منبج (بالإنجليزية: Manbij) مدينة سورية تاريخية تقع في الجزء الشمالي الشرقي من محافظة حلب، على بُعد نحو ثمانين كيلومتراً من مدينة حلب وثلاثين كيلومتراً غرب نهر الفرات. عُرفت في العصور القديمة باسم «هيرابوليس بامبيكي» (Hierapolis Bambyce)، وكانت من أعظم المراكز الدينية في العالم القديم بفضل معبدها الشهير المكرّس للإلهة أترغاتيس (الإلهة السورية). تمتدّ جذورها في التاريخ إلى الألفية الأولى قبل الميلاد، وشهدت عبر العصور حضارات متعاقبة من السلوقيين والرومان والبيزنطيين والعرب المسلمين والزنكيين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين، وصولاً إلى العصر الحديث حيث باتت إحدى أكثر المدن تأثراً بالنزاع السوري المسلّح منذ عام 2011.
تقع منبج عند الإحداثيات الجغرافية 36 درجة و31 دقيقة شمالاً، و37 درجة و57 دقيقة شرقاً، على ارتفاع يبلغ نحو 470 متراً فوق مستوى سطح البحر. تتوسّط المدينة سهل منبج الفسيح، وهو سهل زراعي خصب يمتدّ على طول الضفة الغربية لنهر الفرات بطول يقارب 140 كيلومتراً من نيزيب شمالاً إلى المسكنة جنوباً، بعرض وسطي يتراوح بين 15 و30 كيلومتراً. يمنح هذا الموقع الاستراتيجي المدينةَ أهمية زراعية واقتصادية بالغة، إذ تستفيد من مياه نهر الفرات ورافده نهر الساجور، الذي يُعدّ الرافد الوحيد للفرات على ضفته اليمنى داخل الأراضي السورية. ينبع نهر الساجور من منطقة غازي عنتاب التركية ويصبّ في بحيرة سدّ تشرين على الفرات، ويفصل بمجراه بين منبج ومدينة جرابلس إلى الشمال.
يُصنَّف مناخ منبج ضمن المناخ شبه الجاف، حيث تتّسم الصيوف بالحرارة والجفاف الشديدين، بينما تكون الشتاءات معتدلة البرودة مع هطول مطري كافٍ لدعم الزراعة البعلية. ساهمت خصوبة التربة ووفرة المياه في جعل المنطقة مستقرّاً بشرياً متواصلاً منذ أقدم العصور، حيث ازدهرت زراعة الحبوب والقطن والزيتون على مرّ التاريخ.
تتبع منبج إدارياً لمحافظة حلب، وهي مركز منطقة منبج التي تضمّ عدداً من النواحي والقرى المحيطة. وقد شكّل موقعها على مفترق الطرق بين حلب والجزيرة السورية وبين تركيا والرقة عاملاً حاسماً في تاريخها العسكري والتجاري عبر مختلف الحقب.
يعود أقدم ذكر معروف للمدينة في المصادر اليونانية تحت اسم «بامبيكي» (Bambyce)، غير أنّ اسمها السامي الأصلي كان على الأرجح «مابوغ» (Mabog)، وهو ما أشار إليه بلينيوس الأكبر في «التاريخ الطبيعي». ومع تعاظم شهرة معبدها الديني، أطلق عليها الإغريق اسم «هيروبوليس» أي «مدينة المقدس»، ثم تطوّر الاسم إلى «هيرابوليس» أي «المدينة المقدّسة». كانت المدينة في الأصل جزءاً من مملكة كوماجيني قبل أن يضمّها السلوقيون إلى دولتهم.
ارتبط اسم هيرابوليس ارتباطاً وثيقاً بمعبد الإلهة أترغاتيس (Atargatis)، المعروفة عند الإغريق بـ«الإلهة السورية» (Dea Syria). كانت أترغاتيس إلهة الخصب والمياه عند الشعوب السامية القديمة، وشكّل معبدها في هيرابوليس مركز عبادتها الرئيس، يستقطب الحجّاج من أرجاء العالم القديم. يصفها الباحثون بأنها شكل متطوّر من الإلهة عشتار أو عشتروت.
يُعدّ الكاتب اليوناني لوقيانوس السميساطي (Lucian of Samosata)، الذي عاش في القرن الثاني الميلادي، المصدر الأدبي الأبرز عن المعبد من خلال مؤلَّفه «في الإلهة السورية» (De Dea Syria). كتب لوقيانوس بأسلوب يحاكي هيرودوتس، مستخدماً لهجته الأيونية القديمة التي كان قد مضى على استخدامها أكثر من خمسة قرون. وصف لوقيانوس المعبد بأنه يحوي «تحفاً فنية رائعة وقرابين جليلة ومشاهد نادرة وتماثيل مؤثّرة»، مؤكداً أنّ «الآلهة تُظهر حضورها بوضوح فيه».
وصف لوقيانوس تمثال الإلهة بأنها جالسة بين أسدين، «في يدها صولجان وفي الأخرى مغزل، وعلى رأسها أشعة وتاج جداري». وأشار إلى طقوس معقّدة تشمل مواكب دينية كبرى، واحتفالات سنوية يُغمر فيها تمثال الإلهة في البحيرة المجاورة، فضلاً عن ممارسات كهنوتية تتضمّن التضحية الذاتية والتطهير الطقسي. كما ذكر تماثيل ضخمة ذات طابع رمزي وكهنة يرتدون أزياء خاصة.
جعل السلوقيون من هيرابوليس المحطة الرئيسية على طريقهم التجاري الكبير بين أنطاكية وسلوقية على دجلة. بفضل موقعها المركزي، تحوّلت المدينة إلى «إمبوريوم» (سوق تجاري كبير) يربط شرق البحر المتوسط ببلاد ما بين النهرين. بدأ سكّ النقود في المدينة منذ القرن الرابع قبل الميلاد، حيث حملت العملات صور كهنة مابوغ وأسماءهم بالخط الآرامي، ثم سُكّت عملات باسم الحاكم الفارسي مازدائي (مازايوس) وحتى باسم الإسكندر الأكبر. زُيِّنت هذه العملات بصور الإلهَين الراعيَين للمدينة: أترغاتيس وحدد.
في العصر الروماني، واصلت هيرابوليس ازدهارها بوصفها مركزاً دينياً وتجارياً من الطراز الأول. أصبحت في القرن الثالث الميلادي عاصمة ولاية الفراتية (Euphratensis)، وإحدى المدن الكبرى في سوريا الرومانية. استمرّ سكّ العملات بأنماط تحاكي عملات أنطاكية، وتراوحت بين العملات السلوقية والمستقلة والإمبراطورية، من عهد تراجان إلى عهد فيليب العربي. شكّلت المدينة أيضاً جزءاً من خط الدفاع الروماني المعروف بـ«ليمس خالكيس» (Limes of Chalcis) في وجه التهديدات الشرقية.
في المرحلة البيزنطية المبكرة، تحوّلت هيرابوليس إلى حصن متقدّم في مواجهة الساسانيين. أصبحت مقرّاً أسقفياً مسيحياً ومدينة محصّنة ذات أهمية عسكرية. غير أنّ الإمبراطور الساساني كسرى الأول أنوشروان نجح في محاصرتها وإرغامها على دفع فدية ضخمة عام 540 ميلادياً، بعد أن أخفق الإمبراطور البيزنطي يوستنيانوس الأول في الدفاع عنها. وقد أدّى هذا السقوط إلى تراجع مكانة المدينة جزئياً، وإن ظلّت مركزاً حضرياً مهمّاً حتى الفتح الإسلامي.
لا تزال بقايا السور الجنوبي الذي كان يحيط بمعبد أترغاتيس قائمة حتى اليوم، شاهدةً على عظمة المدينة القديمة.
فُتحت منبج على يد الجيوش العربية الإسلامية في سياق الفتوحات الكبرى لبلاد الشام، في الفترة بين عامَي 636 و637 ميلادياً (15-16 هجرياً)، في أعقاب معركة اليرموك الحاسمة التي أنهت السيطرة البيزنطية على سوريا. سقطت المدينة ضمن الموجة التي شملت سقوط دمشق وبعلبك وحمص وحماة في يد المسلمين. وبحكم موقعها على الحدود الشمالية للشام، اكتسبت منبج أهمية عسكرية فورية بوصفها نقطة ارتكاز في مواجهة البيزنطيين.
بلغت منبج ذروة أهميتها الاستراتيجية في العصر العباسي، حين أعاد الخليفة هارون الرشيد (حكم 786-809 م) بناءها وتحصينها، وجعلها عاصمة لمنطقة «العواصم» الدفاعية. كانت العواصم (ومعناها التحصينات أو الملاجئ) هي المصطلح العربي للمنطقة الحدودية بين الخلافة الإسلامية والإمبراطورية البيزنطية، وتمتدّ عبر كيليكيا وشمال سوريا والجزيرة الفراتية العليا.
أنشأ هارون الرشيد عام 786 ميلادياً جنداً مستقلاً للعواصم، يشمل المنطقة بأسرها من الحدود البيزنطية شمالاً وغرباً إلى الفرات شرقاً، وخطّاً يمتدّ جنوب أنطاكية وحلب ومنبج. وقد عُيِّنت منبج – ثم أنطاكية لاحقاً – عاصمةً لهذه الولاية الجديدة. وأوكل الرشيد إلى ابنه القاسم قيادة الثغور والعواصم، فاتّخذ مقرّه في منبج. وكان الرشيد معروفاً بتناوبه بين قيادة الحجّ وقيادة الحملات العسكرية في الأناضول، بما في ذلك أضخم حملة عباسية عام 806 ميلادياً.
شكّلت العواصم خطّاً دفاعياً ثانياً خلف الثغور (المنطقة الحدودية الأمامية)، وظلّ هذا النظام قائماً من أوائل القرن الثامن الميلادي حتى منتصف القرن العاشر، حين اجتاحه التقدّم البيزنطي في عهد نقفور فوقاس ويوحنا تزيمسكيس.
ذكر الجغرافيون والمؤرّخون العرب منبج في مؤلَّفاتهم بوصفها مدينة مهمة في شمال الشام. أورد ياقوت الحموي (ت. 626 هـ / 1229 م) المدينة في موسوعته الشهيرة «معجم البلدان»، التي أتمّها في حلب القريبة بين عامَي 1220 و1224 ميلادياً. وقد وصف الجغرافيون منبج بأنها عامرة ذات أسواق وحصون وأراضٍ زراعية واسعة. كما أشار إليها ابن حوقل والإصطخري ضمن وصفهما لبلاد الشام وتقسيماتها الإدارية.
خلال الحروب الصليبية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، لم يتمكّن الصليبيون من السيطرة على منبج رغم إقامتهم كيانات لاتينية في مناطق قريبة منها. وبحلول عام 1152 ميلادياً، سيطر الزنكيون بقيادة نور الدين محمود بن زنكي على منبج ومنطقة دولوك المجاورة. أعاد نور الدين تحصين قلعة المدينة وتعزيز دفاعاتها، في إطار مشروعه الأوسع لتوحيد الجبهة الإسلامية في مواجهة الوجود الصليبي. شكّلت منبج إحدى أهمّ القلاع في شمال سوريا خلال تلك الحقبة.
فتح السلطان صلاح الدين الأيوبي منبج عام 1175 ميلادياً (571 هجرياً)، منتزعاً إيّاها من حاكمها الزنكي قطب الدين إينال. جاء هذا الفتح ضمن حملة صلاح الدين الكبرى لتوحيد الأقاليم الإسلامية في مصر والشام والجزيرة تحت قيادة واحدة، تمهيداً لمواجهة الممالك الصليبية. وفي العام التالي (1176 م)، تقدّم صلاح الدين شمالاً من منبج لمحاصرة أعزاز (من 15 أيار/مايو إلى 21 حزيران/يونيو 1176 م)، في سياق تثبيت سيطرته على سوريا الشمالية.
تعرّضت منبج، شأنها شأن مدن شمال سوريا الأخرى، لأضرار بالغة خلال الغزوات المغولية المتكرّرة ابتداءً من أربعينيات القرن الثالث عشر. ففي عام 1260 ميلادياً، اجتاح المغول حلب ودمشق وقضوا على الدولة الأيوبية، قبل أن يهزمهم المماليك في معركة عين جالوت. وفي عام 1300، تكرّر الاجتياح المغولي قبل أن يُصدّ مجدداً.
ثم جاء غزو تيمورلنك عام 1400 ميلادياً، الذي حاصر حلب فوراً واستولى على حمص وحماة وصيدا وبيروت ودمشق. ألحق هذا الغزو دماراً هائلاً بالمنطقة بأسرها، بما فيها منبج ومحيطها، وإن تمكّن المماليك من إعادة بسط نفوذهم على سوريا بعد انسحاب تيمور. ظلّت منبج تحت الحكم المملوكي حتى سقوط دولة المماليك على يد العثمانيين عام 1517 ميلادياً.
ضُمّت منبج إلى الدولة العثمانية عام 1516 ميلادياً بعد غزو السلطان سليم الأول للسلطنة المملوكية. أصبحت المدينة جزءاً من ولاية حلب ضمن التقسيمات الإدارية العثمانية. شهدت المدينة خلال القرون العثمانية تحوّلات ديموغرافية جذرية، إذ تشير بعض المصادر إلى أنّ سكانها عام 1911 لم يتجاوزوا 1500 نسمة، جميعهم من الشراكسة (الأديغة) الذين استوطنوها في إطار سياسة التوطين العثمانية لمهاجري القوقاز في أعقاب الحروب الروسية العثمانية. يعكس هذا التحوّل الديموغرافي حالة التراجع الحضري التي عانت منها كثير من مدن الداخل السوري في أواخر العهد العثماني.
بعد انهيار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وُضعت سوريا تحت الانتداب الفرنسي بموجب قرار عصبة الأمم عام 1920، تطبيقاً لاتفاقية سايكس-بيكو السرية (1916) ومقررات مؤتمر سان ريمو. خضعت منبج للإدارة الفرنسية ضمن دولة حلب (1920-1925) ثم ضمن الدولة السورية الموحّدة. خلال فترة الانتداب (1920-1946)، بدأت المنطقة تشهد نمواً سكانياً تدريجياً مع استقرار القبائل العربية البدوية وشبه البدوية.
نالت سوريا استقلالها القانوني عام 1945 حين أصبحت عضواً مؤسِّساً في الأمم المتحدة، وتحقّق الاستقلال الفعلي بانسحاب القوات الفرنسية في نيسان/أبريل 1946. وفي ظلّ الجمهورية السورية، نمت منبج تدريجياً لتصبح مركزاً حضرياً ذا أهمية متزايدة في ريف حلب الشرقي، مستفيدةً من مشاريع الريّ على الفرات ومن النمو السكاني المتسارع في النصف الثاني من القرن العشرين.
بلغ عدد سكان مدينة منبج نحو 100,000 نسمة وفقاً للتعداد السكاني عام 2004. غير أنّ هذا الرقم ارتفع بشكل ملحوظ مع موجات النزوح الداخلي الناجمة عن الثورة السورية، إذ تشير التقديرات إلى أنّ عدد السكان بلغ نحو 200,000 نسمة مع تدفّق النازحين، معظمهم من العرب السنّة القادمين من مناطق أخرى في محافظة حلب.
على مستوى منطقة منبج الأوسع، قُدِّر عدد السكان عام 2019 بنحو 450,000 نسمة. وتتّسم المنطقة بتنوّع إثني لافت، حيث يشكّل العرب نحو 80% من السكان، والأكراد نحو 15%، بينما يُمثّل التركمان والشراكسة نحو 5%.
تعكس التركيبة الإثنية للمدينة تاريخها الطويل كملتقى للشعوب والثقافات. فالعرب يشكّلون الأغلبية وقد استقرّوا فيها على مدى القرون الأخيرة، والأكراد لهم وجود تاريخي في المنطقة يعود إلى قرون، والتركمان جزء من الموروث التركي العثماني في شمال سوريا، أمّا الشراكسة فقد استوطنوا المنطقة في القرن التاسع عشر ضمن سياسة التوطين العثمانية. كما تضمّ المدينة أقليات صغيرة من الأرمن والشيشان.
تجلّى هذا التنوّع بوضوح في تشكيلة مجلس منبج المدني الديمقراطي عام 2017، الذي ضمّ 134 عضواً من مختلف المكوّنات: 71 عربياً و43 كردياً و10 تركمان و8 شراكسة وأرمنياً واحداً وشيشانياً واحداً، في صيغة تعكس السعي نحو تمثيل عادل للنسيج الاجتماعي المتعدّد.
مع اندلاع الأزمة السورية عام 2011 وتحوّلها إلى نزاع مسلّح، سقطت منبج في يد فصائل المعارضة المسلّحة عام 2012. وكسائر مناطق شمال سوريا، شهدت المدينة صراعات بين الفصائل المختلفة، بما في ذلك تنظيم أحرار الشام وجبهة النصرة وفصائل الجيش السوري الحرّ، في ظلّ غياب سلطة مركزية موحّدة.
في كانون الثاني/يناير 2014، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على منبج بعد طرد فصائل المعارضة. جاءت هذه السيطرة بعد فشل محاولة أخيرة لطرد التنظيم دون دعم أحرار الشام، فاستولى داعش على المدينة بالكامل وأخرج جميع الفصائل الأخرى.
اكتسبت منبج أهمية استراتيجية استثنائية بالنسبة لداعش، إذ وُصفت بأنها «العاصمة السرية» للتنظيم. كانت المدينة تقع على طريق الإمداد الحيوي من الحدود التركية إلى معقل التنظيم في الرقة، واستُخدمت – وفق تقارير استخباراتية – كمركز لتدريب الانتحاريين وإرسالهم إلى أوروبا. فرض التنظيم نظاماً وحشياً على السكان امتدّ أكثر من عامين ونصف، شمل الإعدامات العلنية وفرض تفسيرات متشدّدة للشريعة وتقييد حركة المدنيين.
في حزيران/يونيو 2016، أطلقت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) هجوماً واسع النطاق لتحرير منبج، بدعم جوي من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. بحلول 8 حزيران/يونيو، كانت قسد قد فرضت حصاراً كاملاً على المدينة. استمرت المعارك الضارية قرابة شهرين، وفي 12 آب/أغسطس 2016 أعلنت قسد سيطرتها الكاملة على المدينة. وفي 15 آب/أغسطس 2016، أُعلن تحرير منبج بالكامل من تنظيم الدولة الإسلامية، منهيةً بذلك أكثر من عامين ونصف من حكم التنظيم.
مثّل تحرير منبج هزيمة ثقيلة لداعش، إذ فقد أحد أهمّ مراكزه اللوجستية والعسكرية. وبدأ آلاف السكان النازحين بالعودة إلى المدينة، فيما أُطلق سراح نحو 2000 رهينة كان التنظيم يستخدمهم دروعاً بشرية.
بعد التحرير، تولّى مجلس منبج العسكري – وهو تحالف من مختلف المكوّنات الإثنية والسياسية ضمن بنية قسد – مسؤولية الأمن، بينما أُنشئ مجلس مدني لإدارة الشؤون المعيشية. في 5 نيسان/أبريل 2016، كان قد تشكّل مجلس مدني في بلدة صرين من أبناء منبج، يضمّ عرباً وأكراداً وتركماناً وشراكسة، ليتولّى إدارة المدينة بعد تحريرها.
في 12 آذار/مارس 2017، أُعيد هيكلة المجلس وسُمّي «مجلس منبج المدني الديمقراطي»، وتوسّع ليضمّ 134 عضواً من مختلف المكوّنات. وفي 2 آذار/مارس 2017، سلّم مجلس منبج العسكري مساحة واسعة من الأراضي غرب منبج إلى الجيش السوري النظامي، لإقامة منطقة عازلة بين قسد والفصائل المدعومة تركياً. وفي 15 تموز/يوليو 2017، أعلن المجلس انسحاب آخر المستشارين العسكريين من وحدات حماية الشعب الكردية، ليدير المجلس المحلي المدينة وريفها بشكل مستقلّ.
ظلّ الوضع في منبج متوتّراً بسبب التهديدات التركية المتكرّرة والتجاذب بين القوى الإقليمية والدولية. فقد هدّدت تركيا مراراً بعملية عسكرية ضدّ المدينة في إطار عملية «درع الفرات» (2016-2017) ثم عملية «نبع السلام» (2019)، بذريعة وجود عناصر كردية مسلّحة تعتبرها أنقرة تهديداً أمنياً.
في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أطلق الجيش الوطني السوري المدعوم تركياً عملية «فجر الحرية» التي استهدفت منطقة منبج، بهدف قطع خطوط إمداد قسد وإنشاء ممرّ بين مدينتَي الباب وتل رفعت. جاء هذا الهجوم متزامناً مع انهيار نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 إثر الهجوم الكبير الذي شنّته قوى المعارضة.
في 6 كانون الأول/ديسمبر 2024، بدأ الهجوم المباشر على منبج من قبل الجيش الوطني السوري والقوات الجوية التركية ضدّ مواقع قسد. كانت منبج آخر منطقة تسيطر عليها قسد غرب الفرات، واعتبرتها تركيا مفتاحاً لدفع قسد شرق النهر والتقدّم نحو مدينة كوباني (عين العرب) على الحدود التركية. استمرت المعارك خمسة أيام، وفي 11-12 كانون الأول/ديسمبر 2024، انسحبت قسد من المدينة بعد اتفاق وقف إطلاق نار بوساطة أمريكية. وبذلك سيطر الجيش الوطني السوري على منبج التي كانت تحت سيطرة قسد منذ عام 2016.
اعتمد اقتصاد منبج تاريخياً على الزراعة بالدرجة الأولى، مستفيداً من خصوبة سهل منبج ووفرة المياه من نهري الفرات والساجور. تشمل المحاصيل الرئيسية الحبوب (القمح والشعير) والقطن والخضروات والزيتون. كما عُرفت المنطقة بتربية المواشي، ولا سيّما الأغنام والماعز.
قبل الحرب، كانت منبج مركزاً تجارياً نشطاً يخدم ريف حلب الشرقي ومنطقة الجزيرة الغربية، بفضل موقعها على مفترق الطرق بين حلب والرقة والحدود التركية. أدّت الثورة السورية وسيطرة داعش إلى انهيار شبه كامل للنشاط الاقتصادي، حيث دُمِّرت البنى التحتية وتوقّفت الأسواق ونزح آلاف السكان.
بعد تحرير المدينة عام 2016، بدأت جهود إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي تحت إشراف الإدارة المدنية المحلية، بدعم من التحالف الدولي وبرامج الاستقرار الأمريكية. ركّزت هذه الجهود على إعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء وإصلاح الأسواق والمدارس والمرافق الصحية.
تُعدّ بقايا معبد أترغاتيس القديم أبرز المعالم الأثرية في منبج، وإن لم يبقَ منه سوى أجزاء من السور الجنوبي. كان المعبد في أوج عظمته يشمل مجمّعاً دينياً واسعاً يتضمّن أروقة وبحيرة مقدّسة وتماثيل ضخمة، وفقاً لوصف لوقيانوس السميساطي. يمثّل هذا المعبد أحد أهمّ الشواهد على العبادات السامية القديمة في بلاد الشام.
تحتفظ منبج ببقايا تحصينات تعود إلى عصور مختلفة، من العصر الروماني إلى العصر الإسلامي. أعاد نور الدين زنكي تحصين القلعة في القرن الثاني عشر، وأُضيفت إليها تعديلات في العصرين الأيوبي والمملوكي.
اكتُشفت في منبج ومحيطها منحوتات ونصب رومانية، من بينها لوحة حجرية تحمل نسراً رومانياً اكتُشفت في ظروف الحرب، مما يعكس الثراء الأثري للمنطقة رغم ظروف النهب والتدمير التي رافقت النزاع.
تُشكّل عملات هيرابوليس القديمة مصدراً أثرياً ثميناً، إذ تحمل نقوشاً بالخط الآرامي وصوراً للإلهَين أترغاتيس وحدد. درسها الباحثون في الجمعية الأمريكية للمسكوكات وغيرها من المؤسسات المتخصّصة، وتوفّر هذه العملات شهادة مادية على التاريخ السياسي والديني للمدينة من القرن الرابع قبل الميلاد إلى العصر الروماني المتأخر.
تحتلّ منبج موقعاً جيوسياسياً بالغ الحساسية في خريطة النزاع السوري والتنافس الإقليمي. فهي تقع عند نقطة تقاطع مصالح قوى متعدّدة:
الموقف التركي: تعتبر تركيا السيطرة على منبج أمراً جوهرياً لأمنها القومي، بحجّة منع تشكيل كيان كردي متّصل على حدودها الجنوبية. سعت أنقرة مراراً للسيطرة على المدينة عبر حلفائها في الجيش الوطني السوري، ونجحت في ذلك في كانون الأول/ديسمبر 2024.
الموقف الأمريكي: دعمت الولايات المتحدة قوات سوريا الديمقراطية في تحرير منبج من داعش عام 2016، وأقامت قواعد عسكرية في محيطها. وقد وقعت واشنطن في موقف حرج بين حليفتها تركيا (عضو الناتو) وشريكتها الميدانية قسد.
الموقف الروسي والنظام السوري: سعى النظام السوري وحليفته روسيا إلى استعادة النفوذ في المنطقة، ونجحا في نشر قوات سورية نظامية غرب منبج عام 2017 كمنطقة عازلة.
قوات سوريا الديمقراطية: اعتبرت قسد منبج ركيزة لمشروع «الإدارة الذاتية» في شمال وشرق سوريا، ونموذجاً للحكم المحلي التعددي القائم على مشاركة جميع المكوّنات.