ثالثة المدن السورية الكبرى — بلقب «عاصمة الثورة» لكونها من أوائل المدن التي شهدت احتجاجات شعبية واسعة ضد نظام بشار الأسد ابتداءً من مارس 2011 م. تضمّن الحصار قصفاً مدفعياً وجوياً مكثفاً واستخدام التجويع كسلاح حرب والحرمان من المساعدات الإنسانية والطبية، وأودى بحياة آلاف المدنيين وأدّى إلى تهجير مئات الآلاف وتدمير أجزاء واسعة من المدينة التاريخية بما فيها جامع خالد بن الوليد الشهير.
تحتلّ حمص موقعاً استراتيجياً محورياً في وسط سوريا، إذ تقع على مفترق الطرق الرابطة بين دمشق جنوباً وحلب شمالاً، والساحل السوري (اللاذقية وطرطوس) غرباً والبادية شرقاً. بلغ عدد سكانها قبل الحرب نحو 800,000 نسمة في المدينة ذاتها وأكثر من 1.7 مليون في المحافظة. تتميّز حمص بتنوّعها الطائفي الكبير، إذ ضمّت أحياءً ذات أغلبية سنّية (بابا عمرو، الخالدية، حمص القديمة) وأخرى ذات أغلبية علوية ومسيحية، ممّا جعل الصراع فيها يأخذ بُعداً طائفياً مؤلماً.
ارتبطت حمص تاريخياً بالمعارضة السياسية للنظام، وكانت من المدن التي شهدت توتراً خلال أحداث مجزرة حماة 1982 م في المحافظة المجاورة. مع انطلاق الاحتجاجات السورية في مارس 2011 م، كانت حمص من أوائل المدن التي انضمّت إلى الثورة، وسرعان ما أصبحت رمزاً لها.
انطلقت الاحتجاجات في حمص في الأسابيع الأولى من الثورة السورية، وسرعان ما تحوّلت ساحة ساعة حمص الشهيرة إلى نقطة تجمّع رئيسية للمتظاهرين، على غرار ميدان التحرير في القاهرة. في 18 أبريل 2011 م، نصب آلاف المتظاهرين خياماً في الساحة في اعتصام مفتوح، لكنّ قوات الأمن فضّت الاعتصام فجر 19 أبريل بالقوة المفرطة ممّا أودى بحياة عشرات المتظاهرين.
تصاعدت المواجهات بين قوات الأمن والمتظاهرين خلال أبريل ومايو 2011 م. في 6 مايو 2011 م، شنّت القوات الحكومية حملة أمنية واسعة على أحياء حمص بعد صلاة الجمعة، قُتل خلالها — وفق المعارضة — نحو 15 متظاهراً، فيما أعلنت الحكومة مقتل 11 من عناصرها بنيران مسلحين مجهولين.
مع مرور الأشهر، بدأ ظهور حركة انشقاقات في صفوف الجيش السوري، وبدأ العسكريون المنشقون بتشكيل مجموعات مسلحة لحماية المتظاهرين، ممّا مهّد لتحوّل الاحتجاجات السلمية إلى صراع مسلح.
يقع حيّ بابا عمرو في الجزء الجنوبي الغربي من حمص، وكان يضمّ نحو 28,000 نسمة قبل الحرب. في أواخر أكتوبر 2011 م، سيطر لواء خالد بن الوليد التابع لـالجيش السوري الحر — الذي تشكّل من ضباط وجنود منشقين — على الحي بالكامل، محوّلاً إياه إلى أول منطقة «محرّرة» في حمص.
أصبح بابا عمرو محوراً لاهتمام الإعلام الدولي، حيث توافد عليه صحفيون من مختلف أنحاء العالم لتغطية الأحداث. بثّ ناشطون محليون — أبرزهم المواطن الصحفي الشهير — مقاطع فيديو يومية تُظهر القصف والمعاناة الإنسانية، ممّا جعل بابا عمرو رمزاً عالمياً للمأساة السورية.
في فبراير 2012 م، شنّت القوات الحكومية هجوماً واسعاً على حي بابا عمرو، مستخدمةً الدبابات والمدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ. استمرّ القصف المتواصل قرابة شهر كامل، محوّلاً الحي إلى ركام. قُطعت جميع الإمدادات عن الحي — الغذاء والماء والكهرباء والأدوية — فيما حُرم السكان من أي إخلاء طبي.
في 22 فبراير 2012 م، قُتلت الصحفية الأمريكية ماري كولفن — مراسلة صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية — والمصور الفرنسي ريمي أوشليك في قصف استهدف المركز الإعلامي المؤقت في بابا عمرو. كانت كولفن — التي فقدت عينها في سريلانكا وغطّت نزاعات الشيشان وكوسوفو وليبيا — قد وصفت قصف حمص بأنه أسوأ ما شهدته في حياتها المهنية. أثار مقتلهما موجة إدانة دولية واسعة وسلّط الأضواء على الكارثة الإنسانية في حمص.
أثبت تحقيق لاحق أجرته محكمة أمريكية أنّ القوات السورية استهدفت المركز الإعلامي عمداً بعد تعقّب إشارات الأقمار الاصطناعية، وأصدرت المحكمة حكماً بتعويض عائلة كولفن بمبلغ 302 مليون دولار.
في صباح الأول من مارس 2012 م، سقط حي بابا عمرو بيد القوات الحكومية بعد انسحاب مقاتلي المعارضة في ما وصفوه بـ«انسحاب تكتيكي». أعلن المقاتلون أنّ نقص الذخيرة والغذاء والدواء وتدهور الأوضاع الإنسانية دفعهم للانسحاب إلى أحياء أخرى في حمص. وجدت فرق الإغاثة الدولية التي دخلت الحي دماراً شبه كامل، ووثّقت جثثاً في الشوارع وآثار مجازر.
بعد سقوط بابا عمرو، تراجع المقاتلون المعارضون إلى أحياء حمص القديمة والخالدية والقصور والقرابيص وبستان الديوان وجورة الشياح، مُشكّلين جيباً محاصراً في قلب المدينة. فرضت القوات الحكومية حصاراً خانقاً على هذه الأحياء، مُقطعةً جميع طرق الإمداد ومانعةً دخول الغذاء والدواء والمياه.
بحلول منتصف 2012 م، لم يبقَ تحت سيطرة المعارضة سوى 15% إلى 20% من مساحة مدينة حمص. عانى السكان المحاصرون — الذين قُدّر عددهم بنحو 3,000 شخص — من مجاعة حقيقية، واضطرّ البعض لأكل أوراق الشجر والقطط والحشائش البرية. توفي عشرات المدنيين بسبب نقص الغذاء والدواء.
في أواخر مارس وأوائل أبريل 2013 م، تدخّل مقاتلو حزب الله اللبناني بشكل مباشر في حصار حمص، مُعزّزين القوات الحكومية السورية. شكّل هذا التدخل نقطة تحوّل في الصراع، إذ جلب مقاتلون مدرّبين وذوي خبرة في حرب المدن. ساهم تدخّل حزب الله لاحقاً في معركة القصير القريبة (مايو-يونيو 2013 م) التي أسفرت عن استعادة القوات الحكومية لهذه المدينة الاستراتيجية على الحدود اللبنانية.
في يوليو 2013 م، شنّت القوات الحكومية هجوماً كبيراً على حي الخالدية، آخر معاقل المعارضة الكبرى خارج المدينة القديمة. في 27 يوليو 2013 م، سيطرت القوات الحكومية على جامع خالد بن الوليد التاريخي في قلب الحي. تعرّض الجامع — الذي يضمّ ضريح الصحابي الجليل خالد بن الوليد ويُعدّ من أبرز معالم حمص التاريخية والدينية — لأضرار بالغة جرّاء القصف المتكرر. أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان أنّ المسجد والضريح تعرّضا لتدمير شبه كامل، ممّا أثار موجة غضب واسعة وشكّل رمزاً لتدمير التراث الثقافي السوري خلال الحرب.
تقلّصت المنطقة المحاصرة إلى نواة صغيرة في حمص القديمة، حيث بقي بضع مئات من المقاتلين ونحو 1,500-3,000 مدني يرفضون أو يعجزون عن المغادرة. وصف مسؤولون أمميون الأوضاع بأنها «كارثية»، مع انعدام شبه تام للغذاء والدواء.
في فبراير 2014 م، توسّطت الأمم المتحدة لفتح ممرّ إنساني مؤقت، سُمح من خلاله بإجلاء عدد محدود من المدنيين — معظمهم نساء وأطفال وكبار سن — وإدخال كميات محدودة من المساعدات الغذائية والطبية. أجرت منظمات أممية عمليات إجلاء على مدى عدة أيام، لكنّ الحصار استُئنف بعدها.
في مايو 2014 م، تُوّج شهور من المفاوضات بين الحكومة والمعارضة — بوساطة لجان أهلية والأمم المتحدة وبحضور ممثلين عن السفارتين الروسية والإيرانية — باتفاق يقضي بخروج المقاتلين من حمص القديمة. نصّ الاتفاق على:
أعلن محافظ حمص طلال البرازي أنّ نحو 2,000 شخص سيُخلَون في إطار الاتفاق. بدأت عمليات الإخلاء في 7 مايو 2014 م، وانتهت خلال أيام، لتعود حمص بالكامل إلى سيطرة الحكومة بعد ثلاث سنوات من الحصار المروّع.
لا تتوفر إحصائيات دقيقة ومتّفق عليها لعدد القتلى في حصار حمص، وتتباين الأرقام بحسب المصادر:
هُجّر مئات الآلاف من سكان حمص خلال سنوات الحصار. فرّ معظمهم إلى مناطق أخرى داخل سوريا أو إلى دول الجوار، خاصة لبنان والأردن. تحوّلت أحياء كاملة — كانت تعجّ بالحياة — إلى مدن أشباح.
تعرّضت أحياء واسعة من حمص لتدمير شبه كامل، خاصة بابا عمرو والخالدية وحمص القديمة وجورة الشياح والقصور. وثّقت صور الأقمار الاصطناعية مدى الدمار الذي طال مبانٍ سكنية ومعالم تاريخية ودينية وبنى تحتية. قُدّرت نسبة التدمير في بعض الأحياء بأكثر من 80%.
أدّى الحصار والقصف إلى تدمير معالم تاريخية ودينية لا تُعوَّض في حمص، المدينة التي تعود إلى آلاف السنين (إيميسا القديمة):
حاولت بعثة المراقبين العرب (ديسمبر 2011-فبراير 2012 م) مراقبة الأوضاع في حمص، لكنّها واجهت عرقلة ميدانية واستمرّ القصف خلال وجودها. فشلت مبادرات كوفي أنان (2012 م) والأخضر الإبراهيمي (2013-2014 م) في إيقاف العنف. صدرت عشرات البيانات الأممية التي نددت بالقصف العشوائي والحصار، لكنّ فيتو روسيا والصين في مجلس الأمن حال دون صدور قرارات ملزمة.
عملت منظمات أممية وإنسانية دولية — أبرزها اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر العربي السوري — على إيصال المساعدات إلى المحاصرين عبر ممرّات إنسانية مؤقتة. رغم ذلك، ظلّ الوصول محدوداً للغاية ومتقطعاً طوال فترة الحصار.
شكّل حصار حمص نقطة تحوّل في الثورة السورية على عدة أصعدة:
بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 م، بدأت عمليات إعادة إعمار محدودة في حمص، وبدأ بعض النازحين بالعودة إلى أحيائهم المدمّرة لإعادة بنائها. تبقى ندوب الحصار ماثلة في عمران المدينة وذاكرة سكانها، وتُشكّل جزءاً من ملف العدالة الانتقالية الذي تسعى سوريا الجديدة لمعالجته.