أفاميا (باللاتينية: Apamea، باليونانية: Ἀπάμεια) هي مدينة أثرية تقع في شمال غرب سوريا على هضبة مرتفعة تُشرف على سهل الغاب في محافظة حماة، وتبعد نحو 55 كيلومتراً إلى الشمال الغربي من مدينة حماة. تُعدّ أفاميا واحدةً من أعظم المدن الهلنستية والرومانية في الشرق الأدنى القديم، وقد اشتهرت عبر التاريخ بشارعها المُعمَّد العملاق الذي يمتد لنحو كيلومترين، ما يجعله أحد أطول الأروقة ذات الأعمدة في العالم الروماني بأسره. أسّسها سلوقس الأول نيكاتور حوالي عام 300 قبل الميلاد، وسمّاها تكريماً لزوجته الفارسية أباما (Apama)، لتغدو على مدى قرون عاصمةً عسكريةً ومركزاً فلسفياً وتجارياً بارزاً.
تقع أفاميا على هضبة طبيعية حصينة يبلغ ارتفاعها نحو 400 متر فوق مستوى سطح البحر، وتُطلّ على سهل الغاب الخصيب من الجهة الشرقية، وهو السهل الذي يرويه نهر العاصي (Orontes) خلال مساره شمالاً. تحيط بالمدينة منحدرات طبيعية شديدة من ثلاث جهات، ما منحها موقعاً دفاعياً استثنائياً جعلها خياراً مثالياً كقاعدة عسكرية سلوقية. تقع البقايا الأثرية اليوم بالقرب من بلدة قلعة المضيق المعاصرة، التي تضمّ قلعةً عثمانيةً بُنيت فوق الأكروبوليس القديم.
يحدّ الموقع من الغرب وادي نهر العاصي الذي يشكّل خندقاً طبيعياً، ومن الشمال والجنوب أوديةٌ عميقة تُصعّب الوصول إلى المدينة. وقد وصف الجغرافي اليوناني سترابون (Strabo) أفاميا بأنها «حصنٌ طبيعي بالغ القوة»، مشيراً إلى أنّ بحيرةً واسعةً كانت تنتشر في سهل الغاب أمامها، تُغذّيها مياه العاصي، فتزيد المدينةَ مناعةً.
أسّس سلوقس الأول نيكاتور (Seleucus I Nicator)، أحد قادة الإسكندر الأكبر وخلفائه، مدينة أفاميا حوالي عام 300 قبل الميلاد، في إطار مشروعه الطموح لبناء شبكة من المدن الكبرى في بلاد الشام. كانت أفاميا واحدةً من المدن الأربع التي شكّلت ما عُرف باسم «الرباعي السوري» (Tetrapolis)، إلى جانب أنطاكية (العاصمة السياسية)، وسلوقية بييريا (الميناء)، واللاذقية (لاوديكيا). غير أنّ أفاميا تميّزت بدورها العسكري الاستراتيجي، إذ جعلها سلوقس القاعدة العسكرية الرئيسية للإمبراطورية السلوقية في المنطقة.
بلغ الحضور العسكري في أفاميا حجماً استثنائياً بالمقاييس القديمة؛ فقد كانت المدينة تضمّ إسطبلات ضخمة تتّسع لأكثر من 30,000 فرس و500 فيل حربي، فضلاً عن 300 حصان فحل مخصّص للتهجين والإكثار. كان الفيلة الحربية السلوقية سلاحاً استراتيجياً رئيسياً، يُستخدم في الحملات العسكرية عبر الشرق الأدنى، وقد شكّلت أفاميا القاعدة اللوجستية الأولى لتربيتها وتدريبها وإعدادها للقتال. وقد قدّر المؤرخون أنّ عدد سكان المدينة تجاوز 100,000 نسمة في أوج ازدهارها، ما جعلها من أكبر مدن العالم القديم.
شهدت أفاميا عام 188 قبل الميلاد توقيع واحدة من أهمّ المعاهدات في تاريخ العالم القديم، وهي معاهدة أفاميا (Treaty of Apamea) بين الجمهورية الرومانية والملك السلوقي أنطيوخوس الثالث الكبير (Antiochus III). جاءت هذه المعاهدة بعد هزيمة أنطيوخوس في معركة ماغنيسيا (190 ق.م)، وفرضت شروطاً قاسية غيّرت موازين القوى في شرق المتوسط:
شكّلت هذه المعاهدة نقطة تحوّل حاسمة، إذ أنهت الهيمنة السلوقية على غرب آسيا الصغرى وفتحت الباب أمام التوسّع الروماني في المشرق. وفي عام 162 قبل الميلاد، أرسل الرومان وفداً بقيادة غنايوس أوكتافيوس (Gnaeus Octavius) لتطبيق بنود المعاهدة بالقوة، فأمر بقتل فيلة الحرب السلوقية المتبقية وتدمير سفنها.
في عام 64 قبل الميلاد، ضمّ القائد الروماني بومبيوس الكبير (Pompey) أفاميا إلى المقاطعة الرومانية في سوريا. وتحت الحكم الروماني، شهدت المدينة تحولاً معمارياً جذرياً حوّلها من قاعدة عسكرية سلوقية إلى مدينة رومانية فخمة. غير أنّ زلزال عام 115 ميلادي المدمّر ألحق بالمدينة أضراراً هائلة، ما استوجب إعادة بناء واسعة النطاق.
أعاد الرومان بناء أفاميا وفق مخطط شبكي حديث، مع إنشاء منشآت عامة كبرى تشمل قنوات المياه والحمّامات والمسرح. وقد بلغت إعادة البناء أوجها في عهدَي تراجان (98–117 م) وأنطونينوس بيوس (138–161 م)، حيث أُعيد تشييد الشارع المُعمَّد العظيم (الكاردو ماكسيموس) بأعمدته الضخمة التي ما زالت قائمةً حتى اليوم.
في القرن الخامس الميلادي، مُنحت أفاميا مكانة عاصمة مقاطعة «سوريا الثانية» (Syria Secunda) بعد فصلها عن «سوريا الأولى» (Syria Prima)، ما رفع شأنها الإداري والكنسي. غير أنّ المدينة تعرّضت للتدمير على يد الملك الساساني خسرو الأول (كسرى أنوشيروان) في القرن السادس الميلادي، ثم سقطت بيد القائد الساساني شهربراز عام 613 م خلال الحرب البيزنطية-الساسانية، ولم تُستعَد حتى نهاية تلك الحرب.
بعد معركة اليرموك عام 636 م، دخلت أفاميا — التي عُرفت في المصادر العربية باسم «أفامية» أو «فامية» — تحت الحكم الإسلامي. أُعيد بناء جزء من المدينة واستُخدمت نقطة مراقبة استراتيجية على سهل الغاب. وقد استعادت أفاميا بعض أهميتها في عهد الحمدانيين (أمراء حلب في القرن العاشر الميلادي).
في فترة الحروب الصليبية، حكم المدينةَ الأمير خلف بن مُلاعب حتى عام 1106 م، حين اغتيل واستولى عليها الأمير الصليبي تنكريد أمير أنطاكية. ظلّت أفاميا محلّ نزاع بين الصليبيين والقوى الإسلامية طوال القرن الثاني عشر. وقد ضرب زلزال عنيف عام 1152 م دمّر كثيراً من بقايا المدينة القديمة.
في العصر المملوكي، فقدت أفاميا أهميتها الاستراتيجية بعد طرد الصليبيين من المنطقة، وتحوّلت تدريجياً إلى قرية صغيرة. أما في العصر العثماني، فقد بُنيت قلعة على الأكروبوليس القديم، وعُرفت المنطقة باسم «قلعة المضيق»، وهو الاسم الذي لا تزال البلدة المجاورة تحمله حتى اليوم.
يُعدّ الشارع المُعمَّد الكبير في أفاميا أبرز معالمها وأكثرها إثارةً للإعجاب. يمتدّ هذا الشارع الضخم على طول 1,850 متراً تقريباً بعرض يصل إلى 37.5 متراً (بما في ذلك الأروقة الجانبية)، ما يجعله أحد أطول الشوارع المُعمَّدة وأعرضها في العالم الروماني، متفوقاً حتى على شارع الأعمدة الشهير في تدمر.
تتكوّن الأعمدة من الحجر الجيري المحلي، ويبلغ ارتفاع كلٍّ منها نحو 9 أمتار، بقطر 0.9 متر، وترتكز على قواعد مربعة أبعادها 1.24 × 1.24 متر وارتفاعها 0.47 متر. والملفت أنّ الأعمدة تتّخذ تصميمَين مختلفَين: أعمدة ملساء بسيطة، وأعمدة ذات حزوز حلزونية (ملتوية) مميّزة. يُرجّح عالم الآثار الفرنسي جان لاسوس (Jean Lassus) أنّ الأعمدة الملساء تعود إلى عهد تراجان (أوائل القرن الثاني الميلادي)، بينما تنتمي الأعمدة الحلزونية إلى عهد أنطونينوس بيوس (منتصف القرن الثاني). وقد زُيّنت أرضيات الأروقة المُحاذية للشارع بفسيفساء واسعة تمتدّ على طول المسافة بأكملها.
يُعدّ مسرح أفاميا الروماني من أكبر المسارح الباقية في العالم الروماني. يتّسع لأكثر من 20,000 متفرّج، ويتميّز بتصميمه شبه الدائري المنحوت جزئياً في المنحدر الطبيعي للهضبة. يبلغ قطر الكافيا (مدرّجات المتفرجين) نحو 139 متراً، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام رأسية (maeniana) مفصولة بممرّات أفقية. لا يزال جدار المشهد (scaenae frons) محفوظاً جزئياً، ويكشف عن ثراء زخرفي يعكس عظمة المدينة في العصر الروماني.
تشتهر أفاميا بكونها واحدةً من أغنى المواقع الأثرية في سوريا من حيث الفسيفساء (الموزاييك). اكتُشفت عشرات اللوحات الفسيفسائية التي تعود إلى الفترة الممتدة من القرن الثاني حتى القرن الخامس الميلادي، وتتنوع موضوعاتها بين المشاهد الأسطورية والصيد والحياة اليومية والتمثيلات الفلسفية.
من أبرز هذه الفسيفساء:
اكتُشف الكنيس اليهودي في أفاميا عام 1934 خلال الحملة الرابعة للبعثة الأثرية البلجيكية بقيادة فرنان مايانس (Fernand Mayence). يعود بناء الكنيس إلى عام 392 ميلادي، وتتميّز أرضيته بفسيفساء غنية تتضمّن 20 نقشاً تكريسياً بأسماء 20 مُتبرّعاً (13 امرأة و7 رجال)، ما يقدّم دليلاً نادراً على بنية المجتمع اليهودي في أفاميا خلال العصور المتأخرة.
احترمت فسيفساء الكنيس الحظر اليهودي على التصوير التشخيصي، فاقتصرت زخارفها على أنماط هندسية وزخرفية، باستثناء نقش صغير لشمعدان المينوراه. تكشف نقوش المُتبرّعين عن مجتمع يهودي مزدهر ومندمج اجتماعياً في النسيج الحضري لأفاميا المتأخرة. غير أنّ الكنيس دُمّر عمداً بعد فترة وجيزة من بنائه، في موجة التعصّب المسيحي التي أعقبت مراسيم الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني، وبُنيت فوقه كنيستان متعاقبتان أدمجتا أساسات الكنيس في بنيتهما، ما حفظ الفسيفساء مدفونةً سليمة تحت الأرض حتى اكتشافها.
لم تكن أفاميا مجرد قاعدة عسكرية أو مدينة تجارية، بل كانت مركزاً فكرياً بارزاً أنجب فلاسفة غيّروا مسار الفكر الفلسفي في العالم القديم.
يُعدّ نومينيوس الأفامي (Numenius of Apamea) من أبرز فلاسفة العصور المتأخرة وأكثرهم تأثيراً. وُلد في أفاميا وعاش في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي. كان فيثاغورياً محدَثاً (Neopythagorean) سعى إلى تأصيل تعاليم أفلاطون في فلسفة فيثاغورس، وإلى إثبات عدم تعارضها مع عقائد البراهمة واليهود والمجوس والمصريين القدماء.
يُعتبر نومينيوس «أبا الأفلاطونية المحدثة» (Father of Neo-Platonism) بحسب عنوان الدراسة الكلاسيكية التي وضعها كينيث سيلفان غوثري. طوّر نظاماً فلسفياً يقوم على ثلاثة مبادئ للوجود — تشبه إلى حدٍّ بعيد أقانيم أفلوطين الثلاثة (الواحد، والعقل، والنفس) — وهو ما مهّد الطريق مباشرةً لظهور المدرسة الأفلاطونية المحدثة.
من أهمّ مؤلفاته: «في الخير» (Peri Tagathou / On the Good) الذي يعرض فيه لاهوته وميتافيزيقاه، و**«في انحراف الأكاديميين عن أفلاطون»** الذي ينتقد فيه انزياح الأكاديمية الأفلاطونية المتأخرة عن تعاليم أفلاطون الأصلية. كان نومينيوس من المؤلفين الذين تُقرأ كتبهم في حلقة أفلوطين الفلسفية، وقد أثّر تأثيراً عميقاً في بورفيريوس وبروكلس وإيامبليخوس.
أسّس الفيلسوف السوري إيامبليخوس (Iamblichus) مدرسة أفلاطونية محدثة في أفاميا مطلع القرن الرابع الميلادي، جذبت طلاباً من أنحاء الإمبراطورية الرومانية. تميّزت مدرسته بدمج الفلسفة الأفلاطونية مع الممارسات الثيورجية (الطقسية) والتصوف الشرقي. استند إيامبليخوس إلى تقييم نومينيوس السلبي للمادة لتبرير ضرورة الطقوس الثيورجية التي تُطهّر النفس فيما يتجاوز الفلسفة العقلانية وحدها.
يُرجّح أنّ فسيفساء سقراط والفلاسفة المكتشفة في أفاميا تُمثّل إيامبليخوس وتلاميذه، في إشارة رمزية إلى استمرارية التقليد الفلسفي من سقراط إلى المدرسة الأفامية.
ارتبط اسم أفاميا في العصر الحديث ارتباطاً وثيقاً بالبعثة الأثرية البلجيكية التي باشرت أعمال التنقيب منذ ثلاثينيات القرن العشرين. في عام 1930، بدأت بعثة بقيادة فرنان مايانس (Fernand Mayence) من جامعة بروكسل الحرة (ULB) أولى حملاتها الأثرية في الموقع، وفي عام 1933 أسّس مايانس «قاعة أفاميا» في المتاحف الملكية للفن والتاريخ في بروكسل لعرض المكتشفات.
منذ عام 1965، استأنفت بلجيكا حملاتها الأثرية وأقامت «المركز البلجيكي للأبحاث الأثرية في أفاميا»، وتولّى جان شارل بالتي (Jean Charles Balty) قيادة التنقيبات لسنوات طويلة حتى خلفه ديدييه فيفييه (Didier Viviers) عام 2001. وبين عامَي 2001 و2011، واصلت البعثة البلجيكية أعمالها بالتعاون مع مراكز بحثية متعددة، مركّزةً على دراسة «الحيّ الشمالي الشرقي» و**«معبد تيخي»** (Tycheion) ومحيطه، فضلاً عن الجزء الغربي من السور الدائري.
كشفت التنقيبات المتعاقبة عن ثروة أثرية هائلة، أبرزها:
تعرّضت أفاميا لأضرار كارثية خلال الثورة السورية السورية التي اندلعت عام 2011. فمع انهيار سلطة الدولة على الموقع الأثري وتفكّك آليات الحماية، تحوّل الموقع إلى ساحة نهب واسعة النطاق لم يسبق لها مثيل في تاريخ علم الآثار الحديث.
كشفت صور الأقمار الاصطناعية، التي نُشرت في دراسة أكاديمية في مجلة PLOS ONE عام 2017، عن مشهد مذهل: أصبح سطح الموقع الأثري مليئاً بالحفر حتى بدا «كسطح القمر» بحسب وصف الباحثين. وقد تجاوزت المساحة المنهوبة في ثمانية أشهر فقط إجمالي المساحة التي نقّبتها البعثات الأثرية الرسمية خلال عقود. فُقدت آلاف القطع الأثرية، لا سيما الفسيفساء التي تشتهر بها أفاميا، إذ قطّعها اللصوص وهرّبوها عبر شبكات تهريب آثار دولية.
أشار تحليل نُشر في مجلة Near Eastern Archaeology (جامعة شيكاغو) إلى أنّ السكان المحليين، الذين واجهوا انهياراً اقتصادياً واجتماعياً شاملاً في ظلّ الحرب، لجأوا إلى نبش الآثار مصدراً للدخل في غياب أي بديل معيشي. كما أفادت تقارير مجلة Archaeology Magazine ومؤسسة سميثسونيان بأنّ عمليات النهب لم تقتصر على الأفراد، بل شملت جماعات منظّمة تستخدم معدات حفر آلية.
إضافةً إلى النهب، تعرّض الموقع لأضرار ناجمة عن العمليات العسكرية، بما في ذلك القصف وحركة الآليات الثقيلة. وقد وثّقت منظمات دولية عدة، منها اليونسكو والمرصد السوري لحقوق الإنسان، حجم الدمار الذي لحق بالموقع.
يقع بالقرب من الموقع الأثري متحف خان أفاميا (Khan Museum)، وهو خان عثماني تاريخي حُوّل إلى متحف يضمّ مجموعة من القطع الأثرية والفسيفساء المكتشفة في الموقع. كان المتحف يُعدّ محطةً أساسيةً للزوّار قبل اندلاع الحرب، وقد تعرّض بدوره لأضرار جسيمة خلال النزاع.
تتجاوز أهمية أفاميا كونها موقعاً أثرياً يضمّ أعمدةً وفسيفساء؛ فهي شاهدة حيّة على تعاقب الحضارات في بلاد الشام: