تُشكّل المتاحف السورية خزائن حيّة لذاكرة حضارية تمتدّ عبر أحد عشر ألف عام من التاريخ الإنساني، إذ تحتضن مقتنيات أثرية تعود إلى أقدم المستوطنات البشرية مروراً بحضارات إيبلا وماري وأوغاريت ومملكة تدمر والحقبتين اليونانية والرومانية وصولاً إلى العصور الإسلامية والحديثة. غير أنّ هذه المؤسسات العريقة واجهت منذ عام 2011 أشدّ تحدياتها قسوةً في ظلّ الحرب التي دمّرت بعضها ونهبت كنوزها، لكنّها شهدت في الوقت ذاته ملاحم بطولية في إنقاذ التراث أبداها موظفون وعلماء آثار ضحّوا بأرواحهم دفاعاً عن إرث الإنسانية.
يُعدّ المتحف الوطني في دمشق أقدم مؤسسة تراثية ثقافية في سوريا وأكبر متاحفها على الإطلاق. تأسّس في عامَي 1919-1920 خلال حقبة المملكة العربية السورية تحت حكم الملك فيصل الأوّل، حين خُصّصت قاعات المدرسة العادلية الأيوبية في حيّ باب البريد بالمدينة القديمة لعرض أولى المجموعات الأثرية. وقد جاء تأسيسه استجابةً للحاجة الملحّة إلى حماية الكنوز الأثرية التي كانت تتدفّق من مواقع التنقيب المنتشرة في أرجاء البلاد، ولا سيّما في ظلّ التنقيبات الفرنسية التي نشطت خلال فترة الانتداب.
في عام 1936، افتُتح القسم الأوّل من المبنى الجديد للمتحف، الذي صمّمه المهندس المعماري الفرنسي ميشيل إيكوشار (Michel Écochard) في منطقة المرج الأخضر بالقرب من ساحة الحجاز، جنوب نهر بردى وشرق التكية السليمانية العثمانية. وقد اتّسم تصميم إيكوشار بجرأة معمارية لافتة، إذ أقام مبنىً بطابق واحد دون نوافذ خارجية مع نظام متطوّر لتوزيع الإضاءة غير المباشرة، ممّا وفّر بيئة مثالية لحفظ المقتنيات الأثرية الحسّاسة. وقد بُنيت قاعات مخصّصة لاستيعاب رسومات كنيس دورا أوروبوس الجدارية ونقوش مدفن يرحاي من تدمر، اللتين اكتُشفتا في السنوات الأولى من الانتداب الفرنسي. وشكّل هذا التصميم نقلةً نوعيةً عن الخطوط العمودية التقليدية للعمارة العثمانية، حيث أعاد تعريف العلاقة بين الفضاء المعماري والقطع المعروضة.
يتميّز مدخل المتحف الرئيسي بواجهة قصر الحير الغربي الأموي المُعاد بناؤها، وهو قصر صحراوي يعود إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك (حكم 724-743 م). وقد نُقلت الواجهة الأصلية من موقعها في البادية السورية وأُعيد تركيبها بعناية لتُشكّل مدخلاً مهيباً يُجسّد روعة العمارة الأموية ويُشير إلى الثراء الحضاري الذي ينتظر الزائر في الداخل.
يضمّ المتحف الوطني بدمشق أكثر من 100.000 قطعة أثرية تغطّي أكثر من أحد عشر ألف عام من تاريخ سوريا والمنطقة. وتتوزّع المقتنيات على خمسة أجنحة رئيسية:
قسم ما قبل التاريخ والآثار الشرقية القديمة: يحتوي على قطع فريدة من حضارات بلاد الشام القديمة، بما فيها لُقىً من مملكة ماري على الفرات الأوسط ومن مملكة إيبلا (تل مرديخ) التي أسفرت حفرياتها عن آلاف الألواح المسمارية، فضلاً عن مقتنيات من أوغاريت (رأس شمرا) حيث اختُرعت أوّل أبجدية في التاريخ.
القسم الكلاسيكي (اليوناني-الروماني): يضمّ تماثيل ومنسوجات من مدينة تدمر الشهيرة، وتماثيل إلهة النصر اليونانية (نيكي) التي عُثر عليها في مواقع جنوب سوريا، إضافةً إلى فسيفساء وقطع نحتية من أفاميا وبصرى الشام ومواقع كلاسيكية أخرى.
كنيس دورا أوروبوس: تُشكّل رسومات كنيس دورا أوروبوس (حوالي 245 م) واحدةً من أثمن مقتنيات المتحف وأكثرها تفرّداً في العالم. فقد اكتُشف هذا الكنيس اليهودي عام 1932 في مدينة دورا أوروبوس على الفرات، وهو محفوظ بشكل شبه كامل بجدرانه المزيّنة برسومات جدارية يبلغ ارتفاعها سبعة أمتار تصوّر مشاهد توراتية: موسى عند الأدغال المشتعلة، والنبي صموئيل يمسح الملك داود، وإبراهيم وربط إسحاق، ومردخاي يمتطي حصاناً يقوده هامان. ويُعدّ هذا الكنيس أقدم برنامج تصويري توراتي متّصل معروف في فضاء ديني يهودي، إذ يسبق الفنّ السردي المسيحي بنحو قرنين، ممّا يمنحه مكانةً محوريةً في تاريخ الثقافة البصرية الدينية العالمية. وقد أُعيد بناء نسخة طبق الأصل من الكنيس داخل المتحف لعرض هذه اللوحات الجدارية الاستثنائية. وقد أكّدت تقارير صحفية في سبتمبر 2025 أنّ هذه الرسومات نجت سليمةً من سنوات الحرب.
القسم الإسلامي: يعرض مجموعة غنية من الفنون الإسلامية تشمل خزفيات ومنسوجات ومخطوطات وأدوات معدنية تعود إلى مختلف العصور الإسلامية، من الأموية إلى العثمانية.
القسم الحديث: يضمّ أعمالاً فنية ووثائق من العصور الحديثة تُوثّق التحوّلات الثقافية والسياسية في سوريا.
مع اشتداد الأزمة السورية، أُغلق المتحف الوطني بدمشق أبوابه أمام الزوّار عام 2012 حمايةً لمقتنياته من أخطار القصف والنهب. وقد نفّذت المديرية العامة للآثار والمتاحف عملية إخلاء ضخمة، تمكّنت خلالها من نقل أكثر من 300.000 قطعة أثرية إلى مواقع سرّية مؤمّنة لم يُكشف عن مواقعها حتى اليوم. وقد جرت هذه العملية في ظروف بالغة الخطورة، حيث كان الموظفون يعملون تحت وابل القذائف.
في 29 أكتوبر 2018، أُعيد فتح أربعة من أصل خمسة أجنحة للمتحف في حفل رسمي حضره مسؤولون ودبلوماسيون، في خطوة اعتُبرت رمزاً لعودة الحياة الطبيعية إلى العاصمة. غير أنّ المتحف أُغلق مجدّداً في 7 ديسمبر 2024 أثناء الأحداث التي شهدتها دمشق، قبل أن يُعاد فتحه في 8 يناير 2025.
وفي نوفمبر 2025، تعرّض القسم الكلاسيكي للمتحف لعملية اقتحام أسفرت عن سرقة ستّ تماثيل رخامية رومانية، في حادثة أثارت قلقاً واسعاً بشأن الوضع الأمني للمؤسسات الثقافية في المرحلة الانتقالية.
في أعقاب التطوّرات الأخيرة، استأنفت منظمة اليونسكو عملياتها في سوريا بعد انقطاع دام ثماني سنوات، وأطلقت مبادرتها الأولى في المتحف الوطني بدمشق بميزانية أوّلية قدرها 175.000 دولار أمريكي. ويتضمّن المشروع مجموعة شاملة من الأنشطة تشمل: التخطيط للطوارئ، وترميم القطع الأثرية، ورقمنة التراث الوثائقي، وتنظيم ورش عمل تدريبية في مجالات الجرد والتصميم المتحفي والتربية التراثية.
يُعدّ المتحف الوطني في حلب ثاني أكبر المتاحف السورية وأحد أبرز معالم المدينة الثقافية. يتميّز بمدخله الشهير الذي يُشكّل نسخةً طبق الأصل عن واجهة القصر الملكي الآرامي للأمير كابارا في تل حلف (القرن التاسع قبل الميلاد). وقد اختِيرت بوّابة القصر مدخلاً للمتحف عند تأسيس المبنى الجديد عام 1966. يتألّف القسم المركزي من ثلاثة تماثيل ضخمة من البازلت: في الوسط تمثال إله العواصف والأمطار حدد (تشوب)، وعلى اليسار تمثال الإلهة عشتار إلهة الحبّ والخصوبة، وعلى اليمين تمثال ابنها شرم. ويمنح هذا المدخل الزائرَ شعوراً بالرهبة والانتقال الزمني إلى عالم الممالك الآرامية القديمة التي ازدهرت في شمال سوريا.
تتركّز مجموعات المتحف الوطني بحلب بشكل رئيسي على الحقبة السابقة للعصر اليوناني-الروماني (قبل 333 قبل الميلاد)، وهو ما يُميّزه عن المتحف الوطني بدمشق الذي يُغطّي نطاقاً زمنياً أوسع. وتضمّ المقتنيات قطعاً أثرية نادرة من مواقع تنقيب بارزة:
تعرّض المتحف الوطني بحلب لأضرار جسيمة خلال الحرب. ففي يوليو 2016، أُصيب المبنى بصواريخ وقذائف هاون ألحقت أضراراً بالسقف والهيكل الإنشائي. غير أنّ المديرية العامة للآثار والمتاحف (DGAM) كانت قد بادرت مسبقاً إلى إخلاء معظم المقتنيات ونقلها إلى مخازن آمنة، في عملية وُصفت بالبطولية نظراً للظروف الأمنية شديدة الخطورة التي جرت فيها.
وقد تلقّى المتحف ضربةً إضافيةً في فبراير 2023 حين ضرب زلزال مدمّر جنوب تركيا وشمال سوريا، ممّا ألحق أضراراً بتماثيل تل حلف عند المدخل وببعض القطع المعروضة داخل القاعات. وعلى الرغم من شدّة الزلزال، ظلّت تماثيل المدخل الثلاثة قائمةً وإن كانت بحاجة ماسّة إلى ترميم.
بالتنسيق بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والمديرية العامة للآثار والمتاحف، وبدعم مالي من اليابان، جرت بين عامَي 2017 و2019 أعمال ترميم واسعة شملت إزالة نحو 400 متر مكعب من الأنقاض، وترميم شبكات الكهرباء والمرافق الصحية، وإعادة تأهيل المدخل وقاعتَي ما قبل التاريخ وماري. وقد مثّلت إعادة فتح المتحف قصّة إنقاذ بطولية أثبتت أنّ الإرادة الثقافية يمكن أن تنتصر حتى في أحلك الظروف.
يقع متحف تدمر الأثري في قلب المدينة الحديثة، على مقربة من الأطلال الأثرية الشهيرة. أُسّس المتحف لعرض الكنوز الأثرية المكتشفة في مدينة تدمر القديمة وبقية واحة البادية السورية، وكان يحتوي على مجموعة استثنائية من التماثيل الجنائزية التدمرية والمنحوتات والفسيفساء والمنسوجات والحليّ التي تعكس الثراء الفني لحضارة تدمر في أوج ازدهارها خلال القرنين الأوّل والثالث الميلاديين.
في مايو 2015، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على مدينة تدمر في واحدة من أكثر لحظات الحرب السورية مأساويةً بالنسبة للتراث الإنساني. وبدأ التنظيم فوراً حملة تدمير ممنهجة استهدفت المعالم الأثرية: فهدم معبد بعلشمين في أغسطس 2015، ثمّ دمّر جزءاً كبيراً من معبد بل في 30 أغسطس 2015، وهو المعبد الذي كان يُعدّ من أهمّ المعابد في العالم القديم. كما فجّر قوس النصر الروماني وسبعة أبراج جنائزية في مقبرة وادي القبور.
قبل سقوط المدينة بأيام قليلة، أمر مأمون عبد الكريم، المدير العام للآثار والمتاحف، بالإخلاء الفوري لمقتنيات المتحف عندما علم باقتراب مقاتلي التنظيم. وبدأت عملية إنقاذ محفوفة بالمخاطر: إذ تحصّن موظفو المتحف داخل المبنى ولفّوا التماثيل بعناية وشحنوها في صناديق محكمة الإغلاق. وعندما رصد مقاتلو التنظيم الموظفين وهم ينقلون الصناديق إلى الشاحنات، فتحوا النار عليهم، فسقط ثلاثة من الموظفين مصابين، لكنّ زملاءهم جرّوهم إلى الشاحنات وانطلقوا بها بعيداً. وبفضل هذه البطولة، تمّ إنقاذ 95% من مقتنيات المتحف ونقلها إلى مواقع آمنة لم يُكشف عنها.
يظلّ اغتيال عالم الآثار السوري خالد الأسعد (1932-2015) من أكثر فصول مأساة تدمر إيلاماً. كان الأسعد رئيساً للآثار في مدينة تدمر لأكثر من أربعين عاماً، وكرّس حياته كاملةً لدراسة المدينة القديمة وحمايتها حتى لُقّب بـ«السيد تدمر». وقد ساهم في إخلاء متحف المدينة قبل سيطرة التنظيم، لكنّه رفض مغادرة تدمر.
قبض عليه مقاتلو داعش وعذّبوه لأسابيع في محاولة لانتزاع معلومات عن مواقع القطع الأثرية المخفيّة، لكنّه رفض الكشف عنها بإصرار. وفي 18 أغسطس 2015، أعدمه التنظيم علناً وعلّق جثّته على عمود أثري في المدينة القديمة. وقد أدانت المديرة العامة لليونسكو إيرينا بوكوفا هذا الاغتيال قائلةً: «قتلوه لأنّه لم يكن ليخون التزامه العميق بتدمر. هنا حيث كرّس حياته».
ومُنح الأسعد بعد وفاته اعترافاً دولياً واسعاً، وبات رمزاً عالمياً للتضحية في سبيل حماية التراث الإنساني، وألهم مبادرات دولية عديدة لحماية الآثار في مناطق النزاع.
على الرغم من إنقاذ الجزء الأكبر من المقتنيات، إلا أنّ بعض القطع التي لم يتسنّ نقلها — ومنها تماثيل رومانية ومجوهرات — وصلت إلى السوق السوداء الدولية. وقد كشفت غارة القوات الخاصة الأمريكية على مقرّ أبو سيّاف، رئيس «ديوان الركاز» (وزارة الموارد الطبيعية والمعادن) في التنظيم، عن صور لآثار مسروقة في هاتفه المحمول، ممّا أكّد ضلوع التنظيم المباشر في تجارة الآثار لتمويل عملياته.
يقع متحف حماة في قلب المدينة ويضمّ مجموعة قيّمة من القطع الأثرية المكتشفة في وادي العاصي والمنطقة المحيطة. تتنوّع مقتنياته بين لُقىً من العصور البرونزية وقطع من الحقبة الآرامية — إذ كانت حماة (المعروفة قديماً باسم حَماث) عاصمة مملكة آرامية مهمّة — فضلاً عن فسيفساء رومانية وبيزنطية وقطع من العصور الإسلامية. ويوفّر المتحف نافذةً على التاريخ الطويل لوسط سوريا والدور الحيوي الذي لعبه نهر العاصي في نشوء الحضارات.
تعرّض متحف الرقة لأضرار كارثية خلال سنوات الحرب. فمع خروج المدينة عن سيطرة القوات الحكومية السورية، بدأت فصائل المعارضة المسلّحة بنهب المتحف والاتّجار بمقتنياته خارج البلاد. ولاحقاً، تعرّض المبنى لضربات أثّرت في هيكله أثناء المعارك ضدّ تنظيم داعش الذي اتّخذ من الرقة «عاصمةً» له. وقد بدأت بعد التحرير جهود لترميم المتحف بمشاركة متطوّعين من أبناء المدينة، في محاولة لاستعادة جزء من الهوية الثقافية للرقة التي كانت عاصمة الخليفة هارون الرشيد.
يُعدّ متحف دير الزور من أهمّ متاحف شمال شرق سوريا، وهو متحف مكرّس لعلم الآثار وتاريخ منطقة الجزيرة السورية والفرات. تضمّ مجموعته نحو 25.000 قطعة أثرية، أبرزها الغالبية العظمى من الألواح الطينية المسمارية المكتشفة في مملكة ماري (تل الحريري)، والتي تُشكّل أرشيفاً ملكياً لا نظير له يُوثّق الحياة السياسية والاقتصادية والدينية في بلاد الرافدين خلال الألفية الثالثة والثانية قبل الميلاد.
تعرّض المتحف للقصف في يوليو 2012 وأُصيب بقذائف ورصاص، كما تضرّر متحف الفنون والتقاليد الشعبية في المدينة بشكل بالغ. غير أنّ المديرية العامة للآثار والمتاحف تمكّنت في أغسطس 2014 من نقل أكثر من 13.000 قطعة إلى دمشق في عملية إنقاذ محفوفة بالمخاطر، ممّا أنقذ جزءاً كبيراً من هذا الإرث الذي لا يُعوَّض.
يتميّز متحف طرطوس الوطني بموقعه الفريد داخل كاتدرائية سيدة طرطوس الصليبية، التي تُعدّ أفضل بناء ديني صليبي محفوظ في المنطقة. بُنيت الكاتدرائية في القرن الثاني عشر الميلادي فوق موقع كنيسة بيزنطية يُقال إنّ القدّيس بطرس أسّسها وكرّسها للعذراء مريم، وكانت مقصداً للحجّاج خلال الحروب الصليبية. وقد تحوّلت إلى مسجد في العهد المملوكي بعد سقوط طرطوس عام 1291، قبل أن تُحوَّل إلى متحف وطني عام 1956.
يعرض المتحف مجموعة متنوّعة تشمل توابيت حجرية فينيقية، وفسيفساء أرضية رومانية، وسيوفاً من العصور الوسطى، ومنحوتات فينيقية تصوّر آلهةً، وتماثيل رومانية لأباطرة، ودروعاً وأسلحة من عصر الفرنجة. ويتيح المبنى ذاته — بطرازه الرومانسكي المبكّر في الجزء الشرقي والقوطي المبكّر في الأجزاء اللاحقة — تجربة معمارية فريدة تُضاف إلى المقتنيات المعروضة.
يقع متحف اللاذقية الوطني في خان الدخانية العثماني، ويعرض مجموعة أثرية تتنوّع بين مكتشفات من أوغاريت (رأس شمرا) القريبة — حيث اكتُشفت أقدم أبجدية معروفة — وقطع فينيقية ويونانية ورومانية وبيزنطية تعكس تاريخ الساحل السوري الطويل كملتقى للحضارات البحرية.
يُعدّ متحف السويداء الوطني من أبرز متاحف جنوب سوريا، وقد افتُتح في عام 1990 في مبنى شُيّد من البازلت الأسود المحلّي بأسلوب يعكس المشهد البركاني لجبل العرب. يضمّ المتحف قاعات عرض وقاعات ترميم ومكتبة وحديقة أثرية مكشوفة.
تكمن أهمية المتحف الاستثنائية في احتوائه على فسيفساء شهبا (فيليبوبوليس) الرائعة، وهي لوحات فسيفسائية رومانية متأخّرة اكتُشفت في ثمانينيات القرن العشرين في مدينة شهبا التي كانت مسقط رأس الإمبراطور الروماني فيليب العربي (حكم 244-249 م)، والذي حوّلها إلى مستعمرة رومانية باسم فيليبوبوليس. وتتضمّن هذه الفسيفساء تحفاً فنية مثل «ميلاد فينوس» و«تيثيس إلهة البحر» و«إيروس وبسيخي» و«الفرقة الموسيقية»، وهي روائع تُبهر بجودتها الفنية وعمقها الأسطوري وتُعدّ من أجمل الفسيفساء الكلاسيكية في سوريا. كما يضمّ المتحف تماثيل نبطية ورومانية منحوتة من البازلت.
يقع متحف بصرى الشام داخل المسرح الروماني الشهير، الذي يُعدّ أكبر مسرح روماني وأفضلها حفظاً في الشرق الأوسط بأكمله، بسعة تقارب 17.000 متفرّج وقطر يبلغ 102 متراً. يعرض المتحف المجموعة الأثرية للمدينة النبطية-الرومانية «بصرى تراجانا»، بما فيها قطع من العصور النبطية والرومانية والبيزنطية والإسلامية. وتتمتّع بصرى بمكانة خاصة بوصفها مدينة مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1980.
يُقيم متحف الخط العربي في المدرسة الجقمقية التاريخية التي بُنيت بين عامَي 1418 و1420 للأمير جقمق الأرغونشاوي، والي دمشق آنذاك، وتقع مقابل المدخل الشمالي للجامع الأموي الكبير. يتميّز المبنى بزخرفته الخارجية بتقنية الأبلق (تناوب صفوف الحجر الأسود والأبيض)، وهي سمة معمارية دمشقية بارزة.
يعرض المتحف مجموعات من النقوش الحجرية التاريخية والمخطوطات بأنماط خطّية متنوّعة تشمل النسخ والفارسي والرقعة والديواني والثلث، ويُوثّق تطوّر فنّ الخط العربي عبر القرون في سوريا وبلاد الشام، من العصر الأموي إلى العصر العثماني.
يُعدّ قصر العظم في دمشق القديمة واحداً من أجمل نماذج العمارة العثمانية في بلاد الشام. بُني عام 1749 ليكون مقرّ إقامة خاصاً لأسعد باشا العظم، والي دمشق. وبعد أن اشترته الحكومة السورية عام 1951 مقابل 100.000 ليرة سورية (نحو 30.000 دولار)، حُوِّل إلى «متحف الفنون والتقاليد الشعبية» الذي يعرض جوانب متعدّدة من التراث الثقافي السوري التقليدي.
تضمّ مقتنيات المتحف أزياء سورية تقليدية — أعاد إنتاج كثير منها الفنان التشكيلي زياد زكّاري — وحليّاً وأسلحة وعملات معدنية. وقد أُعيد تأثيث بعض الغرف لتُحاكي بيئات حياتية تقليدية: جناح العروس، والكتّاب (المدرسة القرآنية)، والحمّام العمومي، ممّا يُتيح للزائر تجربة حيّة لأنماط المعيشة والتعلّم والاحتفال في دمشق القديمة. وقد حاز القصر جائزة الآغا خان للعمارة عام 1983 تقديراً لعمليات ترميمه.
يُعدّ خان أسعد باشا أكبر خان تجاري في المدينة القديمة في دمشق، إذ تمتدّ مساحته على 2.500 متر مربع. بُني بين عامَي 1751 و1752 بأمر من الوالي أسعد باشا العظم — الذي بنى القصر أيضاً — ويتميّز بقبابه الحجرية المهيبة ومخططه الهندسي الرائع. يُستخدم اليوم كمركز ثقافي يستضيف معارض فنية وفعاليات ثقافية وندوات ومؤتمرات، إضافةً إلى برامج تعليمية في الحرف التقليدية وفنّ الطهي وفنّ الخط العربي.
يقع المتحف الحربي في مبنى تاريخي بالقرب من التكية السليمانية، ويعرض مقتنيات عسكرية تتنوّع بين أسلحة وذخائر وأزياء عسكرية من مختلف العصور التي مرّت على سوريا. ويُوثّق المتحف التاريخ العسكري السوري من العصور القديمة إلى العصر الحديث، بما في ذلك حقبتا الانتداب الفرنسي والاستقلال.
يُسلّط هذا المتحف الضوء على إسهامات سوريا وبلاد الشام في تاريخ الطب والعلوم، من الطب الإغريقي والروماني مروراً بالطب العربي الإسلامي في العصر الذهبي — حين برز أطباء مثل ابن النفيس الدمشقي مكتشف الدورة الدموية الصغرى — وصولاً إلى العصر الحديث.
يُعدّ البروفيسور مأمون عبد الكريم، الذي شغل منصب المدير العام للآثار والمتاحف في سوريا (DGAM) من عام 2012 إلى عام 2017، أحد أبرز الشخصيات التي برزت في مجال حماية التراث أثناء النزاعات المسلّحة. استلهم عبد الكريم خطّة عمله من كارثة نهب متحف بغداد إثر الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وعزم على تفادي تكرار تلك المأساة في سوريا.
قاد عبد الكريم فريقاً مؤلّفاً من 2.500 موظف في المديرية العامة لتنفيذ عملية إخلاء ضخمة شملت جميع المتاحف السورية. وقد تمّ نقل مئات الآلاف من القطع الأثرية إلى ملاجئ سرّية مؤمّنة في مواقع لم يُفصح عنها. وأعلن عبد الكريم لاحقاً أنّ المديرية نجحت في إنقاذ «99 بالمئة» من مجموعات المتاحف الوطنية.
في تدمر تحديداً، كان عبد الكريم هو من أصدر أمر الإخلاء الفوري عندما عَلِم باقتراب مقاتلي داعش في مايو 2015. وقد صرّح لاحقاً قائلاً: «تمكّنا من إنقاذ 95% من مقتنيات المتحف». ومُنح عبد الكريم جائزة اليونسكو الأولى لإنقاذ التراث الثقافي عام 2014، حيث أشادت به المديرة العامة إيرينا بوكوفا واصفةً إياه بأنّه «بطل التراث»، وأثنت على «التزامه الراسخ وعناده الاستثنائي ومساهمته البارزة في حماية التراث الثقافي في سوريا منذ عام 2012».
أدّت المديرية العامة للآثار والمتاحف دوراً محورياً في إدارة أزمة التراث خلال الحرب، رغم الموارد المحدودة والمخاطر الجسيمة. وتمثّلت جهودها في:
استنفرت الأزمة السورية المجتمع الدولي لحماية التراث على عدّة مستويات:
شكّل النهب الممنهج للآثار السورية واحدةً من أكبر كوارث التراث الثقافي في القرن الحادي والعشرين. فقد تعرّض أكثر من 900 معلم ومنطقة أثرية سورية للنهب أو التدمير أو الأضرار بين عامَي 2011 و2015. وبلغ النهب ذروته في الفترة بين 2013 و2014 في مواقع مثل أفاميا وماري ودورا أوروبوس، حيث رُصد في ماري وحدها أكثر من 1.500 حفرة نبش غير مشروعة بين عامَي 2013 و2015 عبر صور الأقمار الاصطناعية، وكان كلّ متر مربع في بعض هذه المواقع قد تعرّض للتنقيب العشوائي.
تطوّرت شبكات تهريب الآثار لتستخدم المنصّات الرقمية. ففي عام 2019، رُصدت 95 مجموعة على موقع فيسبوك تتاجر بالآثار السورية. ويواجه المحقّقون شبكات تهريب متجذّرة عملت لأكثر من عقد على نقل الإرث الثقافي السوري إلى أسواق سوداء حول العالم.
استخدم تنظيم الدولة الإسلامية تجارة الآثار كمصدر تمويل رئيسي. وقد أنشأ التنظيم «ديوان الركاز» (وزارة الموارد الطبيعية والمعادن بما فيها قسم الآثار) لإدارة هذه التجارة بشكل ممنهج. وفرض التنظيم ضريبة «الخُمس» (20%) على عمليات التنقيب غير المشروعة في المناطق الخاضعة لسيطرته، ممّا حوّل النهب إلى صناعة منظّمة.
ظهرت ظاهرة لافتة في سوق الآثار السوداء، إذ قدّر المدير العام للآثار والمتاحف في عام 2015 أنّ نحو 80% من القطع المصادرة داخلياً كانت مزوّرة، مقارنةً بنحو 30% في بداية النزاع. وبرزت تجارة المخطوطات اليهودية-المسيحية المزوّرة عبر تركيا بشكل خاصّ.
شهدت الفترة التالية لأحداث ديسمبر 2024 موجةً غير مسبوقة من تهريب الآثار. إذ وقع ما يقارب ثلث الحالات الـ1.500 المسجّلة منذ عام 2012 بعد ديسمبر 2024 وحده، فيما وصفها أحد الباحثين بأنّها «أكبر موجة تهريب آثار شهدتُها من أيّ بلد على الإطلاق». وهذا يعكس الفراغ الأمني الذي رافق المرحلة الانتقالية وحجم التحدّيات التي تواجه حماية التراث في ظلّ غياب سلطة مركزية فاعلة.
يُعدّ مشروع «نيو بالميرا» منصّة مجتمعية رقمية ومستودعاً للبيانات مكرّساً لالتقاط وحفظ ومشاركة وإعادة استخدام البيانات المتعلّقة بمدينة تدمر القديمة. أسّسه باسل خرطبيل، قائد مبادرة المشاع الإبداعي (Creative Commons) في سوريا، الذي بدأ بالنمذجة ثلاثية الأبعاد لآثار تدمر المهدّدة منذ عام 2005. وقد اعتُقل خرطبيل لاحقاً وأُعدم، لكنّ مشروعه استمرّ بعد وفاته وتحوّل إلى منصّة مفتوحة المصدر تُتيح للباحثين والفنانين في أنحاء العالم المساهمة في إعادة بناء تدمر رقمياً.
يُشكّل «المتحف الافتراضي لسوريا» (virtual-museum-syria.org) مشروعاً رائداً أطلقته «مبادرة ميراث للتراث الثقافي»، ويهدف إلى الحفاظ الرقمي على مقتنيات المتاحف السورية وعرضها افتراضياً. ويُتيح المشروع للزوّار من جميع أنحاء العالم استكشاف مجموعات المتحف الوطني بدمشق ومتحف حلب ومتحف تدمر ومتحف السويداء وغيرها عبر الإنترنت، مع معلومات تفصيلية عن كلّ قطعة أثرية.
تُوظّف مؤسسات متعدّدة تقنيات متقدّمة لحفظ التراث رقمياً. فمنظمة «سايآرك» (CyArk) المتخصّصة في المسح والحفظ الرقمي ثلاثي الأبعاد تعمل بالتعاون مع المجلس الدولي للمعالم والمواقع (ICOMOS) على مسح المواقع التراثية باستخدام تقنيات المسح بالليزر ثلاثي الأبعاد والتصوير الفوتوغرامتري والمسح التقليدي.
ظهرت مبادرات عديدة لإعادة بناء المعالم المدمّرة رقمياً، منها مشاريع «إحياء تدمر» (Revive Palmyra) و«أشباح تدمر» (Ghost of Palmyra) و«تدمر الافتراضية» (The Virtual Palmyra)، وجميعها تستخدم الرسوم الحاسوبية ثلاثية الأبعاد والواقع الافتراضي لتعويض الخسارة الجماعية لهذا التراث. وقد نجح مختبر الوسائط الرقمية في مكتبة جامعة كاليفورنيا سان دييغو عام 2020 في إعادة بناء معبد بل — الذي دمّره داعش عام 2015 — رقمياً باستخدام طرائق ثلاثية الأبعاد متقدّمة والذكاء الاصطناعي.
كما أنتجت شبكة ZDF الألمانية بالتعاون مع مؤسسة التراث الثقافي البروسي مشروع إعادة بناء رقمياً شاملاً للمدينة القديمة باستخدام تقنية الواقع الافتراضي التفاعلي بزاوية 360 درجة.
تفتح هذه التقنيات آفاقاً جديدة لحماية التراث الإنساني، إذ تُتيح إنشاء نسخ رقمية عالية الدقّة للقطع الأثرية والمواقع المعمارية قبل تعرّضها للتدمير أو التلف. غير أنّ الحفظ الرقمي يبقى مكمّلاً للحفظ المادّي لا بديلاً عنه، إذ لا يمكن لأيّ نموذج رقمي أن يحلّ محلّ الأصل الأثري بقيمته المادية والروحية والتاريخية.