الثورة السورية الكبرى (1925-1927) هي أوسع حركة مسلحة شهدتها سوريا في عهد الانتداب الفرنسي، وأول ثورة وطنية جامعة تجاوزت الحدود الطائفية والمناطقية لتوحّد السوريين — دروزاً ومسلمين ومسيحيين — في مواجهة الاحتلال. اندلعت شرارتها في جبل الدروز (جبل العرب) في تموز 1925 بقيادة سلطان باشا الأطرش، ثم امتدت إلى دمشق وغوطتها وحمص وحماة وجبل الزاوية ومناطق واسعة من البلاد، وشكّلت منعطفاً حاسماً في تاريخ الحركة الوطنية السورية ونضالها من أجل الاستقلال.
بعد سقوط المملكة العربية السورية إثر معركة ميسلون في 24 تموز/يوليو 1920 وهزيمة الجيش العربي بقيادة يوسف العظمة، فرضت فرنسا انتدابها على سوريا ولبنان بموجب قرارات مؤتمر سان ريمو (نيسان 1920) وصكّ عصبة الأمم (أيلول 1923). اعتمد الفرنسيون سياسة «فرّق تسُد» فقسّموا البلاد إلى كيانات متعددة:
هدف هذا التقسيم إلى إضعاف الحركة الوطنية السورية ومنع قيام دولة مركزية موحدة، وإذكاء النعرات الطائفية والمناطقية بين مكونات المجتمع السوري. وكان الجنرال هنري غورو، المندوب السامي الأول، قد صرّح بأن «سوريا يجب ألاّ تكون وحدة سياسية واحدة أبداً».
أُنشئت «دولة جبل الدروز» عام 1921 ومركزها السويداء، ومُنحت حكماً ذاتياً شكلياً تحت إشراف حاكم فرنسي. في البداية، تعامل الدروز بحذر مع الفرنسيين، إذ تمتعوا بقدر من الاستقلالية في إدارة شؤونهم الداخلية. غير أن الأمور تغيّرت جذرياً مع تعيين الكابتن غابرييل كاربييه (Carbillet) حاكماً على جبل الدروز عام 1923.
اتّبع كاربييه سياسة تحديثية استبدادية تجاهل فيها كلياً العادات والتقاليد المحلية والبنية الاجتماعية الدرزية القائمة على زعامة المشايخ والعائلات الكبيرة، وبخاصة عائلة الأطرش. من أبرز إجراءاته:
في حزيران/يونيو 1925، توجّه وفد من وجهاء جبل الدروز إلى بيروت لمقابلة المندوب السامي الجنرال موريس ساراي (Sarrail) وتقديم شكاواهم ضد كاربييه. لكن ساراي لم يكتفِ برفض مطالبهم، بل أمر باعتقال ثلاثة من أعضاء الوفد — وهم الأمير عادل أرسلان والأمير نسيب الأطرش وحمد صفا الأطرش — واحتجازهم في قلعة تدمر، ما أشعل فتيل الغضب في جبل الدروز.
سلطان باشا الأطرش (1891-1982) هو الشخصية المحورية في الثورة السورية الكبرى. يُعدّ أبرز قادة الحركة الوطنية السورية في مرحلة الانتداب وأحد أيقونات النضال العربي ضد الاستعمار. وُلد في قرية القريّا بجبل الدروز لعائلة الأطرش ذات الزعامة التاريخية في المنطقة. شارك والده ذوقان الأطرش في مقاومة العثمانيين وأُعدم شنقاً عام 1911 بأمر جمال باشا. كما ناصر سلطان الثورة العربية الكبرى وقاتل مع الأمير فيصل.
في 11 تموز/يوليو 1925، أصدر سلطان باشا نداءً تاريخياً أعلن فيه الثورة ضد الانتداب الفرنسي، جاء فيه:
«إلى السلاح! إلى السلاح! نثور من أجل حريتنا واستقلالنا… الثورة للدين والوطن والشرف… نحن لا نقاتل إلاّ الاستعمار والاحتلال… الدين لله والوطن للجميع»
هذا النداء — الذي يُعدّ من أهم الوثائق في تاريخ الحركة الوطنية السورية — تميّز ببُعده الوطني الجامع ورفضه الصريح للطائفية، ودعوته الموجّهة إلى جميع السوريين بصرف النظر عن دينهم أو مذهبهم.
طبيب وسياسي دمشقي، مؤسس «حزب الشعب» عام 1925، أول حزب قومي وطني في عهد الانتداب. كان قد نظّم «جمعية اليد الحديدية» (1921) لمقاومة الفرنسيين. لعب دوراً محورياً في نقل الثورة من جبل الدروز إلى دمشق وتنسيق العمل بين القيادة العسكرية الدرزية والحركة الوطنية في المدن. انتقل إلى جبل الدروز حيث شكّل مع سلطان الأطرش حكومة وطنية مؤقتة في أواخر آب 1925، تولّى فيها سلطان الأطرش الرئاسة والشهبندر نيابة الرئاسة.
قائد شعبي من حي الشاغور في دمشق، قاد الانتفاضة المسلحة في العاصمة في تشرين الأول 1925. كان من أصول تركمانية، واشتُهر بشجاعته وتأثيره في الأحياء الشعبية. قاد نحو 400 مقاتل في هجوم جريء على المواقع الفرنسية في قلب دمشق. استُشهد في المعارك خلال شهر تشرين الثاني 1925 وأصبح رمزاً للمقاومة الشعبية الدمشقية.
ضابط سوري خدم في الجيش العثماني ثم العربي. قاد العمليات العسكرية في منطقة حماة وسهل الغاب وجبل الزاوية. اشتُهر بجرأته العسكرية وبراعته في حرب العصابات. لعب لاحقاً دوراً بارزاً في ثورة فلسطين (1936-1939) وحرب 1948.
من أعيان دمشق وزعماء حي الشاغور، لعب دوراً تنظيمياً مهماً في تنسيق الثورة داخل دمشق وربط الثوار في المدينة بالقيادة في جبل الدروز.
بدأت العمليات العسكرية بكمين نصبه الثوار لرتل فرنسي قرب قرية الكفر في جبل الدروز. نجح المقاتلون الدروز — رغم تفوّق العدو في العدة والعتاد — في تدمير الرتل وأسر عدد من الجنود الفرنسيين. شكّلت هذه المعركة أول انتصار عسكري للثورة ورفعت معنويات المقاتلين.
تُعدّ أهم معارك الثورة وأكثرها حسماً. أرسلت فرنسا رتلاً عسكرياً كبيراً بقيادة الجنرال ميشو (Michaud) مؤلفاً من نحو 3,000 جندي مع مدفعية ثقيلة ودبابات وطائرات لإخضاع جبل الدروز. تصدّى الثوار — وعددهم لا يتجاوز بضع مئات — لهذه القوة بشجاعة استثنائية في سهل المزرعة جنوب السويداء.
انتهت المعركة بهزيمة فرنسية ساحقة: قُتل الجنرال ميشو نفسه في المعركة، وتكبّد الفرنسيون خسائر بشرية كبيرة تجاوزت 800 قتيل وجريح، وغنم الثوار كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة والمدفعية. كان لهذا النصر أثر هائل في تشجيع مناطق أخرى على الانضمام إلى الثورة.
حقّق الثوار انتصاراً آخر على قوة فرنسية في بلدة المسيفرة شرق السويداء، استولوا خلالها على مقر الحامية الفرنسية وغنموا أسلحة إضافية.
في مطلع تشرين الأول، كان الفرنسيون قد استعرضوا جثث نحو عشرين ثائراً في شوارع دمشق لإرهاب السكان، لكن ذلك جاء بنتيجة عكسية وأجّج الغضب الشعبي. في 18 تشرين الأول، اقتحم حسن الخراط على رأس نحو 400 مقاتل مسلح أحياء دمشق القديمة، متقدماً من حي الشاغور عبر سوق البزورية باتجاه قصر العظم حيث مقرّ الحاكم الفرنسي. اندلعت معارك ضارية في أزقة المدينة القديمة.
ردّ الفرنسيون على انتفاضة دمشق بعنف وحشي غير مسبوق. فتحت المدفعية الثقيلة والطائرات الحربية نيرانها على أحياء المدينة القديمة — الشاغور والميدان وباب السريجة والعمارة والحريقة والجزماتية — على مدى يومين متواصلين. أسفر القصف عن:
أثار قصف دمشق موجة استنكار دولية واسعة. تلقّت لجنة الانتدابات الدائمة في عصبة الأمم عرائض وبرقيات احتجاج من شتّى أنحاء العالم — من ريو دي جانيرو وبرلين وديترويت ولاهور وغيرها. كتب الشاعر المصري أحمد شوقي قصيدة شهيرة عن قصف دمشق جاء فيها:
سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرقُّ … وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ
غير أن الجلسة الاستثنائية للجنة الانتدابات الدائمة التي عُقدت في روما (شباط-آذار 1926) خلصت إلى أنه «لا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن قمع الثورة جرى بأساليب غير اعتيادية»، في موقف اعتُبر انحيازاً صريحاً لفرنسا.
لم تقتصر الثورة على دمشق وجبل الدروز، بل امتدت إلى مناطق واسعة:
قاد فوزي القاوقجي عمليات عسكرية في ريف حماة وسهل الغاب وجبل الزاوية، حيث شنّ هجمات على القوافل والمعسكرات الفرنسية واستقطب مقاتلين من عشائر المنطقة.
تحوّلت الغوطة — بساتين دمشق الشرقية والغربية — إلى ميدان حرب عصابات مستمرة. استخدم الثوار كثافة الأشجار والبساتين غطاءً طبيعياً لشنّ هجمات على القوات الفرنسية والانسحاب بسرعة.
انضمت عشائر حوران إلى الثورة، وامتدت العمليات إلى المنطقة الممتدة بين درعا وجبل الدروز، مما أربك خطوط الإمداد الفرنسية.
تجاوزت الثورة الحدود السورية لتمتد إلى سهل البقاع اللبناني، حيث هاجم الثوار مواقع فرنسية في راشيا وحاصبيا.
في أيار/مايو 1926، أعاد الفرنسيون قصف دمشق للمرة الثانية بعد تجدد العمليات في غوطة دمشق. هذه المرة كان القصف أشدّ وأعنف، واستهدف أحياء الميدان والشاغور مرة أخرى. أسفر القصف الثاني عن دمار إضافي واسع وسقوط المزيد من الضحايا المدنيين.
في محاولة لإضفاء طابع مؤسسي على الثورة، شُكّلت في أواخر آب 1925 حكومة وطنية سورية مؤقتة في جبل الدروز ضمّت:
| المنصب | الشخصية |
|---|---|
| رئيس الحكومة | سلطان باشا الأطرش |
| نائب الرئيس | عبد الرحمن الشهبندر |
| أعضاء | ممثلون عن مختلف المناطق والطوائف |
أصدرت الحكومة بيانات سياسية طالبت فيها بـ:
شكّلت هذه الحكومة سابقة مهمة في تاريخ الحركة الوطنية السورية من حيث تجاوز الانتماءات الطائفية والمناطقية.
واجه الفرنسيون الثورة بتعبئة عسكرية ضخمة. تشير المصادر إلى أن فرنسا حشدت ما بين 50,000 و100,000 جندي في سوريا ولبنان لإخماد الثورة، بما في ذلك قوات من المستعمرات الأفريقية (السنغال ومدغشقر والمغرب) وفرق من الفيلق الأجنبي. استُخدمت الطائرات الحربية والدبابات والمدفعية الثقيلة بكثافة.
في تشرين الثاني 1925، اضطرت الحكومة الفرنسية — تحت ضغط الانتقادات الداخلية والدولية — إلى استبدال المندوب السامي ساراي بالدبلوماسي هنري دي جوفنيل (de Jouvenel)، الذي اتّبع نهجاً يجمع بين القمع العسكري والاحتواء السياسي.
لجأ الفرنسيون إلى أساليب وحشية لقمع الثورة:
بحلول أواخر عام 1926، بدأت الثورة تتراجع عسكرياً لعدة أسباب:
في ربيع 1927، أُعلنت نهاية العمليات العسكرية الكبرى. لجأ سلطان باشا الأطرش ورفاقه إلى شرقي الأردن (الإمارة الأردنية) ومنها إلى الحجاز. أصدرت المحاكم العسكرية الفرنسية أحكاماً بالإعدام غيابياً على عدد من قادة الثورة. لم يعد سلطان الأطرش إلى سوريا إلاّ بعد العفو العام عام 1937، حيث استُقبل استقبال الأبطال.
ما ميّز الثورة السورية الكبرى عن غيرها من الانتفاضات هو طابعها الوطني الجامع. فرغم انطلاقها من جبل الدروز بقيادة درزية، سارع إليها مقاتلون من مختلف الخلفيات:
نداء سلطان الأطرش «الدين لله والوطن للجميع» أصبح شعاراً وطنياً سورياً خالداً يُردّد إلى اليوم.
رافقت الثورة حركة تنظيمية سياسية مهمة تمثلت في:
رغم إخفاق الثورة عسكرياً في تحقيق الاستقلال الفوري، إلا أنها حقّقت نتائج سياسية بعيدة المدى:
لا تتوفر إحصاءات دقيقة وموثّقة بشكل كامل، لكن التقديرات تشير إلى:
أسّست الثورة لعدة تحولات في الحركة الوطنية:
تحتلّ الثورة السورية الكبرى مكانة مركزية في الوجدان الوطني السوري:
ألهمت الثورة السورية الكبرى حركات تحرر عربية لاحقة، وأثبتت أن الشعوب المستعمَرة قادرة على تحدّي أعتى القوى الاستعمارية. كما شكّلت سابقة في النقاش الدولي حول شرعية الانتداب والمسؤولية الأخلاقية لعصبة الأمم تجاه الشعوب الخاضعة للانتداب.
لم تكن الثورة السورية الكبرى حدثاً معزولاً، بل جاءت في سياق حركات مقاومة متعددة في المشرق العربي:
شكّلت هذه الحركات مجتمعةً موجة مقاومة شعبية عارمة ضد الاستعمار الأوروبي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.