تُعَدّ دمشق من أقدم عواصم العالم المأهولة بالسكان على نحو متواصل، وقد شكّلت على مدى أربعة آلاف عام مركزاً حضارياً فريداً أسهم في إثراء التراث الحرفي الإنساني بصناعات يدوية بلغت من الإتقان والجمال ما جعل اسم المدينة ذاته يدخل معجم اللغات الأوروبية: فكلمة «Damask» في الإنجليزية والفرنسية تعني القماش الحريري الفاخر، وكلمة «Damascene» تشير إلى فن تطعيم المعادن، و«Damaszener Stahl» في الألمانية تعني الفولاذ الدمشقي. إنّ هذه المدينة التي صدّرت الحرير والفولاذ والزجاج المنفوخ والصابون إلى العالم لم تكن مجرّد محطة تجارية على طريق الحرير، بل كانت مصنعاً حضارياً أنتج حِرَفاً أثّرت في مسار الصناعة البشرية من القرون الوسطى حتى العصر الحديث.
يمتدّ تاريخ الحِرَف اليدوية في دمشق إلى ما يزيد على أربعة آلاف عام، إذ تشير الاكتشافات الأثرية إلى أنّ صناعة الفخار والخزف اليدوي في سوريا تعود إلى الألفية الخامسة قبل الميلاد، فيما بلغت الحِرَف الدمشقية أوج ازدهارها في العهد الأموي (661-750 م) حين غدت دمشق عاصمة العالم الإسلامي وأهمّ مركز حرفي وتجاري في المنطقة الممتدة من الأندلس غرباً حتى حدود الصين شرقاً. وقد أسهم موقع دمشق الاستراتيجي على طريق الحرير في تحويلها إلى محطة رئيسية لتبادل المواد الخام والمنتجات الحرفية والخبرات التقنية بين الشرق والغرب.
في العصور الوسطى، كانت أسواق دمشق التاريخية — سوق الحمدية وسوق البزورية وسوق النحاسين وسوق مدحت باشا — تعجّ بمئات الورش الحرفية المتخصصة، يعمل فيها آلاف الصنّاع المهرة الذين توارثوا أسرار المهنة أباً عن جدّ. وقد وصف الرحّالة الأوروبيون الذين زاروا المدينة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر دهشتهم إزاء جودة المنتجات الدمشقية وتنوّعها، من الأقمشة الحريرية المطرّزة بخيوط الذهب إلى السيوف ذات الحدّة الأسطورية والأثاث المرصّع بالصدف.
قبل اندلاع الأزمة السورية عام 2011، كانت السياحة تُشكّل نحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي السوري، وكانت الحِرَف التقليدية ركيزة أساسية من ركائز القطاع السياحي. وتُشير بيانات مجلس الحِرَف السوري إلى أنّ أكثر من 400,000 شخص كانوا يعملون في قطاع الصناعات الحرفية عند ذروته نحو عام 2009، قبل أن ينكمش هذا الرقم بنسبة تفوق 62% نتيجة النزاع المسلح والتهجير.
يُعدّ سوق الحمدية أكبر أسواق سوريا وأشهرها، ويقع داخل أسوار مدينة دمشق القديمة المُدرَجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، ملاصقاً لقلعة دمشق. يمتدّ السوق على طول يبلغ نحو 600 متر وعرض 15 متراً، ويعلوه سقف معدني مقوّس يرتفع عشرة أمتار. شُيِّد السوق على المحور الروماني القديم (الديكومانوس) الذي كان يقود إلى معبد جوبيتر، وبُنِيَ على مرحلتين في العهد العثماني: بدأت المرحلة الأولى عام 1780 م في عهد السلطان عبد الحميد الأول، ثمّ جرى توسيعه وتطويره في الفترة بين 1883 و1889 م في عهد السلطان عبد الحميد الثاني. ويحمل السوق اسم «الحمدية» نسبةً إلى هذين السلطانين. وقد أُضيف السقف المعدني المبتكر في تلك الحقبة لحماية المتسوّقين من العوامل الجوية، وتُعَدّ ثقوب الرصاص التي خلّفتها أحداث تاريخية مختلفة على هذا السقف المعدني من أبرز سمات السوق المعمارية التي يلاحظها الزائرون حين تتسلّل أشعة الشمس من خلالها.
يبدأ السوق من شارع الثورة وينتهي عند ساحة الجامع الأموي الكبير، حيث تنتصب أعمدة معبد جوبيتر الروماني بارتفاع يقارب 12 متراً عند مدخله الشرقي. وعلى جانبَي السوق تصطفّ مئات المحلات التجارية التي تبيع الأقمشة والبروكار والملابس التقليدية والتحف والأثاث المرصّع بالصدف والنحاسيات والبهارات والحلويات الشرقية.
أمّا سوق البزورية، فيعود إلى العهد المملوكي ويمتدّ عمره إلى أكثر من 850 عاماً، وهو متخصّص في التوابل والأعشاب والعطور والمكسّرات والفواكه المجفّفة، ولا يزال يحتفظ بطابعه التجاري الأصيل. وهناك سوق النحاسين الذي يعود تأسيسه إلى عهد نور الدين زنكي (1154-1174 م)، والذي كان يمتدّ على طول الجدار الجنوبي للجامع الأموي الكبير، وسنفرد له قسماً خاصاً لاحقاً. كذلك يُعَدّ سوق مدحت باشا — الذي بُنِيَ على أنقاض الشارع الروماني المستقيم (Via Recta) المذكور في العهد الجديد — من أهمّ الأسواق المسقوفة، ويضمّ محلات متنوّعة للأقمشة والخياطة والحِرَف التقليدية.
تُشتَقّ كلمة «Damask» في اللغات الأوروبية مباشرةً من اسم مدينة دمشق، ويعود أقدم توثيق لاستخدام هذه الكلمة في الإنجليزية إلى القرن الثالث عشر الميلادي، حين نقل الصليبيون هذا النسيج الفاخر من الشرق إلى أوروبا. والدَّمَقْس — أو البروكار الدمشقي — هو قماش حريري ثمين يُنسَج يدوياً بالكامل على النول التقليدي، ويتميّز بأنماط زخرفية بارزة تتكوّن من تبادل سطحَي الحدف (اللُّحمة) والسَّدى بين نسيج الأطلس المواجِه للسَّدى ونسيج الأطلس المواجِه للُّحمة (warp-faced satin وweft-faced sateen)، ممّا يُنتِج تصاميم تلمع وتتغيّر مع تبدّل زاوية الضوء.
يُنتَج البروكار الدمشقي الأصيل يدوياً بالكامل على النول الجاكاري التقليدي، وهو عملية شاقة تتطلّب مهارة عالية وصبراً استثنائياً. يحتاج الحرفي إلى يوم عمل كامل — أي نحو عشر ساعات من العمل المتواصل — لإنتاج متر واحد فقط من القماش. تُستخدَم خيوط الحرير الطبيعي المُشبَّكة بخيوط الذهب والفضة الحقيقية في أرقى الأنواع، فيما تُوظَّف خيوط معدنية مطلية في الأنواع الأقلّ كلفة. والفرق الجوهري بين الدمقس والبروكيد (Brocade) أنّ الأول مسطّح وقابل للعكس — أي أنّ وجهَي القماش يحملان النمط ذاته لكن بتباين لوني معكوس — بينما البروكيد بارز الملمس وغير قابل للعكس لأنّ خيوط الزخرفة تُترَك معلّقة على ظهر القماش.
انتقل فنّ نسج الدمقس إلى أوروبا عبر عدّة طرق: نقله الصليبيون في القرن الحادي عشر الميلادي، وتاجرت به جمهورية البندقية التي أصبحت الوسيط الرئيسي بين دمشق وأسواق أوروبا، كما عرفه الأندلسيون من خلال التواصل الحضاري مع العالم الإسلامي. وتُشير المصادر التاريخية إلى أنّ جوزيف ماري جاكار الفرنسي (1752-1834 م) استلهم تصميم آلته الميكانيكية الشهيرة — النول الجاكاري — من مبادئ النول الدمشقي اليدوي، مطوِّراً إياه إلى نظام آلي يعمل بالبطاقات المثقّبة أحدث ثورة في صناعة النسيج الأوروبية. وبحلول القرن الرابع عشر، كان نسيج الدمقس يُنتَج في فلاندرز وفرنسا وإيطاليا، غير أنّ المنتج الدمشقي اليدوي الأصيل ظلّ يحتفظ بقيمته الفنية والمادية التي تفوق الإنتاج الآلي.
توارثت عائلات دمشقية عريقة هذه الحرفة عبر أجيال متعاقبة. ويوثّق أرشيف التراث السوري قصص عائلات متخصّصة في صناعة الحرير الدمشقي حافظت على أسرار المهنة ونقلتها إلى أبنائها وأحفادها، بيد أنّ كثيراً من هذه الورش أُغلِقَت أو هاجر أصحابها بسبب الأزمة.
يُعَدّ الفولاذ الدمشقي من أكثر المعادن أسطوريةً في تاريخ علم المعادن، وقد أذهلت سيوفه الصليبيين الأوروبيين الذين واجهوها لأوّل مرة خلال الحروب الصليبية. ينبغي التمييز بين أصل المادة الخام وموضع التصنيع: كان الفولاذ الخام يأتي على شكل سبائك صغيرة تُسمّى «وتز» (Wootz) من مناطق التعدين في جنوب الهند وسريلانكا، حيث كانت خامات الحديد المحلية تحتوي على شوائب معدنية فريدة من الفاناديوم والكروم والمنغنيز والكوبالت والنيكل. أمّا دمشق فكانت المركز الرئيسي لتشكيل هذه السبائك وتحويلها إلى سيوف ونصال ذات جودة لا مثيل لها، بفضل الخبرة المتراكمة لحدّادي المدينة الذين أتقنوا عمليات الطرق والتسخين والتقسية عبر قرون من الممارسة.
تتميّز سبائك الفولاذ الدمشقي بنسبة كربون مرتفعة تتراوح بين 1.0% و2.0%، مقارنةً بالفولاذ العادي الذي تبلغ نسبة الكربون فيه 0.2%-0.8%. وتظهر على سطح النصال الدمشقية خطوط متموّجة مميّزة تُعرَف بالنمط المائي (watered pattern)، وهي ناجمة عن توزّع طبقات دقيقة من كربيد الحديد (السمنتيت Fe₃C) ضمن مصفوفة الفولاذ.
في عام 1998، نشر جون فيرهوفن وألفرد بيندراي ووليام داوكش بحثاً رائداً في مجلة «JOM» بعنوان «The Key Role of Impurities in Ancient Damascus Steel Blades»، أثبتوا فيه أنّ النمط السطحي المميّز للسيوف الدمشقية ينتج عن ظاهرة تشكّل نطاقات الكربيد بفعل الانفصال المجهري لكمّيات ضئيلة من العناصر المكوِّنة للكربيد — وخاصة الفاناديوم والمولبدنوم — الموجودة في سبائك الوتز الهندية. وخلُصَ البحث إلى أنّ السيوف الدمشقية ذات النمط المائي لم تكن تُنتَج إلا من سبائك وتز قادمة من مناطق هندية بعينها تحتوي خاماتها على هذه الشوائب المعدنية بنسب محدّدة.
غير أنّ الاكتشاف الأكثر إثارة جاء عام 2006، حين نشر مارياني رايبولد وبيتر باوفلر وزملاؤهم في جامعة دريسدن التقنية بحثاً في مجلة «Nature» (المجلد 444، ص286) بعنوان «Carbon nanotubes in an ancient Damascus sabre» كشف عن وجود أنابيب نانوية كربونية (Carbon Nanotubes) وأسلاك نانوية من السمنتيت داخل عيّنة من سيف دمشقي يعود إلى القرن السابع عشر. وقد تبيّن أنّ الأنابيب النانوية كانت تُغلِّف أسلاك السمنتيت وتحميها، مكوِّنةً بنية مركّبة على المستوى النانومتري تجمع بين مرونة الأنابيب الكربونية وصلابة السمنتيت الهشّ. ويُرجَّح أنّ شوائب الفاناديوم والكروم والمنغنيز في سبائك الوتز عملت محفِّزات لتكوّن هذه الأنابيب النانوية خلال عملية الطرق والتسخين المتكرّرة — أي أنّ حدّادي دمشق في العصور الوسطى كانوا يصنعون موادّ نانوية متقدّمة دون أن يعلموا ذلك، قبل قرون من اكتشاف تقنية النانو الحديثة.
بدأ تراجع صناعة الفولاذ الدمشقي بعد القرن السابع عشر الميلادي، ويُعزى ذلك إلى عدّة عوامل متشابكة. أوّلها غزو تيمورلنك لدمشق عام 1401 م (803هـ)، حين نقل الغازي المغولي حرفيّي السيوف والنحاس وسائر الصنّاع المهرة قسراً إلى عاصمته سمرقند لتزيينها وتعميرها، ممّا أفقد دمشق جيلاً كاملاً من الحرفيين المتمرّسين. وثانيها انقطاع واردات سبائك الوتز الهندية بسبب تغيّر طرق التجارة وتدهور مناجم الحديد في جنوب الهند. وثالثها السرّية المفرطة التي أحاط بها الحرفيون وصفاتهم ومعارفهم التقنية، إذ كانت الأسرار تُنقَل شفاهياً من الأب إلى الابن دون تدوين، فأدّى موت الحرفيين دون خلَف مؤهَّل إلى ضياع المعرفة. وبحلول منتصف القرن الثامن عشر، توقّف إنتاج الفولاذ الدمشقي الأصيل بشكل شبه كامل، ولا تزال محاولات الباحثين المعاصرين لإعادة إنتاجه بالمواصفات ذاتها تواجه صعوبات جمّة.
يُعَدّ فنّ تطعيم الخشب بالصدف — المعروف محلياً بالموزاييك أو المُشَقَّق — من أعرق الحِرَف الدمشقية وأكثرها شهرةً عالمية، إذ يمتدّ تاريخه إلى أكثر من ألفَي عام. وقد تطوّرت هذه الحرفة في دمشق وانتقلت منها إلى بلدان عدّة كتركيا وإسبانيا ومصر. وتُشير بعض المصادر إلى أنّ الحرفي الدمشقي جورج البيطار كان من أوائل من أسّسوا هذا الفنّ قبل أكثر من سبعمائة عام.
يعتمد الحرفي على مجموعة متنوّعة من المواد الطبيعية: خشب الجوز المحلي كقاعدة أساسية، والصدف (عرق اللؤلؤ) الذي كان يُستخرَج تاريخياً من نهر الفرات، بينما يُستورَد اليوم من الفلبين والصين ونيوزيلندا بسبب شُحّ المصادر المحلية. كذلك يُستخدَم عظم الجمل والخيط الفضي وأخشاب زخرفية رفيعة كخشب الليمون والزيتون وخشب الورد البرازيلي.
تبدأ العملية بإعداد تصميم مسبق — إمّا هندسي أو نباتي — يُلصَق على قاعدة خشب الجوز. ثمّ تُحفَر قنوات دقيقة لتُطرَق فيها خيوط الفضة وتُثبَّت بالغراء. بعد ذلك تُنحَت أجزاء التصميم واحداً تلو الآخر وتُرصَّع بقطع الصدف المقطوعة بعناية فائقة. وتتكوّن الأنماط الهندسية من أشكال مثمّنة ومربّعة ومسدّسة ومثلّثة تتداخل وتتكرّر في تناسق بديع يعكس تأثير الفنّ الإسلامي الهندسي.
يتطلّب إتقان هذه الحرفة تدريباً مكثّفاً لا يقلّ عن خمس سنوات، وقد يمتدّ التلمّذ تحت إشراف أستاذ متمرّس إلى خمس عشرة سنة قبل أن يتمكّن الحرفي من إنجاز أعمال مستقلة بمستوى احترافي. وقد اشتُهِرَت في دمشق عائلات حرفية عريقة توارثت هذا الفنّ عبر أجيال، منها عائلات السنادقي والماس وسورسور وأوزانيان (ذات الأصول الأرمنية). ومن الأسياد المعاصرين البارزين في هذا المجال: بشار قزّاز وعماد نخلة ومحمد خير حمشو.
حقّقت المنتجات الدمشقية المرصّعة بالصدف شهرةً عالمية واسعة، وتوجد قطع أثاث دمشقية في أماكن مرموقة كقصر الإليزيه في باريس والقصر الوطني في المكسيك ومتاحف عالمية عدّة. غير أنّ الأزمة السورية ألحقت أضراراً جسيمة بهذه الحرفة، إذ تُشير التقديرات المحلية إلى أنّ أقلّ من 20% من الورش التي كانت تعمل قبل الحرب لا تزال نشطة، فيما هاجر كثير من الحرفيين المهرة إلى تركيا وأوروبا ودول الخليج العربي حاملين معهم أسرار مهنتهم.
فنّ العجمي هو تقنية زخرفية معمارية سورية-عثمانية فريدة تقوم على تزيين الألواح الخشبية للجدران والأسقف بطبقات متعدّدة من الجصّ المنحوت وأوراق الذهب والقصدير والطلاء بتقنية «تمبرا البيض» (egg tempera). واسم «عجمي» مشتقّ من كلمة «أعجمي» التي تعني «أجنبي»، في إشارة إلى التأثيرات الفارسية التي تداخلت مع التقاليد الزخرفية المحلية. وقد بلغ هذا الفنّ أوج ازدهاره في الفترة بين القرن السابع عشر وأواخر القرن الثامن عشر الميلادي خلال العهد العثماني، حين أصبح سمة مميّزة لبيوت الأثرياء والتجّار في دمشق.
يُنفَّذ فنّ العجمي على ألواح من أخشاب الحور والأرز والسرو والجوز. تبدأ العملية بنحت التصاميم على الخشب، ثمّ تُطبَّق طبقات سميكة من الجصّ لتكوين نقوش بارزة (ريليف). تُحدَّد الخطوط الخارجية بورق القصدير المطلي بطبقات ملوّنة شفّافة، بينما يُستخدَم ورق الذهب في الأجزاء الأكثر بروزاً وأهمية. أمّا المساحات المسطّحة فتُطلى بدهان «تمبرا البيض» على الخشب مباشرةً، ممّا يُنتِج أسطحاً مطفأة اللمعان تتباين مع بريق الذهب والقصدير. والنتيجة النهائية هي تركيبة بصرية متعدّدة الأبعاد تتفاعل مع التغيّرات في الإضاءة بطريقة مذهلة.
تتنوّع الموضوعات الزخرفية في فنّ العجمي بين أنماط نباتية وترتيبات الفاكهة والأشكال الهندسية والخطّ العربي. وكثيراً ما تتضمّن اللوحات الخطّية أبيات شعرية تمزج بين الاستعارات المستوحاة من الحدائق ومدح النبي محمد والثناء على صاحب الدار.
من أبرز الشواهد العالمية على فنّ العجمي الغرفةُ الدمشقية المحفوظة في متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك، والتي تعود إلى عام 1707 م (1119هـ). تمثّل هذه الغرفة قاعة استقبال (قاعة) من بيت تاجر دمشقي ثري، وتُعَدّ من أشهر معروضات القسم الإسلامي في المتحف. أُهدِيَت القاعة من صندوق هاكوب كيفوركيان عام 1970، وهي تُقدِّم للزائر صورة حيّة عن أسلوب حياة الطبقة التجارية الميسورة في دمشق العثمانية. وتُشير الدراسات الترميمية إلى أنّ لوحة ألوان الزخارف كانت في الأصل أكثر حيوية وتنوّعاً ممّا تبدو عليه اليوم، إذ طُلِيَت الأسطح بطبقات متعاقبة من الورنيش على مرّ العقود كنوع من الصيانة الدورية ممّا أعتم الألوان الأصلية.
تُجمع المصادر الأثرية على أنّ صناعة الزجاج عُرفَت في بلاد الشام ومصر منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد، غير أنّ الابتكار الثوري الذي غيّر مسار هذه الصناعة — وهو تقنية نفخ الزجاج بالأنبوب المعدني — وُلِدَ على يد حرفيين سوريين-فينيقيين على الساحل السوري-الفلسطيني نحو عام 50 ق.م. وقد سمحت هذه التقنية بإنتاج أوانٍ زجاجية مجوّفة بأشكال متنوّعة وبسرعة أكبر بكثير من الطرق السابقة. انتشرت التقنية سريعاً في أرجاء الإمبراطورية الرومانية، إذ أسّس الحرفيون الفينيقيون ورشاً في إيطاليا بحلول منتصف القرن الأول الميلادي، وسرعان ما أصبحت روما مركزاً رئيسياً لنفخ الزجاج.
في العهد الأموي (661-750 م)، غدت سوريا أكبر مُصدِّر للزجاج في العالم، وتطوّرت تقنيات التلوين والزخرفة والتشكيل إلى مستويات غير مسبوقة. غير أنّ غزو تيمورلنك لدمشق عام 1401 م ألحق ضربة قاسية بهذه الصناعة، إذ نقل الغازي المغولي حرفيي الزجاج — شأنهم شأن سائر الصنّاع المهرة — إلى سمرقند. وتُشير بعض الروايات التاريخية إلى أنّ أخوين إيطاليين نقلا أسرار فنّ نفخ الزجاج من دمشق إلى جزيرة مورانو في البندقية في القرن الثالث عشر، ممّا أسّس لصناعة زجاج مورانو الشهيرة التي لا تزال قائمة حتى اليوم.
في ديسمبر 2023، خلال الدورة الثامنة عشرة للجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي المنعقدة في كاساني بجمهورية بوتسوانا، أُدرِجَ نفخ الزجاج التقليدي السوري على قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل. وتتلخّص هذه الحرفة في صناعة أوانٍ زجاجية من قطع الزجاج المُعاد تدويره: تُوضَع القطع في فرن طوبي مصنوع يدوياً حتى تنصهر، ثمّ يلفّ الحرفي الزجاج المنصهر حول قضيب معدني مجوّف وينفخ فيه لنفخ الزجاج، ويستخدم ملاقط معدنية لتشكيله في أشكال مثل الكؤوس والمزهريات والمصابيح والحُلي. وتُستخدَم الأصباغ المسحوقة لتلوين الزجاج وهو لا يزال منصهراً أو لزخرفة القطع بعد أن تبرد وتتصلّب. وقد عانت هذه الصناعة من انخفاض الطلب بنسبة 90% خلال سنوات الأزمة، فضلاً عن صعوبة استيراد الأصباغ الأساسية بسبب العقوبات الاقتصادية.
يُعَدّ صابون الغار السوري أقدم صابون صلب عرفته البشرية، وقد سبق صابون قشتالة الإسباني الذي يُنسَب إليه غالباً فضل الأسبقية في المصادر الغربية. يمتدّ تاريخ هذه الصناعة إلى ما بين ألفين وأربعة آلاف عام، وإن كانت مدينة حلب هي المركز الرئيسي لإنتاجه تاريخياً، فإنّ دمشق ومناطق سورية أخرى عرفت هذه الصناعة وأسهمت في تطويرها.
يتكوّن صابون الغار من ثلاثة مكوّنات أساسية: زيت الزيتون وزيت الغار واللّية (محلول الصودا الكاوية). وتتراوح نسبة زيت الغار بين 2% و80% حسب جودة المنتج وسعره. وتبدأ العملية التقليدية في فصل الخريف، حين تجمع العائلات ثمار الغار البرّية من الغابات المحيطة وتغليها في الماء حتى تنشقّ، ثمّ يُجمَع الزيت الذي يطفو على السطح. يُمزَج زيت الزيتون وزيت الغار مع اللّية ويُطبَخ المزيج في أحواض ضخمة تحت الأرض لمدّة ثلاثة أيام متواصلة. بعد ذلك يُسكَب المزيج المنصهر على أرضيات المصانع التقليدية ليبرد، ثمّ يقف الحرفيون على أحذية خشبية كبيرة ويستخدمون مشطاً عملاقاً لتقطيع اللوح الضخم إلى مكعّبات، يُختَم كلّ منها يدوياً باسم العائلة المنتِجة. تُكدَّس المكعّبات المختومة في أبراج أسطوانية أو أهرامات لتسهيل دوران الهواء، وتُترَك لتجفّ مدّة تتراوح بين ستة وتسعة أشهر.
في ديسمبر 2024، خلال الدورة التاسعة عشرة للجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي، أُدرِجَت حرفة صناعة صابون الغار الحلبي رسمياً على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية. وانضمّ هذا الإدراج إلى القُدود الحلبية (الموسيقى التقليدية لمدينة حلب) على القائمة ذاتها، مؤكّداً الأهمية الثقافية الاستثنائية لحلب وتراثها الحرفي. ويأتي هذا الاعتراف الدولي في وقت تواجه فيه هذه الصناعة العريقة تحدّيات وجودية بسبب الحرب والتهجير وتدمير كثير من المصانع التاريخية في حلب.
تعود حرفة النحاس المنقوش في دمشق إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، وقد ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بسوق النحاسين (سوق الصاغة القديم) الذي يقع على شارع الملك فيصل. يُشير المؤرّخون إلى أنّ النحّاسين كان لهم سوق وحمّام على طول الجدار الجنوبي للجامع الأموي الكبير في عهد نور الدين زنكي (حاكم دمشق، 1154-1174 م)، وفي مطلع القرن الثالث عشر كانوا يتمركزون بمحاذاة جدار المسجد الجامع.
تتنوّع تقنيات الأشغال النحاسية الدمشقية بين الطرق والنقش والتخريم والترصيع. تبدأ العملية بطرق صفائح النحاس أو النحاس الأصفر لتشكيلها في الأشكال المطلوبة، ثمّ تُنقَل القطع المشكَّلة إلى النقّاش الذي يستخدم أزاميل فولاذية دقيقة لحفر الزخارف. ولمنع انحناء القطعة أثناء النقش، تُملأ بالزفت الذي يُقدِّم دعماً صلباً مؤقّتاً. وتتنوّع المنتجات بين الأطباق الكبيرة والصواني المزخرفة وأباريق القهوة التقليدية والفوانيس والشمعدانات والمزهريات واللوحات الجدارية الزخرفية.
من الحقائق التاريخية اللافتة أنّ الحرفيين اليهود الدمشقيين كانوا من أشهر صانعي الأواني النحاسية وأمهرهم، وقد أسهموا إسهاماً بارزاً في تطوير هذه الحرفة على مدى قرون. وقد حملوا معهم خبراتهم حين هاجر كثير منهم في منتصف القرن العشرين. وتبقى صناعة النحاس في دمشق اليوم تعبيراً حيّاً عن الهوية والذاكرة الثقافية، إذ تحظى القطع الدمشقية بتقدير لا يُقاس بقيمة المادة الخام بل بدقّة التفاصيل وعراقة التراث الذي تجسّده.
تجدر الإشارة إلى تقنية خاصة تُعرَف بالدمشقة (Damascening)، وهي فنّ ترصيع المعادن الثمينة — كالذهب والفضة — في معادن أقلّ قيمة كالحديد والفولاذ والبرونز. وتختلف هذه التقنية عن النقش العادي بأنّها تتضمّن إدخال خيوط أو رقائق من المعدن الثمين في أخاديد محفورة على سطح المعدن الأساسي، ممّا يُنتِج زخارف ذهبية أو فضية متباينة بشكل مذهل مع لون المعدن الداكن. وقد أعطت هذه التقنية اسمها للكلمة الإنجليزية «Damascene» والفرنسية «Damasquinage».
من أبلغ الشواهد على تأثير الحِرَف الدمشقية في الحضارة الإنسانية دخولُ اسم المدينة في المعجم اللغوي لعدّة لغات أوروبية:
إنّ تغلغل هذه الكلمات في اللغات الأوروبية يعكس العلاقة العميقة بين هوية دمشق الحضارية وحِرَفها التي لم تكن مجرّد منتجات تجارية، بل كانت سفيرة ثقافية حملت اسم المدينة إلى أقاصي العالم.
ألحق النزاع المسلح الذي اندلع في سوريا عام 2011 أضراراً كارثية بقطاع الحِرَف التقليدية. وتُفيد بيانات مجلس الحِرَف السوري بأنّ أكثر من نصف كبار الحرفيين فرّوا من البلاد خلال سنوات الصراع، فيما دُمِّرَ أو هُجِرَ نحو 60% من الورش الحرفية. وبحلول عام 2015، كان ما بين 70% و80% من الحرفيين قد خرجوا من المهنة، إمّا بسبب تدمير ورشهم أو نزوحهم أو هجرتهم أو تحوّلهم إلى مهن أخرى بدافع الضرورة الاقتصادية.
تواجه الحِرَف الدمشقية أزمة خلافة حادّة، إذ بلغ متوسّط عمر الحرفي السوري 55 عاماً وفقاً لأحدث البيانات المتاحة. ومع عزوف الأجيال الشابة عن تعلّم هذه الحِرَف — بسبب طول فترة التدريب وضعف العائد المادي مقارنةً بالمهن الأخرى — يُخشى أن تنقرض حِرَف بأكملها مع رحيل آخر جيل من الأساتذة المتمرّسين. ويعاني الحرفيون العائدون إلى ورشهم من واقع جديد: فقدان 80% من المواد الخام التي كانوا يعتمدون عليها خلال الحرب، وانهيار قطاع السياحة الذي لم يتعافَ بعد.
تبذل منظمات دولية عدّة جهوداً لصون هذا التراث الحرفي المهدَّد، في مقدّمتها منظمة اليونسكو التي أدرجت النفخ التقليدي للزجاج السوري (2023) وصابون الغار الحلبي (2024) على قوائم التراث الثقافي غير المادي. كما يعمل حرفيون سوريون في الشتات على نقل حِرَفهم إلى المجتمعات المضيفة في تركيا وألمانيا وهولندا ولبنان وبلدان أخرى، ممّا يُسهم في الحفاظ على المعارف التقنية وإن كان في سياق جغرافي مختلف.
وفي ديسمبر 2025، أُلغِيَ قانون قيصر الأمريكي الذي كان يفرض عقوبات على كيانات سورية متعدّدة، غير أنّ التغييرات الاقتصادية لم تنعكس بعد على أصحاب الأعمال الصغيرة والحرفيين. ويبقى مستقبل الحِرَف الدمشقية معلّقاً بين رجاء التعافي وخطر الاندثار، في انتظار استقرار سياسي واقتصادي يُتيح إعادة بناء هذا القطاع الحيوي وتأهيل جيل جديد من الحرفيين.