يُمثّل الفينيقيون أحد أعظم الشعوب التي أنجبها الساحل السوري، إذ أسّسوا حضارة بحرية فريدة امتدّت من شواطئ المتوسط الشرقي إلى أقاصي المحيط الأطلسي، وقدّموا للبشرية واحدة من أجلّ هداياها الثقافية: الأبجدية. ازدهرت المدن الفينيقية على الساحل السوري — ولا سيما أوغاريت وأرواد وعمريت — منذ الألف الثالث قبل الميلاد، فكانت مراكز للتجارة الدولية وصناعة الأرجوان وفنون الملاحة، وتركت إرثاً حضارياً لا يزال حيّاً في كل حرف يُكتب اليوم بأي أبجدية في العالم.
اشتُقّت كلمة «فينيقي» (باليونانية: Φοίνικες — فوينيكِس) من الجذر اليوناني «فوينيكس» (φοῖνιξ) الذي يعني «الأحمر القرمزي» أو «الأرجواني»، في إشارة إلى صبغة الأرجوان الشهيرة التي اختصّ الفينيقيون بإنتاجها من أصداف المُوركس البحرية. وقد أطلق الإغريق هذه التسمية على سكان الساحل الشرقي للمتوسط منذ القرن الثامن قبل الميلاد تقريباً، حين وصفهم هوميروس في الإلياذة والأوديسة بالتجار المهرة وأسياد البحر.
غير أنّ الفينيقيين لم يُطلقوا على أنفسهم هذا الاسم قطّ، بل كان كل شعب منهم ينتسب إلى مدينته: «أرواديّ» نسبةً إلى أرواد، و«صيدونيّ» نسبةً إلى صيدا، و«صوريّ» نسبةً إلى صور. وفي النصوص المصرية القديمة، عُرف سكان هذا الساحل باسم «فنخو» (Fnḫw)، فيما سمّتهم النصوص الأكادية «كنعانيين» (Kinaḫḫu)، وهو الاسم الذي استخدمه العهد القديم أيضاً.
لا يكاد يفصل بين «الفينيقيين» و«الكنعانيين» حدّ واضح من الناحية الإثنية واللغوية؛ فالتسمية الأولى يونانية الأصل أُطلقت منذ العصر الحديدي (بعد 1200 ق.م)، بينما التسمية الثانية سامية قديمة تعود إلى العصر البرونزي. يرى معظم الباحثين المعاصرين — ومنهم غلين ماركو في كتابه «The Phoenicians» (2000) — أنّ الفينيقيين هم استمرار مباشر للشعوب الكنعانية التي استوطنت الساحل الشامي منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وأنّ التحولات التي أعقبت انهيار حضارات العصر البرونزي المتأخر حوالي 1200 ق.م هي التي أفرزت هذا الكيان الحضاري المتميّز الذي عُرف لاحقاً بالفينيقيين.
وقد أكّدت الدراسات الجينية الحديثة هذا الاستمرار؛ فقد نشر فريق بحثي في جامعة كامبريدج عام 2017 دراسة في مجلة «The American Journal of Human Genetics» أثبتت أنّ أكثر من 90% من التركيب الجيني لسكان لبنان المعاصرين يعود إلى الكنعانيين/الفينيقيين، مع نسبة اختلاط محدودة بشعوب أوراسية حدثت بين 3800 و2200 سنة مضت.
امتدّ الوجود الفينيقي على طول الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، من اللاذقية شمالاً حتى مدينة صور جنوباً، مع امتداد داخلي نحو وادي العاصي ومنطقة حمص. شكّلت الجبال الساحلية حاجزاً طبيعياً فصل المدن الفينيقية عن الداخل السوري، ما جعل البحر هو المتنفّس الطبيعي لهذه الحواضر ودفعها نحو الملاحة والتجارة البحرية.
وفيما يخصّ الأراضي السورية الحالية، تركّز الاستيطان الفينيقي في أربعة مواقع رئيسية:
تُعدّ أرواد الجزيرة الوحيدة المأهولة على الساحل السوري بأكمله، وتقع على بُعد نحو 3 كيلومترات من مدينة طرطوس. لا يتجاوز طولها 800 متر وعرضها 500 متر، لكنها كانت قوة بحرية هائلة هيمنت على القسم الشمالي من الساحل الفينيقي.
ورد ذكر أرواد في أرشيف إيبلا الملكي الذي يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، ممّا يجعلها من أقدم المدن المذكورة في التاريخ المدوّن. خضعت الجزيرة لنفوذ مصر الفرعونية في عهد تحتمس الثالث (حوالي 1472 ق.م)، وذُكرت في حملات رمسيس الثاني في القرن الثالث عشر قبل الميلاد. غير أنّ أرواد حافظت على استقلال نسبي بفضل موقعها البحري المنيع، فكانت لها سلالتها الحاكمة المحلية وعملتها الخاصة.
بلغت أرواد أوج قوتها في الفترة بين القرنين العاشر والسابع قبل الميلاد، حين مارست نوعاً من الهيمنة على المدن الفينيقية الشمالية من مصبّ العاصي حتى الحدود الشمالية لجبل لبنان. كانت أسطولها البحري من أقوى الأساطيل في المتوسط الشرقي، وشاركت سفنها في أساطيل الإمبراطوريات الكبرى — الآشورية والفارسية — في معاركها البحرية. وقد قدّمت أرواد خمسين سفينة حربية لأسطول الملك الفارسي خشايارشا في معركة سلاميس عام 480 ق.م، وفقاً لرواية هيرودوت.
تحيط بالجزيرة حتى اليوم أسوار فينيقية ضخمة مبنية من حجارة مشذّبة بعناية فائقة، وتُظهر المسوحات الأثرية آثار ميناء اصطناعي على الجانب الشرقي المواجه للبرّ الرئيسي. أُدرجت أرواد ضمن القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي لدى اليونسكو تحت اسم «جزيرة أرواد».
تقع عمريت على بُعد نحو 7 كيلومترات جنوب مدينة طرطوس الحالية، وكانت تُعرف في العصور اليونانية والرومانية باسم ماراثوس (Marathus). تأسّست في الألف الثالث قبل الميلاد كميناء تابع لأرواد، وتطوّرت لتصبح مدينة مستقلة ذات أهمية دينية واقتصادية بالغة.
يُعدّ معبد عمريت (المعبد) أحد أفضل المعابد الفينيقية المحفوظة في العالم. نقّبه عالم الآثار الفرنسي موريس دونان بين عامي 1954 و1957، وتبيّن أنه يتكوّن من فناء مفتوح ضخم محفور في الصخر بأبعاد 47 × 49 متراً وعمق يزيد عن 3 أمتار، تحيط به أروقة ذات أعمدة، وفي وسطه قدس الأقداس (السيلا) على شكل مكعّب حجري. كان الفناء يُملأ بمياه نبع مقدّس محلي، وهي سمة فريدة تعكس الطقوس الدينية الفينيقية المرتبطة بعبادة المياه. كُرّس المعبد لعبادة الإلهين ملقرت (إله صور الرئيسي) وأشمون (إله الشفاء).
إلى جانب المعبد، كشفت الحفريات عن ملعب رياضي على شكل حرف U بطول 230 متراً يعود إلى القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد — وهو من أقدم الملاعب المعروفة خارج اليونان — فضلاً عن مقبرة ضخمة تضمّ أبراجاً جنائزية (المغازل) فريدة الطراز يصل ارتفاعها إلى سبعة أمتار. أُدرج الموقع ضمن قائمة صندوق الآثار العالمي (WMF) للمواقع المهدّدة في عامي 2004 و2006 بسبب التخريب والتمدّد العمراني.
يقع تل سوكاس على الساحل السوري على بُعد نحو 6 كيلومترات جنوب مدينة جبلة في محافظة اللاذقية. يُعرف في النصوص الأوغاريتية باسم «سوكسي» (Suksi)، وقد كشفت الحفريات عن استيطان يعود إلى الألف السابع أو السادس قبل الميلاد، مع طبقة فينيقية واضحة تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد.
نقّبت الموقع البعثة الدنماركية لمؤسسة كارلسبرغ (Carlsberg Expedition to Phoenicia) بقيادة بول يورغن ريس (P.J. Riis) بين عامي 1958 و1963. كشفت الحفريات عن مقبرة من العصر الحديدي المبكر (القرنان الثالث عشر والعاشر ق.م)، ومستوطنة تجارية يونانية-فينيقية من القرن الثامن قبل الميلاد تضمّ مستودعات وورشاً حرفية ومرافق مينائية. أظهرت المكتشفات تفاعلاً ثقافياً واسعاً بين الفينيقيين والمستوطنين الإغريق في هذا الموقع.
على الرغم من أنّ مملكة أوغاريت سبقت العصر الفينيقي الكلاسيكي زمنياً — إذ ازدهرت في العصر البرونزي المتأخر (حوالي 1450-1185 ق.م) ودُمّرت في موجة «شعوب البحر» حوالي 1185 ق.م — فإنها تُعدّ الأرضية الحضارية التي نشأت منها الحضارة الفينيقية. فالأبجدية الأوغاريتية المؤلّفة من ثلاثين حرفاً مسمارياً، والتي اكتُشفت عام 1929، تمثّل المرحلة التجريبية الأولى التي مهّدت لتطوير الأبجدية الفينيقية الخطية لاحقاً. كما أنّ الميثولوجيا الأوغاريتية — ولا سيما ملحمة البعل ونصوص الإله إيل — تشكّل الجذر الديني للعبادات الفينيقية اللاحقة.
تطوّرت الأبجدية الفينيقية من الخط السينائي الأولي (Proto-Sinaitic) الذي نشأ بدوره من الهيروغليفية المصرية خلال العصر البرونزي المتأخر. وبحلول القرن الحادي عشر قبل الميلاد تقريباً (حوالي 1050 ق.م)، كان الفينيقيون قد طوّروا نظاماً كتابياً خطياً بسيطاً مؤلّفاً من اثنين وعشرين حرفاً ساكناً (أبجد — أي بدون أحرف عِلّة مكتوبة)، يُكتب من اليمين إلى اليسار.
مثّل هذا النظام ثورة حقيقية في تاريخ الكتابة البشرية، إذ اختزل مئات الرموز المسمارية أو الهيروغليفية في عدد محدود من الأحرف يمكن لأي إنسان تعلّمه، ممّا حرّر الكتابة من احتكار الكهنة والكتّاب المحترفين وجعلها في متناول التجار والبحّارة والحرفيين. وقد ساهم انتشار الأبجدية في تعميم المعرفة وتسهيل التجارة الدولية عبر المتوسط.
يُجمع المؤرخون على أنّ الأبجدية الفينيقية هي الأمّ المباشرة لمعظم أنظمة الكتابة المستخدمة في العالم اليوم:
الأبجدية اليونانية (القرنان التاسع-الثامن ق.م): تبنّى الإغريق الأحرف الفينيقية وأعادوا توظيف بعضها لتمثيل أصوات العلّة (الحركات). فحرف «ألف» (ʾāleph) الذي كان يمثّل الهمزة صار يمثّل الحركة /a/ (ألفا)، و«هاء» (he) صار /e/ (إبسيلون)، و«عين» (ʿayin) صار /o/ (أوميكرون). بذلك أنشأ الإغريق أول أبجدية كاملة تتضمّن أحرف العلّة والصوامت معاً.
الأبجدية اللاتينية: تطوّرت من الأبجدية الإتروسكية التي اقتُبست من اليونانية، وهي المستخدمة اليوم في الإنجليزية والفرنسية والإسبانية ومعظم لغات العالم.
الأبجدية الآرامية: تطوّرت مباشرة من الفينيقية وأصبحت لغة التواصل المشترك (Lingua Franca) في الشرق الأدنى القديم، ومنها تفرّعت الأبجديتان العربية والعبرية المستخدمتان حتى اليوم.
الأبجدية السريانية والأبجديات الهندية (البراهمية) والأرمنية والجورجية والقيريلية: جميعها تعود في جذورها إلى الأبجدية الفينيقية.
يُلخّص المؤرخ الأمريكي جاريد دايموند هذا الإنجاز بقوله إنّ الأبجدية لم تُخترع إلا مرة واحدة أو مرتين في التاريخ البشري كله، وإنّ كل أبجديات العالم المعروفة تعود في نهاية المطاف إلى ذلك الابتكار الفينيقي-الكنعاني على ساحل بلاد الشام.
ورث الفينيقيون تقاليدهم الدينية من الحضارة الكنعانية العريقة، ولا سيما من الميثولوجيا الأوغاريتية التي حفظتها ألواح رأس شمرا. تضمّن البانتيون الفينيقي مجموعة من الآلهة الرئيسية:
إيل (El): رأس مجمع الآلهة، الإله الأعلى والخالق، وصفه النصّ الأوغاريتي بـ«أبي البشر» و«الرحيم» و«الثور». كان يُصوَّر كشيخ حكيم ذي لحية بيضاء يجلس عند ملتقى النهرين.
بعل (Baʿal): إله العاصفة والخصب والمطر، وأكثر الآلهة الفينيقية شعبية. تروي ملحمة البعل الأوغاريتية صراعه مع يمّ (إله البحر) وموت (إله الموت العالم السفلي)، في أسطورة تمثّل دورة الفصول وانتصار الحياة على الموت. كُرّست له معابد ضخمة في أوغاريت وأرواد وبعلبك.
عشتروت/عشتارت (Astarte): إلهة الحب والحرب والخصوبة، نظيرة إنانا السومرية وعشتار البابلية. انتشرت عبادتها في جميع المدن الفينيقية وتأثّر بها الإغريق في عبادة أفروديت.
ملقرت (Melqart): الإله الحامي لمدينة صور، عُرف بـ«ملك المدينة». ربطه الإغريق بهرقل. كُرّس له المعبد الرئيسي في عمريت على الساحل السوري.
أشمون (Eshmun): إله الشفاء، نظير أسكليبيوس اليوناني. كُرّست له معابد في صيدا وفي عمريت.
تميّزت العبادة الفينيقية بطقوس معقّدة تضمّنت تقديم القرابين — وقد أثار موضوع القرابين البشرية (المولك) جدلاً واسعاً بين الباحثين. أشارت النصوص اليونانية والرومانية إلى ممارسة تقديم الأطفال قرباناً في حالات الخطر الشديد، وهو ما تدعمه الاكتشافات الأثرية في «التوفيت» بقرطاج، لكنّ بعض الباحثين المعاصرين يشكّكون في حجم هذه الممارسة ويرون أنها قد تكون مبالغة من أعداء قرطاج.
يُعدّ الأرجوان الصوري (Tyrian Purple) أشهر المنتجات الفينيقية وأثمنها على الإطلاق، وهو الذي منح الفينيقيين اسمهم اليوناني. استُخرج هذا الصبغ من غدة مخاطية في ثلاثة أنواع من أصداف المُوركس البحرية (Murex brandaris وMurex trunculus وPurpura haemastoma) التي تعيش على صخور الساحل المتوسطي.
كانت عملية الإنتاج شاقة ومكلفة للغاية: وفقاً للتجارب الحديثة، يلزم نحو 12,000 صدفة من المُوركس لإنتاج 1.2 غرام فقط من الصبغ — أي ما يقارب نصف كشتبان. وقد كُشفت مرافق ضخمة لحصاد المُوركس ومعالجته وصبغ الأقمشة في أرواد وصيدا وصور وصرفند وبيروت وغيرها من المدن الساحلية، ممّا يُظهر حجم هذه الصناعة واتساعها.
بلغ ثمن الأقمشة المصبوغة بالأرجوان الفينيقي أضعاف وزنها ذهباً، فاقتصر استخدامها على الملوك والكهنة والنبلاء. ومن هنا جاءت عبارة «الأرجوان الملكي» (Royal Purple) التي ظلّت مرادفة للسلطة والنفوذ حتى سقوط الإمبراطورية الرومانية.
نسب المؤرخ الروماني بلينيوس الأكبر (القرن الأول الميلادي) اختراع الزجاج إلى الفينيقيين، مع أنّ الأدلة الأثرية تُشير إلى أنّ صناعة الزجاج بدأت في مصر وبلاد الرافدين. غير أنّ الفينيقيين طوّروا هذه الصناعة تطويراً جوهرياً، ويُنسب إليهم اختراع تقنية نفخ الزجاج في القرن الأول قبل الميلاد تقريباً على الساحل اللبناني-السوري. أتاحت هذه التقنية إنتاج أوانٍ زجاجية بكميات تجارية وبأشكال متنوعة، ممّا أحدث ثورة في صناعة الزجاج في العالم القديم.
أسّس الفينيقيون أوسع شبكة تجارية عرفها العالم القديم قبل الرومان. امتدّت طرقهم التجارية من الساحل السوري شرقاً حتى بلاد الرافدين وربما الهند، ومن المتوسط غرباً حتى إسبانيا وشمال أفريقيا، بل وربما تجاوزوا مضيق جبل طارق إلى سواحل المحيط الأطلسي. تاجروا في الأقمشة المصبوغة والزجاج والمعادن (القصدير من بريطانيا، الفضة من إسبانيا) والخشب (أرز لبنان) والعبيد والحبوب والنبيذ والزيت والعاج والأحجار الكريمة.
اشتهر الفينيقيون بمهاراتهم الملاحية التي لا تُضاهى. طوّروا سفناً متينة ذات هياكل من خشب الأرز اللبناني قادرة على الإبحار في عرض المتوسط، واستخدموا النجوم في الملاحة الليلية — ولا سيما نجم القطب الشمالي الذي سمّاه الإغريق «النجمة الفينيقية» (Phoinikē). ووفقاً لرواية هيرودوت (القرن الخامس ق.م)، أرسل الفرعون المصري نخو الثاني بحّارة فينيقيين في رحلة استكشافية حول القارة الأفريقية حوالي 600 ق.م، وهي رحلة استغرقت ثلاث سنوات وسبقت اكتشاف فاسكو دا غاما بأكثر من ألفي عام.
أسّس الفينيقيون شبكة واسعة من المستعمرات والمحطات التجارية على سواحل المتوسط:
في هذه الحقبة، كانت المدن الكنعانية/الفينيقية على الساحل السوري تتأرجح بين الاستقلال والخضوع للقوى الكبرى. هيمنت مصر الفرعونية على المنطقة خلال الأسرتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة (حوالي 1550-1200 ق.م)، وتوثّق رسائل تل العمارنة (القرن الرابع عشر ق.م) المراسلات بين حكام المدن الكنعانية والفرعون أمنحوتب الرابع (إخناتون). في هذه الفترة، ازدهرت أوغاريت كمملكة تجارية عظيمة ومركز ثقافي فريد.
جاء انهيار حضارات العصر البرونزي المتأخر حوالي 1200-1185 ق.م — بسبب هجمات «شعوب البحر» والزلازل والمجاعات — ليُدمّر أوغاريت والعديد من الحواضر الكبرى. غير أنّ بعض المدن الساحلية — ولا سيما صور وصيدا وجبيل وأرواد — نجت من هذا الانهيار أو تعافت بسرعة، لتبدأ مرحلة جديدة من الازدهار عُرفت بالعصر الفينيقي الكلاسيكي.
شهدت هذه الحقبة الذهبية ظهور الأبجدية الفينيقية وتوسّع التجارة البحرية وتأسيس المستعمرات. استفاد الفينيقيون من الفراغ السياسي الذي خلّفه انهيار الإمبراطوريات الكبرى (المصرية والحثية) ليؤسّسوا شبكتهم التجارية المستقلة. برزت صور كأقوى مدينة فينيقية في عهد الملك حيرام الأول (حوالي 969-936 ق.م) الذي تحالف مع الملك سليمان وزوّده بخشب الأرز والحرفيين لبناء الهيكل في القدس، وفقاً للرواية التوراتية. وعلى الساحل السوري، حافظت أرواد على مكانتها كقوة بحرية مهيمنة.
مع صعود الإمبراطورية الآشورية الجديدة، خضعت المدن الفينيقية تدريجياً للنفوذ الآشوري. فرض الملوك الآشوريون — ولا سيما تغلث فلاسر الثالث (745-727 ق.م) وسنحاريب (705-681 ق.م) — الجزية على المدن الفينيقية بما فيها أرواد. غير أنّ الفينيقيين حافظوا على حكم ذاتي واسع في مقابل دفع الجزية وتقديم السفن الحربية. بعد سقوط الإمبراطورية الآشورية عام 612 ق.م، خضعت المنطقة لبابل الكلدانية بقيادة نبوخذ نصّر الثاني الذي حاصر صور ثلاث عشرة سنة (586-573 ق.م).
منح الفرس الأخمينيون المدن الفينيقية حكماً ذاتياً واسعاً، واعتمدوا على أساطيلها البحرية في حروبهم ضد اليونان. ساهمت أرواد بأسطول كبير في الحملات الفارسية، ولا سيما في معركة سلاميس (480 ق.م). بلغت المدن الفينيقية في هذه الحقبة مستوى عالياً من الرخاء الاقتصادي.
جاءت حملات الإسكندر المقدوني لتُنهي استقلال المدن الفينيقية نهائياً. استسلمت معظم المدن طوعاً للإسكندر عام 333 ق.م، إلا صور التي قاومت وحوصرت سبعة أشهر (332 ق.م) قبل أن تسقط في حصار مدمّر. أما أرواد فقد استسلمت سلمياً واحتفظت بحكم ذاتي محدود. بعد وفاة الإسكندر (323 ق.م)، آلت سوريا إلى الدولة السلوقية التي سرّعت عملية التهلين (Hellenization)، فتحوّلت المدن الفينيقية تدريجياً إلى مدن يونانية الطابع واندمج الفينيقيون في الثقافة الهلنستية، وإن ظلّت بعض تقاليدهم الدينية واللغوية قائمة حتى العصر الروماني.
اكتُشفت عام 1928 ونُقّبت منذ 1929 بإشراف كلود شيفر. قدّمت آلاف الألواح المسمارية المكتوبة بالأبجدية الأوغاريتية وبلغات أخرى، وملحمة البعل الشهيرة، وأقدم تدوين موسيقي في التاريخ. (انظر المقال المفصّل: أوغاريت — مهد الأبجدية الأولى).
نُقّبت بين 1954 و1957 بإشراف موريس دونان. كشفت عن المعبد الفينيقي الفريد والملعب الرياضي والأبراج الجنائزية. لا تزال الحفريات مستمرة بإشراف المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية.
أجريت مسوحات أثرية متعددة كشفت عن الأسوار الفينيقية والميناء القديم ونقوش فينيقية مهمة. لا تزال الجزيرة مأهولة بالسكان (نحو 5,000 نسمة)، ممّا يُصعّب إجراء حفريات واسعة.
نُقّب بين 1958 و1963 بإشراف البعثة الدنماركية. كشف عن مستوطنة فينيقية-يونانية مشتركة من العصر الحديدي ومقبرة قديمة.
عُثر على نقوش فينيقية متفرقة في مواقع عديدة على الساحل السوري وفي الداخل، تتضمّن نصوصاً تأسيسية وتذكارية ودينية. تُحفظ أهم هذه المكتشفات في المتحف الوطني بدمشق ومتحف اللوفر في باريس.
لا يمكن المبالغة في تقدير الأثر الحضاري للأبجدية الفينيقية. فكل حرف يُكتب اليوم بالعربية أو العبرية أو اللاتينية أو اليونانية أو السريانية أو الأرمنية أو الهندية أو الأمهرية — وبعشرات الأبجديات الأخرى — يعود في جذوره إلى ذلك الابتكار الفينيقي الذي وُلد على ساحل سوريا ولبنان. يُقدّر اللسانيون أنّ أكثر من خمسة مليارات إنسان يستخدمون اليوم أنظمة كتابة متحدّرة من الأبجدية الفينيقية.
أثبتت الدراسات الجينية الحديثة أنّ الإرث الفينيقي لا يزال حياً في جينات سكان الساحل الشامي. فقد أظهرت دراسة نُشرت عام 2008 في مجلة «American Journal of Human Genetics» بإشراف بيير زلوعة وسبنسر ويلز أنّ الهابلوغروب J2 — المرتبط بالفينيقيين — يظهر بنسبة مرتفعة بشكل استثنائي بين سكان لبنان وسوريا وفلسطين. كما تبيّن أنّ ستة أنماط وراثية محددة (Y-STR haplotypes) تُشكّل «بصمة فينيقية» ساهمت بأكثر من 6% في التركيب الجيني للسكان المعاصرين في المناطق التي استعمرها الفينيقيون في المتوسط.
لا تزال آثار الحضارة الفينيقية حاضرة في الثقافة السورية المعاصرة: في الحِرف التقليدية الساحلية، وفي الارتباط العميق بالبحر لدى سكان طرطوس واللاذقية، وفي الفخر المحلي بالتراث الفينيقي الذي يُعدّ جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لسكان الساحل السوري.